بشرى الفكي
الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 09:21
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الإمبريالية في مرحلتها المتأخرة: فلسفة القوة حين تعجز عن حكم العالم
ليست الإمبريالية حادثًا طارئًا في التاريخ، ولا انحرافًا أخلاقيًا يمكن إصلاحه بإرادة سياسية أو خطابٍ إنساني؛ إنها، في جوهرها، لحظة منطقية في تطور النظام الرأسمالي العالمي، حين يتحول التوسع من خيار إلى ضرورة، ومن ضرورة إلى مأزق. إنها اللحظة التي تبلغ فيها القوة ذروتها، فتكتشف (بمفارقة قاسية) أن العالم الذي أخضعته لم يعد قابلًا للحكم.
منذ أن حاول فلاديمير لينين أن يعرّف الإمبريالية بوصفها "أعلى مراحل الرأسمالية"، كان يشير إلى هذه المفارقة دون أن يسميها صراحة، إن بلوغ القمة لا يعني الاستقرار، أنه البداية الحقيقية للانحدار، فالرأسمالية، في بحثها الدائم عن الربح، تتوسع خارج حدودها، تدمج العالم في شبكة إنتاج واحدة، وتحوّل الكوكب إلى سوق مترابط. لكن هذا النجاح نفسه يحمل في داخله بذور أزمته.
إن ما يميز الإمبريالية المتأخرة ليس مجرد اتساعها، وإنما وصولها إلى حدٍّ لا يمكن تجاوزه. فكما توضح روزا لوكسمبورغ، فإن الرأسمالية تحتاج دائمًا إلى "خارج" غير رأسمالي كي تستمر في التوسع؛ لكنها، في توسعها، تقضي على هذا الخارج، فتدخل في تناقض وجودي، وهنا تظهر أولى الإشارات الفلسفية للأزمة، في أن النظام الذي يعتمد على التوسع، يُدمّر شروط توسعه بنفسه.
لقد تمّ دمج معظم العالم في الاقتصاد الرأسمالي، ولم تعد هناك "أطراف خارجية" يمكن استيعابها بسهولة. ومع ذلك، لا يزال منطق التراكم قائمًا، مما يخلق حالة من التوتر الدائم بين الحاجة إلى التوسع واستحالة تحقيقه.
في زمن الإمبراطوريات التقليدية، كانت القوة العسكرية كافية لفرض السيطرة. أما في الإمبريالية المتأخرة، فإن العلاقة بين القوة والهيمنة تتفكك. تمتلك الدول المهيمنة قدرات عسكرية هائلة، لكنها تعجز عن تحقيق استقرار سياسي دائم. وهذا التحول لا يمكن فهمه دون النظر إلى طبيعة النظام العالمي الحديث، كما حلله إيمانويل والرشتاين، حيث لم يعد العالم مجموعة وحدات مستقلة، بقدر ما هو شبكة مترابطة اقتصاديًا، تجعل أي تدخل في طرفٍ ما ينعكس على النظام كله.
ويضيف جيوفاني أريغي بعدًا مهمًا حين يبيّن أن مراحل الهيمنة تمر بتحول من الإنتاج إلى المالية، حيث تصبح القوة قائمة على المضاربات والتدفقات المالية عوضاً عن الإنتاج الحقيقي، وهي إشارة إلى قرب نهاية الدورة التاريخية للهيمنة. وهكذا، تتحول القوة من أداة للسيطرة إلى عبء استراتيجي، يتم استخدامها، لكنها تعجز عن انتاج الاستقرار؛ وتتم ممارستها، ولكنها لا تُنهي الصراع.
لقد قُدّمت العولمة بوصفها انتصارًا نهائيًا للنظام الرأسمالي، لكنها في الواقع كانت المرحلة التي بدأت فيها تناقضاته بالظهور بوضوح. فالعولمة لم توحّد العالم بقدر ما أعادت تشكيله وفق خطوط انقسام جديدة. وفي ذلك يرى ديفيد هارفي أن الرأسمالية تعاني من أزمات دورية نتيجة ما يسميه "فرط التراكم"، حيث تتكدس رؤوس الأموال دون وجود فرص استثمار كافية، مما يدفع النظام إلى البحث عن حلول جغرافية، أي التوسع في مناطق جديدة.
لكن في الإمبريالية المتأخرة، لم يعد هذا الحل متاحًا بالسهولة السابقة. فالعالم أصبح "مستنزفًا" من حيث فرص التوسع، مما يؤدي إلى تصاعد الأزمات المالية، وزيادة التفاوت العالمي، وانتقال الأزمات من الأطراف إلى المركز، وهكذا، تتحول العولمة من أداة للهيمنة إلى آلية لنقل الأزمات. ففي المراحل السابقة، كان النظام العالمي قادرًا على إنتاج قدر من الاستقرار عبر قواعد واضحة، حتى لو كانت غير عادلة. أما اليوم، فنحن أمام وضع مختلف، إنه نظام بلا استقرار، وقوة بلا نظام.
تشير تحليلات العلاقات الدولية، خاصة في المدرسة الواقعية، إلى أن غياب التوازن يؤدي إلى حالة من الفوضى لكن الفوضى هنا ليست غياب النظام بالكامل، ربما ما يمكن تسميته بـ "الفوضى المنظمة"، حيث تستمر المؤسسات والقواعد، لكنها تفقد فعاليتها. وفي هذا السياق، لا تعود الحروب استثناءً، حيث تصبح جزءًا من آلية عمل النظام. إنها ليست فشلًا في السياسة، بقدر ما هي استمرار للسياسة حين تعجز الأدوات الأخرى.
يستخدم والرشتاين مفهوم "الأزمة البنيوية" لوصف اللحظة التي يصبح فيها النظام عاجزًا عن الاستمرار بنفس القواعد، لكن هذه الفكرة تجد صداها أيضًا في تحليلات أوسع للرأسمالية. فالأزمة، في هذا الإطار، ليست مجرد ركود اقتصادي أو اضطراب سياسي، إنها لحظة تاريخية تتداخل فيها الأزمة الاقتصادية (تراجع الربحية)، والأزمة السياسية (فقدان الشرعية)، والأزمة الجيوسياسية (تصاعد الصراع). وفي هذه اللحظة، يصبح المستقبل مفتوحًا على احتمالات متعددة، لأن النظام القديم لم يعد قادرًا على الاستمرار، بينما النظام الجديد لم يتشكل بعد.
الإمبريالية في مرحلتها المتأخرة هي لحظة فلسفية كثيفة، وليست مجرد مرحلة أخيرة في تطور الرأسمالية، لأنها تكشف حدود القوة وحدود التاريخ معًا. إنها اللحظة التي يصبح فيها العالم أكبر من أن يُتم حكمه، وأكثر ترابطًا من أن تتم السيطرة عليه، وأكثر تعقيدًا من أن يتم اختزاله في مركزٍ واحد. ففي هذه اللحظة، تتكثف التناقضات، وتتسارع التحولات، ويبدأ التاريخ في البحث عن مسار جديد. فكل نظام، مهما بدا راسخًا، يحمل في داخله لحظة تجاوزه. وهكذا، فإن الإمبريالية لا تمثل نهاية النظام العالمي فحسب، بقدر ما تمثل عتبة عبوره، من عالمٍ تُنظّمه الهيمنة، إلى عالمٍ لم تتحدد ملامحه بعد.
قائمة المراجع
Lenin, V. I. (1999). Imperialism: The Highest Stage of Capitalism. (Original work published 1917).
• Luxemburg, R. (2003). The Accumulation of Capital. Routledge. (Original work published 1913).
• Wallerstein, I. (2004). World-Systems Analysis: An Introduction. Duke University Press.
• Wallerstein, I. (1974). The Modern World-System I. Academic Press.
• Arrighi, G. (1994). The Long Twentieth Century. Verso.
• Harvey, D. (2003). The New Imperialism. Oxford University Press.
• Mearsheimer, J. J. (2001). The Tragedy of Great Power Politics. W.W. Norton.
• Chase-Dunn, C., & Grimes, P. (1995). World-systems analysis. Annual Review of Sociology, 21, 387–417.
#بشرى_الفكي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟