أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - دعاء حسن - العقل الموجيكي بوصفه وعيًا زائفًا














المزيد.....

العقل الموجيكي بوصفه وعيًا زائفًا


دعاء حسن
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 07:10
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ظهرت في سبعينات القرن التاسع عشر داخل روسيا حركة من المثقفين الشباب حملوا حلمًا كبيرًا؛ أن الفلاحين "الموجيك" هم من سيصنعون الثورة. تركوا المدن وذهبوا إلي القرى، لا زائرين، بل بوصفهم أصحاب رسالة يظنون أنهم متجهون إلى مصدر التغيير الحقيقي، مؤمنين أن الريف يخفى شرارة ثورية تنتظر من يشعلها. جاءت هذه الفكرة ضمن مشروع النارودية المتأثر بأفكار ألكسندر هيرزن، الذي رأى في المجتمع الريفي إمكانية بناء عدالة اجتماعية مختلفة، لكن ما قرأوه في الكتب لم يطابق ما واجهوه في الواقع؛ إذ اصطدموا بمجتمع تغلب عليه الحيطة والخوف والرفض، فلم يرهم الفلاحون منقذين بل غرباء. ومع تزايد الإحباط، بدأت الأحلام تتصدع، وانقسمت الحركة بين مسار يائس اتجه إلى العنف وانتهى باغتيال القيصر الإسكندر الثاني عام 1881، ومسار آخر تلاشي تدريجيًا دون أثر يُذكر، لتكشف التجربة في النهاية أن الإشكال لم يكن في غياب الحلم، بل في الصورة المثالية التي رسمها المثقفون عن الفلاحين دون إدراك حقيقتهم الاجتماعية.
لم تكن خيبة أمل النارويين مجرد صدام مع فئة اجتماعية ترفض التغيير، بل كانت اصطدامًا يشبه جدارًا ذهنيًا صلبًا "العقل الموجيكي". هذا العقل لا يخص ريف روسيا في القرن التاسع عشر فقط، بل يظهر في كل سياق تتحول فيه العادة إلى مرجع لايُناقش، يُنظر فيه إلى المألوف بوصفه الحقيقة الثابتة التي لا تقبل تغييرًا. في هذا النمط من الوعي، يصبح الماضي هو الحكم على الحاضر، وتُقاس الأفكار بمدى قربها مما اعتاده الناس، لا بمدى صحتها أو فائدتها. كما يتأثر الفرد بقوة الجماعة، فيميل إلى ما يتوافق معها حتى لو تعارض مع قناعته الشخصية، ويغلب الحذر في التعامل مع كل ما هو جديد أو مختلف. ويظهر ذلك أيضًا في طريقة تفسير الواقع إلى تفسيرات سطحية بدلًا من البحث عن أسباب مباشرة وقابلة للفهم والتغيير، مما يجعل التغيير بطيئًا ومحدودًا؛ ويكاد يكون منعدمًا. ومع ذلك، فهو ليس بنية ثابتة، بل قابل للتحول مع تغير التعليم واتساع الخبرة ونمو الوعي الوعي.
يتجلى العقل الموجيكي في علاقته بالسلطة بوصفها علاقة رمزية أكثر من كونها علاقة سياسية، لا يُنظر إلى الحاكم بوصفه وظيفة سياسية داخل عقد اجتماعي يمكن مساءلته أو تغييره، بل بوصفه صورة رمزية أقرب إلى الأب أو القدر المحتوم. وبهذا المعنى لا تُفهم الدولة بوصفها علاقة حقوق وواجبات، بل بوصفها قدر يومي محتوم ومألوف يضمن الاستمرار حتى لو كان مشوبًا بالظلم. لذلك يغلب على هذا الوعي تفضيل الاستقرار الذي يرنكز على الفقر والظلم والاستبداد والاستعباد، لا على التغيير والتحرر، ويُنظر إلى الحرية بوصفها تهديدًا محتملًا يفتح باب الفوضى أكثر مما يفتح باب الإصلاح. ومن هنا يتحول هذا العقل دون وعي مباشر إلى آلية تحفظ النظام القائم وتعيد إنتاجه، لأن الطاعة هي في بعض الحالات وسيلة لحماية الحياة اليومية؛ وليست مجرد خضوع للسلطة.
يتسم العقل الموجيكي بنوع من التقوقع الثقافي، حيث يميل إلى الانغلاق على ما هو مألوف، ويجد الطمأنينة في الخرافة والأسطورة، وينفر من الفكرة الواضحة والحقيقة الساطعة، ويطمئن للخبرة المتوارثة أكثر من اطمئنانه للمعرفة الجديدة. فهو يثق في المرجع القريب من حياته، ويشعر بالارتياح تجاه السلطة التقليدية داخل الجماعة، بينما يتعامل بحذر مع كل ما يأتي من خارج هذا الإطار. وهذا الحذر لا يقوم بالضرورة على وعي نقدي، بل على هواجس وتصورات تجعل العالم الخارجي غير مألوف، وربما مهددًا لاستقرار الحياة كما اعتادها. لذلك يُنظر إلى الجديد أحيانًا بوصفه خطرًا على الهوية، حتى لو كان يحمل إمكانيات للتطور والرقي. فتُقاس قيمة الأفكار بمدى قربها من المألوف لا بقدرتها على تفسير الواقع أو تغييره إلى الأفضل.



#دعاء_حسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاستحمار وإغراق العقل...قراءة معاصرة في فكر علي شريعتي
- ثقافة الاستبداد النمطي
- شبح العوز المادي
- الأناركية..والسلطة


المزيد.....




- نظريات مؤامرة بعد هجوم حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض.. ما هي؟ ...
- -نظرًا لما تقتضيه المصلحة الوطنية-.. الإمارات تعلن خروجها من ...
- صحيفة إسرائيلية تتهم مصر باتباع سياسة -مزدوجة ومقلقة- تجاه ت ...
- -اليونسيف-: قيود طالبان تهدد بخسارة أفغانستان 25 ألف معلمة و ...
- تحقيق في -حادثة حساسة- ببنت جبيل.. كيف دخل أربعة إسرائيليين ...
- قطر تحذر من -صراع مجمّد- في الخليج وترفض إغلاق مضيق هرمز
- دول الخليج تعقد قمة في جدة لبحث الرد على ضربات إيران
- إيران وكابلات مضيق هرمز: من يحمي العمود الفقري الرقمي للعالم ...
- ديوان -ضد الأمل- لمبين خشاني: قصيدة تحكي وجع جيل من العراقيي ...
- ما هي زوارق -غارك- غير المأهولة التي نشرها البنتاغون في مضيق ...


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - دعاء حسن - العقل الموجيكي بوصفه وعيًا زائفًا