جاسم المعموري
الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 23:25
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
((اسرائيل)) هي قوة احتلال تكونت من مجموعات ارهابية من الحركة الصهيونية, ومازالت تمارس الارهاب وتدعمه ليس في فلسطين فقط ,بل في الكثير من المناطق في العالم, وهي من بقايا الاستعمار ومشروعا استراتيجيا, غُرس في خاصرة الامة, ليمثل كيان احتلال يرتكب المجازر والجرائم ويمثل دليلا واضحا لواقع الانقسام العميق الذي يعتري الجسد الاسلامي. لم يكن انشاء ((اسرائيل)) كوطن للمشردين اليهود والذي ادى الى تشريد شعب اخر, مجرد فكرة طارئة ,وانما هو ثمرة تخطيط ممتد من القوى الغربية, هدفه الأعمق ليس فقط تفكيك المنطقة جغرافيا او سياسياً, وانما تمزيق الوعي الجمعي للمسلمين, وصرف أنظارهم عن سؤال النهضة والوحدة.
وليس من الصدفة ان يُغرس هذا الكيان في مركز الارض التي ما برحت منبعاً للرسالات, وملتقى للأنبياء, ومهداً للتوحيد, فكما أن مكة والمدينة والقدس كانت رموزاً للوحي, كانت ارض فلسطين هدفاً لسلطة لا تستقر إلا بسطوة الحديد والنار, واذا كانت كل قوى الاستعمار ترحل بعد حين, فإن ((اسرائيل)) لم تُزرع لترحل , بل لتكون قاعدة عسكرية دائمة, كالسيف المسلول على رقاب الأمة, تذكّرها دوماً بأن وحدتها من المحال, إن لم تعد إلى الأصل.. إلى المنبع.. إلى الكلمة التي ضيّعتها.
ولعل أعمق جذور الازمة الاسلامية لا تكمن في الكيان المحتل ذاته, وانما فينا نحن, في انهيار الداخل قبل اختراق الخارج, فقد انحرف المسار الاسلامي منذ لحظة التخلّي عن اوامر الله عز وجل حيث قال (( انما وليكم الله ورسوله والذين امنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون )) المائدة 55 , ولم يؤت الزكاة احد من المسلمين غير علي وهو راكع , وانحرفت ايضا عن وصايا النبي (ص), تلك الوصايا التي لم تكن كلمات وداع, بل خارطة نجاة, تركها في أمته حين قال: (( إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي, ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا)). وبدلا من ذلك اجتمع منافقوها في سقيفة بني ساعدة وتآمروا على تلك الاوامر والوصايا , وهكذا ضلت الأمة - في مفترق طرقها - أخذت القران, وزهدت في العترة, أو زعمت أنها أخذت القرآن, وهي لم تأخذه حق أخذه, ولا جعلته مهيمناً على السياسات والقرارا, وحتى لو فعلت ذلك تكون كمن اخذ جناحا واحدا ليطير به في فضاء يزدحم بالنسور الجارحة , وما كان قول عمر بن الخطاب (( يكفينا كتاب الله)) مؤامرة كبرى على الامة ومستقبلها فحسب ,وانما كان عصيانا واضحا وصريحا لله ورسوله , وهو قول تعج به كتب القوم .
إن الابتعاد عن أهل البيت لم يكن انحرافاً مذهبيا فحسب, بل خروجاً عن مركز الرحمة في الدين, فالنبي (ص) جاء ((رحمةً للعالمين)) والقران صرّح بأن الله ((كتب على نفسه الرحمة)), ولكن ما الذي حدث؟ تحولت الرسالة إلى إمبراطورية ,والخلافة إلى سلطة ,والدعوة إلى جباية ,والرحمة إلى سيف مسلول على رقاب الشعوب, وبدأت الفتوحات ليس إنقاذاً للمستضعفين كما يدعون ,وانما بوصفها توسعا وغزوا وعدوانا, وجعلوا من نشر الاسلام ذريعة لغزو الأمصار واحتلال البلدان, وسحق الشعوب تحت أقدام الجيوش.
لقد كان من المفترض ان يكون أهل البيت (ع) هم قادة هذا المشروع الإلهي, أولئك الذين طهّرهم الله تطهيرا, وأمر الامة باتباعهم, ليس كخلفاء سلطويين, بل كأئمة هادين, يجسّدون العقل والروح والرحمة والعدل, ولو حكمَ أهل البيت, لما سالت دماء, وما رفعت السيوف لإكراه أحد, وانما يدخل الناس أفواجاً في دين الله عبر الدلائل الواضحة, وليس عبر الرماح الجارحة , وعبر المعجزة الخارقة , وليس السطوة المارقة, وعبر الحجة البالغة, وليس الشعارات الرنانة.
ولذلك, حين انحرفت الخلافة عن مسارها, بدأ الاسلام يفقد روحه شيئاً فشيئاً.. دخلت السياسة على الدين , ليس من اجل ان تخدمه, ولكن لتتسيد عليه, واصبح الخليفة ظل الله في الارض لأنه يملك السيف, وهكذا بدأت الدولة الاموية ببطش لم يُعرف له مثيل, من ملاحقة أئمة أهل البيت وقتلهم وسجنهم وتشريدهم, الى إذلال شيعتهم وسبّ الامام علي (ع) على المنابر. ولم تكن الدولة العباسية أقل دموية, فهي وإن جاءت بشعارات آل محمد (ص), فإنها سرعان ما انقلبت على العترة, وسجنت الأئمة وقتلتهم واحداً تلو الآخر, وأرست سلطة لا تختلف عن سابقتها إلا بالشكل والراية.
وأما الدولة العثمانية, فقد بلغت ذروة السلطنة الظاهرية, لكنها كرّست الانفصال عن الجوهر القرآني والاخلاقي. كانت دولة تحكم باسم الاسلام, لكنها في الجوهر لم تقد الناس إلى نور القران, بل إلى طاعة السلطان, واستخدمت الاسلام كوسيلة لإخضاع الشعوب, وقمعت كل نزعة نحو الإصلاح او العودة إلى الأصل.. لم تكن دولة فكر, بل دولة سياسة, وكانت الحروب جزءاً من أدوات توسعها, تماماً كما تفعل الإمبراطوريات الغربية.
ولو أمعنا النظر, لرأينا أن الجماعات المتطرفة في زماننا, من داعش والقاعدة وغيرهما, لم تكن إلا تجلّياً متأخرا لتلك الذهنية.. ذهنية التكفير والقتل والفتح الزائف.. لم يبتدعوا مساراً جديداً, بل أعادوا إنتاج القديم في قالب أكثر ظلامية.. لبسوا لبوس السلف, ذلك السلف الذي غرق بالجريمة والعناد والممطالة ضد المباديء العليا للدين والاخلاق وضد كرامة الشعوب وحريتها .. كانوا قد تحدثوا عن إقامة الدولة الإسلامية, لكنهم لم يعرفوا الاسلام الذي يُراد له أن يقام, اسلام الرحمة والعدل والحكمة, لا إسلام الدم والرعب.
ورغم ذلك كله, ووسط هذا الانحطاط والتخبط الاخلاقي في ممارسة الحكم لدى المسلمين, ونظرتهم القاصرة المقصرة نحو المباديء العليا للاسلام , قامت الدولة الفاطمية كاستثناء فريد حيث لم تنشأ على السيف, بل على العقيدة.. لم تكن دولة فتوحات, وانما دولة فكر.. دخلت إلى قلوب الأفارقة بالحجة وليس بالإكراه, ونشرت الاسلام بالعلم والتجارة والثقافة.. ازدهرت الفنون والعلوم والعمارة في عهدها, ولم يعرف فيها التاريخ مجازر على أسس طائفية, بل كانت فسيفساء من التعدد, كما أراد الله للأرض أن تكون. كل هذا لأنها اخذت زهرة صغيرة جدا من شجرة ال البيت الطيبة المباركة العملاقة .
لا تزال إفريقيا تذكر الفاطميين بإجلال, ليس فقط لأنهم حكموها, وانما لأنهم لم يستعبدوها.. بنوا حضارة ما زالت شواهدها قائمة, ليس في الأبنية فحسب, وانما في الذاكرة, وحين تتأمل في حال المسلمين اليوم, بين حروب وصراعات وتمزق, تجد أن ما ينقصهم ليس العتاد ولا العدد, بل البوصلة. تلك البوصلة التي فقدوها يوم تخلّوا عن أهل البيت, يوم ظنوا أن السياسة يمكن ان تغني عن النبوة, وان السلطة يمكن أن تعوّض الرحمة, وان السيف يمكن أن يكون بديلاً للعقل.
لقد قال الإمام علي في وصف أهل البيت عليهم السلام: ((فيهم كرائم القرآن, وهم كنوز الرحمن... وبهم يُستعطى الهدى, ويُستجلى العمى)). أيّ هدى يمكن أن يعود للأمة إن لم تعد إليهم؟ إن المسلمين الذين انحرفوا اوامر الله سبحانه وعن وصية الرسول, لم يجنوا إلا انقساماً داخليا, وتخلفا حضاريا, وأطماعاً غربية لم تتوقف, ولم تكن ((إسرائيل)) لتقوم, لو ان جسد الأمة كان موحداً.. لم تكن لتبقى, لو ان المسلمين تحصّنوا بالقرآن وأهله, لا بأوهام العروش والمذاهب المتناحرة.
وها نحن نعيش زمناً تحوّل فيه العدو الى جارٍ حبيب, والصديق الى متهم, والمقاوم الى إرهابي, وتحول فيه الصهيوني الى حليف, وأهل البيت الى طيف بعيد لا يُستحضَر إلا في مناسبات العزاء, في الوقت الذي هم منائر للفكر والبصيرة والعدل. أليس هذا من عجائب الزمن؟!
ان بداية الحل ليست في إسقاط الانظمة, ولا في محاربة العدو فقط, بل في العودة الى الأصل. الى الكتاب والعترة. الى فلسفة الرحمة والعقل, لا إلى فقه الدماء والانتصار الكاذب.. لو ان المسلمين وحدوا صفوفهم على أساس الحق لا المصلحة, وعلى اساس العدل لا القهر, لكان لهم شأن آخر في هذا العالم. ولكن هيهات أن تقوم أمة تعيش على اطلال ماضٍ تليد, وتقدّس ظلالًا مزيفة, دون أن تعود إلى جذور شجرتها الأولى, الشجرة الطيبة المباركة, شجرة محمد واله الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين.
إن الكيان الصهيوني – بكل عنفه – ليس إلا دليلا واضحا لفشل المسلمين في التوحّد على كلمة سواء, وهو نتيجة, وليس سبباً. والسبب يكمن فينا.. في داخلنا.. في تخاذلنا عن الوقوف تحت لواء القرآن الكامل, وليس القران المجزأ, وتحت راية العترة الهادية, لا عروش الملوك.. عندها فقط, وعندها فقط, يمكن أن تعود لنا القدس, كرمز لحضور الله في قلب الأمة.
ان الغرب, حين ينظر إلى التاريخ الإسلامي - خاصة في تجلياته السلطوية والتوسعية غير المبررة عبر القران والسنة - يرى سلسلة من الامبراطوريات: أموية.. عباسية.. عثمانية… كلها رفعت راية الاسلام, لكنها استخدمته في أحيان كثيرة كغطاء لتوسعات عسكرية, وفرض أنظمة استبدادية, وقمعٍ لمخالفيها حتى لو كانوا من المسلمين أنفسهم.
من وجهة نظر الغرب, فإن عودة ((وحدة المسلمين)) تعني عودة قوة كبرى تقف في وجه مشروعه العالمي, بقيم تختلف عن قيمه, وبطموحات قد تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية.
ولذا, حين زُرعت ((إسرائيل)), لم تكن مجرد كيان ديني او يهودي, بل حاجزا حضاريا وعسكريا يفصل بين الشعوب الاسلامية وطموحاتها في الوحدة والاستقلال والتقدم,
كان لا بد من قاطع يضمن ألّا تقوم وحدة من جديد, لأن وحدة المسلمين, إن قامت على ذات النموذج السلطوي الذي رأوه في التاريخ, فستكون خصما لا شريكا.
لكن من زاوية الحقيقة الاخلاقية والقرآنية , فإن الغرب لم يكن محقاً, لأن الاحتلال وتأسيس كيان على أرض مغتصبة, وتشريد شعب كامل, لا يمكن تبريره مهما كانت النوايا.. ولا يمكن تبريرخطأ المسلمين التاريخي في الحكم والسلطة بأن يُعاقبوا بشيء غير عادل من الأساس.
ان إدانة سلوك بعض المسلمين او دولهم لا تعني منح الشرعية للاحتلا,. وإذا أخطأ المسلمون حين حكموا بالسيف, فإن الرد الاخلاقي يجب ان يكون إصلاحاً وليس غرس كيان وظيفي مسلّح يضمن استمرار الانقسام, فهل نحن كمسلمين أعطينا صورة تجعل الغرب يخاف من وحدتنا؟ وهل هذه الصورة مبرَّرة؟ الجواب الصادق هو نعم, الى حد كبير.. لقد فشلنا عبر قرون في تقديم نموذج للوحدة الرحيمة العادلة العقلانية التي تحترم الإنسان وتحتكم للقران واهل البيت والعقل.. أعطينا الغرب, بيدنا, ذريعة ليخشى وحدتنا, لأن وحدتنا كانت دائماً وحدة عروش.. وحدة وحوش , وليس وحدة قلوب, او وحدة رحمة.. الفرق جوهري بين وحدة خلف الإمام الحسين و(( وحدة خلف الطاغية يزيد او الحجاج بن يوسف أو سلاطين بني عثمان.)) الأولى تُرعب الظالمين لأنها تحرّر الشعوب, والثانية تُرعب الشعوب لأنها تستعبدهم باسم الدين. ((فإسرائيل)) لم تُزرع لتقاوم وحدة الحق, بل لتمنع وحدة السيف حين يُرفع بغيرعدل,. ولو كانت وحدتنا يوماً قائمة على العدل, وعلى الرحمة, وعلى العلم, وعلى محمد وآله, لربما لم تتمكن منا مؤامرات الغرب, بل لركع الغرب لعقل الإسلام ومبادئه العليا, حيث لم يركع لسيوفه.
((اسرائيل)) إذن ليست فقط مؤامرة الغرب, بل هي دليل فشلنا أيضا.ً والسؤال الأهم الآن: هل نريد وحدة على نموذج الفاطميين والعلويين والمهدي المنتظر؟ أم وحدة على طريقة بني أمية؟ لأن الغرب سيرد علينا بناءً على الإجابة.
وهنا, لم يكن الغرب مخطئاً إذ رأى في الكيانات الاسلامية التاريخية امبراطوريات تخوض حروباً باسم الإسلام, فخشي منها كخصم وليس كحق مشروع, فمن وجهة نظره كانت الوحدة الإسلامية – إن رجعت – ستكون قوة سياسية وعسكرية مهيبة, وربما تعيد هيكلة المنطقة والعالم كله.
جاسم محمد علي المعموري
27-9-2025
#جاسم_محمد_علي_المعموري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟