أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - سوسيولوجيا تأميم العقول: الجامعات الليبية وهيمنة الفكر الواحد














المزيد.....

سوسيولوجيا تأميم العقول: الجامعات الليبية وهيمنة الفكر الواحد


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 14:25
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لطالما تساءلتُ عن الإجراءات التي حوّلت العقول الأكاديمية إلى طاقات ساكنة، أو جمدتها بعد فترات من الغليان الفكري، حتى برز أمامي مفهوم تأميم العقول كإجابة صادمة ومُفسِّرة. لقد عمدت الأنظمة السياسية- والنظام في ليبيا مثالٌ صارخ- إلى استلاب العقل الأكاديمي عبر إجراءات قمعية تراوحت بين التخوين والإعدامات الميدانية داخل الحرم الجامعي، مما خلق حالةً من التسليم والانقياد القسري. لقد حوّل هذا التأميم الأستاذ الجامعي من منتج للمعرفة ومفكر حر إلى مجرد موظف نمطي يخشى الطرح النقدي ويتجنب الاشتباك مع قضايا مجتمعه. وهكذا صارت الجامعات تُساق بعقلية الفكر الواحد، وأصبح الخروج عن سياقه يُعد خروجًا على الوطن نفسه. إنها عملية تجريف ممنهجة حوّلت الجامعات إلى صدى للسلطة، فاستسلمت العقول إلى الصمت، وتجنّبت مغامرة التفكير خارج المربع المرسوم لها.
لذلك، ليست هذه عمليةً عابرة أو مجرد صدفة؛ بل هي ممنهجة ومنظمة. وفي هذا السياق، يروي لي أصدقاءٌ ثقات مشهدًا يُلخّص تأميم الفكر. فقد زار رأس السلطة كلية التربية بجامعة طرابلس لاختبار مدى إحكام قبضته الفكرية؛ دخل جُلَّ القاعات، ولم يجد أيًا من الأساتذة. وهناك تجلّت الصدمة: أستاذٌ لعلم الاجتماع- ويفترض به أن يكون محركًا للوعي- تلعثم ولم يجرؤ على نطق كلمة واحدة؛ بل طلب من طلابه الخروج فورًا من القاعة قبل وصول رأس السلطة، وكأن الصمت والهروب هما الملاذ الوحيد للنجاة أمام هيبة السلطة.
لقد تفرقت السبل بهؤلاء الأساتذة؛ فمنهم من اعتزل الشأن العام والسياسة كلياً، ومنهم من انغمس في التدريس النمطي، معتبرًا أن دور الأستاذ لا يتجاوز وظيفة المعلم الملقّن. ورغم أن الصدام المباشر والدامي للنظام كان مع الحركة الطلابية، فإن تلك الإجراءات الردعية والمشانق التي نُصبت خلقت مناخًا من الرعب جعل العقول تسير في مسار فكري واحد. بالتالي تحولت الجامعات من فضاء لإنتاج المعرفة إلى بوابة لتزويد النظام بالولاءات المطلوبة. ومع مرور الوقت، صار شهر أبريل- بما يحمله من رمزية دموية وقمعية- التاريخ الرسمي لتأميم العقول؛ إذ صار كل من يفكر خارج هذا الفكر الأوحد يُنعت بـخفاش الليل أو المتآمر، لتكتمل بذلك دائرة الحصار على الفكر الحر.
وفي إحدى السنوات، طلبتُ من رئيس القسم السماح لي بنشر مقالة على لوحة الإعلانات تتناول رؤية الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر حول الصراع في الشرق الأوسط، وإرجاعه جذور الأزمة إلى عدم الاعتراف بالحقوق الفلسطينية. كان هدفي إثراء النقاش لطلابي في مقرر علم الاجتماع السياسي. والمفارقة أن رئيس القسم، بدلًا من تشجيع المبادرة العلمية، طالبني بالحصول على موافقة الأمن الداخلي.
وحين واجهتُ البيروقراطية الأمنية وحصلت على موافقتهم الشفهية، نكص رئيس القسم وتراجع خلف جدار الوظيفة النمطية، قائلاً لي بصريح العبارة: نحن معلّمون فقط، ولسنا معنيين بهذه المهام .
ولستُ هنا بصدد استعراض الشجاعة أو تعرية الخوف، بل لبيان مدى سطوة تأميم العقول التي مارسها النظام السابق؛ إذ حوّلت رئيس القسم إلى حارس لبوابة الفكر الأوحد، ثم حوّلت الأكاديمي إلى مجرد ترس في آلة تخشى النقد الفكري.
لذا يمكن القول إن تأميم العقول يُعد أحد أخطر أدوات الهيمنة التي وظفها النظام السابق لإحكام قبضته على مفاصل مؤسسات الدولة والمجتمع. فمن خلاله حُظرت الندوات الفكرية والمؤتمرات العلمية- لاسيما في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية- إلا ما جاء منها ضمن السياق الأيديولوجي المرسوم. بل إن السلطة ذهبت أبعد من ذلك، حين فرضت أفكارها كمقررات دراسية اجبارية، بلغت ذروتها في أربعة مقررات تحت مسمى الفكر الجماهيري؛ لتكون بمثابة صمام أمان يضمن صمت العقول وتنميطها، وبذلك ضمان استمرارية هذا التأميم الفكري. وفي المحصلة، تحوّل الأستاذ الجامعي من مفكر يشتبك مع قضايا مجتمعه إلى مجرد موظف ملقّن يخشى تجاوز حدود اللوائح المحدد له.
والمفارقة السوسيولوجية الصادمة اليوم أنَّه، رغم مرور أكثر من خمسة عشر عامًا على سقوط ذلك النظام، لا تزال تلك العقول ترسخ في حالة تأميم مستتر. فهي لم تجرؤ على فك قيود إرث الخوف، ولا حتى الاعتراف بحالة الانقياد والتسليم السابقة؛ بل لجأت إلى تزييف الحقائق وادعاء بطولات متأخرة. إذ بدلًا من الاعتراف بأن تلك المرحلة كانت قاهرة، وأن أستاذًا لم يجرؤ على المواجهة- في حين كان الطلبة وحدهم في الطليعة- يختار بعضهم الآن إعادة اختراع ماض بطولي لا وجود له، هربًا من مواجهة حقيقة الاستلاب الذي عاشوه.
إن هذا المشهد يدفعنا إلى الجزم بأن تأميم العقول لا يزال يسكن أروقة الجامعات، وهو ما يفسر حالات الإحجام واستمرار أرث الخوف لدى بعض الأساتذة؛ بما يجعل العقول عاجزة عن ممارسة التفكير النقدي، ويجعل الأستاذ عاجزًا- في كثير من الأحيان- عن تفكيك قضايا المجتمع المعقدة ومشكلاته المتشابكة، مفضلًا السلامة المهنية على المغامرة الفكرية، تمامًا كما فعلوا في الماضي.
إذن، ما السبيل إلى المعالجة؟ وكيف نكسر قيود هذا التأميم؟
عندما صودرت ممتلكات الأفراد المادية في الماضي، ناضلوا لاستردادها عبر القانون والمحاكم. لكن السؤال الجوهري اليوم هو: كيف نسترد العقول المؤمَّمة؟ وهل ننتظر حكمًا قضائيًا يفك الارتهان الفكري؟
أعتقد أن الأمر أعمق من ذلك بكثير. فاسترداد العقل يبدأ أولًا بـمراجعة شجاعة لتلك المرحلة بكل مضامينها، وباعتراف صريح بحالة الانقياد والتسليم التي سادت خلالها. إن الشجاعة المطلوبة اليوم ليست ادعاء بطولات زائفة؛ بل هي الاعتراف بأن تلك الحقبة قد انتهت فعليًا- بآلامها وأخطائها.
إن مكمن الحل يكمن في صياغة ميثاق أخلاقي أكاديمي جديد يضمن الحرية الأكاديمية ويحميها؛ لا بوصفه شعارًا شكليًا، بل كركيزة أساسية من ركائز الجودة والاعتماد في الجامعات الليبية. يجب تفعيل هذا الميثاق ليكون جسراً تعبر من خلاله الجامعات الليبية إلى قلب قضايا المجتمع؛ فتتحول من جامعات نصف تخشى التفكير إلى منارة حرة تنتج المعرفة وتواجه التحديات وقضايا المجتمع التنموية.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- علي شريعتي.. وميضُ العقل في عصر الاستحمار الرقمي
- سوسيولوجيا الاستثمار البشري وسط الانقسام السياسي في ليبيا : ...
- سوسيولوجيا وادي وامس: استعادة الذاكرة الجمعية وجهاً لليبيا ا ...
- التنمية البشرية بين الرقمنة والتحول الرقمي: قراءة نقدية في ع ...
- خذلان علم الاجتماع للواقع الليبي
- سوسيولوجيا الفضاء والممارسة: التدين في المجتمع الليبي يوم ال ...
- دروس الحرب الأميركية ـ الإيرانية للحالة الليبية
- الجامعات الليبية ومعضلة المقاس الواحد
- سوسيولوجيا التدين اليومي في ليبيا: شهر رمضان ومفارقات الحياة ...
- جيل Z الليبي بعد 2011: ديناميات الهوية والبراغماتية الاجتماع ...
- علم الاجتماع من ابن خلدون إلى شرنقة الغرب — أين تاهت المخيّل ...
- الفلسفة في المجتمع الليبي: بين إعادة الإنتاج وضرورة الانفتاح ...
- الذاكرة الجمعية والتاريخ في ليبيا (1951– حتى الآن): سلطة الس ...
- التأملات والمشاهدات لأستاذ زائر في ثقافة التعليم والبحث العل ...
- تحول الدراسات الاجتماعية والإنسانية في الجامعات الليبية من ا ...
- مجلس السلام بين توجهات ترامب ومقاربات ابن خلدون
- اليوم العالمي للتعليم: تحديات التعليم في ليبيا بين الواقع وآ ...
- منطق القوة الفجة: إعادة تشكيل النظام الدولي في عصر ترامب
- الصنم الخلدوني والدولة الحديثة: استشراف مستقبل الحكم في العا ...
- أزمة الحوكمة في معايير الاعتماد الليبية: إشكالية الدمج بين ص ...


المزيد.....




- نظريات مؤامرة بعد هجوم حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض.. ما هي؟ ...
- -نظرًا لما تقتضيه المصلحة الوطنية-.. الإمارات تعلن خروجها من ...
- صحيفة إسرائيلية تتهم مصر باتباع سياسة -مزدوجة ومقلقة- تجاه ت ...
- -اليونسيف-: قيود طالبان تهدد بخسارة أفغانستان 25 ألف معلمة و ...
- تحقيق في -حادثة حساسة- ببنت جبيل.. كيف دخل أربعة إسرائيليين ...
- قطر تحذر من -صراع مجمّد- في الخليج وترفض إغلاق مضيق هرمز
- دول الخليج تعقد قمة في جدة لبحث الرد على ضربات إيران
- إيران وكابلات مضيق هرمز: من يحمي العمود الفقري الرقمي للعالم ...
- ديوان -ضد الأمل- لمبين خشاني: قصيدة تحكي وجع جيل من العراقيي ...
- ما هي زوارق -غارك- غير المأهولة التي نشرها البنتاغون في مضيق ...


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - سوسيولوجيا تأميم العقول: الجامعات الليبية وهيمنة الفكر الواحد