أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إكرام فكري - الاستهبال














المزيد.....

الاستهبال


إكرام فكري

الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 09:14
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


هل يمكن للجهل المصطنع أن يكون شكلاً متطوراً من الذكاء، أم أنه في جوهره تنازل صامت عن الذات؟ هذا السؤال لا يخطر على البال في لحظات القوة، بل في تلك اللحظات الصغيرة حين نختار الصمت ونحن نعرف الحقيقة، نضحك ونحن نفهم كل شيء، ونظهر ببساطة مفتعلة بينما تدور في داخلنا تحليلات دقيقة لكل ما يجري حولنا.

في الحقيقة، التظاهر بالغباء ليس دائماً ضعفاً كما يبدو من الخارج. غالباً ما يكون نتاج وعي زائد. وعي يجعل صاحبه يدرك أن إظهار الفهم الكامل قد يكلفه راحته، أو علاقاته، أو حتى صورته أمام الآخرين. فيتعلم مع الوقت أن يخفف من حضوره الحقيقي، أن يقلل من حدة ذكائه الظاهر، وأن يمر بين الناس بهدوء دون أن يلفت الانتباه.

ما يحدث هنا ليس عشوائياً، بل هو أقرب إلى آلية دفاع ذكية جداً. نوع من "الذكاء الاجتماعي الوقائي"، حيث يبني الإنسان صورة العفوية أو البساطة ليخلق حول نفسه مساحة آمنة. عندما يراك الآخرون أقل تعقيداً مما أنت عليه، يشعرون بالراحة، وربما بشيء من التفوق، فيخفضون حذرهم... وهنا تبدأ قدرتك على الملاحظة. تصبح حاضراً في المشهد، لكن دون أن تكون تحت المجهر. ترى أكثر مما يُرى منك، وتفهم أكثر مما يفترض بك إظهاره.

في البيئات التي لا تحتمل العمق، يصبح العمق عبئاً. وفي العلاقات المبنية على السطح، يصبح الصدق الكامل نوعاً من التهديد. هنا، لا يختار الإنسان القناع لأنه يحب التمثيل، بل لأنه تعلم - بوعي أو بغير وعي - أن الحقيقة الثقيلة لا تُستقبل دائماً بحفاوة، وأن الفهم الزائد قد يُفسر على أنه تعقيد أو حتى غرور.

لكن المشكلة ليست في القناع نفسه، بل في المدة التي نبقى فيها مرتدين له. لأن التكرار يحول التمثيل إلى عادة، والعادة تتحول تدريجياً إلى هوية مشوشة. في البداية، نعرف جيداً متى نمثل ومتى نكون حقيقيين، لكن مع الوقت تبدأ الحدود في التلاشي. نصبح بارعين لدرجة أننا نقنع الآخرين... ثم نقنع أنفسنا.

وهنا يبدأ نوع خفي من الاغتراب. ليس الاغتراب عن الناس فقط، بل عن الذات أيضاً. لأنك حين تعيش طويلاً في نسخة مخففة من نفسك، يصبح الرجوع إلى النسخة الأصلية مجهوداً، بل وربما مخيفاً. كأنك تقف أمام مرآة وتسأل: هل هذا أنا فعلاً، أم مجرد احتمال كنت أؤجله؟

من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن هذا "الغباء الواعي" يمنح نوعاً من القوة. قوة المراقبة دون انكشاف، قوة معرفة ما لا يعرفه الآخرون، وقوة التحكم في ما يُقال وما يُخفى. إنه أشبه بالجلوس في الظل بينما الجميع تحت الضوء؛ ترى بوضوح، لكن لا أحد يراك بوضوح.

ومع ذلك، لهذه القوة ثمن. ثمنها هو الإرهاق. لأن البقاء في حالة وعي مستمر مع تمثيل مستمر يستنزفك مع الوقت، حتى لو بدا الأمر خفيفاً من الخارج. وثمنها أيضاً هو الشعور بأنك لست مرئياً كما أنت، بل كما تسمح لنفسك أن تُرى. وأن العلاقات التي تبنينها قد تكون قائمة على نسخة جزئية منك، لا على حقيقتك الكاملة. وهذا يطرح سؤالاً مؤلماً: هل نحن محبوبون لأننا نحن، أم لأننا أتقنا الدور؟

الخروج من هذا التناقض لا يكون بالتمرد المفاجئ، لأن الصدق حين يأتي بشكل فج قد يهدم أكثر مما يصلح، ولا يكون أيضاً بالاستمرار في الاختباء، لأن ذلك استنزاف طويل الأمد. بل يكون في إعادة تعريف علاقتنا بأنفسنا، ثم بطريقة ظهورنا أمام الآخرين.

الفكرة ليست أن نختار بين أن نكون "ساذجين" أو "أذكياء" في أعين الناس، بل أن نفهم أن لكل مساحة نسخة مناسبة منا:

في العمل، حيث الاحترافية هي الأساس، لا يكون التظاهر بالغباء ذكاءً بقدر ما قد يصبح خطراً على صورتك وثقة الآخرين بك. هنا، الأفضل ليس التظاهر بالجهل، بل تبني نوع من "الغموض اللبق". أن تظل مرحاً وخفيفاً، لكن مع وضوح كفاءتك. ليس ضرورياً أن يعرفوا عمقك الكامل، لكن من الضروري أن يشعروا بأنك شخص يعتمد عليه. القاعدة هنا بسيطة: كن ذكياً بما يكفي ليعتمدوا عليك، وعفوياً بما يكفي ليرتاحوا لك.

في المجتمع، خاصة في بيئة تميل أحياناً للحكم السريع، يصبح إخفاء التفاصيل نوعاً من الحماية وليس ضعفاً. أن لا تكشف كل شيء عن نفسك، عن نجاحاتك أو حياتك، هو شكل من أشكال الذكاء الاجتماعي. لكن الفرق دقيق: يمكنك أن تكون كتوماً دون أن تظهر بمظهر من لا يفهم. النضج الهادئ يفرض احتراماً أكثر من العفوية المصطنعة.

أما مع العائلة، فالتحدي أعمق، لأن الأدوار القديمة تكون راسخة. هنا لا يكون الحل في الصدام، بل في التدرج. أن تبدأ بإدخال "جرعات" من حقيقتك، دون تمثيل زائد فقط من أجل القبول. أن تسمح لنفسك بأن تكون أنت، ولو قليلاً، كما تكون حين تكون وحدك. لأن من حقك أن تُحب لشخصك الحقيقي، لا فقط لقدرتك على التخفيف عن الآخرين.

ويبقى الأهم: علاقتك بنفسك. لأن أخطر ما في هذا القناع ليس أنه يخدع الآخرين، بل أنه قد يخدعك أنت. إذا طال التمثيل، قد تجد نفسك بعد سنوات غريباً عن حقيقتك. لذلك، يجب أن يكون هناك دائماً "مكان داخلي" لا تمثيل فيه، لا مجاملة، لا تخفيف... فقط أنت كما أنت.

في النهاية، ليست القوة في أن نختفي، ولا في أن ننكشف بالكامل، بل في أن نملك قرار الظهور. أن نعرف متى نكون واضحين، ومتى نكون خفيفين، ومتى نستخدم "التظاهر بالغباء" كأداة... لا كهوية.

لأن الذكاء الحقيقي لا يكمن في التظاهر بالجهل، بل في معرفة متى يكون الجهل الظاهري حكمة... ومتى يتحول إلى خيانة صامتة للذات.



#إكرام_فكري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -الارتهان للمؤسسات المانحة- وتأثير ذلك على التوظيف والأجور.
- عقل عام تحت السيطرة: الإعلام بين الاستقلال المالي والتنويم ا ...
- هندسة الضبط الرقمي
- البطلة المجهدة والمنقذ النائم: فخ الاستقلال في عصر التسليع
- ميراثُ القلق.. وترفُ الاستغناء
- المزايدة على المعاناة
- المصانع الأولى: كيف يخلق الماضي أنماط الحاضر
- ما وراء الرأسمالية والاشتراكية: سؤال الإنسان الضائع بين السو ...
- الالتزام كدرع للبقاء: من الانضباط القسري إلى ثورة الاكتشاف
- المجتمع التنكري
- فخ -العظمة المستعارة-: المشاريع الكبرى كآليات لاستدامة المدي ...
- من العدالة إلى الاستعراض: أزمة توزيع الموارد وسياسة الإقصاء
- إنسان للبيع
- بين ضجيج الآخرين وصمت الحقيقة
- صدى الغرفة المجاورة
- بطلة خارقة ببدلة رخيصة: ثمن التحرر من دور المنقذة
- واجهات مترفة وأموال قذرة: التلاعب النفسي والاجتماعي لغسيل ال ...
- بين بريق الشاشة وواقع القاع: قصة جيل ضائع
- بين الهويتين
- خبر عاجل


المزيد.....




- نظريات مؤامرة بعد هجوم حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض.. ما هي؟ ...
- -نظرًا لما تقتضيه المصلحة الوطنية-.. الإمارات تعلن خروجها من ...
- صحيفة إسرائيلية تتهم مصر باتباع سياسة -مزدوجة ومقلقة- تجاه ت ...
- -اليونسيف-: قيود طالبان تهدد بخسارة أفغانستان 25 ألف معلمة و ...
- تحقيق في -حادثة حساسة- ببنت جبيل.. كيف دخل أربعة إسرائيليين ...
- قطر تحذر من -صراع مجمّد- في الخليج وترفض إغلاق مضيق هرمز
- دول الخليج تعقد قمة في جدة لبحث الرد على ضربات إيران
- إيران وكابلات مضيق هرمز: من يحمي العمود الفقري الرقمي للعالم ...
- ديوان -ضد الأمل- لمبين خشاني: قصيدة تحكي وجع جيل من العراقيي ...
- ما هي زوارق -غارك- غير المأهولة التي نشرها البنتاغون في مضيق ...


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إكرام فكري - الاستهبال