بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي
(Bouchaib Hamraouy)
الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 09:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
بقلم: بوشعيب حمراوي
كلما طُرح موضوع الحكم الذاتي أو الجهوية المتقدمة داخل أي دولة، سارع البعض إلى ربطه بالتقسيم، وربطه آخرون بالتفكك، بينما يراه فريق ثالث بابًا للامتيازات غير المتوازنة. غير أن التجارب الحديثة أثبتت أن القضية ليست في الاسم، بل في طريقة البناء. ولا في منح الصلاحيات، بل في كيفية ضبطها. ولا في خصوصية الجهة، بل في قدرة الدولة على تحويل التنوع إلى مصدر قوة ووحدة واستقرار.
لقد تغير العالم، وتغيرت معه أساليب الحكم والإدارة. فلم تعد الدولة الحديثة تُقاس فقط بقوة المركز، بل أيضًا بقدرتها على توزيع القرار، وتقريب التنمية، وتمكين الجهات من تدبير شؤونها ضمن سقف السيادة الوطنية الواحدة. ومن هنا برزت مفاهيم مثل الحكم الذاتي، واللامركزية، والجهوية المتقدمة، والتدبير الترابي الذكي، باعتبارها أدوات جديدة لبناء دول أكثر توازنًا وعدالة ونجاعة.
وفي الحالة المغربية، يكتسب هذا النقاش أهمية أكبر، لأن المملكة راكمت تجربة مهمة في ورش الجهوية الموسعة وتطمح لتحقيق الجهوية المتقدمة. كما قدمت للعالم مبادرة الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية باعتبارها حلًا واقعيًا وحداثيًا، قادرًا على إنهاء نزاع إقليمي طال أمده، في إطار سيادة المغرب ووحدته الترابية. وكسب المقترح المنتظم الدولي، كما صدر القرار الأممي رقم (2797)، الذي أقر بأنه المقترح الوحيد القابل للتطبيق تحت السيادة المغربي. ودعت إلى اعتباره الوثيقة الوحيدة للتفاوض من أجلها برعاية الولايات المتحدة.
الحكم الذاتي ليس انفصالًا... بل أسلوب متقدم في تدبير الوحدة
أكبر خطأ يقع فيه البعض هو الخلط بين الحكم الذاتي والانفصال. فالحكم الذاتي في جوهره ليس خروجًا من الدولة، بل هو بقاء داخلها مع منح صلاحيات واسعة للسكان المحليين لتدبير شؤونهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإدارية، مع احتفاظ الدولة المركزية بالاختصاصات السيادية الكبرى، مثل الدفاع الوطني، السياسة الخارجية، العملة، الأم الاستراتيجي، القضاء الدستوري، والرموز السيادية الجامعة.
ولهذا نجد دولًا قوية وموحدة تعتمد أنظمة حكم ذاتي ناجحة دون أن تهتز وحدتها. فإسبانيا تضم أقاليم تتمتع بصلاحيات واسعة، والمملكة المتحدة تمنح اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية اختصاصات متقدمة، وفنلندا منحت جزر آلاند وضعًا خاصًا مستقرًا، وإيطاليا نجحت في نموذج جنوب تيرول الذي أصبح مثالًا عالميًا في تحويل التوتر إلى تنمية.
إذن، الحكم الذاتي ليس نقيضًا للوحدة، بل قد يكون أحد أدواتها الذكية، حين يُصاغ بعقلانية، ويُؤسس على الثقة، ويُربط بالمصلحة الوطنية العليا.
الجهوية المتقدمة... مدرسة الدولة الحديثة
إذا كان الحكم الذاتي صيغة خاصة تُمنح في ظروف محددة، فإن الجهوية المتقدمة هي النموذج الأوسع والأشمل، لأنها تعني توزيعًا عادلًا للسلطة والموارد على مجموع الجهات داخل الدولة. وهي تقوم على تمكين الجهات من وضع برامجها التنموية، وتحديد أولوياتها، واستثمار مؤهلاتها، بدل انتظار القرارات القادمة من العاصمة.
الجهة الفلاحية تعرف حاجياتها أكثر من المركز، والجهة الصناعية تدرك فرصها أفضل من الإدارات البعيدة، والجهة الساحلية أدرى بثروتها البحرية، والجهة الجبلية أقدر على تحديد مشاكلها الاجتماعية والطرق والبنية الأساسية الخاصة بها. لذلك فنجاح الدولة الحديثة لم يعد في جمع كل شيء بيد المركز، بل في توزيع الذكاء والقرار والمسؤولية. علما أن المغرب يعج بالطاقات والكفاءات التي بإمكانها أن تحدث استثمارات جديدة. ولهذا يجدد الملك محمد السادس التأكيد في معظم خطبه على قيمة ومكانة العنصر البشري.
المغرب حين أطلق ورش الجهوية المتقدمة، لم يكن يساير الموضة السياسية، بل كان يستبق المستقبل، ويؤسس لدولة متوازنة قادرة على مواجهة الفوارق المجالية، وتجاوز اختلالات الماضي، وفتح المجال أمام كل جهة لتصنع نهضتها بنفسها داخل الإطار الوطني الجامع.
الاكتفاء الذاتي للجهات... ماذا يعني فعليًا؟
حين نتحدث عن اكتفاء ذاتي جهوي، لا نعني أن تصبح كل جهة دولة مستقلة اقتصاديًا، فهذا غير واقعي حتى في أكبر الدول. المقصود هو أن تكون الجهة قادرة على إنتاج الثروة، وخلق فرص الشغل، وتمويل جزء معتبر من مشاريعها، وتقليص تبعيتها المزمنة للمركز.
فالجهة التي تتوفر على فلاحة قوية يجب أن تمتلك مصانع للتحويل الغذائي، والجهة الساحلية ينبغي أن تبني اقتصادًا بحريًا متكاملًا، والجهة السياحية يجب أن تستثمر تراثها ومؤهلاتها الطبيعية، والجهة الصناعية مطالبة بجذب الاستثمار والبحث والتكوين.
الاكتفاء الذاتي الحقيقي يبدأ حين تتحول الجهة من فضاء يستهلك الميزانية إلى فضاء يساهم في إنتاجها، ومن منطقة تطالب فقط، إلى جهة تبتكر وتصدر وتنافس وتستقطب.
كيف تمنع الدولة ظهور (جهات محظوظة) وأخرى منسية؟
هذا هو التحدي الأكبر في كل تجربة جهوية أو حكم ذاتي. لأن الخطر لا يكمن في منح الصلاحيات، بل في غياب العدالة بين المجالات. فإذا شعرت جهة ما بأنها تستفيد من طرق وموانئ وجامعات ومستشفيات واستثمارات، بينما جهة أخرى تنتظر أبسط الحقوق، يبدأ الإحساس بالحيف، ويضعف الانتماء، وتتسع الفوارق النفسية قبل الاقتصادية.
لذلك فالدولة الذكية هي التي تجعل من التضامن بين الجهات قانونًا ماليًا ثابتًا، لا مجرد شعار موسمي. الجهات الغنية تساهم في دعم الجهات المتأخرة، والاستثمار العمومي يُوجَّه وفق الحاجة لا وفق النفوذ، والخدمات الأساسية تُوزع بعدالة، والحد الأدنى من الكرامة الترابية يُضمن لكل المواطنين أينما كانوا.
المواطن لا يجب أن يشعر أنه أقل قيمة لأنه وُلد في منطقة نائية، ولا أن مستقبله أضعف لأن جهته لم تنل نصيبها من القرار.
الأقاليم الجنوبية المغربية... من نزاع سياسي إلى مختبر تنموي
الأقاليم الجنوبية المغربية تقدم اليوم نموذجًا مهمًا في هذا النقاش. فالمغرب لم يطرح الحكم الذاتي كصيغة قانونية فقط، بل ربطه برؤية تنموية كبرى. بنية تحتية حديثة، موانئ استراتيجية، استثمارات في الطاقة، ربط إفريقي، دينامية اقتصادية، ومؤسسات محلية قوية.
وهنا تكمن قوة المقاربة المغربية: تحويل ملف سياسي معقد إلى مشروع استقرار وتنمية وكرامة للسكان. فالعالم لم يعد يقتنع بالشعارات، بل بالمشاريع الواقعية القابلة للحياة.
لكن نجاح هذا النموذج يظل مرتبطًا أيضًا بقدرة باقي الجهات المغربية على مواكبة المسار نفسه، حتى لا يُنظر إلى جهة الحكم الذاتي كاستثناء مزدهر وسط جهات تنتظر.
ماذا تحتاج الجهات المغربية لتصبح جهات قوية؟
تحتاج أولًا إلى نخب منتخبة تملك الكفاءة لا فقط الأصوات. وتحتاج ثانيًا إلى إدارة جهوية قوية سريعة القرار. وتحتاج ثالثًا إلى موارد مالية مستقرة وواضحة. وتحتاج رابعًا إلى جامعات ومراكز تكوين مرتبطة باقتصاد الجهة. وتحتاج خامسًا إلى رؤية استثمارية دقيقة مبنية على خصوصية كل جهة.كما تحتاج إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، لأن الجهوية بدون محاسبة قد تتحول إلى لامركزية للفساد بدل لامركزية للتنمية.
فالجهة لا تُبنى بالخطب، بل بالمؤشرات. ولا تنهض بالشعارات، بل بالمشاريع. ولا تُقاس بعدد الاجتماعات، بل بعدد مناصب الشغل، وجودة المدارس، ونظافة المدن، ونجاعة النقل، وثقة المواطن.
منطق المستقبل: التنوع داخل الوحدة
العالم يتجه نحو دول قوية بمراكز متعددة، لا بمركز واحد متضخم. فالعاصمة وحدها لا تستطيع أن تفكر نيابة عن الجميع، ولا أن تدبر تفاصيل كل المجالات. المستقبل للدول التي تمنح جهاتها الثقة، وتستثمر في تنوعها، وتعتبر الاختلاف مصدر غنى لا مصدر تهديد. حين تشعر كل جهة أنها شريك حقيقي في الوطن، ترتفع الإنتاجية، ويقوى الانتماء، وتتراجع الاحتجاجات، ويتحول المواطن من طالب دائم إلى مساهم فعلي في البناء.
الدولة العادلة لا تخاف من توزيع القوة
الدولة التي تخشى منح الصلاحيات لجهاتها، تعترف ضمنيًا بضعفها. أما الدولة الواثقة من نفسها، فتعرف أن توزيع القرار لا يضعفها، بل يقويها، وأن الجهة القوية ليست خصمًا للمركز، بل سندًا له، وأن الحكم الذاتي حين يُبنى بحكمة، والجهوية حين تُدار بعدالة، يصبحان جناحين لدولة حديثة متماسكة، قادرة على مواجهة التحولات الداخلية والخارجية بثقة واستقرار.
والمغرب اليوم أمام فرصة تاريخية مزدوجة. أن يجعل من أقاليمه الجنوبية نموذجًا للحل السياسي الذكي والتنمية المتقدمة، وأن يحول باقي جهاته إلى مدارس حقيقية للإنتاج والابتكار والعدالة المجالية. غير أن هذه الفرصة لن تكتمل إلا إذا التحق الجميع بسرعة المشروع الوطني، لأن المبادرات الملكية، والدبلوماسية الملكية، والمخططات الاستراتيجية الملكية، والرؤى المستقبلية الكبرى، تحتاج إلى سند حكومي قوي، وظهر برلماني مسؤول، وإعلام وطني يقظ، وانخراط مجتمعي واسع.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الإرادة الملكية كثيرًا ما كانت سباقة إلى فتح الأوراش، وصناعة الحلول، واستشراف المستقبل، لكن سرعة الإنجاز وعمق الأثر يظلان رهينين بوجود مؤسسات منتخبة قوية، ونخب سياسية في مستوى المرحلة، وإدارة منسجمة، ومجتمع يشارك في البناء لا يكتفي بالمشاهدة أو الانتقاد. حتى لا يبقى قطار التنمية منهكا، يسير بسرعتين.
ومن هنا، فإن المغاربة مدعوون إلى رفع التحدي، والاستعداد الجاد للاستحقاقات المقبلة نهاية هذه السنة، من أجل إفراز برلمان قوي، وحكومة متماسكة، وأغلبية ومعارضة وطنيتين تتنافسان في خدمة الوطن لا في تعطيل مساره. فالمواعيد الانتخابية ليست مجرد سباق نحو المقاعد، بل لحظة حاسمة لاختيار من يواكب المشروع الوطني، ومن يمتلك الكفاءة والصدق والقدرة على تحويل التوجيهات الكبرى إلى نتائج ملموسة.
كما أن المسؤولية لا تقع على الناخب وحده، بل تشمل الأحزاب السياسية المطالبة بتجديد نخبها وخطابها، والنقابات المدعوة إلى الموازنة بين الدفاع الاجتماعي والمصلحة الوطنية، والمؤسسات التربوية والتعليمية والتكوينية المكلفة بصناعة المواطن الواعي، والمجتمع المدني بكل أطيافه، وجمعياته المدنية والحقوقية، .. كلها مطالبة بتأطير المجتمع ونشر ثقافة المشاركة والمسؤولية.
فإذا أحسن المغرب تدبير هذه المرحلة، وربح رهان المؤسسات القوية والجهات المنتجة والنخب الكفؤة، فلن يكون الرابح جهة دون أخرى، ولا حزب دون آخر، بل سيكون الرابح الأكبر هو الوطن كله، دولةً وشعبًا ومستقبلًا.
#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)
Bouchaib_Hamraouy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟