|
|
تدمير تمثال المسيح سيهز إسرائيل بأسرها
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8686 - 2026 / 4 / 23 - 23:42
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
دميتري بافيرين صحيفة فزغلياد الاكترونية
إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف
24 نيسان أبريل 2026
أثار التدمير الإستعراضي لتمثال السيد المسيح على يد جنود من الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان المحتل حالة من الهلع في الحكومة الإسرائيلية. فالنموذج الدعائي الذي يبرّر الحرب بات مهددًا، والأخطر من ذلك هو إحتمال تراجع الدعم الأمريكي، الذي يعتمد عليه وجود الدولة العبرية ذاته.
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو «مصعوق ومحزون»، وهذه المشاعر، بحسب رأيه، يشاركه فيها معظم مواطني إسرائيل. والسبب هو تخريب أحد جنود الجيش الإسرائيلي لتمثال السيد المسيح في بلدة دِبّيل جنوب لبنان. وقد أدانت القيادة هذا الفعل، ووُعد بإتخاذ إجراءات لاحقة، كما فُتح تحقيق. فلا بد من وجود بعض الحدود على الأقل.
قبل ذلك كان الجيش الإسرائيلي قد إحتل 10% من لبنان، وطرد أكثر من مليون شخص من منازلهم، وفجّر الجسور ودمّر المدن كي لا يتمكن اللاجئون من العودة. ويُبرَّر هذا التطهير العرقي بأن المنطقة تُعدّ موطئ قدم لـ«حزب الله»، وأن هذه الجماعة تمثل «وكلاء» لإيران وإرهابيين ومتطرفين دينيين، ولذلك فإن إسرائيل، كما يقال، «على حق».
لكن الحقيقة أن سكان دِبّيل طوال تاريخها الذي يمتد لنحو خمسة قرون كانوا تقريبًا جميعًا من المسيحيين الموارنة، وتُعدّ العذراء مريم شفيعة القرية. ومن الطبيعي إذن أن يكون هناك تمثال للمسيح. وكان التمثال قائمًا بسلام في «معقل المتطرفين الإسلاميين» إلى أن جاء الجندي الإسرائيلي وحطم رأسه بمطرقة.
«في حق المسؤولين عن هذا الفعل الشنيع ستُتخذ الإجراءات الصارمة اللازمة. هذا التصرف المخزي يتعارض تمامًا مع قيمنا»، هكذا قال وزير الخارجية الإسرائيلي غدعون ساعر.
لا شك أن هذا «الإستياء العميق» له ما يبرره، وأن مشاعر المؤمنين مهمة. لكن السيد المسيح نفسه، الذي صُلب يومًا بسبب إهانة مشاعر اليهود، كانت ستهمه في لبنان أمور أخرى تمامًا. مثلًا: معاناة ملايين البشر. لكن إسرائيل لا تعتذر عن ذلك.
ومن الواضح أن المسيح ليس مرجعًا لدى اليهود، لكن حجم الجرائم المرتكبة ضد التمثال وضد لبنان عمومًا لا يقارن. فلماذا إذن تهرع القيادة الإسرائيلية الآن؟ ما سبب هذا الإرتباك؟
لماذا هذا الإرتباك
السبب، على ما يبدو، أن لدى إسرائيل اليوم فقط ركيزتين في الدولة التي يعتمد عليها وجودها: عائلة دونالد ترامب، والصهاينة المسيحيون في الولايات المتحدة. أما أسباب قوة الركيزة الأولى فموضوع نظريات مؤامرة وتلميحات، من بينها الزعم بأن جيفري إبستين كان يعمل لصالح «الموساد». أما الركيزة الثانية، فإن قصة المسيح في دِبّيل تضعها في موقف سخيف تمامًا.
في زمن بات فيه الإنقسام حتى بين اليهود الأمريكيين، وأصبحت منابرهم اليسارية تصف إسرائيل بأنها دولة فاشية، ما يزال الصهاينة المسيحيون صخرة ثابتة، وإن كانوا في كثير من الأحيان من البيض الأنغلوساكسون الخلّص.
نشأت الفكرة القائلة إن تحقيق النبوءات التوراتية يقتضي عودة اليهود إلى أرض الميعاد، وأن الأمم التي تساعدهم سيباركها الرب، في إنجلترا منذ القرن السادس عشر. وأشهر من دافع عنها كان ديفيد لويد جورج، وهو أيضًا بريطاني، وكان رئيس وزراء بريطانيا في فترة الحرب العالمية الأولى. لكن الصهيونية المسيحية إنتشرت على نطاق أوسع في الولايات المتحدة، مع طوائفها البروتستانتية المتنوعة، والتي كثيرًا ما كانت غريبة جدًا.
وأحد القساوسة الذين كانوا يرفعون التمجيد لإسرائيل طلبًا لبركة أمريكا هو السفير الأمريكي الحالي في الدولة العبرية، والسياسي الجمهوري البارز مايك هاكابي.
داخل الجمهوريين
في الكتلة الكبرى من الجمهوريين، لا يشكل الصهاينة المسيحيون نسبة كبيرة. أما ترامب، مثلًا، فلا علاقة له بهم، ولا يمكن حتى وصفه بأنه رجل متدين. أما رجلٌ كهذا، وصهيوني في الوقت نفسه، فكان نائبه السابق مايكل بنس، الذي يعتبره الرئيس الآن خائنًا.
أما جماعات الضغط العدوانية التابعة لبارونات السلاح وما شابههم من مجمع صناعي عسكري في مجلس الشيوخ، مثل ليندسي غراهام وتوم كوتون، فهي قصة مختلفة قليلًا. ووفقًا للرؤية السائدة بين علماء السياسة، فقد ساعدوا إسرائيل في إقناع ترامب بمهاجمة إيران، لكن هؤلاء أكثر براغماتية وبرودًا. فلكي تُدعَم كل أفعال إسرائيل وتُبرَّر، لا يكفي الدافع المالي وحده، بل لا بد من إيمان شديد بصوابية هذا المسار.
ولا ينبغي، مع ذلك، الإعتقاد أن دعم إسرائيل قائم فقط على الحماس الديني للصهاينة البروتستانت. فالمشكلة التي ستواجهها الدولة العبرية الآن تكمن في الصلة المنطقية بين الصهاينة وبين قطاعات واسعة من الجمهوريين المسيحيين، الذين يحتاجون إلى أدلة أكثر جوهرية على أن دعم إسرائيل أمر يرضي الله. فلم تعد الإحالات إلى العهد القديم وحدها كافية في السياسة، لذلك يدور النقاش الآن حول أن اليهود يحمون المقدسات المسيحية، التي ستُدنَّس إذا إنتصر خصومهم، مثل «حزب الله».
وإنّ لقطات دِبّيل تمثل ضربة قوية لهذه الدعاية، التي تستهدف، بصورة أو بأخرى، أشخاصًا متدينين وسريعي التأثر.
خطاب التبرير
إذا تتبّعنا هذا الخيط أكثر، سنجد أن في الدعاية الإسرائيلية كثيرًا من الكذب الآخر، وأن في حكومة نتنياهو بالفعل أتباعًا حقيقيين للإبادة والتطهير العرقي، ومتطرفين دينيين، مثل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش. أما بيبي، كما يُلقَّب في إسرائيل، فهو أقرب إلى محتال قديم ورجل أمن، مخلص للتكتيك الوطني القائم على: «دمّر أكبر قدر ممكن، ثم كرر ذلك بعد 15 عامًا». والآن تخبره الخبرة أن الأمور تسير نحو الأسوأ: فقد وُضع حتى صليب مؤقت في مكان التمثال على نفقة الدولة.
ولو كان بالإمكان منع إنتشار الفيديو، لكان نتنياهو قد خصص لذلك حربًا أخرى، لكن ذلك لم يعد يجدي. فقد صار المحتوى فيروسيًا، وأصبح اسم قرية دِبّيل على ألسنة كل الكاثوليك الجيدين، وهو الآن يتردد على لسان البابا نفسه. وليس ذلك بسبب تمثال المسيح بعد، بل بسبب ما تفعله إسرائيل عمومًا.
وتوجه الموارنة في دِبّيل إلى الفاتيكان طلبًا للمساعدة. فأرسل البابا قافلة مساعدات إنسانية. لكنها لم تتمكن من الوصول، لأن «أكثر دولة ديمقراطية متسامحة ومتعددة الأديان في الشرق الأوسط» تمنعها من المرور، تمامًا كما منعت مرور المساعدات الإنسانية إلى غزة.
في أمريكا
الكاثوليك في الولايات المتحدة كثيرون، ومن دون دعم جزء منهم على الأقل لا مكان للجمهوريين في السياسة. لكن حتى الآن، وبسبب الحرب الأكثر عدم شعبية في تاريخ البلاد — الحرب على إيران — قد يفقد الكونغرس هذا الخريف عددًا قياسيًا من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.
إلى أين يتجه المشهد
إذا نظرنا إلى ما يجري من تل أبيب، فسنجد أن أمريكا بات فيها عدد كبير جدًا من النزعات المعادية لإسرائيل، وعدد من الأشخاص الذين كانوا لا يهتمون باليهود سابقًا، ثم بدأوا الآن في تتبع الخيوط وطرح الأسئلة المزعجة.
فعلى سبيل المثال، فإن الإعلامي المحافظ المعروف تاكر كارلسون يصف ترامب بأنه «عبد لمصالح إسرائيل»، وقد قدّم مادة تلفزيونية كبيرة عن التمييز ضد المسيحيين في الدولة العبرية، مؤكدًا أن ذلك يحدث بدعم فعلي من الولايات المتحدة و بأموال أمريكية. وحتى وقت قريب، كانت مثل هذه الموضوعات لا تُعرض في أمريكا إلا من قبل الهامشيين، أي أشخاص لا يتصرفون وفق المعايير السائدة.
ولا يمكن القول إن أمريكا تغيّرت كثيرًا، حتى لو أصبح عمدة أكبر مدينة تضم مقر الأمم المتحدة مسلمًا، هو زهران ممداني، الذي يَعِد بإعتقال أي عضو في الحكومة الإسرائيلية. بل إن الذي تغيّر هو إسرائيل نفسها، إذ تسمح لنفسها بما هو أكثر بكثير مما كانت تسمح به من قبل.
خاتمة المقال
إلى أي مدى ينسجم تدمير التمثال في دِبّيل مع هذة حالة الإفلات من العقاب، فليحكم كلٌّ بنفسه. نتنياهو يرى أنه لا ينسجم إطلاقًا، لكن كثيرين يرون أن ما حدث هو بالضبط ما كانت تسير نحوه قدم الصهيوني طوال السنوات الأخيرة، وأن ما يجري طبيعي في قذارته، مثل طعم ماء البحر الميت.
ولا ينبغي أن يكون مفاجئًا إذا بدأت الأمة الأمريكية المتدينة تنظر إلى الصهاينة المسيحيين بإعتبارهم منصة لمتقاعدين فقدوا صوابهم، وإذا أرادت وداع إسرائيل كما ودّعت فيتنام أو أفغانستان. عندها فقط ستُصدم القيادة الإسرائيلية حقًا.
أما البيض في العالم الجديد، فلا يهمهم في الجوهر أمر بعض العرب الذين حُرموا من وطنهم وبيوتهم وحتى حياتهم. لكن السيد المسيح أمرٌ آخر، والآن صار أحدهما لا ينفصل عن الآخر. ومهما كانت القاعدة المسيحية في أمريكا معقدة، فمن غير المرجح أن يصدق سكانها أن المخلّص سيصلي من أجل من يساعد جنود جيش الدفاع الإسرائيلي على إسقاط تماثيله.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هل يبدأ “النادي النووي” بالتوسع من إيران؟
-
الأزمة الروسية 2026: هل يتكرر سيناريو إنهيار الإتحاد السوفيا
...
-
بين التصعيد والتسوية: إدارة الصراع في لبنان ضمن هندسة جيوسيا
...
-
نهاية عصر أوربان وصعود -القومي الناعم- ماديار
-
ألكسندر دوغين - تذكرة العبور إلى النخبة لم تعد صالحة: «القائ
...
-
مضيق هرمز: ثلاثون دقيقة كانت كفيلة بإشعال حرب… والعالم لم ين
...
-
يدَا روتشيلد تبشّران بإعادة رسم خريطة العالم
-
مأزق إسلام آباد - بين هدنة الضرورة ومخاطر الإنفجار
-
المجر بعد أوربان: إعادة ضبط أم إنقلاب هادئ في قلب أوروبا؟ -
...
-
هدنة على حافة الإنفجار
-
إختبار صعب لإسرائيل أمام حزب الله
-
صدمة كينيدي أم شرارة التحدي؟
-
المعركة اليائسة: الصهيونية العالمية أمام منعطف تاريخي خطير
-
حرب الروايات: هل تخفي واشنطن وتل أبيب خسائرهما في مواجهة إير
...
-
ظل السويس على هرمز: 70 عامًا بين أزمتين تكشفان عن تحولات اله
...
-
من «العصر الحجري» إلى «العصر الذهبي»: ترامب يتراجع عن تدمير
...
-
ألكسندر دوغين - إيران وإحتضار العالم أحادي القطب (برنامج إيس
...
-
من يتحمّل مسؤولية تدمير الإقتصاد العالمي؟
-
شمال إسرائيل على صفيح ساخن
-
تهديدات ترامب لإيران: تحليل روسي شامل بين الغضب والدبلوماسية
المزيد.....
-
مصر.. بدء تطبيق التوقيت الصيفي وتقديم الساعة 60 دقيقة
-
بعد تداعيات الحرب.. الكويت تعلن إعادة فتح مجالها الجوي وبدء
...
-
الترامبية هي الحرب!
-
ترمب يمدد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل تزامنا مع محادث
...
-
مهرجان -كارلوفي فاري- يسترجع 80 سنة من تاريخه في دورة 2026
-
النظام الإيراني يرد على تصريحات ترامب عن -وجود انقسامات بسبب
...
-
ترامب يعلن تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لـ3 أساب
...
-
هل ستشن ضربات نووية على إيران؟.. ترامب يرد
-
ترمب يبشر بترميم العلاقات مع بريطانيا خلال زيارة تشارلز لواش
...
-
إيران تعلن موقفها من المفاوضات وترد على ترمب بتأكيد الوحدة ا
...
المزيد.....
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
المزيد.....
|