أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - شاكر الناصري - الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!















المزيد.....



الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!


شاكر الناصري

الحوار المتمدن-العدد: 8686 - 2026 / 4 / 23 - 20:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


1. الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! - الجزء الأول
2018 / 4 / 25
الأصل من هذه الكتابة التي تأتي تزامناً مع الاحتفال بالأول من آيار يوم العمال العالمي، هو محاولة للتذكير بعدد من الإضرابات العمالية التي خاضها عمال العراق، منذ 1876 وحتى 1968، بعض هذه الإضرابات تركت أثرها على أوضاع الطبقة العاملة، وعلى الحياة السياسية في العراق.
الإضرابات التي سيتم الحديث عنها، لم تكن هي الإضرابات الوحيدة التي خاضها عمال العراق، فتاريخهم مليء بالإضرابات التي تواصل بعضها لأيام عديدة ونجح في تحقيق المطالب التي أنطلق من أجلها. ولكننا نسعى هنا للتعريف بعدد من الإضرابات التي وقعت في أزمان مختلفة، وفي ظروف سياسية واقتصادية مختلفة جدا، ومن خلالها يمكن ملاحظة التطورات التي حدثت في بنية الطبقة العاملة في العراق بالتزامن مع تطور القطاعات الاقتصادية والصناعية، السكك الحديدية، والموانيء، والنفط، والغزل والنسيج وغيرها الكثير من القطاعات. تلك التطورات التي ساهمت في زيادة ثقة الطبقة العاملة بنفسها وبقدرتها على أن تكون طبقة اجتماعية فاعلة ويمكنها الدفاع عن حقوقها. وفي محاولة التذكير هذه، لابد من التطرق إلى مواقف السلطات الحاكمة في العراق المناوئة للعمال ودفاعها المستميت عن أرباب العمل وأصحاب رؤوس الأموال وعن الشركات الاجنبية وترك العمال تحت سطوتها لتمارس بحقهم أبشع الإنتهاكات والتمييز العنصري والطرد الكيفي من العمل وفرض شروط عمل لا إنسانية وتؤكد مساعي هذه الشركات وتعطش رؤوس الاموال الى الربح فقط بغض النظر عما يعانيه العمال او ظروف العمل التي يؤدون أعمالهم تحت وطأتها.

لم تتوانى السلطات الحاكمة عن استخدام العنف المسلح وممارسة القتل الجماعي وأطلاق النار العشوائي على العمال من أجل دفعهم لإنهاء إضراباتهم، وكذلك سعيها لإحياء القيم والأعراف العشائرية للضغط على العمال وقادتهم وتهديدهم بالطرد من هذه العشيرة او تلك، إن لم يتخلوا عن الإضرابات أو يعلنوا انسحابهم منها.

في العديد من هذه الإضرابات تجلت قدرة العمال على تنظيم أنفسهم، دون نقابة، أو حزب سياسي، من أجل مواجهة السلطة أو الشركات وأرباب العمل للمطالبة بحقوقهم المشروعة والمتمثلة في زيادة الأجور، وحق التنظيم النقابي ووجود قانون عمل يحمي العمال ويحدد ساعات العمل، وحق الرعاية الصحية والتعويض عن اصابات العمل وووو مطالب اخرى عديدة.

إن الهدف من التذكير بإضرابات عمال العراق، أنما هو محاولة للتذكير بهذه الطبقة والدفع بإتجاه إعادة قراءة تاريخ نضالاتها وقدرتها الحقيقية على التنظيم والمواجهة من أجل الحقوق، وامكانية التحول إلى قوة اجتماعية وطبقية مؤثرة، والتصدي لمحاولات محوها من الوجود والاستخفاف بدورها في عراق اليوم، حيث يتردد سؤال ماكر وعدائي: هل توجد طبقة عاملة في العراق؟.

سيتم الحديث عن هذه الإضرابات بشكل مختصر ودون الخوض في تفاصيلها ووقائعها، او في دور القوى السياسية المحرضة عليها او التي ساهمت في اطلاقها، على أمل أن يساهم هذا التذكير في تنشيط همة الذين يعنيهم أمر الطبقة العاملة في العراق وحركتها الاجتماعية والطبقية.. وفي الوقت نفسه، سيتم ذكر العديد من المصادر التي يمكن الاطلاع عليها بشكل أوسع من هذه الكتابة، ومعرفة التفاصيل والاسماء والتواريخ وردود فعل السلطات الحاكمة ودور الاحزاب في هذه الإضرابات، الحزب الشيوعي العراقي تحديداً.

إضراب عمال السدود في لواء المنتفك 1876

ما سجلته الصحافة التي تصدر في أسطنبول1، عاصمة الدولة العثمانية، في ١٨٧٦، عن إضراب عمال السدود في لواء المنتفك، الناصرية حاليا، يجعلنا نقف امام أول إضراب عمالي، موثق في الصحافة التي كانت تصدر آنذاك، والتي تحدثت عن وقائع الإضراب الذي قام به عمال في المناطق التي تخضع لسطوة وسلطة الدولة العثمانية، وضمن شروط تلك المرحلة حيث شاع التخلف الاقتصادي والصناعي وغياب أي ملامح تحديثية في البنى والمؤسسات الاقتصادية، معامل وورش صناعية، رغم المساعي التي بذلها مدحت باشا، في عام 1869، لتحديث الاقتصاد والصناعة في العراق بعد أن أوعز باستيراد معدات ومكائن وتوسيع "العبخانة" معمل النسيج الذي أسسه سلفه نامق باشا في بغداد. وتأسيس تراموي بغداد، و مطبعة حديثة تدار بالبخار، والاهتمام بورش تصليح الأسلحة...الخ.
جاء الاضراب نتيجة للضغط والإكراه الكبير الذي تعرض له العمال الذين يقومون بتشييد أحد السدود، الضغوط المتمثلة بعدم دفع الأجور والعمل لساعات طويلة " من بزوغ الشمس وحتى مغيبها". إلاّ أنَ متصرف الناصرية، آنذاك، ناصر السعدون، والذي كان هو شيخ عشيرة أصلاً، تمكن من إجبارهم على العودة إلى العمل تحت تهديد السلاح وتهديدات شيوخ العشائر.

إضراب دباغو الأعظمية 1912

وبعد عدة سنوات من إضراب عمال السدود في لواء المنتفك، شهدت بغداد، أول اضراب عمالي، تحدثت عنه الصحافة الصادرة آنذاك، حيث أعلن دباغو الأعظمية، في أواخر خريف ١٩١٢، الإضراب عن العمل بسبب قلة الأجور ولن يعودوا إلى أعمالهم حتى تتم زيادتها، وقد تحقق لهم ذلك بعد مفاوضات مع رئيس صنف الدباغين الشيخ عبد الرزاق الجلبي*2 الذي أقنعهم بإنهاء الإضراب والعودة إلى العمل بعد تلبية مطلبهم المتمثل بزيادة الأجور اليومية.. ولم يكتف دباغو الاعظمية بما تحقق، بل أعلنوا الإضراب مرّة أخرى في أوائل كانون الأول عام ١٩١٣، حيث برزت أول قيادة عمالية تدير الإضراب وتوجه العمال إلى مطالبهم وما يتوجب عليهم فعله في مواجهة الضغوط التي يتعرضون لها. كان عبد الهادي الأعظمي هو قائد ذلك الإضراب العمالي الذي تمحور حول زيادة الأجور بمقدار ٢٥٪، وقد أضطر أصحاب المعامل إلى تحقيق رغبتهم، فعادوا إلى ممارسة أعمالهم.

إضراب عمال الميكانيك في البصرة عام 1918.

وبعد أن أصبح العراق تحت الاحتلال البريطاني، أوجد الانكليز دائرة خاصة للعمل ووضعوها تحت إمرة ضابط برتبة جنرال يتبع رئاسة الأركان البريطانية بشكل مباشر. وكان على العامل وقبل البدء بعمله بشكل رسمي أن يوقع على تعهد في ثلاثة شروط، قاسية ولاإنسانية. أولا: أعلم بأني أجير معرضاً إلى القانون العسكري وأكون تحت أمر قومندان قطعة الجيش التي أتعين لها، وأيضاً أكون تحت أمره بما يختص بالتربية " حسن السلوك" وغير ذلك من تاريخ إستخدامي. ثانياً: أتعهد بأني أذهب إلى أي مكاني يأمروني به رسمياً وأتعهد أيضاً بأني أخدم مدة ستة أشهر من هذا اليوم وأعرف بأني لو أريد الاستعفاء من وظيفتي في أي وقت كان بعد نهاية هذه المدة يلزمني أن أخابر الضابط الذي أنا تحت أمره قبل الوقت بشهر. ثالثاً: أعترف بأني معرض إلى العزل أي وقت كان، وهذا بسبب سوء الأخلاق والأمراض والإستغناء عن خدماتي*. لم يكتف الأنكليز بكل هذا، بل قسموا العمال حسب الطوائف والقوميات وأن يكون هناك زي موحد للعمال حسب طوائفهم وقومياتهم. العمال العرب من السنة يرتدون كوفية حمراء وعقالاً أسود، بينما العمال من الشيعة كوفية زرقاء وعقالاً أبيض!!!*3 وكان كل إجراءات دائرة العمل المذكورة تهدف إلى فرض أبشع أشكال الاستغلال على العمال العراقيين وتسخيرهم لخدمة شركاتها وقطعات جيش الاحتلال...

وفي ظل أوضاع كهذه تحولت الشركات الاحتكارية إلى قوة كبرى في العراق، سياسياً واقتصادياً، تحظى بحماية السلطات الحاكمة آنذاك، مهما كانت قسوة ممارساتها بحق العمال الذين أصبح التفكير بأوضاعهم وأجورهم وشروط عملهم القاسية الشغل الشاغل لهم، فخاض العمال في العراق سلسلة إضرابات تهدف لنيل حقوقهم المشروعة ومعاملتهم إسوة بالعمال الانكليز الذين يقومون بنفس الأعمال. لكن اضراباتهم تلك كانت تواجه بردود عنيفة من السلطة والقوى الأمنية وفي أحيان كثيرة كان العمال يتعرضون لأطلاق الرصاص والاعتقال والمحاكمات والفصل من العمل.
يشكل اضراب عمال الميكانيك في معمل الدوكيارد "المعمل الذي أنشأته شركة لنج لتصليح البواخر النهرية والزوارق في شط العرب"4 أول اضراب عمالي في العراق الذي يخضع لسطوة وسلطة الاحتلال البريطاني. جاء الإضراب بعد أن رفضت الشركة البريطانية تلبية مطاليب العمال بزيادة الأجور والمساواة مع العمال الأجانب من ناحية الأجور والاجازات.. لم ينجح الإضراب بسبب تدخل السلطات والتهديد بالسلاح.

المصادر
1.كمال مظهر أحمد.. الطبقة العاملة في العراق (التكوّن وبدايات التحرّك)..دار الرشيد للنشر، بغداد 1981، ص 33.
2. كمال مظهر أحمد، المصدر نفسه، ص 34.
3 كمال مظهر أحمد نفس المصدر، ص 43.
4.عبد السلام الناصري -أبو نصير- معارك طبقية، منشورات الطريق الجديد

***********************************
2. الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! - الجزء الثاني
شاكر الناصري
2018 / 4 / 27
إضراب الرسوم البلدية في تموز 1931.

شهدت بغداد ومعظم مدن العراق أول إضراب عام وشامل، إلا وهو إضراب الرسوم البلدية الذي بدأ في الخامس من تموز 1931، والذي تم بقيادة فذة وحكيمة من 23 جمعية عمالية ومهنية ومنها جمعية أصحاب الصنائع بقيادة القائد النقابي محمد صالح القزاز، حيث تم تشكيل وفد من بين رؤساء الجمعيات لمقابلة أمين العاصمة وطالبه بإلغاء القانون أو تخفيض الرسوم الواردة فيه. بعد أن تحول إلغاء القانون الذي صدر في الثاني من حزيران 1931 إلى المطلب الأساسي في الإضراب كونه سيتسبب في تحويل حياة العمال والناس البسطاء إلى جحيم حقيقي، ويعزز من البطالة والفقر، وأطلاق يد السلطة لتمارس ابتزاز الناس بقانون الرسوم البلدية الذي لم تسلم منه حتى الكلاب والحمير والجثث التي يتم دفنها. وفي نفس اليوم قدم رؤساء الجمعيات عريضة باسم العمال إلى وزير الداخلية " مزاحم الباجه جي" يطالبونه فيها بإلغاء القانون الذي لو طبقت أحكامه " لأوصلتنا إلى درجة الهلاك" *1.

لم تنجح كل محاولات السلطة وتبريراتها، ولا الحملات الدعائية التي قامت بها الصحف الموالية لها في أقناع أهالي بغداد بجدوى القانون وان أحكامه لا تشمل سوى الأجانب وحدهم!!. وان كل الوعود التي قدمها وزير الداخلية لم تك سوى محاولات لكسب الوقت واللعب على امكانية أحداث صراعات بين رؤساء الجمعيات وإبعادهم عن المحيطين بهم من الأعضاء او عن سكان بغداد الذين عبروا عن تأييدهم لمواقف رؤساء الجمعات ودعمهم في مواجهة السلطة.

في يوم الخامس من تموز 1931 أعلن عن الإضراب العام فأغلقت جميع حوانيت بغداد ومقاهيها وصيدلياتها ومحلات أرباب الحرف، وكذلك شارك سواق السيارات وعمال البلدية وأصحاب محلات بيع الخضر والفواكه واللحوم في الإضراب، الأمر الذي دفع بالحكومة إلى المناورة والإرهاب في آن واحد.

شنت السلطة حملة اعتقالات واسعة في صفوف قادة الجمعيات العمالية والمهنية وتم اتهامهم بالتحريض على الإضراب. ولم تنجح محاولات السلطة لكسر الاضراب او التقليل من شأنه، فكل محاولاتها لتعويض النقص في الأسواق باللحوم والخضار لم تنجح وامتنع الناس عن شرائها. وما حدث في بغداد دفع العديد من المدن إلى إعلان أضراب مشابه، في الحلة والديوانية والمنتفك والبصرة والسماوة وعفك وسوق الشيوخ حيث اقترن الإضراب مظاهرات مسلحة*2.. وقد شهدت مدن البصرة والناصرية مواجهات عنيفة مع الشرطة أدت إلى سقوط قتلى وجرحى.

وبسبب ممارسات السلطة ومحاولاتها المفضوحة لكسر الإضراب وشق وحدة صف قادته، تحول الاضراب إلى حركة عامة في معظم مدن العراق وبدأت تتخذ طابعا مختلفاً من خلالها شعاراتها التي تنادي بإسقاط الحكومة ووضع حد للظلم والإستبداد، مما دفع السلطة التي باتت تخشى من تحول الإضراب إلى ثورة شعبية، أو ثورة صامتة، على حد توصيف عامل المطبعة شهاب أحمد الحميد في كتابه: ثورة الصامتة*3، للزج بقواتها الأمنية لتفريق كل اجتماع يضم أكثر من خمسة أشخاص، ونصبت الأسلحة الرشاشة في شوارع بغداد. وكذلك إستخدام " قانون دعاوى العشائر" ضد سكان المدن بشكل خطير جدا، حتى بعد إنتهاء الإضراب، حيث تم إبعاد شخصيتين سياسيتين من بغداد هما فهمي المدرس ورفائيل بطي*4.. أما في مدينة البصرة التي أعلنت الإضراب العام في يوم 15 تموز، وسيطر المضربون على المدينة لمدة 36 ساعة كما عبر عنها نوري السعيد آنذاك: " بقيت البصرة 36 ساعة بشكل فوضى" *5، فقد تم نقل قوات من الجيش والشرطة جواً وبواسطة القطار، وقد تم قمع الإضراب بإشراف مباشر من نوري السعيد رئيس الوزراء آنذاك..

لقد اضطرت السلطات العراقية إلى التراجع فألغت الرسوم عن 19 صنفاً من أصحاب الحرف و المهن المهمة، لتتبعه لاحقاً بإلغاء الرسوم عن 17 صنفاً آخر وتخفيض الضرائب الوارد في القانون المذكور بشكل كبير.

إضراب عمال الغرابيل في البصرة عام 1932 في البصرة.

في حزيران 1932 أعلن عمال الغرابيل ( مكائن تصفية الشعير تدار باليد) الإضراب عن العمل بعد شعورهم المتواصل بالظلم وسحق الحقوق من قبل الشركات التي يعملون فيها، وكذلك من قبل وكلائها المحليين ( القنطرجية) الذين فرضوا على العمال ساعات عمل طويلة ومرهقة تصل إلى 15 ساعة يومياً. أعلن الإضراب من أجل تخفيض ساعات العمل إلى 8 ساعات يوميا، وكذلك تحسين شروط العمل التي يخضعون لها. برز العامل " ماجد أحمد الفضل" قائداً للإضراب وقاد مع لجنة شكلها العمال مفاوضات مع الشركة ووكلائها المحليين.

الموقف الحازم الذي أعلنه العمال أجبر الشركة على الإستجابة لمطالبهم المتمثلة بخفض ساعات العمل إلى 8 ساعات ومنع الإنتهاكات بحق العمال. وفي أول خطوة على فرض العمال لقرارهم وتوحدهم في مواجهة الشركة وأتباعها، قرر العمال رفع علم أحمر*6 عند بدء العمل في الساعة السادسة صباحاً ويبقى مرفوعا حتى الساعة الثانية بعد الظهر حيث يتم إنزاله إيذانا بنهاية وقت العمل. سنوات مرت والعمال يرفعون العلم الأحمر وقبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية طالبت الشركات بتبديله لونه من أحمر إلى أسود!

الإضراب العمالي الجماعي سنة 1936.

جاء الإضراب الذي استمر عشرة أيام*7، رداً على الظروف القاسية التي تفرض على العمال والتجازوات والإنتهاكات التي يتعرضون لها من قبل الشركات الاجنبية والسلطات الحاكمة وأرباب العمل المحليين، حيث يعاني العمال من فقدان أبسط حقوقهم القانونية، إذ لا وجود لقانون الضمان الاجتماعي، وأوقات عمل غير محدد بساعات ثابتة ومعلومة، لا إجازات سنوية ولا عطل رسمية، والأدهى من كل ذلك انهم يعملون في ظروف عمل شاقة وبأجور قليلة جدا، فكان الإضراب العمالي الجماعي الأول في العراق، حيث أعلن عمال السكائر والنسيج والبقالون والقصابون والسواق وعمال قاعدة الحبانية إضرابهم العام عن العمل. وكانت مطالبهم تتمحور حول تحسين ظروف العمل وتشريع قانون عمل يضمن حقوقهم والمطالبة بحقهم في التنظيم النقابي. لم يترك العمال وحدهم في هذا الإضراب، بل تلقوا الدعم والمساندة من الجماهير والقوى السياسية الفاعلة آنذاك. المنشور الذي أصدرته حكومة بكر صدقي وحددت فيه ساعات العمل والإجازات والعطل، هو المنشور الرسمي الأول الذي يصدر عن السلطات العراقية، جاء نتيجة الضغط الذي ولده الإضراب العمالي الجماعي والخشية من امتداداته. المطالب التي رفعها العمال في إضرابهم كانت الأساس الذي تم اعتماده في تشريع قانون العمل رقم 72 لسنة 1936.

إضراب عمال الموانيء في المعقل عام 1936

لم تكن حياة وأوضاع العمال في ميناء البصرة، من ناحية الأجور وبيئة العمل وسطوة الشركات وإنتهاكاتها المتواصلة بحق العمال، سوى صورة معبرة عن واقع بائس ومرير يحول العمال إلى عبيد يخضعون لرحمة أرباب العمل والشركات الأجنبية التي لا يعنيها سوى تحقيق الأرباح وإن كان ذلك على حساب حياة العمال ووجودهم وقدراتهم على تحمل شروط وأوضاع العمل القاسية.

كانت أجور عمال الميناء لا تزيد عن 14- فلساً مع حفنة تمر من النوع الرديء، وكانوا يعملون 12 ساعة يومياً، ولا تحتسب لهم ساعات العمل الإضافية. لا ضمان صحي، ولا تعويض عن إصابات العمل، وفوق كل ذلك كان العمال يخضعون لسطوة الكولونيل " وورد" الذي كان يمثل الحكومة البريطانية في الميناء.

وإزاء الواقع المرير الذي يفرض وطأته على العمال، قرروا المطالبة بحقوقهم وتحسين أوضاعم ووقف الانتهاكات التعسفية التي تمارس بحقهم، والمطالبة بالرعاية الصحية المجانية والتعويض عن إصابات العمل، وتحديد ساعات العمل بثماني ساعات يوميا، واحتساب العطل الرسمية أيام عمل مدفوعة الأجر..الخ.. وحينما لم تستجب إدارة الميناء لهذه المطالب أعلن العمال إضرابهم الذي دام نحو اسبوعين، كانوا يتظاهرون فيها يومياً هم وشيوخهم ونساؤهم وأطفالهم*8. بعد أن أرسلوا برقية إلى الحكومة في بغداد حيث كان حكمت سليمان رئيساً للوزراء آنذاك.

برز العامل " جميل جبوري" كقائد للإضراب يعمل على توجيه العمال والتصدي لمحاولات إدارة الميناء كسر الإضراب من خلال تحريك قطار محمل بالبضائع فأوقفه العمال وقام قائدهم " جميل جبوري" بانزال سائق القطار*9..

قامت السلطة بأرسال " كامل الجادرجي" وكان وزيراً للاقتصاد في حينها إلى البصرة للتفاوض مع العمال وحل مشاكلهم مع إدارة الميناء. وبعد مفاوضات بين العمال والوزير الجادرجي، أقرت جميع مطالب العمال وفي مقدمتها زيادة الأجور اليومية من 14 فلساً إلى 40 فلساً.

لم تسكت إدارة الميناء ولا ممثل الحكومة البريطانية عن العمال، وسعت جاهدة لسلب المكاسب التي تحققت، مستغلة إقالة حكومة حكمت سليمان. حيث شنت موجة تنكيل بالعمال وإحالة القائد العمالي" جميل جبوري" إلى المحكمة بتهمة تحريض العمال على الإضراب، إلاّ أن كل تلك المحاولات لم تتمكن من استلاب ما حققه العمال من مكاسب بعد أن أعلنوا الإضراب..

المصادر
1-كمال مظهر أحمد، الطبقة العاملة العراقية: التكوّن وبدايات التحرّك، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1981، ص.205
2- نصير سعيد الكاظمي، مساهمة في كتابة تاريخ الحركة العمالية في العراق حتى عام 1958، مركز الابحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، دمشق، 1991، ص 90.
3- الثورة الصامتة، إضراب بغداد 1931، كتاب لشهاب أحمد الحميد، الذي صدر في بغداد سنة 1987.. يعد من أهم المصادر التي تتطرق للإضراب وتفاصيله الدقيقة. أطلعت عليه في 1998، ولكني فقدته بسبب اوضاع معينة.
4- محاضر مجلس النواب. إجتماع سنة 1931، ص 254، وكذلك، كمال مظهر أحمد، المدصر السابق، ص 212.
5- محاظر مجلس النواب. لسنة 1932، ص 48.
6- عبد السلام الناصري – أبو نصير، معارك طبقية، منشورات الطريق الجديد، ص6.
7- عبد السلام الناصري، المصدر السابق، ص 10.
8-سعاد خيري، من تاريخ الحركة الثورية المعاصرة في العراق 1920 – 1958، الجزء الأول، الطبعة الثانية، دار الرواد للطباعة، 1978، بغداد، ص 72.
9- عبد السلام الناصري، المصدر السابق، ص13.

**********************************************

3. الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! الجزء الثالث
شاكر الناصري
2018 / 4 / 29
إضراب عمال السكك الحديدية في نيسان 1945.

أعلن عمال السكك الحديدية إضرابهم العام عن العمل في 15 نيسان 1945*1 بعد أن تيقنوا إن التفاوض مع مديرية السكك الحديدية لا يجدي نفعاً. وكانت مطالبهم تتمحور حول تطبيق قانون العمل رقم 72 لسنة 1936 وزيادة الأجور وتحسين أحوالهم المعيشية، ووضع حد للتعسف والاضطهاد الذي يمارس يحقهم. كان الإضراب عاماً مما يعني تعطيل أهم الشرايين الحيوية في البلاد، فسارعت إدارة السكك الحديدية لمطالبة السلطات باعتقال قادة الإضراب، حيث تم اعتقال "علي شكر" رئيس نقابة عمال السكك، سائق القاطرة الذي قال عنه حنا بطاطو: "كان بروليتاريا حتى نخاع عظامه"*2، وحجز مقر النقابة وهدم صرائف العمال المضربين وطرد العوائل التي كانت قريبة من الشالجية بعد قطع الماء عنها وأُطلقت موجة إرهابية ضد عمال السكك. استمر الإضراب لمدة ٢١ يوماً. وعندما وجدت إدارة السكك التي تدار بشكل مباشر من قبل قوات الاحتلال البريطاني، أن قوة العمال في وحدتهم وتنظيمهم النقابي، عملت على حل النقابة واغلاقها، وتشكيل لجان مختلطة من السلطة وقوات الاحتلال عرفت بلجان سميث، كبديل للتنظيم النقابي ومحاولة السيطرة على العمال.

إضراب عمال شركة نفط كركوك " كاورباغي" في تموز 1946

يشكل إضراب كاورباغي، نسبة إلى حديقة كاورباغي في كركوك، أو حديقة الكفار كما كانت تسمى في حينها*3، حلقة مهمة في مسيرة نضال الطبقة العاملة في العراق، حيث بينت قدرة العمال على العمل النقابي والتنظيم العمالي المحكم الذي يؤكد دون لبس إن العمال هم الأكثر قدرة على التنظيم والتحول إلى قوة اجتماعية وطبقية، كونهم طبقة تدافع عن وجودها ومن أجل حقوقها.

الاجتماعات والاعتصامات التي كانت تعقد طوال أيام الإضراب، لم تكن للعمال وحدهم، بل لكل سكان مدينة كركوك الذين عبروا عن دعمهم ومساندتهم للعمال ومطالبهم ضد سلطة أرشد العمري وإدارة شركة النفط..

في الثالث من تموز من عام 1946 أعلن خمسة آلاف من عمال شركة نفط كركوك الإضراب عن العمل الذي أستمر لمدة 13 يوماً، بقيادة لجنة الإضراب التي تكونت من "دنخايلده وجون صاكيان وحنا الياس وحِكمان فارس الربيعي وفاضل جواد ورسول عبد الكريم"*4، وكانت مطالبهم تتمثل في: حرية التنظيم النقابي، وزيادة الحد الأدنى للأجور، وإيجاد نظام لضمان العجز والشيخوخة والمرض، ووقف الطرد الكيفي الذي تمارسه إدارة شركة نفط كركوك وتطبيق قانون العمل الذي شرعته الدولة في 1936.

أرسلت حكومة أرشد العمري، وزير الاقتصاد، بابا علي الشيخ محمود، والذي قال فور وصوله إلى كركوك: انني منتدب من قبل رئيس الوزراء، وجئت لكي احذركم وأنذركم بأن العاقبة ستكون وخيمة عليكم.. وهذه هي مهمتي" ثم عاد إلى بغداد، دون أن يسمع أي توضيح من العمال او شرح لوجهة نظرهم، أو معرفة الأسباب التي دفعتهم لإعلان إضرابهم.

وكذلك سعت إدارة الشركة إلى كسر الإضراب عبر محاولاتها شراء ذمم قادة الإضراب فعرضت عليهم المناصب الادراية والدور السكنية والسفر إلى لندن وتقديم رشوة مالية لهم، وكل ذلك من أجل أقناع العمال بالعودة للعمل وانهاء الإضراب.

في اليوم العاشر للإضراب، طوق الجيش مدينة كركوك. وفي اليوم الثاني عشر أستدعي الوفد العمالي المفاوض إلى مقر الشركة وقد تم التوصل إلى اتفاق حول المطالب التي أعلن الإضراب من أجلها..

وحين كان أعضاء الوفد يشرحون للعمال في حديقة كاورباغي، حيث عقد تجمع جماهيري كبير شارك فيه سكان المدينة من النساء والأطفال، ما تحقق في المفاوضات مع الشركة، قامت قوات السلطة بأطلاق النيران الكثيفة على العمال وكل الذي تجمعوا في كاورباغي، بينما كان الخيالة يسحقون أجساد العمال والأطفال والنساء فسقط16قتيلاً، و22 جريحا واعتقال العديد من العمال. وفي يوم 13 تموز نظم العمال اضراباً سياسياً عاماً في كركوك، حيث فرضوا سيطرتهم على المدينة ولم تتمكن القوات القمعية من الظهور في شوارع المدينة.

المجزرة التي أرتكبت بحق العمال، تسببت في الحرج الشديد لحكومة أرشد العمري التي عملت على فتح تحقيق بالاحداث وتحميل تبعاتها على مجموعة من الموظفين في كركوك ومدير الشرطة، بينما قامت الشركة بزيادة أجور العمال ورفع الحد الأدنى الذي طالب به العمال. وكان إضراب كاورباغي من الأسباب التي أدت إلى استقالة رئيس الوزراء، آنذاك، أرشد العمري..

رغم المجزرة التي نفذتها السلطة بحق العمال وسكان مدينة كركوك، لكن هذا الإضراب جعل جميع العمال يدركون أهمية تضامنهم وتوحدهم ودفاعهم عن حقوقهم.

إضراب عمال النفط في محطة "كي 3" في حديثة، نيسان 1948!

في يوم 23 نيسان 1948 أعلن عمال النفط، ثلاثة آلاف عامل*5، في محطة كي 3 في حديثة الإضراب عن العمل في المحطة الصحراوية التي تقع في مدينة حديثة وتبعد عن بغداد مئات الكيلومترات، ولكنها كانت محطة مهمة في انتاج النفط بالنسبة للشركات الاحتكارية وللسلطة العراقية التي تحميها.

عن هذا الإضراب، كتب واحد من أوثق قادة الإضراب، يقول: " بكلمات مختصرة، لقد أُقيمت دكتاتورية البروليتاريا، يوم 23 نيسان ( أبريل)، في كي 3، إن صحت المقارنة"* 6 !.

في تلك المحطة مارس العمال سلطتهم كقوة على الأرض، فأصبح كل شيء فيها يدار بإرادة العمال وقدرتهم على التنظيم والمواجهة.. إضراب عمال المحطة المذكورة كان تمريناً هائلاً لو تم استغلاله بشكل صحيح وفاعل!. " تحولت كي 3 إلى ميدان تدريب شيوعي عملي لا لعمال الشركة فحسب، بل أيضا لسكان الريف المجاورين من حديثة وآلوس وجِبّة وبروانة وحقلانية" كما يقول حنا بطاطو*7!

زيادة الأجور، وتحسين أوضاع العمل، وتطبيق قانون العمل رقم 72 لسنة 1936، ومساندة عمال النفط في كركوك كانت مطالب العمال، لكن الشركة رفضتها، خصوصا ما يتعلق بزيادة الأجور. ورغم كل ما مارسه العمال من تنظيم وضبط وسيطرة على الموقع، لكن أيام الإضراب لم تكن تمضي وفق حسابات العمال، ولا لجنة الإضراب، بل أن ما حدث كان خارج توقعات الحزب الشيوعي العراقي الذي كان محركاً للإضراب، ومخططاً لكل تفاصيله، لكنه لم يفكر بما تفكر به السلطة، فترك العمال يواجهون محنة حقيقية..

ففي اليوم الرابع عشر للإضراب، قامت قوة من الشرطة الآلية والمعززة بعربات مدرعة باحتلال المحطة، ونصبت الرشاشات في مواقع قريبة من سكن العمل وعائلاتهم، وقامت بطرد العمال، حرس الإضراب، وفي اليوم السابع عشر للإضراب تم حرمان العمال من وجبات الطعام وقطع عنهم الإمداد بالماء والكهرباء. ورداً على ذلك، انطلق العمال بمسيرة من المحطة إلى بغداد ( 250 كيلومتر) ، ورغم العطش و المعاناة والمتاعب والدعم الذي قدمه سكان القرى المجاورة، لكن المسيرة لم تتمكن من تحقيق أهدافها، ووقعت في كمائن الشرطة العراقية في الفلوجة، فأعتقل العديد من العمال وأعيد بعضهم إلى المحطة بشكل مباشر، او إلى مناطق سكناهم..

لم تتحقق دكتاتورية البروليتاريا في المحطة الصحراوية المذكورة، كما كتب احد قادة الإضراب، لأنها، وبكل بساطة، كانت تفتقر لشروط تحققها الأساسية، وأول الشروط وعي العمال بقضيتهم خارج حسابات المصالح الحزبية.

إضراب عمال شركة الزيوت النباتية في بغداد تشرين الثاني 1968

يشكل إضراب عمال الزيوت النباتية*8 في الخامس من تشرين الثاني 1968، أول مواجهة حقيقية بين العمال الذين يحملون خبرة النضال وتجارب الإضرابات والعمل النقابي، مع سلطة البعث التي وصلت إلى السلطة بعد انقلاب 17 تموز 1968. كان الإضراب أول تحد ومواجهة حقيقية تلمسها، سلطة البعث، من الشارع العراقي ومن القوى العمالية التي طالما شكلت هاجساً للبعث وقياداته. "إن الأهمية المباشرة لهذا الاضراب، هو انه وقع في الأشهر الاولى التي اعقبت وصول حزب البعث الى السلطة في تموز 1968 وان هذه السلطة كانت تعمل على تثبيت اركان سلطتها والعمل على دفع الاوضاع السياسية والاجتماعية نحو الهدوء والاستقرار بعد التحولات والتطورات السياسية التي احدثها وصول حزب البعث الى السلطة، وان إضراب عمال شركة الزيوت النباتية جاء ليشكل تحدياً واضحاً لهذه السلطة التي كان يثيرها جداً ما تتمتع به الطبقة العاملة والحركة العمالية من نفوذ اجتماعي واسع وقدرة على تنظيم وقيادة الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة، واحتلال مكانة حساسة في الصراعات السياسية والطبقية سواء في عقد الستينيات او في العقود التي سبقته، لذا فلا عجب أن يُواجه الإضراب، بهجمة دموية شرسة من قبل السلطة البعثية واجهزتها القمعية من الجيش والشرطة، وفرض مجزرة دموية بحق العمال المضربين والمعتصمين داخل الشركة واعتقال عدد كبير من العمال وقادتهم ."*8

الإضراب الذي قاده العامل عبد جاسم الساعدي وعدد آخر من عمال شركة الزيوت النباتية، جاء رداً على تدخلات السلطة البعثية وسعيها لإيجاد لجان نقابية تعمل لصالحها بين صفوف عمال شركة الزيوت النباتية، وكذلك للوقف ضد مساعي السلطة الرامية إلى أيقاف توزيع الأرباح السنوية على العمال، بدعوى انها تريد بناء بيوت للعمال!.

في تلك الفترة كان يتم توزيع نسبة 5% من أرباح الشركة على العمال وتكون اما بشكل نقدي أو عيني، ولما جاء البعثيون الى السلطة في العراق للمرة الثانية/ تموز 1968، قاموا بقطع نسبة الـ 5% التي توزع على العمال بدعوى ان الحكومة ستقوم ببناء مساكن للعمال وكانت هذه كذبة لم تنطلي على العمال وقادتهم الذين قالوا: هذا حقنا ويحب عدم قطعه!. ثم قاموا بتقديم مذكرة إلى وزير العمل تحمل مجموعة من المطالب وأبرزها كان عدم قطع نسبة الأرباح التي توزع على العمال وأعطوه مهلة عشرة أيام لتنفيذ مطالبهم أو اعلان الإضراب عن العمل داخل الشركة. وقد كانت الخطوات التي نفذها العمال تتطابق مع قانون العمل المعمول به آنذاك والذي يعطي للعمال الحق في تقديم المذكرات والقيام بالإضراب والتظاهر.

ومنذ اليوم الأول لتقديم مذكرة عمال شركة الزيوت إلى وزير العمل فأن قوات الجيش والشرطة وسيارات النجدة كانت تقوم، كل يوم، بمحاصرة شركة الزيوت وتطويقها بدعوى أنَّ العمال يريدون احتلال معسكر الرشيد المجاور للشركة!.

وأثناء ذلك فأن المفاوضات كانت تتواصل مابين ممثلي العمال وممثلي السلطة البعثية ووزارة العمل وإدارة الشركة دون التوصل إلى نتيجة نهائية. في يوم 3/ تشرين الثاني/1968 وبعد أن وصلت قوات الشرطة والجيش التي تحاصر الشركة كل يوم، فأن قادة العمال قد أبلغوا الشرطة والجيش بأنهم قد أنهوا مفاوضاتهم مع السلطة وانهم لا يريدون القيام بالإضراب، الأمر الذي دفع قوات الجيش والشرطة إلى الانسحاب وإنهاء الحصار المفروض على الشركة، كان هذا مثار فرح كبير للعمال وقادتهم الذين خدعوا جيش وشرطة السلطة الرجعية البعثية المستعدة لضربهم وقمع حركتهم.
وفي يوم 4 و5 /11/1968 تم عقد إجتماع عام لعمال الشركة وتم الأعلان عن الإضراب وحيث جرى اغلاق أبواب الشركة والاعتصام داخلها والسيطرة عليها بشكل كامل ومنع دخول أي شخص يرتبط بالسلطة البعثية أو من أتباعها وقد رفع شعار (عمالنا بهذا البلد قوة حديدة) وقد حظي الإضراب بتأييد كامل من عمال الشركة.

السلطة البعثية وفور اعلان العمال لإضرابهم قامت بحشد قوات كبيرة من الجيش والشرطة لمحاصرة الشركة والاستعداد لمداهمتها وضرب العمال والبطش بهم وإرغامهم على أنهاء الإضراب. وفي يوم 5/11/1968 تم إقتحام شركة الزيوت النباتية من قبل الجيش والشرطة بقيادة (فهد جواد الميرة) آمر معسكر الرشيد والقيادي البعثي صلاح عمر العلي. مارس الجيش والشرطة وعملاء السلطة البعثية دورهم المعهود في قمع العمال المضربين وممارسة كل أشكال البطش والتنكيل واطلاق الرصاص عليهم حيث استشهد (جبار لفتة) وهو أحد القادة البارزين في شركة الزيوت وتم اعتقال عدد كبير من العمال وقادتهم الذين تم إتهامهم بجريمة اطلاق الرصاص على العمال المضربين. السلطة البعثية وجدت في إضراب عمال شركة الزيوت النباتية تحدياً مباشراً لسلطتها وسياساتها المعادية للجماهير العمالية والكادحة والمحرومة وأول شيء قامت به فور إنهاء إضراب عمال شركة الزيوت بقوة السلاح والقمع السافر، هو إلغاء قانون العمل الذي كان يجيز للطبقة العاملة حق التجمع والتظاهر والإضراب، إلا انها أُجبرت مرة أخرى وبفعل قوة الحركة العمالية وإحتجاجاتها ومطالبها على تشريع قانون العمل رقم 51 لسنة 1970. وقد جوبهت جريمة السلطة البعثية ضد عمال شركة الزيوت النباتية بردود أفعال واسعة، على الرغم من كل اساليب القمع ومصادرة الحريات السياسية التي اتبعتها السلطة آنذاك، ولم تتمكن من كبح ردود الفعل التي برزت على الصعيد السياسي والإجتماعي، لذلك فانها سرعان ما عملت على إغلاق جريدة (التآخي) جريدة الحزب الديمقراطي الكردستاني ومنع صدورها نهائياً لإنها نشرت مقالاً ينتقد الممارسات الوحشية التي أُرتكبت ضد الإضراب السلمي لعمال شركة الزيوت، كذلك فإن السلطة البعثية قامت بإعتقال قيادات الحركة الإشتراكية العربية بضمنهم (عبدالاله النصراوي) سكرتير الحركة لأنها أيدت الإضراب.

المصادر
1- عبد السلام الناصري.. المصدر السابق، ص 24.
2-حنا بطاطو، العراق، الكتاب الثاني، الحزب الشيوعي، منشورات فرصاد، طهران، 2005، ص 165.
3- حنا بطاطو، المصدر السابق، ص 190.
4- نصير سعيد الكاظمي، مساهمة في كتابة تاريخ الحركة العمالية في العراق حتى عام 1958، مركز الابحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، دمشق، 1991، ص 209.
5- في كتابها " من تاريخ الحركة الثورية المعاصرة في العراق 1920 – 1958، ص169، تذكر سعاد خيري، ان عدد العمال المضربين في كي 3 والمحطات الاخرى كان 7 آلاف عامل.
6- 7- حنا بطاطو، نفس المصدر، ص 285.
8- شخصيا، كانت لي مساهمة في التعريف بهذا الإضراب الذي تم تغييبه تماماً بحكم سطوة البعث وممارساته القمعية.. الكراس الذي صدر تحت عنوان "إضراب الزيوت النباتية.. الجسارة والتحدي الطبقي" في مدينة السليمانية في نيسان ٢٠٠٠، وكان من منشورات الحزب الشيوعي العمالي العراقي، حمل أسم فهد ناصر، وتم توزيعه في بغداد والمدن الاخرى كمنشور سري، كان الكراس الذي كتبته، آنذاك، رغم شح المصادر وغياب إمكانيات التواصل. يمكن الاطلاع على الكراس المنشور على موقع الحوار المتمدن. عبد جاسم الساعدي وفي لقاء مع صحيفة الصباح التي تصدر في بغداد، قال عن الكراس انه أفضل ما كتب عن إضراب عمال شركة الزيوت النباتية. وكذلك يمكن الاطلاع على اللقاءات التلفزيونية مع عبد جاسم الساعدي أحد قادة الإضراب.



#شاكر_الناصري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لنصلح التاريخ
- حتى نقطع الطريق على النظام الطائفيّ في العراق، لابد من الإقد ...
- من أجل إنصاف الانتفاضة العراقية: رداً على مقال - الانتفاضة ا ...
- الثامن آذار، راية النضال من أجل الحرية والمساواة
- إسقاط البشير الآن، الآن، وليس غدا.. رسالة مفتوحة
- فنزويلا: إنقلاب أمريكي ومأزق يساري!
- السترات الصفراء ما بين العراق وفرنسا!
- الثقافة في العراق حصة المليشيات!
- قسوة التاريخ وفشل سلطة الإسلام السياسي في العراق
- اعتذارات هادي العامري
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! الجزء الثالث
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! - الجزء الثاني
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! - الجزء الأول
- اصلاحات العبادي تتسبب في زيادة الفقر في العراق..!!
- عن محنة رقية وأهلها مع كتاب العلوم!
- سمير صالح الذي عاد من جحيم أقفاص الأسر إلى جحيم العراق!
- -مُجرّد أُنثى- للكاتبة الدنماركية ليزا نورغورد: سيرة امرأة، ...
- هل تُرك مسعود البارزاني وحيداً؟
- صناع الفشل...!
- اليسار العراقي: دعوات التحاور والعمل المشترك، وبلاغ الحوار ا ...


المزيد.....




- شاهد.. الأمير هاري يقوم بزيارة غير معلنة إلى أوكرانيا
- أردم أوزان يكتب: منطقة من الانتصارات التكتيكية والتآكل الاست ...
- ترامب: لدي كل الوقت لإنهاء الحرب.. ولست تحت ضغط للتوصل إلى ا ...
- مهل مؤجلة و-الورقة الرابحة-.. مأزق ترامب في الحرب مع إيران! ...
- حرب إيران.. سيناريوهات المرحلة التالية بعد تمديد الهدنة
- شاهد.. حرائق تلتهم مصفاة نفط روسية بعد هجوم أوكراني
- هل كشفت حرب إيران حدود القوة الأمريكية؟
- الدفاعات الجوية تنطلق في سماء طهران وإسرائيل تنفي تنفيذ هجوم ...
- تتجلى هموم الشارع على طاولاتها.. مقاهي طهران تناقش شجاعة الس ...
- كاتس: إسرائيل ننتظر الضوء الأخضر لإعادة إيران إلى العصر الحج ...


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - شاكر الناصري - الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!