أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احسان طالب - بحث في بنية العقل، الوظيفة علّة بنيوية















المزيد.....

بحث في بنية العقل، الوظيفة علّة بنيوية


احسان طالب

الحوار المتمدن-العدد: 8686 - 2026 / 4 / 23 - 14:08
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


النظرية التي تشير إلى تشابه بنيوي بين العقل والدين قد تبدو فجة للوهلة الأولى، إلا أن التبصر العميق في التحليل الماهوي، لكل منهما، سيجلِّي الاغتراب، ويفصح عن تلك العلاقة المفارقة للهوية المصطنعة والملحقة.
إن القول بأن الدين انبثاق داخلي إنساني، تَخَلَّقَ في باطن عقل إنسان تميز عن سواه من سائر البشر، بشفافية روحية جعلته يشعر باتصال مثالي بقوة وإرادة وعقل متسامٍ، سمح له بصياغة منظومة فكرية وقيمية وجودية، تلاها على الناس كرسالة علوية؛ تحاول التوفيق بين الشق الإنساني لمفهوم الدين، ومفهوم الوحي والرسالة، وكأن النبي استخلص جملة من المقولات التعريفية والمفاهيمية المفسرة والمعللة للوجود، والمبررة لغاية الظهور البشري على سطح الأرض، نال مكانة استقاها من تسامٍ عقلي ونزاهة سلوكية ومثالية أخلاقية، جعلته واسطة بين السماء والأرض. تلك النظرية تنفي أصلاً جوهرياً للدين، ولقد سبق وشرحنا كيف يكون ذلك الجوهر المتفرد، خارج الضرورة والواجب، أي لا يحتاج لبرهان فهو بديهة وجودية وحق مطلق قائم بذاته لا حاجة له لمن سواه.
استخدم هنري بيرغسون مصطلح الدين السكوني والطبيعي في الفصل الثاني من كتابه "منبَعَا الأخلاق والدين" ترجمة الدكتور سامي الدروبي والدكتور عبد الله عبد الدايم. الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر 1971 نسخة pdf ص115.
إذا نظرنا إلى ما كانت عليه الأديان في السابق، وإلى مالا يزال عليه بعضها حتى الآن، رأينا مشهداً يخجل العقل الإنساني، ونسيجاً من الضلالات. وعبثاً تقول التجربة "هذا خطأ" وعبثاً يقول التفكير "هذا مستحيل" فإن الإنسانية موغلة في تعلقها بأذيال الخطأ والمستحيل. وليت الأمر يقف عند هذا الحد، فقد رأينا الدين ينفي الأخلاق، ويوجب الجرائم. وكلما كان فجاً كان مجاله المادي في حياة الشعب أوسع، فاستأثر لنفسه بما سيشاركه فيه العلم والفن والفلسفة فيما بعد. فما أعجب ما فعلوه حين سمو الإنسان "بالكائن العاقل"
يتحدث بيرغسون عن واقع مشهود معاش، حيث لا يصعب ملاحقة الخرافات والجهالات التي تتفشى وتتفسخ بين الشعوب والمجتمعات الراهنة، وكل منها يدعي الحق والخير والصواب، وفي الغالب الأعظم، نرى فكراً مناقضاً لقيم الأخلاق والخير ومنافياً لأبسط قواعد العقل، ومع ذلك يتعاظم دور مفاهيم دينية خرافية وأسطورية، حتى ليتخيل العاقل نفسه بقاعة مغلقة ضمن مستشفى للمجانين، لكنَّهم جميعاً يدَّعون ذروة التعقل والفهم والوعي، وأدهى الأمر أن العنف والقتل والتدمير يمارس ضد الإنسان بفتاوى دينية، تدعمها مراجع حيَّة وأسانيد تاريخية راسخة. يصل بيرغسون لمرحة التشكيك بما وصم به الإنسان من عقلانية تشكل ماهية أصيلة فيه، فكيف يمارس الخطأ والخطيئة الإنسانية، هو متمتع بعقله ووعيه، ويُصَدِّق ذلك السيل الجارف من الخرافات والجهالات والآثام التي تنبع من منصات ومنابر ترفرف فوقها رايات الدين.
يتابع متسائلاً: "كيف اتفق لعقائد وطقوس، هي على هذا الحظ من قلة المعقولية، أن تلقى قبولاً لدى كائنات عاقلة؟"
ثم يحاول تفسير ما جرى ويجري في بنية الفكر الفردي والجمعي البشري ببيان الثابت والمتغيِّر فيقول:
الحقيقة أن بنية الفكر تبقى هي هي، لكن التجربة التي اكتسبتها الأجيال المتعاقبة، وأودعتها المحيط الاجتماعي، ثم عاد المجتمع فردَّها إلى كل منَّا، هذه التجربة هي السبب في اختلاف تفكيرنا عن البدائيين، وفي اختلاف إنسان الأمس عن إنسان اليوم. إن الفكر يعمل اليوم كما كان يعمل بالأمس؛ ولكنَّه لا ينّْصَبُ اليوم على نفس المادة، وهذا ناتج عن أن حاجات المجتمع بالأمس غير حاجاته اليوم؛ وهذه هي النتيجة التي سننتهي من أبحاثنا إليها." ص117.
العلاقة بين التفكير الجمعي والتفكير الفردي ينبغي فهمها بمعرفة كلا الطرفين، ولا يصح إلقاء المسؤولية على واحد دون سواه، فإذا ستوعبنا بنية كل منهما نصبح أقدر على تفسير كيف لعالم فيزياء رياضي يؤمن بالخرافات ويروج للجهالات؟، في رأيي أن تقسيمات العقل البشري تحتوي على آلية براغماتية، ونفعية، وهذا جزء حيوي من تطلع الجسد نحو البقاء وديمومة الجنس، تجعل التفكير ينحاز لما يمكنه تعريته عن الحقيقة ونقضه بدوافع اجتماعية وحيوية. أي بما لا يتفق بالضرورة مع العقل والمنطق. لا يقول بيرغسون هذا الكلام، لكنني اتفق معه بالقول:
"لئن كانت الوظيفة لا تُفهم إلا بالبنية، فإننا لا نستطيع أن نتبيَّن الخطوط الكبرى في البنية مالم نعرف شيئا عن الوظيفة"ص121.
ولعلنا نقف على تفسير نفسي، بجوار التفسير الحيوي، لتلك الحالة من التناقض الفظ المعروضة في المثال أعلاه بفهم العبارة التالية:
"إن جنون الاضطهاد أو هذيان التأويل على وجه أخص، يبين لنا أن من الممكن أن يفسد الحس السليم مع بقاء ملكة التفكير سليمة لم يمسها أذى" ص 117.
فالعوامل المرضية النفسية تفسد بعضاً مما تغذت به النفس البشرية بالفطرة والطبيعة والقوامة الاجتماعية، بيد أنها قد تترك ملكة التفكير السليم معافاة دون أذى. يسمي بيرغسون الحس السليم بالحس الاجتماعي، ويعده فطرياً كملكة الكلام التي تقتضي وجود المجتمع، فالحس السليم موجود موصوف في الحالة الفردية، أي بعبارة أخرى، الفرد مهيئ فطرياً لقبول الانطباعات وتبني التمثلات الاجتماعية. إذاً ظاهرة التناقض الفكري ما هي إلا انعكاس للنزعة الفطرية نحو التمسك بالبقاء والديمومة، وفي ذات اللحظة التي يقرر فيها العقل اتخاذ القرار، يجد ذاته مستعدة لقبول التناقض تلقائياً؛ ونحن هنا نفسر الظاهرة، وكما كررنا أكثر من مرة، التحليل الظاهراتي تحليل وصفي وليس تقويمي. والكلام هنا عن التلقائية اللاواعية، أو آلية عمل (الوعي العميق) وليس عن ردود الأفعال الانتهازية والقائمة على التجارة؛ أي تقرير المواقف والآراء حسب قوانين سوق العرض والطلب والقيمة المضافة، ومنطق التجارة، فهذا الجانب خارج كليَّة عن مجال التحليل المشار إليه، وميدانه الأخلاق والقيم.
بالعودة لحيِّز الفهم والتحليل لظاهرة مناقضة العقل للمنطق والبرهان، كما هو الحال في تسطيره لملاحم الأسطورة وتوهم عوالم خيالية تمنحه تجارب زائفة يبني عليها أحكاماً ملفقة، تعيق توصله لنتائج صائبة من التجربة الحقيقية يقول بيرغسون:
"نجد أن العقل ما كاد يتكون حتى غزته الأوهام، وأن الكائن العاقل في جوهره، كائنٌ متوهم بطبيعته، وأن ليس بين الكائنات من يتوهم غير الكائنات العاقلة"ص123.
هنا نلاحظ كيف يكون من الضرورة معرفة الوظيفة كإسهام في معرفة البنية، فبنية العقل البشري الجوهرية يكتنفها الوهم، أي هو جزء أساسي من (التَكَيُّن) العقلي البشري، فإذا أدركنا الوظائف الأساسية للعقل أمكننا وعي بنيته الجوهرية. فالخيال والتوهم وظائف رئيسية للعقل وبنيةٌ ما هوية له. يفسر ذلك الميل الطبيعي الدائم لدى الإنسان إلى خلق عوالم وكائنات وأشياء، موصوفة في الأصل بباطن عالم الخيال والتوهم، وبفعل الدراما والتاريخ ،والبنية الطبيعة للتفكير البشري تحولت تلك الكائنات المزيفة إلى حقيقة لا جدال فيها ولا نقاش؛ حتى باتت مسلمات خارج نطاق النقد والمناقشة. ومن مضمار الواقعية نستنبط أن العديد من ضمن الأطروحات الدينية القديمة والسائدة حامل للجزء الحيوي والوظيفي للعقل البشري.
الوظيفة علَّة البنية
تلك القاعدة الوصفية التحليلية، الوظيفة علة البنية تصور ينطبق على بنية العقل كما ينطبق على بنية الدين. ويظهر تجانسا بينهما، وستتضح لنا تلك الرؤية عند تفصيل دور المدرسة الرشدية والمدرسة التوماوية.
أن إحدى وظائف الفكر تميل إلى الغريب واللامعقول. ص123.
الوظيفة الأولى التي قد يقوم بها الدين وهي الوظيفة التي تتصل ببقاء المجتمع مباشرة. الوظيفة الثانية تعمل لخير المجتمع ص143.
أليس القول بوظيفة مماثلة للعقل، لا يصح عده خروجاً عن التحليل الموضوعي.
لقد كان الدين على الدوام استجابة أو مقاومة لمعرفة العقل أنه من المستحيل تجنب الموت، فكان من وظائفه الأوليَّة منح المتدينين الخلود بأشكال وتصورات متباينة بين دين وآخر. وما فكرة الروح ككائن خارجي غير خاضع لقوانين الجسد سوى تجسيد آخر لمعرفة العقل بفناء الجسد. فصارت الروح، التي بها يحيا الجسد، بما أنها قادرة على الانفكاك منه عند توقف وظائفه الحيوية، الموت الطبيعي، على تجنب الفناء ما يتيح للجسد إمكانية العودة للحياة ثانية، أو السماح له بالبقاء حياً ريثما تتهيأ له ظروف العودة ثانيةً إلى الحركة والدوران، ما يعني تلقائياً عودة الجسد بما يمثله من مادة وغرائز وشهوات ومتع وملذات مادية ونفسية.
تلك الخواص المشتركة بين الإنسان البدائي والمتحضر، نقصد الرغبة بالخلود والحفاظ على البقاء والديمومة، وإدراك أهمية وظائف الجسد كواسطة لتحقيق الغرائز والمتع والملذات، جعلت من فكرة الخلود والروح سيماً ثابتاً في كل الأديان، بقي قائماً ومرافقاً لكل التغيُّرات والتطورات التي طرأت على العقل والتفكير الديني.
كيف يعمل الدين على تحقيق وقيام الخير والصالح للمجتمع وهي الوظيفة الثانية التي حددها بيرغسون للدين؟
يدرك المجتمع ككائن واعي أن وجوده مرتبط بوجود الفرد، فهو الجزئية التي تكوَّن منها الكل. لذلك وجب الحفاظ عليه من جهة والوقوف في مواجهته أيضاً، في الحالة الأولى وجب تهيئته وصناعة عقله وتفكيره ليكون أداة وواسطة لحماية وبناء المجتمع، في الحالة الثانية، عندما تتعارض رغباته وسلوكياته مع مصلحة المجتمع، وجب وضع القواعد والقوانين الأخلاقية والقيمية التي ينبغي عليه الاستقامة بها ليحقق خير ومصلحة المجتمع، فإذا انقلب استخدمت تلك الأصول لوضع حد لسلوكه وتفكيره، ولو دعت الحاجة إلى إهلاك جسده. كل تلك الأصول والقوانين تكفلَ الدين بصياغتها في المجتمعات القديمة، حتى في تلك التي عرفت الحضارة والمعرفة والعلوم والفلسفة، فمحاكمة سقراط وإعدامه انعكاس مطابق للتطبيق العملي لوظائف المجتمع، ودور الدين تمكينه منها.
ولما كان العقل على الدوام يُخضع الموجودات لمنطقه وقوانينه، اكتشف وجود لا معقولية في بعض من الأصول الدينية، ولما كانت الحجة العقلية بجانبه دائما، كان لا بد من وجود قدرة قادرة على سن قوانين استثنائية لا تخضع له، أوجد كثير من التصورات الفكرية الدينية الخاصة. وبالعودة لمسرحية إعدام سقراط نتبصر كيف أمكن لمجموعة من اللاعقلانيين، من النُساك والكهنة إصدار حكم بإهلاك من يهدد سطوة وسلطة المجتمع حتى ولو كان كبير العقلاء ورئيس الحكماء. والأمثلة الأخرى المطابقة متوفرة في تاريخ الحضارات بكثرة، كانعقاد المجلس الشرعي الذي حكم بإعدام السهروردي، والمجلس الفقهي الذي أفتى بنفي أبي الوليد ابن رشد وتحريم الفلسفة ومنع تداول كتبه. إنها الحالة الدفاعية الطبيعية التي تمارسها المجتمعات عندما يهدد العقل مصالح المجتمع أو يسعى ليقوض أركان وجوده، التي يعد الدين مصدراً أولياً لها. ونحن هنا بدأنا بالكلام عن التوظيف وليس عن الوظيفة البنيوية أو الطبيعية أو الجوهرية للدين، وهي لا تقل أهمية عن الأولى؛ لأنها ساهمت على مر الزمن في تقوية مكانته وإعادة الهيبة له كلما أصابه تضعضع إن كان بفعل النقد أو بفعل العقل، من هنا وجد الفلاسفة حاجة ضرورة للدين كعامل أساسي في قيام الجماعة وبقائها واستمرار تعايشها وانسجامه، وصمد في مواجهة كل الكشوفات العلمية والتجريبية التي أدخلت الشك او الريبة لبعض من منطلقاته أو تصوراته أو تشريعاته.
"المجتمعات الراكدة تتكاثر فيها الاعتقادات إلى غير نهاية عن طريق المشابهة" ص152. ذلك هو ما سماه برغسون بالدين السكوني. "إنه يرى الأشياء والموجودات كلها مندرجة في شبكة من المشاركات والمفارقات الغيبية"ص158
تتضمن علة خفية بدهية لا تحتاج لتفكر أو نظر أو تبصر بل لتصديق بلا برهان. يفسر بها كل شيء، فإذا أعيته الحجة أوجد مزيداً من المتوهمات والخيالات التي لا تنتهي.
ولا يخرج عن تلك التصورات بعمومها بعض الممارسات الراهنة في عالمنا الذي يوصم بأنه متحضر. ويعطي برغسون مثالاً راهنا بلاعب الميسر الذي يقامر بأمواله ويبرر علة ربحه أو خسارته بعلة غيبية وهي الحظ سيئاً كان أم جيداً. كما يشير إلى أن القول بأن حوادث الطبيعة إنما تستهدف فرداً أو جماعةً بعينها دون سواها تخضع لقانون غيبي انطلاقاً من فكرة الجزاء والعقاب، تنبثق من ذات الفكرة التي تجعل مبرراً غيبياً غير منطقي يتحكم بمصائر البشر تماما، كما نسب المقامر حماقة خسارته وربحه للحظ. والأمثلة منتشرة ومشهورة متشابهة في العلة ومفارقة في الشكل والصورة، فالتمائم والتعويذات وممارسة السحر، هي تصورات خاضعة لذات التفكير الأصولي الغيبي، حتى لو صدرت من ملحد أو لا ديني.
"إذاً إلى الأمر من هذه الناحية، ناحية النشوء لا التحليل، فإن كل ما يجيء به العقل المنصب على الحياة من خلل واضطراب، وكل ما تأتي به الأديان من تهدئة، يبدو شيئاَ بسيطاُ. فالاختلال وخلق الخرافات يتوازيان ويتفانيان. إن إلهاً ينظر إلى الأمور من أعلى ليبدو له هذا كله غير قابل للانقسام كتفتح أزهار الربيع."ص224.
ما يسعى إليه العقل من خلال تجاربه ومحاكماته وجدله يتراوح بين ضفتي الصواب والخطأ، في حرمة أو تواتر ذلك الاختلال، وإن شئت سميه الاهتزاز، إنما يرنو في ماهيته إلى الثبات، وهو الضفة الثانية التي تفتتح جدلاً صوفياً.
الدين الحركي
"نستطيع أن نستحلص أن ثمة قوة فوق العقل، هي التي خلقت التطور العقلي، ثم انتهت به إلى غايته، إلى ما وراء العقل."ص237.
يتحرك العقل متأملاً متحرراً من الثقل المادي نحو غايته وراء المعقولات بحثاً عن تجليات تستوعب إمكان قيام اتصال أو كشف عن حقيقة عالية، نبع منها وانبثق من خلالها. وما تلك المسيرة سوى سردية للتصوف، متحلية بطاقات وبذرة مبثوثة فيه ووهج ما هو فوقه، وما هو متعالي متسامٍ عنه، ولن يكون ذلك المتعالي الماوراء عقلي سوى الله.
"والواقع أننا ننظر إلى الدين في أصوله، سكونياً كان أو حركياً. ولقد وجدنا أن الأول تفرضه الطبيعة، ونرى الآن أن الثاني قفزة خارج الطبيعة"2241 ص,
ذلك التوثب مبثوث في النفس والعقل، طالما كان الحديث عن النشأة، والذي لا يكون إلا حديثاً مركباً، يضيف علة الموضوع ويستحدث فيه معنى، غاب أو أفلت من التحليل.
" إن اليقين الفلسفي على درجات، وهو يستعين بالحدس كما يستعين بالبرهان. وإذا كان من الممكن أن يمد الحدس القائم على العلم؛ فلن يكون ذلك إلا بالحدس الصوفي" ص 275.
"الحدس الصوفي مشاركة في الجوهر الإلهي"؛ تجربة من نوع آخر مفارقة للتجربة الحسية أو التجربة الدنيوية. والحركة المُحَفَّزة على الدوام من تلك النزعة التوثبية الطبيعية الفطرية، تدفع نحو التعالي لتصل بالدين إلى جوهر الحب، ليغدو حباً خالصاً مجرداً من الطبيعة.
وينسجم ذلك الطرح مع القول بأن هنري برغسون نقض ما أطلق عليه "الدين الميكانيكي" الذي يقوم على فكرة: أن الكون محكوم بقوانين ميكانيكية ثابتة. ويعتبر برغسون أن هذه الرؤية تؤدي إلى فهم سطحي للعالم، حيث أنها لا تأخذ في الاعتبار الجوانب الحيوية والروحية للوجود. حيث الدين الميكانيكي "رؤية العالم التي تعتقد أن الكون يتكون من مادة مقسمة إلى أجزاء، وأن هذه الأجزاء تخضع لقوانين ثابتة لا تتغير". ويعارض برغسون هذه الرؤية، ويعتقد أن الكون لا يمكن فهمه من خلال القوانين الميكانيكية، بل يجب فهمه من خلال الجوانب الحيوية والروحية للوجود.
في كتابه "التحولات الفلسفية" (1907).
وفيما يلي بعض الأمثلة على استخدام برغسون لمصطلح الدين الميكانيكي:
في كتاب "التحولات الفلسفية"، يقول برغسون: "الدين الميكانيكي هو رؤية العالم التي تعتقد أن الكون يتكون من أجزاء منفصلة، وأن هذه الأجزاء تخضع لقوانين ثابتة لا تتغير".
في كتاب "الوقت والوعي"، يقول برغسون: "الدين الميكانيكي هو رؤية العالم التي تنظر إلى الكون على أنه شيء جامد لا يتغير".
في كتاب "العقل الباطن"، يقول برغسون: "الدين الميكانيكي هو رؤية العالم التي تعتقد أن الكون يمكن فهمه من خلال القوانين العقلانية".*
وبشكل عام، يمكن القول أن هنري برغسون هو صاحب مصطلح الدين الميكانيكي، وقد استخدم هذا المصطلح في كتاباته الفلسفية لوصف رؤية العالم التي تقوم على فكرة أن الكون محكوم بقوانين ميكانيكية ثابتة.
نعم، يمكننا القول أنَّ برغسون نقد مفهوم الدين الميكانيكي، أو التلقائي، ما يوحي بوجود عفوي وميكانيكي للدين ورأينا في كتاب "منبعا الأخلاق والدين" كيف عالج مفهوم التحلي والنشأة، وقدم عرضاً لمفهومي الحركة والسكون. فالعالم حي وليس مجرد آلة ميكانيكية، تتحرك بلا عقل وفق منظومة قوانين جامدة ينضبط بها ميكانيكياً بصورة مادية بحتة، ووجدنا لديه ميلاً أصيلاً لميتافيزيقية تتطلع لتكون حقيقة علمية.
يدلل على رؤيته تلك بوجود حركة وتبدل وتطور لدى الإنسان والأفكار والأديان والطبيعة، فالتواتر الحركي للتطور قائم، لكنَّه ينظر بواقعية بين طرفي التطور أي الغاية والبداية مستعرضاً تطور البشر كنسقي غائي، وبقاء الحشرات في تكوينها البدائي نسبياً، أي نسبة للإنسان، ومن بينهما من درجات وطبقات، من هنا لا يصح اعتبار التطور تلقائيا ميكانيكياً وإلا لما تراوح بين الحدين المذكورين.
كما أبان عن نسق من الوحدة بين الأجزاء التي يتكون منها الوجود والمخلوقات، ما يشي بوحدة قائمة تثبتها طبيعة الأجزاء وترابطها وتعالقها. كما شرح في الفصل الأول من كتاب منبعا الأخلاق والدين. وتحدث عن إمكان الاختيار لدى الكائن العاقل ومال كما رأيّْنا في حديثه عن التصوف إلى عالم مختار فيما وراء العقل. وتجلى ذلك في صور عدة منها تعدد التوجهات والتصورات والأفكار البشرية، كما هو الحل في التعدد الطبيعي وكأنه يلمح لوجود حرية طبيعية ضمن القوانين الطبيعة تسمح للكائنات للسير وفق نمط بعينه دون سواه.



#احسان_طالب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التسامي الإنساني الروحي. الدين كظاهرة وجودية أصيلة
- بحث في المعنى، التأويلية الفينومينولوجية ما بين هايدغر وهوسر ...
- القيمة والجوهر والماهية، الوعي وتفاضل الفضيلة
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
- الدين والدولة والسياسة والأخلاق مفارقات موضوعية
- ثورة العقل لزوم التنوير
- بحث في المنطق، تفكيك وتحليل المغالطة المنطقية
- قواعد المنهج في علم الظاهراتية. الموسوعة الفينومينولوجية
- تأصيل مفهوم الشعور كأساس ظاهراتي، نقد الشعور الوجودي عند هاي ...
- الانقسام الجوهري بين فينومينولوجيا هوسرل وأنطولوجيا هايدغر ا ...
- الترجمة والتأويل بنسق فلسفي ظاهراتي
- -فينومينولوجيا الاستيعاء: التمايز المنهجي بين الإدراك الحسي ...
- الظاهراتية بين الوجود كوعي والوجود ككينونة هوسرل مقابل هايدغ ...
- ماهية المسؤولية، من خلال استعراض لتاريخ الفلسفة الظاهراتية ( ...
- نظرية إحسان طالب في المسؤولية والوعي اليقين الماهوي والحدس ا ...
- الدولة ما بين هيوم وهيغل. مبحث فينومينولوجي
- نقد نظرية ميشال فوكو حول السياسة الروحية. نظرية الخميني ونظر ...
- الوعي بالشعور سُبل التفكير الايجابي
- في مفهوم الديموقراطية الالتباس والواقعية السياسية
- ثقافة التسامح بين الفكر الوصفي والفكر الغائي وفي ضوء علم الن ...


المزيد.....




- النظام الإيراني يرد على تصريحات ترامب عن -وجود انقسامات بسبب ...
- ترامب يعلن تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لـ3 أساب ...
- هل ستشن ضربات نووية على إيران؟.. ترامب يرد
- ترمب يبشر بترميم العلاقات مع بريطانيا خلال زيارة تشارلز لواش ...
- إيران تعلن موقفها من المفاوضات وترد على ترمب بتأكيد الوحدة ا ...
- تونس في مفترق الطرق.. 3 سيناريوهات تحكم مشهد -الانسداد العظي ...
- وول ستريت جورنال: حرب إيران استنزفت الذخائر الأمريكية
- -صراع الألغام- يشتد تحت مياه هرمز
- وزير الدولة الصومالي للشؤون الخارجية: سيادتنا ليست للبيع وسن ...
- إسرائيل تعترض -مقذوفات- أطلقت من لبنان


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احسان طالب - بحث في بنية العقل، الوظيفة علّة بنيوية