ماجد احمد الزاملي
باحث حر -الدنمارك
(Majid Ahmad Alzamli)
الحوار المتمدن-العدد: 8686 - 2026 / 4 / 23 - 14:05
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تحرير السياسة من قيم وثقافة الالتزام الاجتماعي وما يرافق ذلك من مظاهر العنف والاشاعة والشعارات الفضفاضة التي تغذي الفتن والانقسامات بين القوى السياسية والمدنية ، فالاجدر بالفاعلين الاجتماعيين والسياسيين التحلي بمنطق الحكمة العملية والعقل النقدي الناضج والفاعل والمعنى المقصود والارادة المشتركة في البناء والارتقاء بالمواطن والوطن . ان الإشكال الرئيسي الذي ينبغي أن ينشغل به التفكير السياسي في هذه المرحلة الجديدة من التطور السياسي لشعبنا ، هو تحسين الأوضاع الاجتماعية وايلاء أهمية قصوى للتكافؤ والمساواة في الفرص والحقوق بين الأفراد على المستوى المعيشي وتحت مظلة القانون، والابتعاد عن التمركز الجهوي والتعصب الايديولوجي ، والكف عن البحث عن المصلحة الحزبية المحدودة وعن استعراض القوة الشعبية و المال السياسي والقرب من مراكز النفوذ والتفرد بالسلطة .
لقد أخطأ الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة كثيراً في تحديد جذور وخصائص وأسباب ظهور الفكر الأصولي الثيوقراطي، ذلك الذي يضرب الآن أركان العالم. وحتى الآن يغفل الغرب عن النظر للجانب الفكري والأيديولوجي في إنتاج هذا الإرهاب. إن الإطار الفكري الطاغي في المجتمعات الإسلامية الآن، إطار ثيوقراطي نكوصي بشكل عام لا يقبل الحياة والتعايش مع قيم الحداثة وإنما يتصالح مع إنجازاتها المادية فقط. إطار يريد حبس قيم المجتمعات ومفاهيمها ومؤسساتها السياسية والاجتماعية والقانونية في حدود ما كان عليه الأمر قبل مئات السنين ، ويدّعي بأن حلول قضايا اليوم موجودة في تراث الماضي المغلق. وإذ نستقرئ الوضع الحالي وارتباطه الوثيق بأصول فكرية مستندة على تفسير معين للدين، فلا بد من التأكيد بأن التشدد والتطرف الذي يمكن أن يصل مرحلة استواء الموت والحياة ليس شيئاً جديداً في تاريخ العالم الإسلامي. بل يمكن القول أن بذوره قد غرست في قلب المكوّن الفكري والثقافي للدولة العربية الإسلامية منذ بدايتها. إنه، وكأمثلة قريبة في التاريخ يمكن الإستشهاد بتجربة انتصار الوهابية بالجزيرة العربية في القرن الثامن عشر وتجربة الثورة المهدية بالسودان في القرن التاسع عشر، اللتين لم تكونا أقل عنفاً و بشاعة وميلاً لإهدار الدماء عما تفعله داعش الآن، بما في ذلك النظر لكل العالم باعتباره دار كفر وجب قتاله حتى يركع ويدخل عنوة دار الإسلام.
تمثل الاصولية الاسلامية تهديدا متزايدا للنظام الإجتماعي, ففي المجال السياسي الإجتماعي للشرق الأوسط أصبحت عاملا مهيمنا, وفي الشرق الاقصى أندونيسيا، والفلبين،و ماليزيا وبلدان "إسلامية" أخرى بدأت الأصولية الإسلامية تؤكّد نفسها بقوة في خضم النظام الإجتماعي السياسي المربك, في شبه القارة الهندية ظهرت على السطح في شكل نزاعات عرقية و قومية مزمنة اثرت في وضع سكان هذه البلدان. و انتعاشها في آسيا الوسطى خلق قلقا وتوترا بين الأنظمة الحاكمة.و تقف باكستان عند عتبة الهمجية الأصولية. إن ظاهرة "الإسلام السياسى" كما عبرت عنها الجماعات التى ارتبطت بها منذ النشأة ألاولى جماعاتها السياسية ، والمتملثة فى حركة الاخوان المسلمين، ثم الجماعات الأخرى التى ظهرت منذ اواخر الستينيات "الجهاد" أو الجماعة الإسلامية أو غيرها من الجماعات الصغيرة المنشقة عنهما أو تلك التى ظهرت بشكل مستقل - ستظل لها أبعادها السياسية والاجتماعية والفكرية العميقة التى تحتاج الى المتابعة والدراسة والتحليل.فالخلفية الاجتماعية مازالت تفسر الى حد كبير كثيرا من الخيارات السياسية، كما أنها هى التى تساهم فى تشكيل نسق القيم الذى يحكم ثقافة نخبة ما، سياسية كانت أو فكرية، وهى التى تساعد على فهم طبيعة أى حركة سياسية أو اجتماعية، التى توجه بدورها سلوكها السياسى إما اعتدالا أو عنفا ولذلك سيبقى التوقف عند الخلفية الأجتماعية التى خرجت منها أى حركة سياسية بكل ما يعتيريها من طموحات وتطلعات، أو من إخفاقات واحباطات وحتى أزمات، من العوامل المهمة لفهم طبيعة وتوجهات هذه الحركة أو تلك. ويسري ذلك بشكل أكبر عند دراسة أكثر الطبقات الاجتماعية تأثيرا على الحياة السياسية، وهي الطبقة الوسطى بشرائحها المختلفة. ان مسألة تدبير شؤون البلد وتحقيق درجة الإشباع للمواطن يقتضي توفير أطر عارفة بشؤون التدبير وتقنياته وملمة بحاجات المواطن سواء الاعتيادية أو المتجددة ,فعليهم ان يعرفوا حقوقهم وواجباتهم تجاه المواطنين أولا لأنهم إليهم يرجع الفضل في حصولهم على هذه المرتبة،لكن غياب المعارضة من داخل المجلس النيابي كجهاز حيوي يعتبره الكثيرون احد الأسباب التي يمكن أن يؤثر غيابه سلبا على التنمية وحسن تدبير الميزانية وتعطيل المرافق العامة للبلد والدفاع عن مصالح المواطنين. الا ان الأصوليين وجدوا صعوبة للحصول على دعم شعوب البلدان "الإسلامية" خلال عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، لان التيارات اليسارية إكتسحت اغلب البلدان الاسلامية. فما كان لديهم بديل الاّ الإرتماء في احضان الإمبريالية لضمان بقائهم. كانت أغلبية هذه الدول"الإسلامية" غير مستقرة و ذات طبيعة رجعية. كما كانت الأنظمة السياسية في هذه البلدان معتمدة بشكل كبير على الإمبريالية الأمريكية في قمع الثورات الشعبية التي تواجهها . ولذلك و في عدّة بلدان، أصبح الأصوليون الإسلاميون عملاء لهذه الدول الإقطاعية- الراسمالية و بتستر من الإمبريالية. فقاموا بالتجسس، والتخريب وقتل النشطاء اليساريين. و خربوا مكاتب الصحف اليسارية، و حاصروا النساء و شنوا اعمال يمكن وصفها اعمال إرهابية ضد كل فكر تنويري. فالاصولية الاسلامية ظاهرة رجعية تمثّل مرحلة غريبة في مجتمع رأسمالي ، مجتمع ركد بسبب الأزمة الهيكلية للرأسمالية. ففشل الرأسمالية في إزالة الإقطاعية وتواصل وجود الأشكال البدائية للمجتمع الإنساني يخلقان التربة الخصبة للأصولية الإسلامية. يخلق هذا النمو الغير متكافىء التناقضات التي تهيء اسس الاتجاهات الرجعية في فترة الأزمة الإجتماعية. و حتى اموال النفط لم تخدم إنجاز مهام الثورة البرجوازية، اي الثورة الصناعية، في دول النفط الإسلامية الغنية. وهو ما يبرز رجعية هؤلاء الحكّام وإفلاسهم التأريخي. في نفس الوقت فان الاصولية الاسلامية ظاهرة مؤقتة وسطحية. و الجهود التي بذلت لعصرنتها إنتهت باضعافها. لذلك فان الوحشية والبربرية يظهران ثانية لتنشيطها ان العدو الكبير للحركات الاصولية هو التأريخ والحضارة الانسانية النيرة . وهنا نسأل هل تغيرت مواقف الحركات الإسلامية بعد وصولها إلى الحكم؟ وهل تتوفر هذه الحركات على القابلية والإرادة والطاقات الفكرية التي من شأنها إنجاز هذه المهمة؟ وما هو وضع المجتمع المدني في ظل "الحكومات الإسلامية"؟ ، أن الحراك العربي أشبه بالمنعطف في الطريق، "حيث غياب الوضوح والرؤية". أن الثورة الفرنسية التي قامت عام 1789 سبقها قرن كامل من الأدبيات المتخصصة في الفلفسة والسياسة، وهذا ما ينقص العالم العربي اليوم .
إن صعود القوى الإسلامية بشتّى ألوانها شكّل علامة مميّزة لمسار الحراك والثورات العربية "سواء تلك التي شهدت حراكا انطوى على قدر من العنف كليبيا و مصر و تونس.أن تناول أداء تلك التيارات في المنطقة العربية يفترض تجاوز المقاربات التعميمية التي تضعها بمختلف أشكالها في سلّة واحدة، "خاصة وأنها تتباين من حيث طبيعة الفضاء القانوني والسياسي و الاجتماعي الذي تشتغل فيه". أن الحراك لم يكن من صنع هذه الحركات الإسلامية، "لأنه حراك مجتمعي تلقائي تفاعلي صيغ بعيدا عن القنوات الوسيطة التقليدية"، رغم ذلك فكثير من فعاليات هذه الحركات حاولت اللحاق به واستثماره لصالحها، فما مدى قدرة تلك التيارات الإسلامية في الإسهام في تغيير خطاباتها و أدبياتها داخل المجتمعات مع رحيل الأنظمة المستبدّة. أن سيرورة الديمقراطية، والتي هي تلقائية وداخلية المنشأ ، عملية تستجيب لسيرورة اجتماعية "تطالب بدولة وليدة إرادة من صنع الشعب"، أن أي دولة يستطيع المجتمع أن يغيرها ويستبدلها، "بمعنى أدق أن تكون للمجتمع حرية اختيار الحاكمين والحد من السلطة السياسية ومجالات نفوذها"، لأن ذلك يوفر الشروط السوسيولوجية لنشأة مجتمع مدني. إن الديموقراطية هي حتمية تاريخية في العالم العربي، دخول الإسلاميين في زمن السلطة هو نتيجة طبيعية لمشروعهم السياسي القائم على مركزية السلطة، "وبالتالي فإن الديناميات المدنية التي تستهدف تنوير المجتمعات و تحرير الهوية من مجال السلطة، ستؤدي إلى تنصيب الموقف السياسي القائم على تأويل ديني"، أن "زمنية السلطة" بالنسبة للإسلاميين هي جزء من المرحلة الانتقالية ذاتها. أن الحراك العربي كان ممرا لـ"إسقاط الأنظمة ألإستبدادية "، ويحمل التطلع إلى "تفكيك السلطوية" و إعادة بناء نظم سياسية ديمقراطية، أن اختيار "الجماهير" للإسلاميين لتسيير شؤونهم في ظل أجواء الحراك "الثوري"، سمح للعديد من المراقبين بالتشكيك في "النماذج البديلة" التي تحملها خيارات الجماهير الشعبية ولأن هذه الظاهرة أكبر وأعقد من أن تصاغ حسب الاهواء,بل ينبغي معرفة الأصول الاجتماعية لحركات الإسلام السياسي المعاصرة انطلاقا من الخبرة ، و مواقف هذه الحركات وعلاقتها بقضية الديمقراطية فى العالم الإسلامى. والواقع أن الخبرة العملية تثبت أن وجود ما يسمى بمرجعية واحدة تلتزم به كافة القوى السياسية لم يقلل من الصراعات الدموية والانشقاقات الحادة بين التيارات والجماعات التى تنتمي إلى المرجعية الإسلامية نفسها! وأدت هذه الصراعات فى النهاية إلى إغراق دول فى حروب أهلية أو دخولها فى حلقة مفرغة من العنف مثلما حدث فى أفغانستان وغيرها, ولهذا تبقى هناك فجوة كبيرة بين إعلان بعض فصائل وتيارات الحركة الإسلامية بقبول الديمقراطية من حيث الشكل وبين التزامها الفعلي بمبادئها وأفكارها فضلا عن قواعدها فى الممارسة. فالديمقراطية فى التحليل النهائي هى ظاهرة مرتبطة فى النشأة والوجود والاستمرار بالمجتمعات الحديثة، وبإتاحة أكبر قدر من الحريات وضمانها ولا يمكن ان تكون مجرد وسيله لدعم الأفكار الشمولية التى تسعى لتغيير وجه هذه الحياة المدنية، وإقامة "ثيوقراطية" جديدة إن كل هذه الاعتبارات ستظل مطروحة عند الحديث عن واقع ومستقبل الحركات السياسية الإسلامية، وهى اعتبارات تفرض تحديات معينة أمام عملية التحول الديمقراطي فى العالم العربي والإسلامي، كما تطرح قضايا على القوى الإسلامية الإجابة عليها ومواجهاتها بفكر جديد، وعقلية أقل انغلاقا.
لا بد أن يستهدف الضغط السياسي إرجاع المسجد لوضعه الطبيعي كمكان للعبادة وليس للسياسة وتعبئة المشاعر وبث الكراهية. فالمسجد اليوم يلعب دوراً سلبياً خطيراً للغاية في نشر الخطاب السياسي كما يمثل ملتقىً حراً لدعاة الفكر السلفي للاستماع لتعليمات الدعاة وتنظيم نشاطاتهم. وفي هذا نرى أن نماذج الجهاديين الأوروبيين تقدم دليلاً حياً على خطورة المساجد في تهيئة المناخ الملائم لنمو التطرف والإرهاب حيث وضح أن الأغلبية العظمى منهم تشكلت قناعاتهم عبر استخدام المساجد بشكل أو آخر.
#ماجد_احمد_الزاملي (هاشتاغ)
Majid_Ahmad_Alzamli#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟