سعد بن علال
الحوار المتمدن-العدد: 8686 - 2026 / 4 / 23 - 00:59
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في كل عودة إلى ذكرى ميلاد فلاديمير لينين، يتجدد سؤال قديم في صيغة جديدة: كيف نقرأ رجلا لم يكن مجرد فاعل في التاريخ، بل صانعا لشروط إمكانه؟ ليست المسألة استحضار سيرة أو إعادة سرد وقائع الثورة الروسية 1917، بل مساءلة تلك اللحظة التي تداخل فيها الفكر بالفعل، حيث خرجت الماركسية من موقع التأويل إلى موقع المبادرة.
لقد فهم لينين مبكرا أن نصوص كارل ماركس لا تقرأ خارج سياقها، وأن تحويلها إلى يقين مغلق يعني قتل روحها النقدية. لذلك، لم ينطلق من “ما يجب أن يكون”، بل من “ما هو كائن” في تشكيلة اجتماعية متأخرة، مشوهة، وغير متكافئة. ومن هذا المنطلق، أعاد ترتيب العلاقة بين المهام التاريخية، فطرح إمكانية القفز على التسلسل الكلاسيكي للمراحل، دون أن ينفي تعقيداتها.
في هذا الأفق، لم يكن الحزب مجرد أداة تقنية، بل تعبيرا عن حاجة تاريخية: الحاجة إلى تنظيم الوعي داخل واقع تتنازعه العفوية والتشتت. الحزب، بهذا المعنى، هو محاولة لتكثيف الزمن، لاختزال المسافة بين التناقض الموضوعي والفعل السياسي. لكنه في الآن نفسه يحمل بذور تناقضه الخاص، إذ يمكن أن يتحول من أداة تحرر إلى جهاز ضبط، ومن وسيط بين الجماهير والتاريخ إلى بديل عنهما.
هنا، تبرز أهمية قراءة لينين لا كجواب، بل كسؤال مفتوح. فالرجل الذي راهن على القدرة التنظيمية للطبقة العاملة، كان يدرك هشاشة هذا الرهان في ظل شروط القمع والتأخر. لذلك، لم تكن اختياراته خالية من المخاطر، بل كانت مشدودة إلى توازن دقيق بين الضرورة والإمكان. وهذا ما يجعل تجربته قابلة للنقد بقدر ما هي جديرة بالفهم.
إن استعادة لينين اليوم لا تعني البحث عن نموذج يستنسخ، بل عن منهج يفكك ويعاد تركيبه. منهج يقوم على تحليل الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون، وعلى بناء أدوات قادرة على التدخل فيه، لا الاكتفاء بوصفه. بهذا المعنى، يصبح الاحتفاء بذكرى ميلاده فعلا نقديا، لا طقسا رمزيا.
لقد علمنا لينين أن التاريخ لا ينتظر من يفسره، بل من يغامر بتغييره. غير أن هذه المغامرة، كما تكشف تجربته، ليست ضمانة للانتصار، بل احتمال دائم للانحراف. وبين هذين الحدين، يظل إرثه مفتوحا، يطالبنا لا بالإيمان به، بل بالاشتباك معه.
#سعد_بن_علال (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟