أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - حين ينتصر الصمت على الخشبة.. قراءة في مسرحية أداجيو.. اللحن الأخير















المزيد.....

حين ينتصر الصمت على الخشبة.. قراءة في مسرحية أداجيو.. اللحن الأخير


حسام موسي
كاتب وباحث وناقد ومؤلف مسرحي مصري


الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 22:13
المحور: الادب والفن
    


كثير من الروايات يصعب تحويلها إلى مسرح، ليس لأنها لا تصلح للعرض، ولكن لأن جوهرها يعتمد على أشياء أعمق من الحوار والحركة. ورواية "أداجيو" للروائي إبراهيم عبد المجيد تنتمي إلى هذا النوع، فهي رواية تعتمد على الإيحاء والصمت، تتحرك بهدوء خفي كتيار غير مرئي، أو كشيء يتسلل ببطء على إيقاع خافت بالكاد يُسمع.

لهذا كان قرار المخرج السعيد منسي بتقديمها على خشبة مسرح الغد مغامرة فنية تستحق التفكير. كيف يمكن لرواية تعتمد على ما لم يُقَل أن تتحول إلى عرض مسرحي يقوم على الظهور والتجسيد؟ وهذا هو السؤال الأساسي الذي يحاول هذا المقال الإجابة عنه من خلال تحليل عناصر العرض من الإعداد إلى الإخراج والسينوغرافيا ثم أداء الممثلين.

وتبدأ مسرحية "أداجيو.. اللحن الأخير" بمشهد في ليلة الرابع عشر، حيث تسأل ريم (هبة عبد الغني) وهي طريحة الفراش منذ عامين بسبب مرض السرطان زوجها سامر الدريني (رامي الطمباري) "هو النهاردة كام في الشهر؟" حين يجيبها "النهاردة أربعتاشر في الشهر"، تهمس "يعني بكرة خمستاشر عشر". هذا التاريخ، كما سنكتشف لاحقًا، هو يوم وفاتها الذي يبدو أنها تستشعره.

من هذه اللحظة، ينفتح الزمن المسرحي عبر تقنية الفلاش باك ليروي لنا ما جرى خلال العامين السابقين. نرى سامر وقد قرر عزل زوجته في فيلتهما بمنطقة العجمي في الإسكندرية بعيدًا عن أعين الناس ليرعاها بنفسه في صمت تام. الفيلا نفسها تعاني من نشع المياه الجوفية الذي يغمر أرضيتها باستمرار فيضطر سامر إلى تغيير السيراميك مرات عديدة في استعارة بصرية عن الموت الذي يتسلل ولا يمكن إيقافه.

في هذه العزلة لا يتردد على الفيلا سوى السائق البسيط عثمان (جورج أشرف) الذي يُحضر الصحف والطعام، ويصبح نافذة سامر على العالم الخارجي بجانب الجنايني (محمد دياب). كما تظهر علياء الطباخة التي كانت تطهي لهم الأكل أثناء زياراتهم للإسكندرية لتشكل متنفسًا إنسانيًا دافئًا في هذا العالم الموحش.

يتغير كل شيء مع وصول غادة (بسمة شوقي) صديقة ريم القديمة وعازفة البيانو والتي تعرف مكانهما من الصحف. تدخل غادة هذا العالم المغلق لتساعد سامر في رعاية ريم، في البداية بدافع الصداقة والوفاء. لكن وجود امرأة حية تتحرك وتضحك وتطبخ وتعزف في مواجهة جسد ريم الذي يذوي في الأعلى يخلق توترًا عاطفيًا هائلاً. غادة تحمل مشاعر دفينة تجاه سامر منذ زمن، وهو المنهك من عامين من الصيام العاطفي والجسدي يجد نفسه أمام إغراء الحياة من الحياة من جديد. ذروة هذا التوتر تتجسد في مشهد العلاقة الحميمة بين سامر وغادة والذي يحدث بينما روح ريم حاضرة صامتة على الخشبة وشاهدة على ما يحدث. هذا المشهد يضع الجمهور أمام أسئلة أخلاقية مريرة .. هل هي خيانة أم احتياج إنساني؟ وهل يمكن للحياة أن تستمر بينما الآخر يحتضر في الغرفة المجاورة؟

بعد هذه الذروة، يعود بنا الزمن المسرحي إلى نقطة البداية أي في ليلة الرابع عشر. نعود إلى ريم التي تعرف أن غدًا هو موعدها مع الموت، وإلى سامر الذي يواجه نهاية رحلته في الرعاية الصامتة. المسرحية لا تقدم إجابات سهلة وإنما تتركنامع صورة رجل وامرأة وبيانو صامت ومياه لا تتوقف عن الصعود من باطن الأرض.

من الحكاية إلى الحالة
أولى إشكاليات الاعداد المسرحي لنص أداجيو تكمن في أن الرواية الأصلية لا تقدم لنا حكاية بالمعنى التقليدي ولكن تقدم حالة. فنحن أمام رجل يعيش موت زوجته يومًا بيوم في فيلا مهجورة بالإسكندرية تغرق بالمياه الجوفية. ليس هناك حدث كبير بالمعنى التقليدي وإنما تراكم دقيق من التفاصيل من تغيير البامبرز إلي الكانيولا، لمحاولة إصلاح أرضية تتشقق.
لذا فإن السعيد منسي كمُعد ومخرج واجه تحديًا مزدوجًا.. كيف يحافظ على روح النص دون أن يفقد إيقاع المسرح؟ وكيف يترجم الصمت الروائي إلى لغة مسرحية؟
الاختيار الأهم الذي اتخذه منسي كان افتتاح المسرحية بمشهد "ليلة 14"، حين تسأل ريم زوجها عن اليوم، فيجيبها "١٤" فترد: "إذن غدًا 15". هذا القرار الدرامي جعل المتفرج يعرف منذ اللحظة الأولى أن النهاية محددة بساعة زمنية. لم نعد نتابع قصة لنكتشف نهايتها وإنما أصبحنا نراقب لحظة احتضار تحدث أمامنا، بهذا الترقّب العكسي يكتسب العرض مسحته التراجيدية حيث تتحول كل ابتسامة في الاسترجاع وكل بارقة أمل إلى إشارات خافتة تقودنا ونحن نعلم نحو ذلك السرير في ليلة 14 فبراير. هذه البنية لا تعتمد على تصاعد الأحداث بقدر ما تعمّق الإحساس بها فالزمن يدور في دائرة نعود فيها إلى البدايات بحثًا عن المعنى وليس الإجابة. ومع كل انتقال بين الحاضر والاسترجاع يزداد ثقل اللحظة، فيصبح التشويق قائمًا على كيف وصلنا إلى هنا، لا على ما سيحدث لاحقًا.

بناء بصري يخدم النص
وإذا كانت الرواية تتنقل بين الفيلا والشاطئ وبيت الخادمة علياء، فإن الخشبة المسرحية محدودة المساحة. هنا برز تفوق المخرج بالتعاون مع مصمم الديكور أحمد الألفي، حيث تم تحويل خشبة المسرح إلى فضاء متعدد المستويات يعكس البنية النفسية للعمل. فالفيلا صارت هي الفضاء الأم. لكن ما يلفت الانتباه هو تقسيم هذا الفضاء رأسيًا حيث الجزء السفلي منها يمثل الحياة اليومية التي يحاول سامر ترميمها. هنا نرى محاولاته العبثية لإصلاح الأرضية، وهنا يستقبل عثمان، وهنا تحدث العلاقة الملتبسة مع غادة. أما في جزئها العلوي استخدمه المخرج كمكان لصيد الأسماك. فنجد في الرواية ذهاب سامر وعثمان إلى شاطئ بعيد لممارسة الصيد. أما في المسرحية فإن رؤيتهما فوق سطح الفيلا ليلقيا الصنارة في بحر وهمي تخلق استعارة بصرية مذهلة وهي محاولة يائسة للوقوف فوق الماء الذي يغرقهم للبحث عن الحياة (السمك) في مكان يفترض أن يكون جافًا وآمنًا. هذا الحل الإخراجي الذكي هو ترجمة بصرية لروح النص، فالماء في أداجيو ليس مجرد عنصر طبيعي ولكن هو الموت المتسلل وهو الحاضر الأبدي الذي لا مهرب منه. أما بيت الخادمة علياء (وتجسدها أمنية محسن) فقد خُصص لها الركن الأيسر من الخشبة خلف بانوه الفيلا. هذا الركن هو المساحة الوحيدة التي يري فيها المتفرج صوت العالم الخارجي، حيث استطاع من خلاله جعل المتفرج يهدأ قليلا من جو الفيلا الخانق. لكن القرار الإخراجي الأكثر جرأة وابداعًا كان بنقل غرفة ريم من الطابق الأعلي في رواية عبد المجيد ووضع غرفة ريم في أقصى يمين المسرح وفي العمق علي مستوي أعلي قليلا بحيث تكون مرئية للجمهور. هذا يعني أن كل مشهد سواء في الفيلا السفلى أو على السطح يحدث تحت نظر ريم. حتى عندما يحاول سامر الهروب إلى الصيد أو إلى أحضان غادة يظل ظل ريم موجودًا في خلفية وعي المتفرج. هذا هو التجسيد البصري لشعور الذنب الذي يطارد البطل في كل لحظة وهو من أذكى الحلول التي قدمها العرض. ومع كل هذه الحلول المكانية فإن ما يؤخذ على الديكور هو عدم الانتباه إلى أن سامر تاجر أنتيكات وثري، إذ لم تظهر هذه المظاهر على الديكور. فغياب أي تحف أو إيحاء بالثراء جعل الفيلا تبدو مكانًا محايدًا أو حتى فقيرًا، بينما كان وجود بعض التفاصيل الثرية (لوحة قديمة، منحوتة، مرآة ذات طابع كلاسيكي) بدلًا من اللوحة الوحيدة يسار المسرح والكرسي الهزاز كان يمكن أن يخلق تناقضًا بليغًا مع حالة التآكل والغرق التي تعيشها الفيلا ويزيد من وقع العبثية في محاولات سامر إصلاح أرضية لا تنتمي لشخص بسيط ماديًا.

بين الحب والذنب
ومن أقوى المشاهد في المسرحية هو مشهد العلاقة الحميمة بين سامر وغادة. وقد نجح المخرج بجعل روح ريم حاضرة في المشهد. هذا الاختيار الإخراجي يُترجم ما حاولت الرواية قوله بالكلمات وهو أن الخيانة هنا ليست جسدية فقط وإنما تحدث في ظل حضور الموت. والمخرج جعل المتفرجون يرون أن ريم تراهما، وهذا يجعل منهم شهودًا على محاكمة أخلاقية صامتة. ولكن ما أضعف هذه اللحظة هو المونولوج الطويل المضاف من قبل المعد والقته غادة بعد العلاقة الحميمية معترفة بذنبها لأن نظرة ريم الصامتة أبلغ من ألف كلمة.

في هذا المشهد تركنا إبراهيم عبد المجيد في حالة من الشك هل تسمعنا ريم؟ هل تشعر بشيء؟ أما السعيد منسي بوضعه روح ريم على الخشبة، فقد أجاب نعم بطريقته .. إنها تسمع. نعم، إنها ترى. والجمهور مثل سامر وغادة محاصرون بنظرتها التي لا تغفر ولا تدين ولكن تشهد فقط. وهذا هو العذاب بعينه. لكن على مستوى الدلالة العاطفية للعلاقة نفسها يبرز اختلاف جوهري بين النصين. ففي الرواية يترك إبراهيم عبد المجيد العلاقة بين سامر وغادة في منطقة رمادية ملتبسة، يمارس سامر الحب مع غادة بحالة من التردد والاحتياج تجعل القارئ حائرًا متسائلًا هل هو حب قديم دفين وجد فرصته أخيرًا؟ أم أنه انجذاب ولدته العزلة القاسية وبقاؤهما معًا لخمسة أيام تحت ضغط الموت؟ هذا الغموض يمنح العلاقة عمقًا إنسانيًا ويجعلها امتدادًا لتصدع داخلي طويل. أما في المعالجة المسرحية فقد حُسم هذا الالتباس لصالح قراءة أكثر مباشرة حيث بدت العلاقة أقرب إلى نزوة عابرة فرضتها الظروف وليس إلى حب متراكم أو قدر مؤجل. هذا الاختيار رغم وضوحه الدرامي.. من وجهة نظري أفقد اللحظة شيئًا من ثرائها النفسي وحوّلها من سؤال مفتوح يقلق المتفرج إلى إجابة شبه جاهزة وهو ما يُحسب على العرض بقدر ما يُفهم في سياق ضرورة التكثيف المسرحي. ولكن هناك سؤال جوهري هل خدمت تغييرات المعد النص أم خانته؟ وهذا سؤال تترك الخاتمة الإجابة عنه ضمنيًا.

مشهد تعارف سامر وريم رغم أنه غير موجود في الرواية يبدو ضروريًا من منظور مسرحي لأنه يساعد المتفرج على فهم سبب تضحية سامر بحياته من أجلها. لكن من الناحية الجمالية هذا المشهد يقلل من قداسة الحب في العمل. فالرواية لا تشرح كيف التقيا لأن علاقتهما ليست حكاية تُروى ولكن قدر يُعاش. لذلك فإن تقديم هذا التعارف يحوّل الحب من لغز وجودي إلى قصة مألوفة وهو ما يبدو أن إبراهيم عبد المجيد كان يتجنبه. ولكن المخرج شرح ما كان يمكن أن يُترك غامضًا. في المقابل كان مشهد الصيد على السطح إضافة ناجحة، لأنه لم يكتفِ بنقل المكان ولكن أعاد خلق روح النص بصريًا بلغة مسرحية.

إيقاع الأداجيو
لا يمكن الحديث عن عرض بعنوان "أداجيو" دون التوقف عند إيقاعه الموسيقي. فالأداجيو يعني البطء الممزوج بالشجن. والسؤال.. هل نجح العرض في تحقيق هذا الإيقاع؟ الإجابة إلى حد كبير بنعم. فقد اعتمد المخرج على الصمت كعنصر أساسي، حيث جاءت فترات الصمت بين الحوارات كأنها نغمات موسيقية. هذا الصمت قد يبدو غريبًا للبعض، لكنه جزء من روح العمل التي تقوم على التأمل والبطء. كما استخدم المخرج مقطوعة "أداجيو" لتوماسو ألبينوني بتوزيعات مختلفة طوال العرض، للحفاظ على وحدة الإحساس. فظهرت النسخة الكاملة في لحظات الذروة مثل الخيانة والوداع، بينما استخدمت نسخ أبسط وأهدأ في المشاهد اليومية مثل الحوارات العادية أو محاولات الإصلاح. وبهذا حافظ العرض على إيقاع واحد يربط بين الموسيقى والمشاعر ليقدم تجربة تقوم على التأمل الهادئ أكثر من السرد السريع.

الأغاني المؤلفة من قبل حامد السحرتي كانت متسقة مع الروح الداخلية للنص وحملت ألحان رفيق جمال نبرة شجن هادئة دون أن تنزلق إلى المباشرة. وتوافقت الأغاني مع استعراضات محمد البحيري الناعمة والتي أظهرت علاقة الحب بين سامر وريم مع أزياء نورهان سمير الرائعة خاصة ملابس ريم مكونة مع إضاءة أبوبكر الشريف الدقيقة حالة الحزن التي تتسلل بهدوء إلى وجدان المتلقي.

إيقاع الجسد
نفس ما حدث في الموسيقي طبّقه المخرج على أداء ممثليه وهو مفهوم الأداجيو. فأتصور أنه لم يطلب منهم التمثيل ببطء وإنما طلب منهم أن يعيشوا داخل المشاعر.. فحين أمسك رامي الطمباري بجسد سامر المتعب لم يكن بحاجة إلى حركة زائدة لأن إيقاع الأداجيو كان يضبط أنفاسه. وحين تمددت هبة عبد الغني على السرير لم تكن ساكنة ولكن عازفة صامتة على إيقاع بطيء. وهكذا حمى المخرج ممثليه من فخ الإفراط التعبيري الذي يهدد نصوص الصمت وقدَّم لهم بديلاً وهو الانضباط الشجي حيث كل نظرة وكل همسة تصبح حدثًا دراميًا مكتملاً.

رامي الطمباري في دور سامر الدريني قدم أداءً رائعًا حيث جسّد شخصية تعيش بين الوفاء والانهيار فنجده حنون مع ريم ومتوتر مع غادة كرجل استعاد جسده بعد صيام طويل. وقد تميز بصمته المعبّر، حيث كان وجهه وجسده يكشفان عن معاناته دون كلام متقنًا كل تحولات الشخصية بهدوء وانفجار منتقلًا بينها بسلاسة وصدق، فكشف لنا شخصية معقدة تنمو أمامنا تدريجيًا.

أما هبة عبد الغني في دور ريم فقد نجحت في تقديم الشخصية عبر انتقالاتها الزمنية والنفسية المختلفة فقد استطاعت أن ترسم بملامحها وحدها تاريخًا دراميًا كاملاً.. من مشاهد الحب الأولى حيث كان وجهها يفيض بحيوية فتاة صغيرة، إلى رفضها الإقامة في المستشفى حيث ظهرت على قسماتها عناد من ترفض أن تكون مجرد حالة مرضية، ثم إلى أيامها في فيلا العجمي حيث تداخل الألم بالرضا. وما أذهل حقًا هو قدرتها الكبيرة على توظيف ملامح وجهها المتغيرة بمرونة استثنائية.. نظرة حادة تخبرك أنها لا تزال تملك وعيها رغم الجسد المنهك وابتسامة خفيفة كأنها تغفر لسامر قبل أن يرتكب الخطيئة وبكاء صامت يجعل المتفرج يتذكر أن ريم ليست قديسة معصومة ولكن امرأة تخاف الموت مثل أي إنسان.

أما جورج أشرف في دور عثمان فقد كان الصوت الشعبي الوحيد الذي يخفف من كآبة العرض. عثمان في الرواية هو نافذة سامر على العالم، وهو في المسرحية كذلك. أشرف قدم الشخصية بخفة ظل محسوبة، دون أن يقع في فخ التهريج. حكاياته عن فراشات زوجته كانت لحظات تنفيس للجمهور، لكنها لم تكن منفصلة عن النسيج العام؛ فحتى ضحكاته كانت تحمل مرارة الواقع المصري الذي يغرق هو الآخر. وفي لحظة تنازل سامر عن فيلته، يبرز الفارق بوضوح بين منطق الرواية وخيار العرض المسرحي؛ إذ يبرر إبراهيم عبد المجيد في الرواية هذا التنازل بعدم قدرة سامر على مواصلة الحياة في مصر دون ريم، بينما اختار المعد أن يراهن على وعي المتلقي فمرر هذه الدلالة دون مباشرة أو شرح مكتفيًا ببناء درامي يجعل الفعل مفهومًا في سياقه النفسي. وقد جاء أداء أشرف في هذه اللحظة داعمًا لهذا التوجه إذ لم يعلّق أو يفسر ولكن ترك للصمت والمسافة بينه وبين سامر أن تقولا ما يكفي.

جنا عطوة (نور ابنة سامر وريم) الطالبة التي تكمل دراستها بالخارج والتي عادت في اللحظات الأخيرة من وفاة والدتها استطاعت في هذا المشهد أن تظهر مشاعر الفقد بصدق مع حداثة عمرها، ونجحت بسمة شوقي في دور غادة فقد استطاعت بيديها أن تشعرنا بحالة الحب والاحتياج لسامر.... مع مشاركة متميزة لمحمد دياب، أحمد هشام، وأمنية محسن. الملاحظة الوحيدة هنا أنه رغم أن قاعة العرض صغيرة ومناسبة، إلا أن صوت بعض الممثلين كان ضعيفًا .

حوار بين وسيطين
في النهاية يمكن النظر إلى عرض "أداجيو" على مسرح الغد بوصفه حوارًا بين وسيطين فنيين.. الرواية التي تقدس الصمت والتأمل، والمسرح الذي يحتاج إلى الصوت والحركة.السعيد منسي وفريقه قدموا عرضًا ينبض بالاجتهاد والإبداع. صحيح أن بعض الخيارات (مثل المونولوج المباشر، ومشهد التعارف) أفقدت النص شيئًا من غموضه الشعري، لكن حلولاً أخرى (مثل تقسيم المسرح رأسيًا، وحضور روح ريم في مشهد الخيانة، واستخدام السطح للصيد) كانت حلولًا ذكية أضافت طبقات جديدة من المعنى لم تكن موجودة في النص الأصلي.



#حسام_موسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما بين الخطي وغير الخطي في المسرحية
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (٢)
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (١)
- عندما تتغير الشخصية بتغير الممثل
- النقد المسرحي بين الاختلاف والتهكّم: أزمة أخلاق الحوار قبل أ ...
- الجمهور في مسرح الشارع حسام موسى
- مسرح الشارع في زمن الغضب: صوت الشعب حين تعجز المنصات الرسمية
- أين ذهبت الجمل المضيئة في المسرح العربي؟
- مسرح الشارع .. حين تتحول الساحات العامة إلى منصة للتغيير
- فن الاختفاء: حين يذوب الممثل في بوتقة الشخصية
- الخصوصية المحلية والمعنى الكوني في مسرح الشارع
- مسرح الشارع بين اللحظة العابرة وصناعة المعنى
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة ...
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة
- عزلة.. حشرات.. خروج
- كارمن: تراجيديا العشق والتمرد في رؤية مسرحية جديدة
- التلقائية في التمثيل
- مسرحية -بلاي- كنموذج لاستخدام مصطلح Teatrum Mundi في المسرح ...
- فن التمثيل بين الرسالة والانحراف
- الناقد المسرحي: نظرة معمقة في قلب العرض


المزيد.....




- كتب نزحت 13 مرة.. عنقاء غزة تُبعث وسط الدمار
- الخارجية الإيرانية: الوزير عراقجي التقى الممثل الخاص لوزير خ ...
- عبقرية -الصرف العربي- قد تعيد تعريف كفاءة النماذج اللغوية ال ...
- فنان أمريكي مصري يثير غضب أنصار ترامب بكلمات عربية في برنامج ...
- -نوستالجيا حكايات من أزمنة مراكش- يروي تحولات المدينة
- تراث إفريقي نهبته أوروبا.. هل تملك -برونزيات بنين- حق الكلام ...
- غزة: -مكتبة العنقاء- تنهض من الرماد لتحافظ على التراث الأدبي ...
- -فوق رأسي سحابة-.. تحول الضحية إلى جلاد في رحلة الثأر بين ال ...
- منتدى -الصحافة في زمن الحرب-.. معهد الجزيرة للإعلام يناقش تح ...
- مايكل جاكسون.. ملك البوب يعود إلى الشاشة الكبيرة من خلال فيل ...


المزيد.....

- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - حين ينتصر الصمت على الخشبة.. قراءة في مسرحية أداجيو.. اللحن الأخير