أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - مهاجرون بأجساد حرة وعقول أسيرة: كيف يطارد الخوف المغاربة خارج حدود الوطن؟














المزيد.....

مهاجرون بأجساد حرة وعقول أسيرة: كيف يطارد الخوف المغاربة خارج حدود الوطن؟


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 19:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إنه لمن المحزن أن نرى أن غالبية المغاربة الذين غادروا بلادهم ليستقروا في شتى دول العالم، والذين يُقدَّر عددهم بحوالي عشرة ملايين، قد حملوا معهم شعوراً عميقاً بالخوف والرعب إلى البلدان التي استقروا بها. فبالرغم من أنهم يعيشون في دول تصون كرامتهم وتمنحهم ما افتقدوه من إنسانية في بلدهم الأصلي، فإن كثيرين منهم لا يزالون يعيشون حالة من القلق الدائم، ولا يستطيعون، حتى في الخفاء، أن يعبّروا بحرية عن آرائهم تجاه النظام السياسي في المغرب.


ولم تكن مغادرة هؤلاء لوطنهم الأم خياراً ترفياً أو قراراً سهلاً، بل جاءت في كثير من الحالات نتيجة ضغوط قاسية وظروف معيشية صعبة دفعتهم دفعاً إلى الرحيل. فقد لعب الفقر دوراً مركزياً في هذا المسار، إلى جانب محدودية فرص العمل، وتفاوت التنمية بين المناطق، وانسداد الأفق أمام شرائح واسعة من الشباب. بالنسبة لكثيرين، لم تكن الهجرة مجرد رغبة في تحسين مستوى العيش، بل كانت محاولة للهروب من واقع اعتُبر خانقاً، ومن وضع اجتماعي واقتصادي وصفه البعض بأنه أشبه بجحيم يومي مفروض عليهم، حيث تختلط الحاجة بالعجز، والطموح بالإحباط.

هذا القرار بالرحيل لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل كان أيضاً قطيعة نفسية مع واقع ثقيل، ومع ذلك لم تكن هذه القطيعة مكتملة. إذ سرعان ما اكتشف المهاجرون أن ما يحملونه في داخلهم لا يقل وزناً عما تركوه خلفهم. فمشاعر الخوف، والحذر، وانعدام الثقة، انتقلت معهم عبر الحدود، واستقرت في تفاصيل حياتهم الجديدة.

ورغم مرور سنوات، بل عقود، على استقرار هؤلاء في مجتمعات تضمن حرية التعبير وتحمي الحقوق الأساسية، فإن آثار هذا الخوف المتجذر لا تزال حاضرة بقوة. إنه خوف تَشكَّل عبر تراكمات طويلة من التجارب والقيود، وأصبح جزءاً من البنية النفسية للفرد، بحيث لا يختفي بسهولة بمجرد توفر بيئة أكثر انفتاحاً. فحرية التعبير، رغم كونها متاحة قانوناً، لا تُمارَس دائماً على المستوى النفسي والشعوري.

في البلدان التي هاجروا إليها، يجد هؤلاء فضاءات مفتوحة للنقاش، ومنابر متعددة للتعبير عن الرأي، وإعلاماً يمارس النقد والمساءلة دون قيود صارمة. ومع ذلك، يختار كثير منهم الصمت، أو يزن كلماته بدقة مبالغ فيها، وكأن هناك رقيباً خفياً يرافقه أينما ذهب. هذا التناقض بين البيئة الحرة والسلوك الحذر يكشف عن عمق الأثر الذي يمكن أن تتركه التجارب السابقة على الفرد، حتى بعد تغير الظروف.

ولا يتوقف الأمر عند حدود الصمت العلني، بل يتجلى أيضاً في الرقابة الذاتية الصارمة. فحتى في الدوائر الخاصة، وبين الأصدقاء أو أفراد العائلة، تبقى هناك مواضيع تُتجنَّب، وحدود غير مكتوبة لا يتم تجاوزها. ويعكس ذلك حالة من الحذر المزمن، وربما خوفاً من تبعات غير مباشرة، مثل التأثير على الأقارب في الوطن، أو التعرض لسوء الفهم أو الإدانة الاجتماعية.

من جهة أخرى، فإن تجربة الهجرة نفسها ليست سهلة، بل تحمل في طياتها تحديات أخرى، مثل الاندماج، والحنين إلى الوطن، وصعوبة التوفيق بين ثقافتين مختلفتين. هذه التحديات قد تزيد من تعقيد الحالة النفسية للمهاجر، وتجعله أكثر ميلاً إلى الانكفاء بدل الانخراط الكامل في الفضاء العام.

ورغم كل ذلك، لا يمكن إنكار أن الهجرة توفر أيضاً فرصاً حقيقية للتحرر وإعادة بناء الذات. فمع مرور الوقت، ومع الاحتكاك اليومي بثقافات مختلفة، يبدأ بعض الأفراد في استعادة ثقتهم بأنفسهم، وفي كسر حاجز الخوف تدريجياً. غير أن هذه العملية تتطلب وقتاً، ووعياً، وربما دعماً من محيط يشجع على التعبير الحر ويحتضن الاختلاف.

أما الأجيال الجديدة، التي وُلدت أو نشأت في الخارج، فهي تمثل حالة مختلفة نسبياً. إذ تبدو أكثر جرأة في التعبير، وأكثر قدرة على الاستفادة من هامش الحرية المتاح لها. ومع ذلك، فإنها لا تنفصل تماماً عن إرث الخوف الذي حمله آباؤها، حيث تنتقل بعض هذه المشاعر بشكل غير مباشر عبر التربية والروايات العائلية.

كما أن ارتباط المهاجر بوطنه الأم يظل قائماً، سواء من خلال الروابط العائلية أو الثقافية أو العاطفية، وهو ما يجعل موقفه معقداً. فهو من جهة يستفيد من فضاء حر، ومن جهة أخرى يظل مرتبطاً بسياق مختلف، ما يخلق نوعاً من التردد أو الازدواجية في التعبير والموقف.

إن هذا الواقع يطرح أسئلة عميقة حول العلاقة بين الإنسان وبيئته السياسية، وحول مدى قدرة الأنظمة على التأثير في سلوك الأفراد حتى بعد مغادرتهم لها. كما يسلط الضوء على أهمية بناء مجتمعات قائمة على الثقة والكرامة، حيث لا يضطر الإنسان إلى حمل خوفه معه أينما ذهب.

وفي الختام، يبقى السؤال مفتوحاً: إلى متى سيظل هذا الخوف يسكن نفوس هؤلاء، رغم كل المسافات التي تفصلهم عن مصدره؟ وهل يمكن للزمن وحده أن يمحو آثار سنوات من المعاناة، أم أن الأمر يتطلب تحولات أعمق، تبدأ من تغيير الواقع، وتمر عبر استعادة الإنسان لثقته بنفسه، وتنتهي ببناء علاقة صحية بين المواطن ووطنه؟



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تُهدم بيوت الفقراء وتُبنى إمبراطوريات العقار: من يحكم ال ...
- قصيدة ساخرة : المغرب ، أبراجُ السلطان… وقبورُ المنسيين
- المغرب: مملكة الخوف… حين يحكم القمع وتنهب الثروات
- المغرب: حين تُدفن الحقيقة في الزنازين وتُكتب الرواية الرسمية ...
- من المطالبة بالكرامة إلى زنزانات السجون: الوجه الخفي للسلطة ...
- قصيدة :المغرب مملكة السراب
- المغرب: الكارثة التي كشفت كل شيء… أين ذهبت 12 مليار دولار؟
- المغرب بين ثرثرة شعب… وصمت وطن: حين يصبح الكلام بديلا عن الك ...
- المغرب بين بريق الصورة وعتمة الواقع… حكاية شعب منهك
- المغرب بين مسرح الطاعة وكواليس الخوف
- المغرب: ثروات بالمليارات وشعب على الهامش: من يحاسب من؟
- المغرب: من دول بناها الشعب إلى نظام يحتكر الدولة بكل مفاصلها
- المغرب : لعنةُ الجوعِ على عرشِ الظلم
- المغرب بين خطاب التنمية ووجع المواطنين: الحقيقة الممنوعة
- حين تلهينا حروب الشرق الأوسط عن أسئلة الكرامة والثروة في الم ...
- الواجهة المزيفة للإنجازات: ثروات المغرب في يد الشركات الملكي ...
- ما بعد الاغتيال: الصحراء الغربية تدخل لعبة الرسائل الأمريكية ...
- إيران والحلفاء الوهميون: عندما تتراجع القوى الكبرى عن وعد ال ...
- الصحراء الغربية: تفاوض على التفاصيل وصمت عن الجوهر
- المغرب… فتات الخبز وظلال الطغاة


المزيد.....




- النظام الإيراني يرد على تصريحات ترامب عن -وجود انقسامات بسبب ...
- ترامب يعلن تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لـ3 أساب ...
- هل ستشن ضربات نووية على إيران؟.. ترامب يرد
- ترمب يبشر بترميم العلاقات مع بريطانيا خلال زيارة تشارلز لواش ...
- إيران تعلن موقفها من المفاوضات وترد على ترمب بتأكيد الوحدة ا ...
- تونس في مفترق الطرق.. 3 سيناريوهات تحكم مشهد -الانسداد العظي ...
- وول ستريت جورنال: حرب إيران استنزفت الذخائر الأمريكية
- -صراع الألغام- يشتد تحت مياه هرمز
- وزير الدولة الصومالي للشؤون الخارجية: سيادتنا ليست للبيع وسن ...
- إسرائيل تعترض -مقذوفات- أطلقت من لبنان


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - مهاجرون بأجساد حرة وعقول أسيرة: كيف يطارد الخوف المغاربة خارج حدود الوطن؟