منصور بوشيكار
الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 18:17
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
المحور الأول: بداية الأزمة في نتائج الدراسات التحليلية الإقتصادية لمؤسسة البنك الدولي.
يحتل مفهوم التنمية مكانة كبيرة في آدبيات البنك الدولي و ماله من مؤشرات على تقدم مجتمع معين من تقهقره لذا تبرز الحاجة إلى دراسة الأبعاد المختلفة التي يمكن من خلالها قياس هذه العملية التنموية.في بداية الأمر دعى البنك الدولي خبراء الإقتصاد من أجل سيادة هذا البحث بعد توظيف الجهاز المفاهيمي و أدوات الحقل الإقتصادي اتضح أن مجموعة من العناصر التي لها دور فعال في بناء التحليلات الكاملة تم إغفالها خاصة البعد الإجتماعي و الثقافي و النفسي أي هوية الفرد المركبة و مدى تأثيرها على قراراته؛ ينبع اهتمام البنك الدولي بقضية التنمية من خلال البرامج التمويلية و القروض الممنوحة و بالتالي تكون الحاجة شديدة إلى دراسة كل الأبعاد الإجتماعية و الإنسانية و الثقافية للفرد هذه الأبعاد التي لن تفهم إلا من خلال السوسيولوجيين و الأنثربولوجيين.إن الإستعانة بالأدوات الإقتصادية الرقمية فقط يؤدي إلى قصور في النتائج و عدم الإحاطة الشاملة بكل الجوانب.
و بعد المظاهر الإقتصادية و الإجتماعية التي خلفتها السياسة النيوليبرالية للبنك الدولي كتعميق الفقر و عدم المساواة الإجتماعية و مجموعة من الأمراض المتفشية و إفقار ملايين الناس و الأزمة البيئية الإيكولوجية و انتشار ظاهرة البطالة و الهشاشة الإجتماعية لابد هنا استحضار "تقرير سنة 1995" الذي قام بإماطة اللثام عن مستقبل ينبؤ بأزمة اقتصادية خانقة تم وصفها آنذاك من طرف ملك البلاد "بسكتة قلبية" كل هذا أدى إلى تدمير البنية الإقتصادية و ما كانت تقوم عليه بعض المجتمعات المحلية من موارد لإسعاف دورة إنتاجها كقطاع الزراعة و الثروة الحيوانية.إن هذه الأزمات المختلفة التي خلفتها سياسة مؤسسة البنك الدولي لن تقوم على إصلاحات منشودة و تقويم فعلي إلا باستحضار الأدوات السوسيوانثربولوجية و آليات البحث فيهما.
يؤكد "سيرينيا" أن التنمية كعملية تشمل الجانب الإقتصادي و الإجتماعي الذي يمس البنيات و الهويات هذه التنمية التي لن تحدث بشكل تلقائي و إنما ببرامج دقيقة في هذا السياق نستحضر فكرة "بورديو" التي مفادها أن الرأسمال الإقتصادي لا يمكن أن يفهم بمعزل عن الرأسمال الرمزي و الثقافي بما أن المجتمع فضاء أو حقل للتنافس الرمزي و الصراع الطبقي و بالتالي يستحيل فصل التنمية عن السياق الإجتماعي.بعد العملية التي قامت بها مؤسسة البنك الدولي ظهرت نتائج سلبية في الجانب المادي و كذلك الإجتماعي خسارة أموال طائلة تقدر ملايين الدولارات و ظهور الأزمات الإجتماعية العديدة.
باءت هذه العملية بالفشل نظرا لإتسامها بالقصور المعرفي و عدم الإنفتاح على الجوانب الأخرى الإجتماعية و الثقافية و السلوكية نظرا لما لها من أهمية تضاهي الجانب الإقتصادي الرقمي التقني؛ هنا تبدو الحاجة ملحة للدمج بين علم الإقتصاد و السوسيولوجيا و الأنثربولوجيا للتوصل إلى نتائج بحث تحيط عناصرها بكل الجوانب و لا سيما أن البحث يهتم من الدرجة الأولى بالحقل الإجتماعي كذلك باعتبار أن علم الإقتصاد و السوسيولوجيا يندرجان تحت يافطة العلوم الإجتماعية.
المحور الثاني:أهمية السوسيولوجيين و الأنثربولوجيين في بناء التحليلات الكاملة.
تكمن أهمية أدوات البحث السوسيولوجي لا سيما البحث الكيفي في بناء التحليلات الكاملة لموضوع البحث بعد إدماج آليات البحث السوسيوانثربولوجية داخل العملية التنموية التي خصت مؤسسة البنك الدولي و مست جوانب شتى في الدراسة أهمها البعد الثقافي داخل المجتمعات المحلية و كذلك الإجتماعي و السلوكي نظرا لأهميته الكبرى في توجيه التقرير لفهم السلوك الإقتصادي للفاعل الإجتماعي؛تمكن الخبراء السوسيولوجيين و الأنثربولوجيين من قراءة الواقع الإجتماعي بشكل دقيق و تفصيلي و ما يحمله من خلفيات ثقافية و اجتماعية و سلوكية أدى ذلك إلى نتائج إيجابية و ممتازة تطال الجانب الإقتصادي و الإجتماعي معا بحيث يتم تحقيق توازن بين النجاعة الإقتصادية و العدالة الإجتماعية؛إن تحليل المجتمعات المحلية و الجماعة التي توجد فيها يمكن من الفهم العميق للمقاومة التي يبديها الأفراد و الجماعات من قبولهم للإندماج في هذه العملية التنموية بإعتبار أن الأفراد و الجماعات هي المعني الأول بهذه العملية التي يسعى البنك الدولي من خلالها إلى إقامة مجموعة من السياسات الإقتصادية أي إستعمال أدوات البحث في المنهج الكيفي لا محيد عنها في البحث.
في هذا السياق نستحضر فكرة "سيرينا" الذي اعتبر أن البنك الدولي تمكن من خلال خبرائه السوسيولوجيين أن يشكل معرفة متخصصة بأشكال التنظيمات الإجتماعية و الثقافية عبر العالم مراكز قروية و مراكز حضرية برامج تشغيل و بالتالي فهو قادر على تصور الحلول التنموية لتلك التنظيمات و التنبؤ بأي الحلول أقل إيلاما و أكثر كفاءة اجتماعيا تكمن أهمية تحليلات الدراسة للسوسيولوجيين و الأنثربولوجيين في استعمال مجموعة من المناهج في البحث الميداني و لا سيما الكيفي من الدرجة الأولى كالملاحظة بنوعيها الملاحظة المباشرة و الملاحظة بالمشاركة و المقابلة المعمقة؛كذلك توظيف الإستمارة كآلية ضرورية لتتمة البحوث الإجتماعية دون أن ننسى الجهاز المفاهيمي في الدراسات السوسيوانثربولوجية إن غياب هذه الوسائل يؤدي إلى فشل في التدخلات و إلى تصادم ثقافي بين الرؤية التنموية و المؤسسات المحلية على اعتبار أن كل مشروع تنموي لا يجب أن ينظر إليه فقط من زاويته الإقتصادية بل يجب فهمه من عمقه و سياقه الثقافي و الإجتماعي.
لابد هنا للإشارة إلى نموذجين أساسيين على سبيل المثال لكل من "بورديو" و "سيرينا" و الأدوات التي اعتمدها كل من هما في بناء تحليلاته بورديو كسوسيولوجي ينتمي إلى تيار المدرسة الصراعية و النقدية فمن البديهي أن لا يكتفي بالوصف الدقيق للواقع و تحليله بل لفهم الآليات التي تكمن وراء علاقة السيطرة التي تعيد إنتاج التفاوتات داخل المجتمع أما المفاهيم التي بلورها هي "السلطة" "الثقافة" و "المعرفة" "إعادة الإنتاج"
"الحقل الإجتماعي" ثم "الرأس المال الرمزي و الثقافي".أما سيرينا كخبير سوسيولوجي داخل مؤسسة البنك الدولي فهو يتبنى المقاربة الأخلاقية دون استحضار أي جانب صراعي و تكمن أهمية أفكاره الخاصة حول إقامة علاقة بين السوسيولوجيا و الإقتصاد كعلمين مستقلين و يكملان بعضهما البعض في موضوع البحث.
3/المحور الثالت:حتمية نجاعة الأدوات السوسيولوجية من خلال النتائج المرغوبة لدراسات البنك الدولي.
بعد اعتراف البنك الدولي بلغة العلوم الإجتماعية الذي بدأ إعتمادها بشكل كبير على السوسيولوجيا و الأنثروبولوجيا في مواضيع مجموعة من الأبحاث التي أضفت طابعا خاصا في نتائج البحث؛إن إدماج المقاربات الكيفية كالمقابلة و دوافع اختيار هذه الآلية يجعلنا أمام إعلان واضح من طرف البنك الدولي نفسه و الإقتصاديين هو عدمية نجاح أي بحث داخل حقل العلوم الإجتماعية دون استحضار آليات البحث السوسيوانثربولوجية و أول ما يتبث نجاعة هذه الأدوات هو المقابلة المعمقة و الملاحظة المباشرة في ميدان المجتمع المدروس في هذا الصدد يقول "برغس" إن المناهج الإحصائية و مناهج دراسة الحالة لا يتعارضان بل يتكاملان في الواقع إن المقارنة بين الترابطات الإحصائية يمكنها أحيانا أن تفتح آفاقا أوسع للبحث القائم على منهج دراسة الحالة و المواد الوثائقية.
نور الدين لشكر، كتاب البنك الدولي: التنمية بين الخبرة والسيادة،مطبعة دار القلم، المغرب 2022
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟