أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - أنس الراهب - الحالة السورية في ميزان القانون الدولي: قراءة في توصيف أنماط السلطة بين المؤقتة والانتقالية وسلطة الأمر الواقع















المزيد.....


الحالة السورية في ميزان القانون الدولي: قراءة في توصيف أنماط السلطة بين المؤقتة والانتقالية وسلطة الأمر الواقع


أنس الراهب

الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 18:13
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


تشهد الحالة السورية تعقيدًا متزايدًا في توصيف طبيعة السلطة القائمة، في ظل تعدد الفاعلين وتداخل المستويات المحلية والإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، يتكرر استخدام مصطلحات مثل "السلطة المؤقتة" و"السلطة الانتقالية" و"سلطة الأمر الواقع" لوصف البنية الحاكمة، دون اتفاق واضح على مدى انطباق هذه المفاهيم من منظور القانون الدولي.

أولًا: الإطار المفاهيمي لأنماط السلطة.

1- السلطة المؤقتة:
تُنشأ السلطة المؤقتة عادةً في سياقات طارئة، بهدف معالجة فراغ مفاجئ في الحكم نتيجة أحداث استثنائية، مثل الانقلابات أو الانهيار المؤسسي أو الكوارث.
وتتميز هذه السلطة بكونها محدودة زمنيًا ووظيفيًا، ولا تمتلك تفويضًا لإجراء تغييرات بنيوية أو اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة الأمد، كما أنها لا تؤسس لشرعية سياسية جديدة.
وظائفها الأساسية: الحفاظ على الأمن لمنع انتشار الفوضى، والإبقاء على استمرار عمل المؤسسات الأساسية (قضاء، جيش، خدمات)، وإدارة شؤون الدولة اليومية للحفاظ على الوجود الواقعي للدولة، ولسدّ الفراغ في السلطة، دون أن تقوم باتخاذ قرارات استراتيجية كبيرة.
خصائصها القانونية: سلطة غير منتخبة، تكون صلاحيتها محدودة. تستمد شرعيتها من ضرورة الواقع، لا من الشرعية السياسية المعروفة. ولأن مدتها قصيرة جداً ومرهونة بزوال السبب الطارئ، فهي لا تنتج شرعية جديدة، أو تضع دستورًا مختلف .

2- السلطة الانتقالية:
تمثل السلطة الانتقالية إطارًا أكثر تعقيدًا، حيث تنشأ غالبًا في سياق تسويات سياسية أو تحولات كبرى، بهدف إدارة عملية انتقال من نظام إلى آخر. وتضطلع هذه السلطة بمهام تشمل إعادة بناء المؤسسات، وصياغة أو تعديل الإطار الدستوري، وتنظيم الانتخابات، وقد تمتد لتشمل آليات العدالة الانتقالية.
وتستند شرعية السلطة الانتقالية عادة إلى نوع من التفويض السياسي، سواء كان داخليًا عبر توافق وطني، أو خارجيًا من خلال دعم أو إشراف دولي. كما تخضع غالبًا لجدول زمني وخارطة طريق محددة.
وظائفها الأساسية: قيادة عملية تغيير سياسي ودستوري، ووضع دستور أو ترتيبات دستورية، والتحضير لانتخابات شرعية، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وتحقيق عدالة انتقالية عند الحاجة.
خصائصها القانونية: غالبًا ما تمتلك السلطة الانتقالية شرعية سياسية نتيجة (اتفاق، مخرجات ثورة، رعاية دولية أو داخلية). وتكون صلاحياتها أوسع من صلاحيات السلطة المؤقتة. وبالرغم من أن مدتها أطول من المدة الزمنية للسلطة المؤقتة (2-5 سنوات) لكنها تخضع لجدول زمني وخارطة طريق واضحة. وتنتهي مهماها بإجراء انتخابات ودستور جديد.

3- سلطة الأمر الواقع:
يشير هذا المفهوم إلى سلطات تمارس سيطرة فعلية على إقليم وسكان دون أن تستند إلى شرعية دستورية أو انتخابية واضحة. وفي هذه الحالة، يتعامل القانون الدولي مع هذه السلطات من منظور عملي، بالنظر إلى قدرتها على تنفيذ الالتزامات القائمة، لا من حيث الاعتراف بشرعيتها.
وتظهر هذه الأنماط عادة في سياقات النزاعات المسلحة أو تفكك الدولة، وقد تحظى بدرجات متفاوتة من القبول أو التواصل الدولي، دون أن يرتقي ذلك إلى مستوى الاعتراف الكامل.
وظائفها الأساسية: حماية التزامات الدولة السابقة وتنفيذها، والسيطرة على الأرض لمنع الانفلات الأمني.
خصائصها القانونية: لا تستحوذ هذه السلطة على اعتراف رسمي. فالقانون الدولي لا يعترف بشرعية هذه السلطات غالبًا، لكنه يتعامل معها عمليًا لأنها الجهة القادرة على تنفيذ الالتزامات السابقة للدولة، وحماية المدنيين، وضمان الحد الأدنى من الحياة اليومية .

ثانيًا: الأطر القانونية الدولية ذات الصلة.

لا يقدم القانون الدولي العام إطارًا موحدًا لتنظيم السلطات المؤقتة أو الانتقالية، بخلاف ما هو موجود لتنظيم الاحتلال العسكري أو إدارة الأمم المتحدة للأقاليم، أو قواعد الاعتراف بالدول والحكومات. ومع ذلك، وبحسب بعض الفقه القانوني، يوجد إطار قانوني متكامل نسبيًا يتكوّن من أربع مجموعات رئيسية من القواعد.

أولًا: قواعد الاعتراف في العلاقات الدولية:
ويتعامل مع:
• الحكومات المؤقتة (Provisional Governments)
• الحكومات الانتقالية (Transitional Authorities)
• السلطات المنبثقة عن ثورات أو انقلابات أو حروب أهلية.
هنا لا توجد معايير موحّدة عالميًا في هذا الصدد، لكنها تدور حول :
-الفعالية (Effectiveness): هل تسيطر الحكومة على الإقليم والسكان؟
-الشرعية الديمقراطية أو الدستورية: معيار برز بعد الحرب الباردة.
-عدم مخالفة قواعد (jus cogens)، مثل حظر الإبادة، الاستعمار، الفصل العنصري.
-الالتزام بالمعاهدات القائمة: هل تواصل السلطة الانتقالية احترام التزامات الدولة لمعاهداتها الدولية؟

ثانيًا: القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني:
وهما يفرضان التزامات على جميع السلطات القائمة، بغض النظر عن طبيعة شرعيتها.
السلطات الانتقالية تخضع دائمًا لهذه القواعد بغض النظر عن شرعيتها، خصوصًا في سياق: الحروب الأهلية، وحالات ما بعد النزاع، وعمليات السلام. وقد طرأ على هذه القواعد تطورات مهمة تتعلق بالعدالة الانتقالية (Transitional Justice)، وآليات نزع السلاح وإعادة الإدماج (DDR)، وإصلاح القطاع الأمني (SSR). إلا أن هذه القواعد لا تعتبر "قانونًا خاصًا بالحكومات المؤقتة"، لكنها عمليًا تشكل الإطار الحاكم لها.

ثالثًا: عمليات الأمم المتحدة والوصاية الدولية المحدودة:
في بعض الحالات تولّت الأمم المتحدة أو مجلس الأمن إدارة كيانات انتقالية بشكل مباشر أو مشترك، وهي حالات أنتجت قواعد شبه نموذجية، مثل: كمبوديا (UNTAC) - كوسوفو (UNMIK) - تيمور الشرقية (UNTAET) - البوسنة (اتفاق دايتون + مكتب الممثل السامي). حيث رسّخت هذه الحالات مبادئ مثل: مبدأ الحياد - بناء المؤسسات - احترام الإرادة الشعبية عبر انتخابات - حماية حقوق الأقليات - إصلاح الجيش والشرطة. وقد وصف بعض الفقه هذه التجارب بأنها مصدر العرف الدولي الناشئ حول السلطات الانتقالية.

رابعًا: الدساتير المقارنة والقانون الدستوري :
هناك اتجاه حديث في الفقه يربط بين: كتابة الدستور والشرعية المؤقتة ودور الفاعلين الدوليين والعقد الاجتماعي الانتقالي، وبين مفاهيم مثل: الشرعية التأسيسية والتدريج في نقل السلطة وتقييد السلطة الانتقالية بمهام محددة. وفي واقع الحال بدأت تأخذ هذه المفاهيم بعدًا دوليًا وإن كان غير مُقنّن بشكل صارم.
ويجب الأخذ بعين الاعتبار عدم وجود نظام معاهدة دولية واحدة تنظّم الحكومات الانتقالية رغم طرح الفكرة منذ التسعينات. لكن توجد: قرارات من مجلس الأمن، واتفاقات سلام دولية، وبروتوكولات دستورية، ومذكرات تفاهم دولية. وطبق ذلك في (السودان، اليمن، البوسنة، جنوب أفريقيا، جنوب السودان) ... إلخ .

موقف الفقه القانوني:
هناك رأيان:
1. الرأي التقليدي: لا وجود لقانون دولي للسلطات الانتقالية.
2. الرأي الحديث: يوجد قانون ناشئ (Emerging Regime) يتكوّن من:
قواعد حقوق الإنسان - العدالة الانتقالية - بناء المؤسسات - الإشراف الدولي. وغالبًا ما يُطلق عليه Transitional International Law أو Transitional Governance Law .
إذن، القانون الدولي لا يقدّم نظامًا واحدًا يشبه "قانون السلطات الانتقالية"، لكنه يحتوي على عدة أنظمة متداخلة تُستخدم فعليًا لتنظيم عمل هذه السلطات، أبرزها: الاعتراف الدولي - حقوق الإنسان - العدالة الانتقالية - عمليات الأمم المتحدة - القانون الدستوري الدولي المقارن.

الصلاحيات والواجبات والقيود (السلطات الانتقالية أو المؤقتة) تجاه إدارة الدولة:

تُظهر الأدبيات المقارنة أن السلطات الانتقالية، حين تتشكل، تعمل ضمن مزيج من الصلاحيات والقيود.
وللوصول إلى جوهر فكرة السلطة الانتقالية، ومعرفة حدودها ومهامها، وما إذا كانت تدير الدولة كما لو أنها حكومة دائمة أم سلطة ذات تفويض مؤقت ومحدود، يدخلنا في مجموعة من القواعد التي تتقاطع بين القانون الدولي والقانون الدستوري والفقه السياسي. وقد أصبح ذلك شبه نمطية عالميًا.

أولًا: الصلاحيات:
عادة تُمنح السلطة الانتقالية صلاحيات ثلاث فئات:
1- صلاحيات إدارة الدولة اليومية (Day-to-Day Governance)، وتشمل:
إدارة المالية العامة - إدارة الأمن الداخلي والنظام العام - الإدارة المدنية والخدمات (صحة، تعليم، كهرباء...) - احترام الالتزامات الدولية القائمة والوفاء بها.
2- صلاحيات تهيئة البيئة السياسية والمؤسسية. وهي جوهر "الانتقال"، وتشمل:
تنظيم الانتخابات/الاستفتاءات - ضمان المشاركة السياسية - إصلاح القطاع الأمني (SSR)- إصدار قوانين حريات أساسية (أحزاب، صحافة، تظاهر) - معالجة ملفات المصالحة والعدالة الانتقالية.
3- صلاحيات تأسيسية محدودة (Constituent Powers)لا تُمنح دائمًا، ولكنها تظهر عند:
كتابة دستور جديد - تعديل دستور سابق - وضع ترتيبات انتقالية دستورية. وهي لا تعني إطلاق العنان للسلطة، بل تقترن بقيود.

ثانيًا: الواجبات.
وتعتبر أكثر وضوحًا في الأدبيات المقارنة والفقه الدستوري الدولي:
1- واجب محدودية التفويض (Limited Mandate Principle):
السلطة الانتقالية لا تمثل الدولة، بل تمثل وظيفة محدودة: نقل الحكم" وليس استمرارية ممارسة الحكم. وبالتالي لا يجوز لها مثلًا: إبرام معاهدات طويلة الأمد دون رقابة - الالتزام في ديون استراتيجية طويلة الأمد - إعادة تشكيل الاقتصاد بصورة دائمة.
2- واجب عدم احتكار السلطة (Anti-Entrenchment Rule):
لا يجوز للسلطة الانتقالية أن تمدد لنفسها فترات إضافية - تغيّر قواعد الانتقال لصالحها - وضع دستور يلائم بقاءها (هذا المبدأ وضع بعد تجارب فاشلة في أفريقيا وأميركا اللاتينية).
3- واجب احترام حقوق الإنسان والحريات العامة:
وهو متفق عليه في القانون الدولي: السلطة الانتقالية لا تملك "استثناءً" عن الحقوق الأساسية بحجة الظروف.
4- واجب الحياد بين القوى السياسية:
وهذا جوهري لأن السلطة الانتقالية تُعد حَكَمًا لا طرفًا.
5- واجب الشفافية والمساءلة ويشمل:
إدارة المال العام – التوظيف - الصفقات الحكومية. وتزداد أهميته بسبب هشاشة الفترات الانتقالية.
6- واجب التحضير لنقل السلطة (Duty to Transfer Power):
يُعدّ جوهر الفكرة الانتقالية، ويتضمن: تحديد جدول زمني - وضع آليات قانونية للانتقال - ضمان عدم انهيار المؤسسات أثناء النقل.

ثالثًا: قيود إضافية تستند إلى الفقه الدولي والتجارب المقارنة وتشمل قيودًا أصبحت شبه "عرفية":
1- حظر اتخاذ قرارات طويلة الأمد لا رجعة فيها مثل: خصخصة واسعة الأثر - توقيع اتفاقيات استثمار ضخمة - إنشاء قواعد عسكرية - تعديل شكل الاقتصاد
2- حظر التعديل الدستوري خارج الإطار الانتقالي إلا في حدود ما يخدم الانتقال (انتخابات، حقوق، فصل سلطات…)
3- حظر تسييس الجيش والأجهزة الأمنية: ويعد عنصرًا مهمًا في إصلاح القطاع الأمني SSR

رابعًا: علاقة الالتزامات الانتقالية بالقانون الدولي.
القانون الدولي لا يقول "ماذا تفعل حكومة انتقالية"، لكنه يفرض عليها:
احترام حقوق الإنسان - احترام المعاهدات الدولية - الوفاء بالالتزامات المالية والعقود السابقة - الامتناع عن تهديد السلم والأمن الداخلي والخارجي - التعاون مع العدالة الانتقالية إذا تمت برعاية دولية. ولذا تعتبر السلطات الانتقالية امتدادًا للدولة وليس بديلًا عنها .
الحالة السورية (مقاربة تطبيقية).
عند إسقاط هذه الأطر النظرية على الحالة السورية، تبرز مجموعة من الإشكاليات المتعلقة بطبيعة السلطة القائمة. فمن جهة، لا يظهر وجود تفويض سياسي جامع أو إطار دستوري متفق عليه، وهو ما يُعد عنصرًا أساسيًا في توصيف السلطات الانتقالية. كما أن، بعض الممارسات تتجاوز حدود الوظائف التقليدية للسلطات المؤقتة، من حيث نطاق القرارات والتغييرات المؤسسية.
من جهة أخرى، تتوافق بعض خصائص الحالة السورية مع سمات “سلطة الأمر الواقع”، لا سيما من حيث الاعتماد على السيطرة الفعلية، والتعامل الدولي العملي معها في بعض الملفات، دون وجود اعتراف شامل أو إطار شرعي مستقر.
فالتفريق بين السلطة المؤقتة والسلطة الانتقالية وسلطة الأمر الواقع يكتسب أهمية خاصة في الحالة السورية، إذ تشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى محاولة الانتقال من سلطة محلية مسلحة إلى نموذج حكم مركزي أوسع نطاقًا بسبب افتقار هذه التجربة إلى أربعة شروط مؤسسة لأي سلطة انتقالية:
التفويض الوطني - التمثيل السياسي - الإطار الدستوري - الغاية الانتقالية.
لذلك يمكن اعتبار الحالة السورية، سلطة استيلاء أحادي أو ثورة أيديولوجية ذات مشروع تأسيسي أحادي.
وأمام أحادية السلطة، فإن التوقعات تشير إلى أربع نتائج محتملة في الأدبيات الدولية :
1. تحول ثوري تأسيسي (Revolutionary Constituent Transition): مثل إيران 1979 أو كوبا 1959
2. سلطة فاشلة (Failed Dominance): مثل طالبان التسعينات "أفغانستان"، أو داعش 2014
3. سلطة أمر واقع مدعومة خارجيًا (Externally Bolstered Regime): مثل شمال قبرص أو صنعاء تحت الحوثيين.
4. حرب أهلية دائمة (Endless Civil War State): مثل الصومال 1991–2005.
ويعتبر السيناريو الثالث والرابع الأقرب إلى الحالة السورية بسبب تعدد المكونات وانعدام التوافق الوطني
ولكي يتم اعتبار هذه السلطة انتقالية، فيجب أن تكون ملزمة في الحالة الوطنية بما يلي:
- حماية التعددية الطائفية والدينية:
تحتوي الدولة السورية على مكونات رئيسية تشكل وجودها الحالي: عربية - كردية – آشورية – سريانية – تركمانية – سنية – علوية – درزية – إسماعيلية – مسيحية. بينما نجد أن سلطة الحكم الحالي، لا تميل إلى التعددية، ولا تعترف بتوزع الهويات، وتضع السياسة الدينية مرجعًا لها. وهو ما أدى إلى انتهاك المبدأ المركزي للانتقال وهو الشمولية Inclusiveness
- واجب تقاسم السلطة (Power Sharing): أي سلطة انتقالية يجب أ: تُقاسم السلطة مع الآخرين وليس إلغائهم. وفي الحالة السورية، فقد تم إقصاء القوميات والأقليات، وإقصاء السياسيين، واحتكار تأسيسي للدولة الجديدة.
- واجب توزيع الشرعية (Distributed Legitimacy)وذلك من خلال تشكيل: برلمان مؤقت غير معين، واجراء انتخابات نزيهة، وقضاء مستقل، وتشكيل حكومة انتقالية موسعة. وهو بعكس ما يجري في الحالة السورية.

تحليل السيناريوهات المستقبلية:
من الناحية القانونية قد تبدو السلطة الحالية غير انتقالية، أما سياسيًا فإنها تفتح عدة سيناريوهات محتملة:
1- سيناريو الدولة الانقسامية منخفضة الشدة (Civil Segmentation State) وهي الأكثر ترجيحًا:
هنا توجد سيطرة مركزية في دمشق ولكن بوجود جيوب طائفية وقومية ومناطقية خارجة أو شبه خارجة عن السيطرة (مثل الساحل والجزيرة وجبل العرب)، سنكون أمام حرب منخفضة الوتيرة وتمردات مناطقية وتقاسم نفوذ ضمني إقليمي. مع استمرار سوريا كـمجال جغرافي لا كدولة مؤسسية. وبالتالي، فإن السلطة الحالية لن تكون سلطة انتقالية بقدر ما هي سلطة تأسيسية أيديولوجية قسرية. وبذلك سيظهر تفكك وطني - حرب طائفية - تدخل خارجي - انهيار اقتصادي - عزلة دولية. وبناءً على تكوينها الأيديولوجي وبنيتها العسكرية وشرعية تمكينها وقواعد دعمها الاجتماعي، فلا مخرج لتجنب ذلك سوى وجود دستور تعددي، والقبول بالفيدرالية أو اللامركزية.
2- سيناريو الدولة الأيديولوجية المركزية (Centralized Jihad State):
يتم فرض مشروع أيديولوجي مشابه لطالبان أو إيران الثورية مع احتكار شامل للجيش والقضاء والتعليم وأسلمة الهوية السياسية مع تطهير سياسي. لكن تحقيق ذلك مشروط بانهيار كامل لمراكز القوى الأخرى - دعم تركي أو عدم تدخل دولي مضاد - انضباط داخلي لمجتمع الأغلبية السنية. هذا السيناريو سيصطدم مع عدم وجود مجتمع متجانس في سوريا، وبالتالي فإن المركزية الجهادية ستؤدي لانفجار طائفي.
3- سيناريو الدولة الفاشلة الممتدة (Extended Failed State):
تكون فيها السيطرة للسلطة الحالية شكلية، وتتآكل فيها مؤسسات الدولة، مع وجود اقتصاد غير رسمي وانتشار لأمراء الحرب وتشظي سلطوي وتدخل خارجي مستمر.
4- سيناريو الدويلة المعزولة (Isolated Islamic Republic):
استمرار المنهجية التي تقوم عليها السلطة الحالية، وفرض حكم الأمر الواقع في الداخل، سيؤدي إلى عزلة دولية واقتصادية وعقوبات، ينتج عنها انهيار داخلي في مع انهيار اقتصادي وهجرة واسعة.
5- سيناريو التطبيع المشروط دوليًا (Conditional International Normalization):
يتم ذلك في حال نجاح السلطة الحالية بالتخلي عن الجهادية وتفكيك القيادة وإدماج الأقليات وانشاء دستور تعددي، وإشراف دولي.

الخلاصة:
تفيد القراءة المقارنة للتجارب الانتقالية بأن استمرار نموذج الحكم القائم حاليًا في سوريا قد يقود إلى تشكّل صيغة سلطوية أقرب إلى سلطة أمر واقع منها إلى سلطة انتقالية دستورية. فغياب التفويض الوطني، وغياب الإطار الدستوري، وغياب التوافق السياسي بين المكونات السورية، إضافة إلى البنية الأيديولوجية الأحادية للسلطة، يجعل من الصعب إدراج هذه التجربة ضمن مسارات الانتقال السياسي المعروفة في الأدبيات القانونية والسياسية.
في هذا السياق، يُرجّح أن ينتج عن هذا النمط من الحكم نظام ذو قابلية محدودة للاستمرار، نظرًا لكونه غير توافقي، وغير اندماجي اجتماعيًا، ولا يقوم على شرعية تأسيسية أو انتخابية. كما أن الهشاشة المؤسسية وغياب ترتيبات تقاسم السلطة قد يعززان ديناميات الانقسام المجتمعي وتكريس الطابع الطائفي أو الجهوي للصراع، بما يفتح المجال أمام تدخلات خارجية أكثر كثافة ويمدّد من حالة العزلة السياسية والاقتصادية.
وعليه، يمكن توصيف السلطة القائمة حاليًا ضمن إطار سلطات الأمر الواقع التي تستمد مشروعيتها من السيطرة الفعلية بدلًا من الشرعية الدستورية أو الانتقالية. وبذلك يصعب اعتبارها سلطة انتقالية قادرة على إنتاج شرعية سياسية لاحقة أو على تأسيس عقد اجتماعي جديد، ما لم تطرأ تحولات جوهرية في بنيتها ووظيفتها وآليات إدارتها للعملية السياسية.

المراجع:
1. https://www.researchgate.net. Emmanuel De Groof. International Law and the Legitimacy of Interim Governments,January 2016,SSRN Electronic Journal
2. Jonte Van Essen. De Facto Regimes in International Law,February 2012,Utrecht Journal of International and European Law 28(74).
3. https://www.researchgate.net - Stefan Talmon. Recognition of Governments in International Law: With Particular Reference to Governments in Exile. Published:5 July 2001.
4. بن عطا الله بن علية وانسيغة فيصل. دور الدساتير في المجتمعات الانتقالية،
مجلة القانون الدستوري والمؤسسات السياسية
The Role Of Constitutions In Transitional Societies. Volume 4, Numéro 1, Pages 55-81. 2020-10-10
5. https://www.researchgate.net. Emmanuel De Groof. The features of transitional governance, April 2020, In book: International Law and Transitional Governance (pp.6-18).
6. https://international-review.icrc.org. Jus post bellum: Scope and assessment of the applicable legal framework. Go to the author pageNoël Mfuranzima. IRRC No. 927 March 2025.
7. https://pomeps.org/wp-content/uploads/2014. the Political Science of Syria’s War. Heydemann & Leenders, Middle East Authoritarianisms: Governance, Contestation, and egime Resilience in Syria and Iran.



#أنس_الراهب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في الممارسة الأمريكية - التدخلات العسكرية وتغيير الأنظ ...
- قوس الأزمات، سورية - اللعبة الكبرى
- نوبل وبلد واحد يحكم العالم
- رحلة شقاء - الكاتب الراحل هلال الراهب
- بروباغاندا البرلمان السوري (1919 - 2025).
- من سايكس وبيكو إلى ترامب ونتنياهو


المزيد.....




- الأمم المتحدة: إعدامات واعتقالات واسعة في إيران منذ اندلاع ا ...
- العفو الدولية تطالب بوقف نار شامل بالمنطقة قبل تكرار الفظائع ...
- الفيفا يزيد مكافآت كأس العالم ويعدل قوانين العنصرية والانسحا ...
- شهيد برصاص الاحتلال في سلواد واعتقالات واسعة بالضفة
- هيومن رايتس: إسرائيل تموّل جرائم حرب في الجولان
- كولومبيا تعتزم إعدام -أفراس نهر بابلو إسكوبار-.. وملياردير ه ...
- أمريكا تشترط 9 إصلاحات لدفع مستحقاتها للأمم المتحدة
- مندوب إيران لدى الأمم المتحدة: الولايات المتحدة وإسرائيل شنت ...
- مندوب إيران لدى الأمم المتحدة: الهجمات الأمريكية الإسرائيلية ...
- إيران...اعتقال أربعة عناصر من زمر ارهابية انفصالية


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - أنس الراهب - الحالة السورية في ميزان القانون الدولي: قراءة في توصيف أنماط السلطة بين المؤقتة والانتقالية وسلطة الأمر الواقع