أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوري حمدان - الدولة بين المحاصصة وإرادة الشعب














المزيد.....

الدولة بين المحاصصة وإرادة الشعب


نوري حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 15:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في خضمّ هذا الحراك السياسي المتسارع، تبدو مسألة اختيار رئيس الحكومة الجديدة في العراق وكأنها مرآة عاكسة لأزمة أعمق من مجرد خلاف على الأسماء. هي أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة النظام السياسي، وآليات اتخاذ القرار، وحدود التمثيل الديمقراطي في ظل هيمنة التوافقات الضيقة. وقد جاءت متابعتي لحلقة برنامج الحق يقال الذي يقدمه الزميل عدنان الطائي لتكشف جانباً إضافياً من هذه الإشكالية، وتفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل الدولة المدنية في العراق.
ما طرحه السياسي قصي محبوبة، بشأن مقترح تصويت نواب الإطار التنسيقي على اختيار رئيس الوزراء، يبدو للوهلة الأولى خطوة تنظيمية تهدف إلى حسم الخلافات الداخلية. غير أن التدقيق في هذا الطرح يكشف أنه يعيد إنتاج الأزمة نفسها ولكن بأدوات مختلفة. فبدلاً من توسيع دائرة القرار لتشمل الإرادة الشعبية ومخرجات العملية الانتخابية، يجري حصره داخل إطار سياسي مغلق، يفتقر في كثير من الأحيان إلى الشفافية والمساءلة.
إن الديمقراطية، في جوهرها، ليست مجرد آلية تصويت داخل تحالفات سياسية، بل هي منظومة قيم تقوم على التعددية، واحترام إرادة الناخب، والفصل بين السلطات، وضمان التداول السلمي للسلطة. وعندما تتحول عملية اختيار رئيس الحكومة إلى شأن داخلي بين قوى محددة، فإن ذلك يعني عملياً تقليص دور المواطن، وتحويله إلى متفرج على صراعات النخب.
من جهة أخرى، تبرز ملاحظات الدكتور إياد العنبر لتسلط الضوء على مفارقة خطيرة: اجتماعات الإطار التنسيقي تجري بمعزل عن مسارات أخرى تهدف إلى الحفاظ على المكاسب الاقتصادية. هذه الإشارة ليست تفصيلاً عابراً، بل تكشف عن تداخل معقد بين السياسة والاقتصاد، حيث تتحول السلطة إلى وسيلة لحماية المصالح، بدلاً من أن تكون أداة لخدمة الصالح العام.
وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات النظام السياسي العراقي في مرحلته الراهنة: غياب المعايير الواضحة في اختيار القيادات. فعندما يتساءل العنبر عن معايير ترشيح بعض الشخصيات، ويصل إلى حد القول إن "لم يعد هناك معنى للانتخابات"، فإن ذلك يعكس حالة من فقدان الثقة في العملية السياسية برمتها. هذه الثقة، إذا ما انهارت، فإنها تفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً، قد تهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي.
أما الحديث عن "مرشح التسوية"، الذي حذر منه محبوبة، فهو بدوره يحمل دلالة مزدوجة. فمن جهة، يعكس إدراكاً لخطورة اختيار شخصية لا تحظى بقبول واسع، ومن جهة أخرى، يكشف عن عجز القوى السياسية عن التوافق على مشروع وطني جامع. فالتسوية، في السياق الديمقراطي، ينبغي أن تكون نتاج حوار شفاف ومبني على برامج واضحة، لا مجرد صفقة سياسية تهدف إلى تقاسم النفوذ.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل البعد الإقليمي والدولي الذي أشار إليه بعض المتحدثين، ولاسيما ما يتعلق بالصراع الأميركي الإيراني. صحيح أن العراق يتأثر بهذا الصراع بحكم موقعه الجيوسياسي، لكن تحويل هذا العامل إلى مبرر للاستعجال في اتخاذ قرارات مصيرية، قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فبناء الدولة لا يتم تحت ضغط الزمن أو التوازنات الخارجية، بل عبر ترسيخ مؤسسات قوية وقادرة على الصمود.
من زاوية أخرى، يثير الحديث عن "انتعاش المكاتب الاقتصادية" خلال فترة الحكومة الحالية تساؤلات جدية حول طبيعة إدارة الموارد في الدولة. فإذا كانت هذه المكاتب تمثل واجهات لمصالح حزبية أو فئوية، فإن استمرارها يعني تكريس نموذج اقتصادي غير شفاف، يعيق التنمية الحقيقية، ويعمق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
إن الدولة المدنية التي ننشدها لا يمكن أن تقوم على أساس المحاصصة أو التوازنات الهشة، بل تحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع. وهذا يتطلب، أولاً، الاعتراف بالأخطاء، وهو ما أشار إليه العنبر حين تحدث عن عدم اعتراف منظومة الإطار بأخطائها. فالمراجعة النقدية هي شرط أساسي لأي عملية إصلاح حقيقية.
كما يتطلب الأمر، ثانياً، إعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة، بحيث يكون الانتماء إلى الدولة فوق أي انتماء آخر. وهذا لا يتحقق إلا عبر قوانين عادلة، ومؤسسات مستقلة، وقضاء نزيه، وإعلام حر قادر على كشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين.
من هنا، فإن الجدل الدائر حول اختيار رئيس الحكومة يجب ألا يُختزل في صراع أسماء أو تحالفات، بل ينبغي أن يكون فرصة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى: ما هو شكل الدولة التي نريدها؟ ما هي المعايير التي يجب أن تحكم اختيار قياداتها؟ وكيف يمكن ضمان أن تكون هذه القيادات معبرة عن إرادة الشعب، لا عن مصالح ضيقة؟
لقد أظهرت حلقة "الحق يقال" أن الأزمة ليست في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة السياسية لتبني حلول جذرية. وبينما تستمر القوى السياسية في إدارة خلافاتها داخل غرف مغلقة، يبقى المواطن العراقي ينتظر دولة تحترم صوته، وتلبي تطلعاته، وتؤمن له حياة كريمة.
إن مستقبل العراق لا يتوقف على اسم رئيس الحكومة بقدر ما يتوقف على طبيعة النظام الذي ينتجه. فإذا استمرت الآليات الحالية في إنتاج الأزمات، فإن تغيير الوجوه لن يكون كافياً. أما إذا تم تبني نهج إصلاحي حقيقي، قائم على الديمقراطية والحريات والدولة المدنية، فإن الأمل يظل قائماً في بناء عراق يستحقه أبناؤه.



#نوري_حمدان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق بين تعقيدات الداخل وضغوط الإقليم: توازنات هشة في لحظة ...
- أزمة التوافق وضغوط تشكيل الحكومة
- مقال يكسر أول أقفال المحاصصة
- سيادة العراق بين عجز الداخل وضغوط الخارج
- العراق على خط الزلازل الإقليمية: تصعيد أميركي - إيراني واختب ...
- العراق حين تُدار الدولة بالخارج نهاية منظومة وبداية اختبار ا ...
- الانسحاب المحسوب والعودة الثقيلة
- البرلمان السادس: حين يغيب حُرّاس الحقوق وتُشرَّع السلطة بلا ...
- فنزويلا والاختبار الفاضح لشرعية النظام الدولي: السيادة في زم ...
- حصر السلاح في العراق: لحظة الدولة بين منطق الشرعية وحدود الق ...
- الاحتجاجات الإيرانية: حين يهتز الداخل وتتقاطع خرائط النفوذ ف ...
- بين الدستور والتوافق.. العراق يودّع 2025 على عتبة اختبار الد ...
- حراك اقتصادي غير مسبوق: إعادة تشكيل المالية الريعية العراقية
- إقليم البصرة.. سؤال الثروة والدولة في لحظة عراقية حرجة
- كهرباء العراق.. حين يتحول الغاز الإيراني إلى مفتاح العتمة
- الدولة أولاً.. والسلاح أخيراً
- بعد نكسة 2025: هل يمتلك التيار الديمقراطي العراقي شجاعة المب ...
- العراق بعد إسدال ستار التفويضات
- هل يحتاج العراق إلى مزيد من الأحزاب؟
- صراع المناصب يضع العراق أمام معادلة حاسمة


المزيد.....




- رحيل مفاجئ لوزير البحرية الأمريكي وسط موجة إقالات عسكرية في ...
- مباشر: إيران تستبعد إعادة فتح مضيق هرمز ما دام الحصار الأمري ...
- وزير الحرب الأمريكي يطيح بوزير البحرية
- إسرائيل تتهم جنديين في سلاح الجو بتسريب أسرار عسكرية حساسة ل ...
- وول ستريت جورنال: الديمقراطيون يتوحدون ضد إسرائيل
- سموتريتش: الفلسطينيون جزء من -محور الشر- ونحتاج لتوسيع حدود ...
- 5 شهداء في بيت لاهيا مع استمرار الخروق الإسرائيلية بغزة
- الحرس الثوري أم الساسة.. من يضبط قرار إيران؟
- غوتيريس: يجب وضع حد للهجمات على قوات -اليونيفيل- في لبنان
- واشنطن تنفي تحديد مهلة لطهران وإيران تصرّ على ربط فتح هرمز ب ...


المزيد.....

- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوري حمدان - الدولة بين المحاصصة وإرادة الشعب