|
|
لتتصعد المقاومة الى حركة تحرر وطني لشعوب المنطقة
سعيد مضيه
الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 15:24
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لتتصعد المقاومة الى حركة تح الجدار الحديدي استراتيجيا الأيديولوجيا الصهيونية، كما صاغها زئيف جابوتينسكي في ما أسماه "الجدار الحديدي"، تتمثل في مراكمة قوى باضطراد ترغم أصحاب الديار على الهجرة. فكرة الجدار الحديدي الهمت حكومات الليكود منذ ان تسلم ميناحيم بيغن السلطة عام 1977؛ ردد بيغن عبارته الأثيرة "سوف نرغم الفلسطينيين على الخضوع لمشيئتنا". نهج ميناحيم بيغن تبعه اسحق شامير وأرييل شارون وبنيامين نتنياهو سياسة دؤوبة تستهدف المدنيين بالعنف المسلح وبدون تحفظ. حياة العربي في نظر الصهيونيين بلا قيمة، والقتل، فرديا او بالجملة، يمر بلا حساب. تعقب الحرب مفاوضات موجهة لإنجاز ما عجزت عنه الحرب، وتمهيدا لجولة حرب تالية. مع اتبّاع نهج عنف ممزوج بالاغتيالات، والحصارات، فرض قيود، إكراه سياسي، وتلاعب ممنهج بالانقسامات الداخلية. تطورت العلاقة مع الدولة الصهيونية بقيادتها الليكودية عام 1996، حيث أدرجت في شراكة القرن الأميركي الذي اعد له المحافظون الجدد برئاسة ديك تشيني عام 1992. فعلى اثرالانهيار السوفييتي أعاد المحافظون الجدد تنظيم صفوفهم وتعزيز قواهم والالتفاف حول تيار المسيحية الصهيونية للشروع بأعمال حربية عدوانية على صعيد العالم يبدأونها في الشرق الأوسط. تغلغلوا في مراكز الأبحاث ودور النشر وفي صناعة السينما والمنابر الرئيسة للميديا. المحافظون الجدد بسطوا حمايتهم العولمية على الأتباع، بثوا بروباغاندا بصدد الروابط الأممية تحت الرعاية الأميركية. بات قادة الأنظمة واباطرة الفعاليات الاقتصادية يعتبرون انتماءاتهم القومية محض صدفة، والأفضل توثيق الروابط مع الإدارة الأميركية ووكلاؤها في ارجاء المعمورة. جاء في بيان القرن الأميركي ان أي قوة تتصدى او يحتمل ان تحوز طاقة بها تتصدى للسيطرة الأميركية تعرض نفسها للسحق. وفي إحدى مقدمات البيان تطلع الكاتب الى "بيرل هاربر جديدة" تعطي المبرر للولايات المتحدة الشروع في حملات عسكرية بالخارج. وتحققت الكارثة المتخذة مبررا لشن الحروب بتفجيرات أيلول في 11/9/2001. اقتضت طبيعة مخطط القرن الأميركي وتيسير أهدافه الخروج على القانون الدولي الإنساني والمعاهدات والاتفاقات الدولية وتعزيز التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل. أعلن بوش الابن الحرب على الإرهاب، وادرجت منظمة التحرير الفلسطينية ضمن معسكر الإرهاب. أعلن بوش وشارون مقاطعة ياسر عرفات، لاعتباره مشكلة وليس الحل. شغل زعيم تيار المحافظين الجدد، ديك تشيني، منصب نائب الرئيس، وامكنه الاستئثار بسلطة الرئيس والكونغرس، كما أفاد سيمور هيرش، صحفي الاستقصاء الأميركي البارز: "بدأت أدرك ان ثمانية او تسعة أفراد من المحافظين الجدد قد نفذوا انقلابا سهلا وسيطروا بيسر على حكومة الولايات المتحدة. كان امرًا مذهلا ان أشهد بنفسي كيف ان الدستور هش الى ذلك القدر". قادة المجموعة ديك تشيني وبول فولووفيتز وريتشارد بيرل، "عملوا كل ما بوسعهم لتقويض رقابة الكونغرس على الحكومة". ومن محادثاته المطولة مع ريتشارد بيرل عرف هيرش نوايا تنفيذ غزو العراق وتوريط المنطقة في صراعات داخلية تودي الى إخضاعها للسيطرة الصهيو امبريالية. تشير الدلائل، ومنها وقوف أنظمة المنطقة موقف لمتفرج على نيران القتن وحروب داعش والنصرة تنشب في الأقطار العربية، انهم حققوا النجاح في هذا المضمار- إخضاع أنظمة المنطقة لسيطرتهم. تأكدت سيطرة التحالف الاستراتيجي على المنطقة بصمت الأنظمة أثناء حرب الأرض المحروقة في لبنان عام 1982، وإخراج مسلحي منظمة التحرير من لبنان. تجلت أيضا بتكتيف الأيدي بينما يشن التحالف حرب الإبادة في غزة ثم العدوان على إيران ولبنان؛ وتجلت أيضا بصمت الأنظمة حيال تهديدات نتنياهو بفرض شرق أوسط جديد تكون إسرائيل فيه قوة إقليمية.
شراكة استراتيجية بدات الجهود العملية من جانب الامبريالية الأميركية لتمكين امن إسرائيل مع تسلم الليكود،أتباع جابوتينسكي زمام الأمور في إسرائيل. ناصر الصهيونيون حملة ريغان ضد كارتر، الذي عارض برنامج بيغن لتوسيع الاستيطان بالضفة. طلب وضع وتنفيذ برنامج استيطاني يجعل من المستحيل إقامة دولة فلسطينية بالضفة. تزامن نجاح ريغان مع ظهور دراسة من مركز أبحاث مشهور قيل حينئذ ان الدراسة تتضمن البرنامج السياسي للإدارة الجديدة. احتوت الدراسة نهجا جديدا في سياسة أميركا بالشرق الأوسط يصب في مصلحة إسرائيل؛ إذ ضمن امنها، عن طريق إحاطتها بأنظمة صديقة، وحتى حليفة. كان الرئيس ريغان اول رئيس أمريكي يقر لإسرائيل حق اغتصاب الأراضي الفلسطينية لتوسيع الاستيطان. وريغان كرس فترته الرئاسية، ثماني سنوات، لتوتير العلاقة مع الاتحاد السوفييتي. في عهده تصاعد استنزاف الاتحاد السوفييتي في أفغانستان. دشن ريغان مرحلة بات النفوذ الامبريالي مسخرا لصالح إسرائيل. أورد تقرير الدراسة البحثية انه لن يستجاب من الآن فصاعدا لاشتراط التعاون مع اميركا على حساب العلاقة مع إسرائيل. كل نظام يطرح هذا الشرط إنما يضع رقبته في الانشوطة. وجاء في التقرير أيضا انه لم يعد مقبولا التعامل بصورة جماعية مثل "بان ارابيزم " او بان إسلاميزم"، سوف يتم التعامل مع كل دولة على حدة، بمعنى ان هناك دول مثل الخليج جاهزة للتخلي عن السيادة الوطنية، وربما تقدم على التطبيع مع إسرائيل. في العام 1982 شنت إسرائيل، بموافقة إدارة ريغان، حملة ناجحة لطرد منظمة التحرير من لبنان. قصفت طوال 87 يوما عاصمة عربية وأجرت حرب الأرض المحروقة في جنوب لبنان، وحظي الجيش المحتل باستقبال حافل في بيروت الشرقية. فُرِض انتخاب بشير الجميل رئيسا لجمهورية لبنان، ولما اغتيل انتخب بديلا له أقدم على إبرام اتفاقية سلام مع إسرائيل. لم تصدر عن أي من الدول العربية او الجامعة العربية كلمة احتجاج او معارضة للعدوان العسكري. صدر عام 1987 كتاب "السياق" او "حروب السي آي إيه"، للصحفي الأميركي، بوب وودوارد، المعروف بصلاته مع المخابرات، سرد حملة قامت بها المخابرات المركزية الأميركية لتنظيم أجهزة الأمن في الأقطار العربية كافة، كي تتصدى للثورة الإسلامية في إيران. يبدو ان الحملة أُنجِزت على جناح السرعة، بدليل التزام الأنظمة العربية كافة صمت القبول لاجتياح لبنان عام 1982. أمكن لإسرائيل، بتأييد الولايات المتحدة، تهجير الفصائل المسلحة الفلسطينية خارج لبنان بدون قيد او شرط، وبات بمقدور ما سمي القوات اللبنانية اقتراف مجزرة صبرا وشاتيلا تحت إشراف جيش الاحتلال. جاء الإنجاز يرسخ أهداف عدوان حزيران 1967 بإخضاع المنطقة بأسرها للسيطرة الصهيوامبريالية، بحيث تعزل الشعب الفلسطيني ومقاومته عن بعدها الاستراتيجي. في العام 1987، حيث كانت المقاومة الفلسطينية في حالة ضعف وتعاني العزلة، هبت جماهير الشعب الفلسطيني بالضفة والقطاع في انتفاضة شعبية سلمية. يقيم الأكاديمي والمؤرخ ، رشيد الخالدي، الانتفاضة، فنقل عن ناحوم أدموني، الذي كان رئيس الموساد في تلك الفترة، إذ قال: " سببت الانتفاضة لنا ضررا سياسيا أكثر بكثير وآذت سمعتنا أكثر من كل ما نجحت منظمة التحرير الفلسطينية في عمله منذ وجودها". غير ان إسرائيل أمكنها شطب تأثير الانتفاضة، إذ استثمرت غلطة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بالوقوف مع صدام حسين في احتلال الكويت، واستثمرت كذلك عزلة المقاومة المسلحة عن الجماهير؛ ومن ثم عزل نفسها إقليميا ودوليا. حيال هذا المأزق قبلت الإدارة الأميركية الدخول في حوار مع المنظمة، واستدرجتها الى حوارات مدريد ثم أوسلو. مفاوضات وحوارات جرت بينما القيادة الفلسطينية في أضعف حالاتها. ولا يمكن ان تسفر عن نتيجة إيجابية للطرف الضعيف. أصر الوفد الفلسطيني المفاوض في البداية، بقيادة المرحوم الدكتور حيدر عبد الشافي، على الاعتراف نصا بلا شرعية الاستيطان ووقفه، وحق العودة للاجئين واعتبار القدس الشرقية أرضا محتلة وضرورة سيطرة الفلسطينيين على معابر الضفة، وغزة ضمن حدود معترف بها نصا؛ لكن وفد التفريط في أوسلو استعجل، ووقع ذلك الاتفاق الخطير، دون تضمين تلك الشروط في جسم الاتفاق. جرت مقايضة الاعتراف بدولة إسرائيل بالاعتراف بمنظمة التحرير كيانا فلسطينيا. عمل رشيد الخالدي، مستشارا لمنظمة التحرير الفلسطينية ووفدها المفاوض. استُبعِد من مفاوضات أوسلو. سجل رشيد الخالدي في كتابه "حرب المائة عام على فلسطين" (293) "لم يكن هذا التبادل متناظرا ولا تبادليا، فإسرائيل لم تعترف بدولة فلسطينية، ولم تلتزم حتى بالسماح بإقامة تلك الدولة. في نظر رشيد الخالدي فإن نتائج أوسلو، "كانت هذه معاملة غريبة حصلت فيها حركة تحرر وطني على اعتراف اسمي من مضطهديها دون ان تحقق التحرر مقابل اعترافها بالدولة التي استعمرت وطنها واستمرت في احتلاله. كان ذلك خطأ تاريخيا مدويا كانت له نتائجه الكارثية على الشعب الفلسطيني". بالفعل الحقت أوسلو مضايقات بسكان الضفة والقطاع، "لم تكن لدى المفاوضين الفلسطينيين الخبرات اللغوية او القانونية او الخبرات الأخرى اللازمة للفهم الدقيق بما كان يفعله الإسرائيليون (285)، "وأسوأ نتائج أوسلو هو التنسيق الأمني، إذ حتم على م ت ف ان تساعد إسرائيل في السيطرة على الفلسطينيين الهائجين الذين يعيشون تحت نظامها العسكري بينما تسلب أراضيهم تدريجيا على ايدي المستعمرين الإسرائيليين"(287). مستندا إلى الوثائق المفرج عنها إضافة لما بحوزته وبحوزة زملائه المفاوضين وطلاب الدراسات العليا لديه، استطاع الخالدي أن يثبت بأن "السياسة الأمريكية خلال ال 35 سنة الأخيرة زعزعت أسس السلام في الشرق الأوسط بدل تسهيله أو العمل على إقراره، ولم تكن صادقة في توسطها بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، بالعكس كانت تلعب دور محامي الدفاع عن إسرائيل، حسب قول آرون ديفيد موللر عضو الوفد الأمريكي المفاوض بزمالة دنيس روس ودانيال كرزر عام 1991... في مباحثات أوسلو قدمت الولايات المتحدة الضغط والقوة والإصرار على الفلسطينيين بان هذه هي طريقة التفاوض الوحيدة الممكنة، والتي تؤدي الى نتيجة واحدة ممكنة. لم تكن الولايات المتحدة مجرد مساعد، بل كانت شريكة لإسرائيل". فمن يصنع السياسات الأميركية؟ يعمل نورمان سولومون على مراقبة الدقة والصدقية للاعلام الأميركي منذ حوالي نصف القرن. حاليا يشغل منصب المدير التنفيذي لمعهد الدقة العامة. نشر مقالا قبل أيام يثبت ان السياسات الأميركية لا يصنعها الناخبون ولا تتوافق مع قناعاتهم. أشار الى نتائج استطلاع رأي أجراه قبل ايام "مركز بيو للأبحاث أفاد ان ثمانية من كل عشرة ديمقراطيين ومستقلين يميلون للديمقراطيين لديهم حاليًا نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقارنةً بـ ٦٩٪ العام الماضي و٥٣٪ في عام ٢٠٢٢". خلص سولومون الى التأكيد بأن استطلاعات الرأي تشير بوضوح إلى أن ثلاثة أرباع الديمقراطيين يتفقون على أن "إسرائيل ترتكب إبادة جماعية " لكن لجنة العمل بالشرق الأوسط، حيث تصدر القرارات، غالبيتها من المؤيدين المتحمسين لإسرائيل. وهؤلاء المقررون للسياسات يُختارون بتقصد من المجربين بولائهم لمصالح الاحتكارات. فقيادة الحزب الديمقراطي، شان قيادة الحزب الجمهوري هم من خدم الاحتكارات يتلاعبون بالمواقف السياسية وبالانتخابات التمهيدية كي تاتي الانتخابات التمثيلية منافسة بين أفراد الطيف الواحد. الحزبان المناوبان على الحكم يتلقيان تبرعات عالم الأعمال مقابل الامتثال لرغباتهم السياسية. وادعاء الميديا ان دافعي الضرائب يريدون او يرفضون انما هي بروباغاندا مفضوحة. التحولات في الرأي العام تجاه احداث الشرق الأوسط لم تؤثر إطلاقا على النهج السياسي للإدارتين الأميركيتين. لم يخف ترامب انه قدم مشروعه لوقف حرب الإبادة على القطاع مقرونا بترتيبات مناقضة للشرعية الدولية تحمل مخاطر إنجاز أهداف الإبادة الجماعية لكن بوسائل سلمية، إحداها وسيلة الدبلوماسية الأبراهامية التي يروج لها باستمرار. تقرر خطة ترامب فصل القطاع عن الضفة وإخضاعه لسيطرة اجنبية، كما تخلو الخطة من أي التزام بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره؛ بدلا من ذلك تسعى إلى فرض "مجلس وصاية" على الشعب الفلسطيني يقوده ترمب، كمرجعية سياسية للإدارة التي ستتولى تسيير الأعمال بعد الانسحاب العسكري. عمليا تتشابك المساعي الامبريالية لتوطيد سيطرتها على المنطقة مع مساعي الدولة الصهيونية للتوسع طبقا للأسطورة التوراتية. حمل نص خطة ترامب نفس مضمون وعد بلفور، الوثيقة الاستعمارية الكلاسيكية، أوحت بأن أغلبية السكان الفلسطينيين لا اسم لهم ولا حقوق ولا صوت؛ انسجاما مع الدراسات التوراتية شطبت التاريخ الفلسطيني. فقد أُشير إلى الشعب الفلسطيني، الذي اعترف بلفور بانه أنكر حقه في تقرير المصير خلافا لجميع شعوب المعمورة، بمفهوم "المجتمعات غير اليهودية" القائمة، بينما عُرّفت الأقلية اليهودية بـ "الشعب". حروب المنطقة والمناورات المتعلقة خلال السنوات الثلاث الأخيرة عن تلاحم الأهداف الامبريالية والصهيونية والأنظمة الأبوية بالمنطقة. شرعت إدارة بايدن تهيل أحدث اٍسلحة الإبادة والتدمير تبعتها إدارة ترامب الجمهورية بمواصلة التزويد بالأسلحة شديدة التدمير وعطلت مرتين قرار مجلس الأمن بوقف الحرب. لم تكتف بالتستر على جرائم الحرب، بل سلطت شرطتها تطارد كل من تضامن مع الضحية وسجنتهم بتهمة دعم الإرهاب. جرى كل هذا علانية، بينما الأنظمة تلوذ بالرعاية الأميركية والوساطة الأميركية. الأنظمة العربية والإسلامية بالمنطقة تركت جماهير غزة تكابد الإبادة والتدمير طوال ازيد من سنتين، ولم تزل تكابد القتل والتدمير والتجويع كتبت فوزية أفضل خان الأكاديمية بالولايات المتحدة، وهي من أصل باكستاني، تتضامن مع صديقتها الفلسطينية، شلهوب كيفوركيان، تعرضت لعسف السلطة حين شهرت بحرب الإبادة في القطاع. قالت " أن الإفراط في القتل، باعتباره تقنية استعمارية، يعمل من خلال التدمير المنهجي للكيان الاجتماعي والسياسي المُستعمَر، مهاجمًا تماسكه وترابطه وقدرته على التجدد. إنه يُخضع السكان لموت مستمر وروتيني، جاعلًا الحياة البشرية والأسرة واستمرارية المجتمع غير مقدسة، بل مُسخَّرة في خدمة السلطة. في تحليلها وتنظيرها للنكبة الإبادية المستمرة في غزة، تُلفت شلهوب كيفوركيان الانتباه إلى "مركزية الموت والإفراط في القتل الظاهرة في أشلاء الأطفال المُتحللة في الحاضنات"، مُسلِّطةً الضوء على "الرعب العادي الذي يسكن أكثر الأجساد ضعفًا - المواليد الجدد والأطفال - وأكثر الأماكن ضعفًا: المنازل والمدارس والمستشفيات". أضافت:"كما استهدفت القوات الجوية الإسرائيلية وقصفت أماكن مدنية في غزة محمية بموجب القانون الدولي، كالمدارس والمستشفيات والمنازل وأماكن العبادة (يا له من سخريةٍ أصبح عليها القانون الدولي!)، كذلك في المرحلة الأولى الوحشية من القصف المميت على طهران وأماكن أخرى في إيران، استُهدفت مدرسة ابتدائية للبنات ودُمرت، فتحطمت جثث طالباتها الصغيرات إلى أشلاء، معظمهن متفحمات بالكامل، ولم يُعرف الكثير منهن إلا من خلال أغراضهن الشخصية كحقائبهن المدرسية".
إبادة سياسية
عنف يستهدف المدنيين تتبعه مفاوضات عبثية تولد حالة من اليأس تفضي الى عنف مسلح بكل عواقبه الكارثية، بينما الجماهير تبقى معزولة وتتعذر مشاركتها في المقاومة، الأمر الذي أفضى بالنتيجة الى الإبادة السياسية في المجتمع الفلسطيني، حسب التعبير الدقيق لعالم الاجتماع الإسرائيلي، باروخ كيمرلينغ. تلك هي حصيلة مقاومة لم تضع في حسابها دورا للجماهير الشعبية، ولم تقيّم موضوعيا قدرات العدو. من سوء تدبير الفصائل الفلسطينية المسلحة دأبها، في هذه الظروف المشحونة، على الانجرار بغير تحفظ مع الاستفزازات الإسرائيلية، والدخول في صدامات مسلحة تخطط لها الدولة الصهيونية وتعد لها العُدد. في تلك الصدامات أبقت الفصائل المسلحة الجماهير الشعبية في عزلة تنتظر الخلاص، في غفلة تامة عن فعاليات الحلف الاستراتيجي الصهيو امبريالي. جمدوا الحراك الشعبي، ومن الطرف المضاد تعمدت إسرائيل شمول الجماهير الشعبية المستكينة بالعنف الدموي. المقاومة والجماهير شهدا هشاشة سهل كسرها. تشكلت سلطتان سياسيتان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكانت التدخلات الامبريالية عاملا في تشظي المقاومة الوطنية الفلسطينية؛ بدر من الطرفين قبولهما بالانشطار. كل سلطة نأت بنفسها عن النشاط الجماهيري، بل عملت على حظره؛ حظرت حماس الانتخابات البلدية والنقابية والنيابية، وأسندت سلطات الضفة الى هيئات بيروقراطية مهمات التصدي للاستيطان والجدار ومشاريع الاحتلال، متعمدة ترك الجماهير في عزلة تقعدها عن الحراك الوطني. تم تقزيم منظمة التحرير، إذ حولت الى دائرة ملحقة بالسلطة، في غياب أي مرجعية قانونية أو سياسية أو ثورية. أضر بالمنظمة وبدورها وتاريخها تجميدها ردحا من زمن. في هذه الأثناء توسع الاستيطان حتى حاصر التجمعات السكانية الفلسطينية وأصدرت إسرائيل قانون دولة إسرائيل القومية يحرم الفلسطينيين من كل الحقوق واستفحال عنف المستوطنين. أعلنت إسرائيل نية ضم الراضي المحتلة، علما ان الاحتلال والاستيطان ينطويان على الضم لنتأمل جماهير غزة اثناء حرب الإبادة مقارنة مع جماهير إيران أثناء العدوان الأخير. في حالة إيران كان الحراك الشعبي رديفا للمقاومة المسلحة، المظاهرات المنتظمة نزلت الشوارع رديفا وحاميا للمقاومة المسلحة؛ فشلت بسرعة التوقعات بإمكانية زعزعة استقرار إيران - على غرار العراق أو ليبيا – تكشفت عن أوهام. اما في غزة فقد استلبت إرادة الجماهير وتفكيرها، غدت رهن اوامر جيش الاحتلال تتوجه جنوبا وغربا وشمالا وباضطراد مسلوبة الإرادة. غافلين عن تحالفها الاستراتيجي مع الامبريالية في اندفاعة هجوم عدواني، دور تؤديه وبلا حماية من الصواريخ تهدم المساكن على أصحابها. حتى الخيام قصفت بالصواريخ. في إيران تحقق الانتصار للمقاومة، حيث الجماهير كانت عنصرا فاعلا في المواجهة. جماهير غزة تكابد القتل والترويع والجويع وتصمد، تتحدى، وكذلك جماهير الضفة تتعرض لهجمات المستوطنين الإرهابية، تدمر المزارع وتبطش بالبشر. حيال هذه الأخطار من أوجب الواجبا تمتين الصلات مع الجماهير وتحريكها الى النضال، كي تتحدى وتصمد؛ فما زالت إسرائيل عاجزة عن الحسم لصالحها. إجبار إسرائيل على قبول الهدنة تحمل نذر الهزيمة التاريخية ليس لنهج نتنياهو، إنما للأيديولوجيا الصهيونية بالذات. وانتصارات المقاومة في بلد مثل إيران يفجر الطاقات الكفاحية في الأقطار المجاورة. جميع حركات الشعوب ضد السيطرة الامبريالية المباشره واجهت قوى عسكرية متفوقة، وانتصرت رغم ذلك لأنها حملت القوة الأخلاقية كحركات تحرر وطني. من غير المرجح أن تُكلل هذه الجهود الإسرائيلية بالنجاح. غزة لم تكن معزولة ولن تفقد البُعد الإقليمي والدولي للصراع، الذي يربطها بلبنان وإيران وجهات فاعلة أخرى في جبهة أوسع وأكثر ترابطاً. رغم اختلالات الحالة الفلسطينية يتكشف فشل دولة بنيت على أنقاض تاريخ امتد آلاف السنين محو ما راكمه التاريخ عبر اربعة ألاف عام. لكن ليس مستبعدا ان تتعرض الجماهير الفلسطينية لمكابدات ومكائد جديدة؛ تجد الجبهات الأخرى منيعة فتظهر جبروتها حيث المقاومة ضعيفة او لا مقاومة. ترمب ونتنياهو مغرمان بإظهار قدرة بطش ولديهما نزعة الظهور بمظهر السيطرة والتحكم.
لشكم العدوان يتوجب توحيد القوى المناهضة للعدوان والحرب والطامحة للتحرر من التبعية على نطاق الإقليم ومع جميع قوى التحرر والسلم في العالم. ان مأسسة التضامن المتبادل باتت ضرورة ملحة؛ النضال التحرري المشترك يولد قوة أضافية تردع العدوان.
والضرورة تحتم إعادة بناء المنظمة على أسس ديمقراطية بموجب ميثاقها، بحيث تكون الخيمة الشاملة لكل أطياف الشعب الفلسطيني، فصائل وأحزابا ونقابات وتجمعات ومستقلين، ولا يستبعد منها أحد ولا يستحوذ عليها فصيل ولا تغلق أبوابها أمام تيارات وطنية. النضال التحرري هو نضال النفس الطويل وبعد النظر والتفكير الاستراتيجي. يفعّل طاقاته الكفاحية، السياسية والثقافية والاقتصادية
#سعيد_مضيه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مصير مشترك
-
ترمب قطب المسيحة الصهيونية وعراب الفاشية الدولية الجديدة
-
ممارسات صهيونية تجاهلها غولدمان
-
قانون إسرائيلي يشرعن اغتيال الفلسطينيين
-
انتقادات ناحوم غولدمان تتناول اختلالات النهج الصهيوني ام عوا
...
-
عقد معتقة مهدت للانسياق مع العقيدة الصهيو اميريالية
-
مصير العدوان بين تمدد إسرائيل او انتكاستها وكسر شوكتها
-
حرب ائتلاف المصالح مع تجار الأسلحة والتوسع الإسرائيلي
-
دبلوماسية ولكن..سلام ولكن!
-
إبستين إفراز النظام الاقتصادي والسياسي والثقافي لليبرالية ال
...
-
حين يغدو سحق إنسانية البشر نهجا سياسيا
-
أمريكا تفقد العلم والفضيلة
-
تلفيقات سياسية برسم السيطرة الصهيو امبريالية- الحلقة الثانية
...
-
تلفيقات سياسية برسم السيطرة الصهيوامبريالية- حلقة أولى
-
عذابات الشعب الفلسطيني نصيبه من تفشي الليبرالية الجديدة - ال
...
-
عذابات شعب فلسطين نصيبه من تفسخ القانون الدولي
-
حراجة الموقف لا تسمح يترف التشاؤم وإشاعة تمزيق الصفوف
-
أساليب أخرى للعبرنة والتهويد
-
استراتيجيات العبرنة والتهويد
-
العبرنة لنزع العروبة عن فلسطين ومحو الذاكرة الثقافية العربية
المزيد.....
-
استقالة -غير معلنة الأسباب- لوزير البحرية الأمريكي.. ما تعلي
...
-
لبنان: مقتل صحفية وإصابة أخرى بـ-جروح خطيرة- جراء غارة إسرائ
...
-
وداع تحت الرصاص.. الاحتلال الإسرائيلي يقتحم تشييع شهيدي -الم
...
-
مقتل الصحفية آمال خليل في غارة إسرائيلية جنوبي لبنان
-
-البنتاغون-: وزير البحرية يترك منصبه بمفعول -فوري-
-
البيت الأبيض: نعرف من في إيران سيوقّع على اتفاق إنهاء الحرب
...
-
-لا داعي للعجلة-.. ترامب رداً على سؤال عن موعد انتهاء حرب إي
...
-
إيران في حالة تأهب قصوى وترفض الضغوط.. وترامب يبقي خيار الهج
...
-
حرب إيران ـ ترامب ينتظر رد بشأن المفاوضات وطهران ترفض فتح -ه
...
-
فرنسا تعلن وفاة جندي ثانٍ من يونيفيل متأثرا بإصابته في جنوب
...
المزيد.....
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
المزيد.....
|