|
|
محمد بن عبد الله الجزءالثالث عشر
عصام حافظ الزند
الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 15:24
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
(ننشر على حلقات بعض من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن) غَزَواتُ ما بعد أحد فَوْراً وَفِي اليَوْمِ الثانِي بَعَثَ النَبِيُّ فَصِيلاً لِتَعَقُّبِ القَرِيشِيِّينَ فِي حَمْراءَ الأسد وَهِيَ عَلَى بُعْدِ ثَمانِيَةِ أميال مِن المَدِينَةِ وَصَلَ إليها المُسْلِمُونَ فِي نَفْسِ اليَوْمِ الأحد، وَبَقَوْا فِيها ثَلاثَةَ أيام، وَلٰكِنْ لَمْ يَلْتَقُوا بِالقَرِيشِينَ، وَقَدْ أمر مُحَمَّد الرِجال فِي النَهارِ بِجَمْعِ الحَطَبِ، وأشعلوه لَيْلاً عَلَى اِمْتِداداتٍ، وَقَدْ أعطى هٰذا الإجراء انطباعاً لَدَى القَرِيشِينَ لِضَخامَةِ عَدَدِ المُسْلِمِينَ. وبدأت مَعَ هٰذِهِ الغَزْوَةِ مَوْجَةٌ جَدِيدَةٌ مِن الغَزَواتِ، بَلْ وبدأت سِياسَةٍ جَدِيدَةٍ ضِدَّ اليَهُودِ وَضِدَّ مَنْ ساهَمُوا فِي التَحْرِيضِ عَلَى المُسْلِمِينَ أَوْ دَعْمِ المُشْرِكِينَ، فَقَدْ اِغْتالَ سُفْيانُ بْنُ خالِد بْنِ نَبِيْهٍ سَيِّد بُنِي لِحَيان وَقامَ بِعَمَلِيَّةِ الاِغْتِيالِ عَبْدِ اللّٰه بِنِ انِيس، حَلِيف بَنِي سَلَمَةَ مِن الخَزْرَجِ المنتمين إِلَى بَنِي جُهَيْنَةَ، كَما قُتِلَ فِيما بَعْدُ مَعْرَكَةُ الأحزاب أشخاص آخرين سَنُشِيرُ إليهم، عَلَى الحَدَثِ المُهِمِّ فِي هٰذِهِ الفَتْرَةِ تَمَثَّلَ فِي: إجلاء بُنِي النَضِيرِ وَالَّذِينَ حَسَبَ الرِوايَةِ أرادو قَتْلَ النَبِيِّ، وَقَدْ كَشَفَ سِرُّهُمْ، فَطَلَبَ مِنْهُمْ مُغادَرَةَ المَدِينَةِ فِي غُضُونِ عَشَرَةِ أيام، وَلٰكِنَّ بَنُو النَضِيرِ وَبَعْدَ مُشاوَراتٍ رَفَضُوا الأَمْرَ، وأجابوا نَحْنُ لَنْ نَخْرُجَ مِنْ دِيارِنا فَاِصْنَعْ ما بدا لَكَ وَتَحَصَّنُوا ، فَحاصَرَهُم المُسْلِمُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً، وَفَوْقَ ذٰلِكَ فإنه حَرْقٌ أَوْ قِطَعُ النَخِيلِ والأشجار المُثْمِرَةُ، وَتِلْكَ كانَت أعمالاً تَحْرِمُها العَرَبُ، فَاِعْتَرَضَ بَعْضُ الصَحابَةِ بأن ذٰلِكَ اِنْتِهاكٌ لِعُرْفِ سائِدٍ، وَبَدا النِقاشُ بَيْنَ الصَحابَةِ، وَلٰكِنَّ حَسْمَ النِقاشِ نُزُولُ آية 5 مِنْ سُورَةِ الحَشْرِ {ما قَطَعْتُم مِنْ لَينَةٍ، أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلَى أصولها، فبإذن اللّٰهِ وَلِيُخْزِي الفاسِقِينَ (5)} (101/59 سُورَةَ الحَشْرِ هجرية عدد الآيات 24 الآية 5) وَكانَت مَجْمُوعَةٌ مِن الخَزْرَجِ وَقَبائِلَ تُطالِبُهُم بِالصُمُودِ، وأنهم سَوْفَ يُعِينُونهُم عَلَى مُحَمَّدٍ وَلٰكِنَّ هٰذا الأَمْرَ لَمْ يَتَحَقَّقْ، فَلَمْ يَكُنْ أَمامَ بَنِي النَضِيرِ سِوَى الجَلاءِ، وَسَمَحَ لَهُم بأخذ ما تحمله البَعِيرِ عَدَى السِلاحِ، فَذَهَبَ قِسْمٌ مِنهُم إِلَى خَيْبَرَ وَالقِسْمُ الآخَرُ اِتَّجَهَ إِلَى الشامِ، وَمَنْ كانُوا فِي خَيْبَرَ استمروا فِي التَحْرِيضِ عَلَى مُحَمَّدٍ ثُمَّ نَزَلَت الآية الآيات الأولى مِنْ سُورَةِ الحَشْرِ تَشْرَحُ ذٰلِكَ { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّـهِ فَأَتَاهُمُ اللَّـهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّـهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّـهَ فَإِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾} (101/59 سُورَةَ الحَشْرِ هجرية عدد الآيات 24 الآيات 2-4)قَبْلُ وَبَعْدَ إجلاء بُنِي النَضِيرِ نَفَّذَ مُحَمَّد وَالمُسْلِمُونَ سِلْسِلَةً مِن الغَزَواتِ، وَحَدَثَت جُمْلَةٌ مِن الأَحْداثِ فَقَدَ فِيها المُسْلِمُونَ عَدَداً مِن المُسْلِمِينَ يَفُوقُ الأربعين رَجُلاً، وَلَعَلَّ أبرزها أحداث بِئْرٍ معونة وَالرِوايَةَ كَما يَنْقُلُها مُنْتَغْمَرِي واتًّ، وَتَحَقَّقْنا مِنها فِي السِيرَةِ النَبَوِيَّةِ لِاِبْنِ إسحاق؛ وَكَذٰلِكَ فِي السِيرَةِ النَبَوِيَّةِ لِاِبْنِ هِشام وَهِيَ نَفْسُ الأولى، وَفِي المُغازِي لِلواقِدِي وَكَثِيرٌ مِن المَصادِرِ الأُخْرَى، إلا أَنَّ المَصادِرَ المَذْكُورَةَ كانَت تَفْصِيلِيَّةً، وَكُلُّ المَصادِرِ الأُخْرَى نَقَلَتْها مِنها؛ وَلِذٰلِكَ وللاختصار نُراجِعُها مَنْ وات وهي كما يلي:
بِئْرٌ معونة دعي مُحَمَّدٌ أحد زُعَماء قَبِيلَةَ عامِرِ بْنِ صَعْصَعَة وَهُوَ أبو عامِرِ بْنِ مالِكٍ إِلَى الدُخُولِ فِي الإِسْلامِ، وأظهر مَيْلاً لِذٰلِكَ، شَرِيطَةَ أَنْ يَجِدَ مُساعَدَةً كافِيَةً فِي قَبِيلَتِهِ، وَلِهٰذا طَلَبَ إِلَى مُحَمَّدٍ أَنْ يُرْسِلَ رُسُلَهُ إِلَى المِنْطَقَةِ الكائِنَةِ فِيها أماكن رَعْيَ القَبِيلَةِ، وَجَعَلَ مِنْ نَفْسِهِ جاراً لَهُمْ. وَقَدْ شَكَّ مُحَمَّدٌ فِي هٰذا العَرْضِ، وَرَغْمَ ذٰلِكَ، أرسل 40 (أو 70 مُسْلِماً) (حَسَبَ رأي واتَّ أَنَّ هٰذِهِ الأرقام مُبالَغٌ فِيها حَيْثُ لا تذكر الأخبار إلا أسماء 20 شَخْصاً مِنْهُمْ). وَقَدْ قُتِلَ زَعِيمٌ آخر مِنْ بَنِي عامِرٍ، عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ، وَهُوَ عَدُوٌّ لِمُحَمَّدٍ، حامِلُ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ وَحاوَلَ دَفْعَ قَبِيلَتِهِ إِلَى مُهاجَمَةِ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ، وَلٰكِنَّ القَبِيلَةَ تَمَسَّكَتْ بِالحِمايَةِ الَّتِي مَنَحَها أبو البَراءِ. عامِرُ بْنُ الطُفَيْلِ، وَمَعَ ذٰلِكَ فإن بَعْضُ قَبائِلَ بَنِي سَلِيمٍ المُجاوِرَةِ قامَتْ بِالهُجُومِ، فَقُتَلَتْ المُسْلِمُونَ ما عدا اِثْنَيْنِ، إذ جُرِحَ أحدهما جُرْحاً ثَخِينَةً، وَتُرَكَ فِي أرض المَعْرَكَةِ بَعْدَ أَنْ حَسِبُوهُ مَيِّتاً. وأسر الآخَرُ وَهُوَ عامِرُ بْنُ أمية الكِنانِيُّ، ثُمَّ أطلق سَراحُهُ لِقَرابَتِهِ مِنْ الَّذِينَ أسروه، وَقَدْ اِلْتَقَى بِطَرِيقِ العَوْدَةِ بِاِثْنَيْنِ مِنْ بَنِي عامِرٍ فَقَتَلَهُما، وَلَمّا طالَبَ عامِرُ بْنُ الطُفَيْلِ مِنْ مُحَمَّدٍ دِيَةَ القَتِيلِينَ مِنْ قَبِيلَتِهِ دُفَعَتْ لَهُ الدِيَةُ لأن القَبِيلَةَ كانَتْ حَلِيفَةُ المُسْلِمِينَ. الغَرِيبُ وَالمُزْعِجُ فِي الأَمْرِ أَنَّ مُحَمَّد يَدْفَعُ دِيَةَ قَتْلِينَ لِعامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ، ولا يطالب بِدِّيَّةِ مَنْ قُتِلَ مِن أصحابه الَّذِينَ بَعَثَهُم، أَيْ كانَ عَدَدُهُم 20 أو 40 أَوْ 70، وَالَّذِي كانَ عامِرَ مَسْؤُولاً عَن قَتْلِهِم، وَلَمْ تُوَضِّحْ الأخبار التارِيخِيَّةَ الأسباب الَّتِي دَعَت مُحَمَّد إِلَى التَخَلِّي عَن المُطالَبَةِ بِالدِيَةِ. (يَنْظُرُ إضافة لِلمَصادِرِ السابِقَةِ مونتغمري واتْ مُحَمَّد فِي المَدِينَةِ ص 46-49) وَمِن الحَوادِثِ المُؤْسِفَةِ أَيْضاً حادِثَةُ الوَقِيعِ وَهِيَ مُشابِهَةٌ لِما حَدَثَ فِي بِئْرِ مَعُونَةٍ، وإن كانَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بَعَثَهُم النَبِيُّ سَبْعَةً، وَتَقُولُ الرِوايَةُ أَنَّ بَنِي لَحَيان أرادو الثأر لِمَقْتَلِ سَيِّدِهِمْ بِتَحْرِيضٍ مِن مُحَمَّدٍ ، فَرَشُوا قُبْلَتَيْنِ مِنْ خَزاعَةٍ، لِيَذْهَبا إِلَى مُحَمَّدٍ وَيَقُولا لَهُ أنهما يَرْغَبانِ فِي دُخُولِ الإِسْلامِ، وَطَلَبُوا مِن مُحَمَّدٍ أَنْ يُرْسِلَ وَعاظاً لَهُما، فأرسل مُحَمَّد سَبْعَة مِن الرِجالِ، وَعِنْدَما وَصَلُوا الرَجِيعَ تَخْلُو عَنهُم، وأحاطوا بِهِم تِلْكَ الجَماعَةَ مِن بَنِي لَحْيانَ، وَقُتَلُوا أربعة مِنهُم وأسروا الثَلاثَةُ الآخرين، ولكن أحد الثَلاثَةِ أراد الإفلات مِنهُم، وَماتَ وَالسَيْفُ بِيَدِهِ أما الآخران، فَقَدْ حَمَلا إِلَى مَكَّةَ وَبَيْعاً لأشخاص ذَوِيهِمْ قُتِلُوا فِي بَدْرٍ، وَبَعْدَ اِنْقِضاءِ الأشهر الحُرُمِ أخذا خارجَ الكَعْبَةِ، وَطَلَبَ مِنهُما الاِرْتِدادَ عَن الإِسْلامِ، فَرَفْضاً عِنْدَ ذاكَ قُتْلاً وَلَيْسَ هُناكَ اِتِّفاقٌ عَلَى الوَقْتِ الَّذِي حَدَثَتْ فِيهِ تِلْكَ الحادِثَةُ، وَمِنهُمْ مَنْ يَقُولُ إن مُحَمَّداً بَعَثَ بِهٰؤُلاءِ مِنْ أجل تَقَصِّي أخبار قُرَيْشٍ وَالقَبائِلِ المُعادِيَةِ الأُخْرَى ، لَقَدْ شَكَّلَت هٰذِهِ الحادِثَةُ مَعَ حادِثَةِ بِئْرِ مَعُونَةِ الخَسارَةِ والألم الأكبر لِلمُسْلِمِينَ، فَقَدْ فَقَدُوا عدداً كبيراً مِن الرِجالِ. وأما بِقِية الغَزَواتِ وَالسَرايا وَرَغْمَ أنها لَمْ تأتي بِالغَنائِمِ الكَبِيرَةِ، إلا أنها أفادت فِي تَوْطِيدِ وَتَعْظِيمِ مَكانَةِ المُسْلِمِينَ بَيْنَ القَبائِلِ، بَلْ إن بَعْضَها أخذ بِالتَعاوُنِ مَعَ المُسْلِمِينَ أو عقد الأحلاف، وازدادَ عَدَدَ المُسْلِمِينَ بِحَيْثُ أَنَّ مُحَمَّد اِسْتَطاعَ تَجْنِيدَ 1500 رَجُلٍ لِلذَهابِ إِلَى بَدْرٍ عامِ 626م السَنَّةَ الرابِعَةَ للهجرة، وَذٰلِكَ بِهَدَفِ لِقاءِ أبي سفيان، وَلٰكِنَّ المَعْرَكَةَ لَمْ تَقَعْ، وَعَلَى ما يبدو أَنَّ أبا سفيان تَجَنَّبَها، وَفِي هٰذِهِ الفَتْرَةِ المُزْدَحِمَةِ بِالأَحْداثِ يَقُولُ اِبْنُ هِشام أَنَّ النَبِيَّ سارَ إِلَى دَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وَلٰكِنَّهُ عادَ دُونَ قِتالِ ولا ندري مَدَى صِحَّةِ هٰذِهِ المَعْلُومَةِ التارِيخِيَّةِ أَوْ دِقَّتِها فَدَوْمَةُ الجَنْدَلِ تُعَدُّ أَكْثَرَ مِن 800 كم عَن المَدِينَةِ فِي الجَوْفِ، وَتَقَعُ عَلَى تَقاطُعِ الطُرُقِ التِجارِيَّةِ بَيْنَ الجَزِيرَةِ وَالعِراقِ وَالشامِ، ولا ندري هَلْ وصَلْ فِعْلاً إِلَى هُناكَ، وَلٰكِنْ فِي السَنَةِ التاسِعَةِ لِلهِجْرَةِ بَعَثَ الرَسُولُ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَدَخَلَها وأسر حاكِمُها وجيء بِهِ إِلَى مُحَمَّدٍ حَيْثُ اِسْلَمَ، وَلٰكِنَّهُ عِنْدَ وَفاةِ مُحَمَّدٍ اِرْتَدَّ عَن إِسْلامِهِ. وَفِي السنة الخامسة لِلهِجْرَةِ 627م جَرَت المَعْرَكَةُ الفاصِلَةُ الثالِثَةُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَقُرَيْشٍ وَحُلَفائِها وَهِيَ ما عرفت بِغَزْوَةِ الخَنْدَقِ أَوْ حِصارِ المَدِينَةِ أَوْ الاِحْزابِ.
غَزْوَةُ الخَنْدَقِ 627م/ 5 هِجْرِيٌّ غَزْوَةُ الخَنْدَقِ هِيَ المواجهة الثالِثَةُ والأخيرة، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَسُمِّيَت وَعُرِفَت أَيْضاً بِغَزْوَةِ الأحزاب أَوْ حِصارِ المَدِينَةِ، وَلَعَلَّ التَسْمِيَتَيْنِ تُعَبِّرانِ عَن وُجُوهٍ أُخْرَى لِهٰذِهِ المُواجَهَةِ. أما الخَنْدَقَ الَّذِي حَفَرَ فِي الأماكن المَفْتُوحَةِ مِن المَدِينَةِ، فَقَدْ كانَ عامِلاً حاسِماً فِي فَشَلِ حَمْلَةِ قُرَيْشٍ، وَقِيلَ إن مَنْ اِقْتَرَحَهُ هُوَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ الشَخْصِيَّةُ ذاتُ الأهمية الكُبْرَى لِلإِسْلامِ وَمُحَمَّد، "وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ المُهاجِرِينَ يَوْمَ الخَنْدَقِ قالُوا سَلْمانُ مِنّا، وَقالَت الأَنْصارُ سَلْمانُ مِنّا فَقالَ رَسُولُ اللّٰهِ ﷺ سَلْمانُ مِنّا أَهْلُ البَيْتِ" (السِيرَةُ النَبَوِيَّةُ لِاِبْنِ هِشام الجُزْءُ الثالِثُ ص 136) رَغْمَ أنه آنذاك كانَ قَدْ أسلم مُنْذُ وَقْتٍ قَرِيبٍ جِدّاً " فَقالَ يا رسول اللّٰهُ إنا كُنّا بأرض فارِسٍ إِذا تَخَوَّفَنا الخَيْلُ خَنْدَقُنا عَلَيْنا، أَيْ فإن ذٰلِكَ كانَ مِن مَكايِدِ الفُرْسِ، وأول مَنْ فَعَلَهُ مِن مُلُوكِ الفُرْسِ مَلِكٌ كانَ فِي زَمَنِ مُوسَى اِبْنِ عُمْرانَ صَلَواتُ اللّٰهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ، فأعجبهم ذٰلِكَ، فَضُرِبَ عَلَى المَدِينَةِ الخَنْدَقَ . وَيَذْكُرُ الواقِدِي نَفْسَ الأَمْرِ وَيُضِيفُ لَهُ " فَهَلْ لَكَ يا رسول اللّٰهِ أَنْ تُخَنْدِقَ" (المُغازِي مُحَمَّد بِنُ عُمَرَ الواقِدِي ص 170- وما بعدها وَأَيْضاً السِيرَةُ الحَلَبِيَّةُ إنسان العُيُونَ فِي سِيرَةِ الأمين المأمون عَلِي بِن بُرْهان الدِين الحَلَبِي الشافِعِيِّ المتوفى سَنَةَ 1044 ﮬ تَحْقِيقُ دُكْتور أَحْمَد طَعْمَة حَلَبِي دارُ المَعْرِفَةِ لِلطِباعَةِ وَالنَشْرِ الجُزْءُ الثالِثُ ص 8 وَمَصادِرُ أُخْرَى كَثِيرَةٌ) ( ولمزيد من المعلومات حول سلمان الفارسي يرجى العودة الى سلمان الفارسي والبواكير الروحية للإسلام في ايران بحث لماسنيون ترجمه وعلق عليه عبد الرحمن بدوي في كتاب شخصيات قلقة في الإسلام دار النهضة 1964ص1-58 وكذلك كتاب الصلة بين التصوف والتشيع للدكتور كامل مصطفى الشيبي ص 31-37) وَيُقالُ الخَنْدَقُ عَلَى عَرْضِ4𨉬 م وَعُمْقٍ 3𨉇 م وَطُولُهُ 5544م وأما الفَتْرَةُ الَّتِي أنجز فِيها، فَلَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْها تَماماً وَتَراوَحَتْ بَيْنَ 6-30 يَوْماً فَقَدْ عَلِمَ النَبِيُّ بِنِيَّةِ قُرَيْشٍ، وَتَحَرَّكَها مُنْذُ البِدايَةِ، ويوكد الكثير من الباحثين ومنهم ماسنيون والشيبي وبالاعتماد على آخرين ان نفس كلمة خندق فارسية وهذا ما ذكره السيوطي أيضا في المزهر. أما تارِيخُ مَعْرَكَةِ الخَنْدَقِ، وإن كانَ اِبْنُ هِشامٍ يَذْكُرُ شَوّالَ السَنَةِ الخامِسَةِ لِلهِجْرَةِ، وَلٰكِنَّ البَعْضَ أرجعها إِلَى أواخر السَنَةِ الرابِعَةِ لِلهِجْرَةِ فِي ذِي القِعْدَةِ السَنَّةِ الرابِعَةِ لِلهِجْرَةِ، كَما أَنَّ هُناكَ عَدَمَ دِقَّةٍ، أَوْ قَلَّ عَدَمَ صِحَّةٍ فِي عَدَدِ الرِجالِ مِن المُشْرِكِينَ المُشارِكِينَ فِي الحَمْلَةِ إذ قِيلَ بِجَيْشِ تعداده 10000 (عَشَرَةِ الآلاف ) فإن عَدَدُ القُرَشِيِّينَ وأقرب حُلَفائِهِم بَلَغَ 4000 رَجُلٌ، وَكانَت غَطَفانِ القَبِيلَةُ المُسَيْطِرَةُ وَثلاثة بُطُونٍ مِنها فَرازَةً وأشجع وَمَرَّةً فِي جَيْشِ تعداده 1800 كَما قَدَّمَت قَبِيلَةُ سَلِيمِ 700 رَجُلٍ، فَيُصْبِحُ المَجْمُوعُ 6500 رَجُلٍ فَهَلْ مِن المَعْقُولِ أَنْ تُقَدَّمَ أسد وَحْدَها 3500 رَجُلٍ قَدْ لا يكون العَدَدُ عَشَرَةَ الآلاف حَتَّى وإن أضفنا الثَلاثَمِئَةِ فارِسٍ مِن قُرَيْشٍ. أما المُسْلِمُونَ فَقَدْ أعدوا 3000 رَجُلٍ عَلَى قَوْلِ المَصادِرِ الأَساسِيَّةِ. أما اِبْنُ هِشامٍ فِي السِيرَةِ النَبَوِيَّةِ، فَيَقُولُ نَقْلاً عَنْ اِبْنِ إسحاق وَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللّٰهِ ﷺ مِنْ الخَنْدَقِ، أقبلت قُرَيْشٌ حَتَّى نَزَلْتُ بِمُجْتَمَعِ الأسيال مِنْ دَمْعَةٍ، بَيْنَ الجُرْفِ وَزَغابَةٍ فِي عَشَرَةِ آلاف مِنْ احابِيشِهِمْ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ بَنِي كنانة، وَأَهْلِ تِهامَةَ، وأقبلت غَطَفانِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، حَتَّى نَزَلُوا بِذَنْبٍ نَقَمِيٍّ، إِلَى جانِبٍ أحد، وَخَرَجَ رَسُولُ اللّٰهِ ﷺ وَالمُسْلِمُونَ، حَتَّى جَعَلُوا ظُهُورَهُمْ إِلَى سِلَعٍ فِي ثَلاثَةِ الآلاف مِنْ المُسْلِمِينَ، فَضَرَبَ هُناكَ عَسْكَرَهُ، وَالخَنْدَقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القَوْمِ (سِلَعَ جَبَلٍ فِي المَدِينَةِ) أما بِصَدَدِ الأسباب الَّتِي أدت إِلَى تَحَرُّكِ قُرَيْشٍ لِحَرْبِ مُحَمَّدٍ فَيَرْجِعُ أَساساً إِلَى التَحْرِيضِ الَّذِي مارَسَهُ زُعَماءُ بُنِي النَضِيرِ بَعْدَ إجلائهم مِنْ المَدِينَةِ وَخاصَّةً سَيِّدَهُمْ حُيَي بِنُ اِخْطُبْ؛ وكذلك سَلامُ بْنُ مُشْكِمٍ وَكِنانَة اِبْنِ أبي الحَقِيقِ وَهَوْذَةُ بْنُ قَيْسٍ وأبو عامِر الفاسِق حَيْثُ وَصَلُوا إِلَى مَكَّةَ مِنْ أجل حَضَّ أبي سُفْيانَ، وَوَعَدُوهُ بِالدَعْمِ وَالمُوآزِرة، وأنهم مَعَهُ عَلَى عَداوَتِهِ فأجابهم أبو سُفْيانَ:" مَرْحَباً وَأَهْلاً، وأحب الناسِ إلينا مَنْ أعاننا عَلَى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ وَيَذْكُرُ بْنُ بُرْهانِ الدِينِ الحَلَبِيّ حِواراً بَيْنَ أبي سُفْيانَ، وهؤلاء الزُعَماءُ إذ قالَ لَهُمْ لا نأمِنُكُمْ إلا إِذا سَجَدْتُمْ لآلهتنا، حَتَّى نَطْمَئِنَّ إليكم فَفَعَلُوا، فَقالَتْ قُرَيْشٌ لأولئك اليَهُودِ: يا معشر يَهُودٌ، إنكم أَهْلُ الكِتابِ الأول وَالعِلْمُ، أخبرونا عَمّا أصبحنا نَخْتَلِفُ فِيهِ نَحْنُ وَمُحَمَّدٌ ، أديننا خَيْرٌ ام دِين مُحَمَّد؟ قالُوا بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، وأنتم أولى بِالحَقِّ مِنْهُ وَفِي رِوايَةٍ: نَحْنُ أهدى سَبِيلاً أم مُحَمَّدٌ؟ فَقالُوا: أنتم أهدى سَبِيلاً، أَيْ لأنكم تُعَظِّمُونَ هٰذا البَتَّ، وَتُقِيمُونَ عَلَى السِقايَةِ؛ وَتَنْحَرُونَ البَدَنَ، وَتَعْبُدُونَ ما كان يَعْبُدُ آباؤكم لِذا فَقَدَ. قَرَّر َبَعْدَها هُوَ وَمَجْمُوعَةٌ مِنْ رُؤَساءِ بُطُونِ قُرَيْشٍ، وَيُقالُ عَدَدُهُمْ خَمْسُونَ وَبَعْدَ أَنْ اِجْتَمَعُوا فِي دارِ النَدْوَةِ أَنْ يَعُدُّوا جَيْشاً، وأن يَدْعُوا القَبائِلَ الأُخْرَى للانضمام إِلَى هٰذا التَحالُفِ، وهكذا تألفت القُوَّةَ وَسارَت إِلَى حِصارِ المَدِينَةِ مِنْ أجل القَضاءِ عَلَى مُحَمَّد وَجَماعَتِهِ اِقْتَرَبُوا مِن المَدِينَةِ عَن طَرِيقِ وادِي العَقِيقِ، وَعَسْكَر قِسْمٌ مِنهُم هُناكَ وَالقِسْمُ الآخَرُ بِقُرْبِ هَضْبَةٍ أحد مَنْ أجل عَدَمَ تَمْكِينِ المُسْلِمِينَ مِن اِتِّخاذِ المَواقِعِ السابِقَةِ فِي أحد ، وَلٰكِنَّهُمْ أصيبوا بِخَيْبَةِ أمل إذ أَنَّ مُحَمَّداً اِتَّخِذَ هٰذِهِ المَرَّةَ وَأَيْضاً عَلَى ضَوْءِ تَجْرِبَةٍ أحد السابِقَةِ رُبَّما، إذ اُتُّخِذَ القَرارَ بِالتَحَصُّنِ فِي المَدِينَةِ؛ وَلِذٰلِكَ حَفَرَ الخَنْدَقَ وَهُوَ أمر لَمْ يعتد عَلَيْهِ العَرَبُ، بَلْ رُبَّما لَمْ يَسْمَعُوا عَنْهُ مِنْ قَبْلُ فَالخَيْلُ لا تستطيع عُبُورَ هٰذا الخَنْدَقِ، وَرُبَّما اِسْتَطاعَ البَعْضُ تَجاوُزَ الخَنْدَقِ، لٰكِنَّ عَدَدَهُمْ قَلِيلٌ، وَلٰكِنَّهُمْ فَضَّلُوا الانسحاب بَعْدَ أَنْ فقدوا اِثْنَيْنِ مِنْ فُرْسانِهِمْ أحدهم بِسَيْفِ عَلِيِّ بْنِ أبي طالِبٍ وَالآخَرِ وَقَعَ فِي الخَنْدَقِ حَيْثُ كانَ الخَنْدَقُ مُفاجِئاً لِقُرَيْشٍ وَهُوَ مِنْ الفُنُونِ الدِفاعِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ الجَزِيرَةُ تَعْرِفُها .
#عصام_حافظ_الزند (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
محمد بن عبد الله الجزء الثاني عشر
-
محمد بن عبدالله الجزء الحادي عشر
-
محمدبن عبد الله الجزء العاشر
-
محمد بن عبدالله الجزء التاسع
-
محمد بن عبدالله الجزء الثامن
-
محمد بن عبد الله الجزء السابع
-
الدكتور شعبان وكتابي البدو والاسلام جذور التطرف
-
محمد بن عبد الله الجزء السادس
-
محمد بن عبدالله الجزء الخامس
-
محمد بن عبد الله الجزء الرابع
-
محمد بن عبد الله الجزء الثالث
-
محمد بن عبد الله الجزء الثاني
-
محمد بن عبد الله الجزء الاول
-
يثرب والاسلام
-
يثرب عشية الاسلام
-
يثرب- المدينة المنورة
-
وجهاء واسماء في مكة
-
حلف الفضول الحلقة الثانية
-
احلاف قريش الحلقة الاولى
-
قريش الجزء الثاني
المزيد.....
-
الرئيس العراقي يدعو القوى الشيعية إلى تقديم مرشحها لتشكيل ال
...
-
الأمم المتحدة: تحطيم جندي إسرائيلي لتمثال المسيح في لبنان أم
...
-
العمود الثامن: حكاية ضد الطائفية
-
المقاومة الإسلامية تستهدف دبّابة ميركافا تابعة لجيش العدو ا
...
-
الطائفة اليهودية تشارك في التجمعات الليلية الحاشدة في طهران
...
-
نائب الرئيس الإيراني: حرس الثورة الإسلامية مرساة الاستقرار ف
...
-
خزائن الفاتيكان السرية.. النظام المعقد لتستر الكنيسة على الا
...
-
محافظة القدس: اعتقال 5 سيدات من المسجد الأقصى بالتزامن مع اق
...
-
هآرتس تفضح نفاق إسرائيل: إدانة لتحطيم تمثال المسيح وتجاهل لف
...
-
بزشكيان: حرس الثورة الإسلامية تمكن من أن يكون درعاً حصيناً ي
...
المزيد.....
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
-
إله الغد
/ نيل دونالد والش
-
في البيت مع الله
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله للمراهقين
/ يل دونالد والش
-
شركة مع الله
/ نيل دونالد والش
-
صداقة مع الله
/ نيل دونالد والش
المزيد.....
|