|
|
السياسية في إيطاليا 🇮🇹 بين اهتزازات الداخل وضغوط الخارج ؛ اختبار السياسة والمزاج الشعبي…
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 09:08
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ تتحول الجغرافيا السياسية اليوم إلى فضاء مفتوح تتقاطع فيه المصالح الدولية مع الأزمات الداخلية وتعيد فيه القوى الكبرى صياغة النفوذ ، حيث تتراجع فكرة الحدود الصلبة أمام مشهد عالمي تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، وتصبح فيه الجغرافيا انعكاساً مباشراً لصراع الإرادات ، كما أن تحول يشمل ايضاً التصريحات التى تذهب إلى حدود غير مرئية بين الدول ، فلم تعد الخطابات الكبرى مجرد كلمات عابرة ، بل أصبحت مؤشرات دقيقة على اتجاهات القوة وموازينها ، وبين ضجيج الاستقطاب الدولي وتقلّب المزاج الشعبي داخل أوروبا ، تبرز إيطاليا بوصفها مرآةً حساسة لاضطراب المرحلة ، حيث تتقاطع الأيديولوجيا مع الاقتصاد ، والدبلوماسية مع الداخل الانتخابي .
لا يمكن قراءة المشهد السياسي الدولي بمعزل عن سلسلة التعقيدات التىّ تراكمت في السنوات الأخيرة ، حيث امتد الجدل حول السياسات الأمريكية ذات الطابع التدخلي ، وما يرافقها من خطاب يتراوح بين “إصلاح العالم” وفرض معادلات القوة ، هذا التناقض ، الذي يظهر في أكثر من ساحة من المكسيك إلى فلسطين ، يعكس إشكالية مزمنة في مقاربة العلاقات الدولية ، إذ غالباً ما يُرفع شعار الديمقراطية ، بينما تُنتج السياسات على الأرض نتائج مغايرة ، تصل أحياناً إلى زعزعة الاستقرار الداخلي للدول بدل دعمه ، وفي هذا السياق ، يبدو أن الولايات المتحدة تجد نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم مساراتها الخارجية ، ليس فقط بسبب تعقيدات الحروب والصراعات ، بل أيضاً بفعل التحولات الاقتصادية العالمية التىّ تجعل من الاستقرار خياراً أكثر إلحاحاً من التصعيد،ومن هنا، تتزايد الدعوات إلى تهدئة سياسية مع ايران ، قائمة على مفاوضات متوازنة تراعي المتغيرات الدولية وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي .
على الضفة الأوروبية ، لا تبدو الصورة أقل تعقيداً،فالانتخابات الإيطالية المقبلة تُعد اختباراً سياسياً بالغ الأهمية ، ليس فقط للحكومة الحالية ، بل للمزاج الشعبي الأوروبي ككل ، في ظل تصاعد التوترات بين التيارات السياسية المختلفة ، وتزايد الانقسام بين اليمين واليسار ، وتحول الخطاب السياسي إلى ساحة صراع مفتوحة حول الهوية والدور الأوروبي في العالم ، فرئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تواجه بدورها تحديات داخلية متصاعدة ، إلا أن الانتخابات الإيطالية القادمة ستكون بمثابة الامتحان الثاني في أوروبا ، وسينكشف بشكل جلي المزاج الشعبي في أكثر الدول الأوروبية قوة وتأثيراً في الصناعة والسينما والمطبخ ، لهذا، لا تعرف هذه السطور ما إذا كانت رئيسة الحكومة جورجيا ميلوني قد تداركت الأمر بعد خسارتها الاستفتاء حول حصانة القضاء، والهجوم البرلماني من المعارضة ، والصمت الذي أبدته الحكومة أمام الحرب على إيران. وعلى الرغم من التصريحات التىّ أدلت بها دفاعاً عن البابا ، أو التىّ هاجمت بها جبهة نتنياهو واعتبرته مجرم حرب ، ومن ثمّ الماراثون الذي نفذته في الدول الخليجية من أجل تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية ، فإن كل ذلك لم يُسهم في تهدئة الشرائح الواسعة من الإيطاليين على اختلاف مشاربهم وأعمارهم وتوجهاتهم ، وهو ما جعلها تقترب من الرئيس الفرنسي ماكرون، وتُنهي حالة “شهر العسل” مع الرئيس الأمريكي ترامب ، ولإدراكها حقيقة الانعكاسات السلبية للحرب على إيران على إدارتها ، فإن الرئيس ترامب، كما يقول المثل الشعبي، “ما عندوش لحية مُمشّطة”، حتى بابا الفاتيكان 🇻🇦 الحالي لم يسلم من تعليقاته ، حيث قال إنه لم يكن مطروحاً كبابا ، لكن جنسيته الأمريكية هي التىّ أهلته لمنصب الحبر الأعظم.
الآن، قد يكون هذا صحيحاً أو خاطئاً، ولكن الملفت أنه عندما كان البابا ملتزماً الصمت حول أفعال الرئيس ترامب، لم يتعرض الأخير لمعايير انتخابه كبابا ، إلا أنه عندما انتقد البابا سياسات ترامب الدولية والحربية ، اختلف الأمر وبدأت العلاقة بينهما تتوتر ، في المقابل ، فإذ لم تنجح ميلوني بعد في احتواء تداعيات بعض الاستحقاقات السياسية ، سواء على مستوى الإصلاحات الداخلية أو على صعيد السياسة الخارجية ،ورغم محاولاتها تعزيز موقعها عبر تحركات دبلوماسية متعددة الاتجاهات ، فإن المزاج الشعبي لا يزال متأثراً بسلسلة من القضايا التىّ تمس الحياة اليومية للمواطنين ، من الاقتصاد إلى الخدمات العامة ، مروراً بمسألة الثقة بالمؤسسات .
وبالطبع ، كانت الضربتان اللتان تلقتهما ميلوني موجعتين في مدة زمنية متقاربة؛ الأولى خسارة الاستفتاء ، والثانية خسارة حليفها في المجر ، إضافة إلى صعود حليف رئيس الوزراء الإسباني،وهو ما دفع حزبها “إخوة إيطاليا” إلى دق جرس الإنذار بشأن تراجع شعبيتها ، ثم إن المعارضة، في هذا التوقيت، استطاعت رصّ صفوفها في أكبر تجمع سياسي وانتخابي في تاريخ إيطاليا ، فاستطلاعات الرأي ، حتى لو لم أكن أؤمن بها ، تشير إلى تراجع شعبيتها ، ليس اليوم فقط ، بل منذ عدوان إسرائيل على قطاع غزة وتنفيذها ما يُوصف بالإبادة بحق الفلسطينيين، وهو أمر بالغ الأهمية والخطورة بالنسبة للإيطاليين،فمكانة القضية الفلسطينية تاريخياً لدى الإيطاليين معروفة ، كما أن خطورة استمرار الحرب دون اتخاذ قرارات واضحة وصارمة تجاه إسرائيل تُعد مسألة حساسة وغير مسبوقة وغير مقبولة .
وهذا ما دفعها إلى استخدام صلاحياتها بوقف بعض أشكال التعاون العسكري والتكنولوجي مع إسرائيل ، ومن ثم مهاجمة الرئيس الأمريكي بسبب تهكمه على البابا ، وبالطبع، لم يعد الصراع اليوم بين الليبراليين والشيوعيين كما كان سابقاً؛ فاليسار ، سواء في الصين أو روسيا أو حتى في أوروبا ، قد تغيّر،وتحديداً في بلد مثل إيطاليا، الذي عُرف تاريخياً بقوة نقاباته وحيوية الحياة السياسية فيه، بما يشكّل ركيزة لنظام ديمقراطي تعددي يمنع عودة الفاشية والاستبداد.
اليوم، يظهر اليسار في أماكن عدة قدراً كبيراً من البراغماتية الفكرية والانفتاح ، مع ابتعاد عن العقائدية التقليدية،لذلك يلاحظ المراقب وجود “شيوعية صينية” و“شيوعية أوروبية”، وكذلك يسار وسطي تشكّل في الولايات المتحدة ويتمتع بشعبية وثقة نسبيتين ، وفي اعتقادي، فإن اليساريين المعاصرين ينتمون فكرياً إلى تشي جيفارا أكثر من انتمائهم إلى كارل ماركس أو فلاديمير لينين أو جوزيف ستالين ، فجيفارا يُنظر إليه لدى كثير من الشباب اليساريين كرمز ثوري ملهم كالمسيح ، رغم أن شخصيته أكثر تعقيداً من الصورة الرمزية الشائعة عنه.
لكن ميلوني وحزبها لم يتعلما كثيراً من تجربة نتنياهو وحكومته المتطرفة في محاولة تعديل قوانين القضاء،فالإيطاليون يعتبرون المساس باستقلال القضاء مسألة حياة أو موت ، لأنهم أمضوا قروناً من النضال والتضحيات من أجل سيادة القانون وإحقاق العدل واحترام حرية المواطن ، وبالتالي، فإن الذين صوتوا ضد استفتاء تعديل قوانين القضاء، وعددهم قرابة 15 مليون شخص ، يشكلون رسالة واضحة لحزب “إخوة إيطاليا” بضرورة التعامل مع هذا التحول في مزاج الناخبين ، فهؤلاء ، رغم اهتمامهم بالسياسة الخارجية ، يبقى همّهم الأول والأساسي تأمين احتياجاتهم اليومية والمعيشية بأسعار معقولة للطاقة والتنقل والتدفئة والصحة ، إضافة إلى السفر ، وكذلك الحفاظ على حرياتهم الشخصية والسياسية دون انتهاك .
وعلى الرغم من أهمية جولتها الخليجية ، فإنها بحاجة ماسة إلى العودة إلى الحضن الأوروبي وتعزيز التنسيق مع الاتحاد الأوروبي ، وتحديداً مع حكومات مثل إسبانيا والمجر ، كما ستواجه على الأرجح منافسة يسارية جديدة من شمال إيطاليا ، أبرزها شخصية سياسية صاعدة اسمها سيلفيا ساليس .
وتشير نتائج بعض الاستفتاءات والتحولات الانتخابية إلى وجود كتلة ناخبة واسعة تُعطي الأولوية للقضايا المعيشية اليومية: الأسعار، الطاقة، النقل، الصحة، والتعليم، إضافة إلى الحريات الشخصية،وهو ما يفرض على الحكومة إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الخطاب المنحاز لاسرائيل ، والتركيز أكثر على الداخل الاجتماعي والاقتصادي .
وفي ظل هذا المشهد المعقد ، تبدو إيطاليا أمام مرحلة إعادة تموضع سياسي ، تتطلب توازناً دقيقاً بين التزاماتها الأوروبية من جهة ، وضغوطها الداخلية من جهة أخرى،كما أن التنافس السياسي المقبل، سواء من اليمين الحاكم أو من قوى يسارية صاعدة، قد يعيد رسم خريطة السلطة في البلاد، ويحدد اتجاهها خلال السنوات القادمة ضمن السياق الأوروبي الأوسع … والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تحولات المشهد الدولي بين أوروبا وصراع النفوذ في الشرق الأوسط
...
-
انتخابات 🗳 إسرائيل بين الملاجئ وذاكرة الخوف ، الحفاض
...
-
ذكرى رحيل القائد أبو محمود الصباح… جنرال التلال 🇵
...
-
بين الميدان والسياسة : الصراع المستمر ومراجعات القوة في زمن
...
-
منحدر التصعيد وتبدلات الميدان:قراءة📕في توازنات الحرب
...
-
بين الميدان والعقل 🧠 : معادلات الصراع وحدود القوة في
...
-
بين الانبطاح والنهضة : النظر في المواقف الدولية وسقوط السردي
...
-
على حافة الاشتعال : تحولات القوة الدولية بين واشنطن وطهران …
-
ميزان القوة في الشرق الأوسط: بين الحسابات الأمريكية والإسرائ
...
-
تحولات⚙في المزاج الأمريكي تجاه إسرائيل:من تآكل المسلما
...
-
جوليا بطرس 🙋♂♥🇱🇧 - القو
...
-
بين دبلوماسية “دعه يمر” ودماء🩸الميدان: قراءة في التح
...
-
بين التكنولوجيا والبدائية : تحولات الصراع الاستخباراتي - الز
...
-
حروب الهيمنة ونهايات القوة:حين تتحكم الجغرافيا بمصير العالم
...
-
التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بين تصاعد الصراع يصل لل
...
-
فلسطين:🇵🇸معادلة الثبات بين الإبداع والمقاومة
...
-
متغيرات الصراع:من تصعيد ميداني إلى إعادة تشكيل التوازنات الد
...
-
تحولات القوة في زمن الحروب: من هيمنة السلاح إلى صعود العقل ا
...
-
غرينلاند 🇬🇱 ومضيق هرمز… بين من يصنع القرار و
...
-
تشابك الجبهات واستنزاف الداخل:قراءة📕في التحولات الاس
...
المزيد.....
-
النظام الإيراني يرد على تصريحات ترامب عن -وجود انقسامات بسبب
...
-
ترامب يعلن تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لـ3 أساب
...
-
هل ستشن ضربات نووية على إيران؟.. ترامب يرد
-
ترمب يبشر بترميم العلاقات مع بريطانيا خلال زيارة تشارلز لواش
...
-
إيران تعلن موقفها من المفاوضات وترد على ترمب بتأكيد الوحدة ا
...
-
تونس في مفترق الطرق.. 3 سيناريوهات تحكم مشهد -الانسداد العظي
...
-
وول ستريت جورنال: حرب إيران استنزفت الذخائر الأمريكية
-
-صراع الألغام- يشتد تحت مياه هرمز
-
وزير الدولة الصومالي للشؤون الخارجية: سيادتنا ليست للبيع وسن
...
-
إسرائيل تعترض -مقذوفات- أطلقت من لبنان
المزيد.....
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
المزيد.....
|