|
|
محاكمة نورمبرغ بين الرواية الاميركية والوقائع المحجوبة
محمد لفته محل
الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 02:59
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
المشهد الرسمي: بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة المانيا النازية عسكريا، اقامت الولايات المتحدة والحلفاء محاكمة علنية لأربع وعشرين قائداً نازيا عن جرائم الحرب النازية. وقٌدم القرار الاتهام إلى محكمة نورمبرغ في 18 تشرين الأول 1945. وتناول البند الأول من قرار الاتهام الخطة أو المؤامرة المشتركة لارتكاب جرائم منها جرائم المخلة بالسلم. ويصف البند الثاني التهم المتعلقة بالجرائم المخلة بالسلم.(المتحدة،2002: 18) وعقدت المحكمة في نوفمبر 1945 واصدرت احكامها في اكتوبر 1946، ما بين الاعدام والمؤبد والبراءة. مشاكل قانونية وحجج هئية الدفاع: كانت إحدى المعضلات الأساسية [القانونية] لمحاكمات نورمبرغ هي إنشاء محكمة دولية. هيمن مبدأ "فعل الدولة" على الفكر السياسي الغربي، وهو مستمد مباشرة من مفهوم سيادة الدولة. ينص هذا المبدأ على أنه في نظام دولي فوضوي، لا يحق لسلطات دولة ما محاكمة سلطات دولة أخرى، لأن المبادئ القانونية التي تضعها الدولة ذات السيادة هي القانون الساري على أراضيها. ووفقًا لهذا التفسير، لا يمكن تحميل الشخص الذي يتصرف نيابة عن دولة ما أو لمصلحتها المسؤولية الشخصية عن أفعاله؛ فهو يتمتع، كما لو كان، بالحصانة على أساس أن أفعاله قانونية مبدئيًا، لأنها تتوافق مع القانون الذي وضعته الدولة ذات السيادة. أدرك المحامون، الأوروبيون والأمريكيون على حد سواء، أن التخلي التام عن مبدأ "فعل الدولة" قد يشكل سابقة خطيرة، وقد يوفر أساسًا قانونيًا للتدخل في النظام القانوني الداخلي للدول ذات السيادة في المستقبل.( Lubecka،2024)(1) في نهاية المطاف، حُلّت معضلة "العمل وفقًا لقانون الدولة" من فرضية مفادها أنه إذا أراد المجتمع الدولي محاسبة الألمان على الجرائم التي ارتُكبت وفقًا لمعايير الشرعية، لكنها تجاهلت تمامًا المبادئ الأخلاقية الأساسية، فلا يمكنه اللجوء إلى قانون الدولة، لأنه لا ينص على مثل هذه المحاسبة، بل ولا يمنعها. واستنادًا إلى قاعدة فقهية رومانية: "القانون الجائر للغاية ليس قانونًا". وهكذا، فإن القانون الذي وضعته الحكومة الشرعية للرايخ الألماني، بسبب انتهاكه الصارخ للقانون الطبيعي. أصبح، قانونًا جائرًا للغاية، وبالتالي غير صالح.( Lubecka،2024) أدخلت محاكمات نورمبرغ فئات جديدة من الجرائم: "الجرائم ضد الإنسانية" و"شن حرب عدوانية" (ضد السلام)، والتي لم تكن محددة بوضوح في القانون الدولي قبل الحرب. وقد أُثيرت تساؤلات حول ما يُسمى بأثر هذه الأحكام رجعيًا، أي انتهاك مبدأين قانونيين: "لا جريمة إلا بنص" و"لا عقوبة إلا بنص" و"لا يُلزم القانون الدولي بأثر رجعي". وبما أن المصطلحات القانونية نفسها - الجرائم ضد الإنسانية والجرائم ضد السلام - ظهرت بعد ارتكابها من قبل الألمان النازيين، فقد شكك العديد من فقهاء القانون في انتهاك المبادئ الأساسية للقانون عند محاكمة مجرمي الحرب. كان أحد أبرز الانتقادات العامة لمحاكمات نورمبرغ، ولا يزال، أنها تجسيدٌ لـ"عدالة المنتصرين"، التي اقتصرت على محاكمة ومعاقبة الجرائم التي ارتكبتها دول المحور، بينما لم يُحاسب الحلفاء، وعلى رأسهم الاتحاد السوفيتي، على جرائم الحرب التي ارتكبوها. ويرى النقاد أن تطبيق العدالة بشكل انتقائي قوّض مصداقية المحاكمات. خلال المحاكمات، كان المدعون العامون أنفسهم طرفًا في النزاع، مما سهّل توجيه اتهامات بانعدام استقلاليتهم. كانت المحكمة العسكرية تضم ممثلين عن أربع دول، مع أنه من الواضح أن القانون الأمريكي كان له التأثير الأكبر على الشكل النهائي للمحاكمة. ( Lubecka،2024) كان غياب نظام الاستئناف على مرحلتين، أي إمكانية الطعن في الحكم، موضع تساؤل. كان هذا قرارًا سياسيًا. كذلك عدم المساواة في الوصول إلى معلومات المحاكمة. كثيراً ما استند المدافعون الألمان إلى مبدأ "وأنت أيضاً"، في محاولةٍ للإشارة إلى أن الحلفاء المتهمين ارتكبوا بدورهم أفعالاً مماثلة لتلك التي اتهموا بها القادة الألمان. جادل محامو الدفاع بأن القصف الألماني لمدن مثل كوفنتري أو لندن لا يختلف عن غارات الحلفاء على دريسدن أو لايبزيغ. ووُجهت اتهامات مماثلة بشأن قتل أسرى الحرب الألمان، لا سيما على يد السوفييت. سعت هذه الحجج إلى تقويض الشرعية الأخلاقية والقانونية للمحكمة. ( Lubecka،2024) "اتباع الأوامر" هي العبارة التي استظل تحتها المتهمون وكذلك هيئة الدفاع كأعذار للتهم الموجهة اليهم.(جلبرت،1988: 112، 288) وكما ردد العسكريون "الاوامر هي الاوامر". وتكررت اشكالية مسؤولية السلطة التنفيذية لقرارات صادرة من السلطة السياسية، فكيف اذا كانت النظام السياسي مركزي القرار بفرد واحد؟. وكيف يمكن للافراد المجبرين على الطاعة ان يتحملوا مسؤولية قرارات غيرهم؟. رد المحكمة على هيئة الدفاع: وصفت محكمة نورمبرغ ميثاقها بأنه تعبير عن القانون الدولي القائم وليس ممارسة تعسفية للسلطة من قبل أمم منتصرة. ورداً على الحجج التي قدمتها هيئة الادعاء والدفاع، نظرت المحكمة فيما اذا كانت الحرب العدوانية جريمة قبل اعتماد ميثاق نورمبرغ. واستنتجت المحكمة ان الحرب باعتبارها وسيلة للسياسة الوطنية هي جريمة استناداً إلى المعاهدة العامة لنبذ الحرب لعام 1928 من ميثاق بريان _كيلوغ.(المتحدة،2002: 45) وان الحجة القائلة بأن التخطيط المشترك لايمكن أن يقوم عندما تكون ثمة ديكتاتورية مطلقة حجة غير سليمة. فهتلر لايمكنه أن يقوم بحرب عدوانية بنفسه. بل لابد وأن يعاونه في ذلك رجال دولة وقادة عسكريون ودبلوماسيون ورجال أعمال. فعندما يتعاونون معه، عن علم، فإنهم يصبحون أطرافاً في هذه الخطة..(المتحدة،2002: 49) ثم نظرت المحكمة في مسالة المسؤولية الجنائية للأفراد الذين يخططون للحرب والغزو العدوانيين أو يعدون لها أو يشرعون فيهما أو يشنوهما (التخطيط والغزو). واستنتجت المحكمة ان الافراد ومن يشاركون فيها عن علم وبينة ومسؤولية يكونون عرضه للمحاكمة والعقاب عن سلوكهم.(المتحدة،2002: 105) ذهب الدفاع إلى القول إنه لا يجوز الحكم على المانيا بأنها معتدية نظراً للمظالم والشروط القاسية لمعاهدة فرساي التي فرضت بالقوة على المانيا.(المتحدة،2002: 108) وخلصت المحكمة الى الاستنتاج من أن الغزو والحروب التي قامت بها المانيا تنتهك اتفاقات دولية وضمانات رسمية اخرى التزمت بها المانيا بمحض ارادتها.(المتحدة،2002: 108، 109) ادعى الدفاع ان المانيا كانت تدافع عن نفسها عندما قامت بغزو بعض البلدان مثل الدنمارك النرويج لان الحلفاء كانوا يريدون احتلالها.(المتحدة،2002: 37) ردت المحكمة ان المانيا قد فقدت حقها في ادعاء الدفاع عن النفس بشروعها في حروب عدوانية. فهذا المبدأ لايجوز أن يحتج به المعتدون أفرادا كانوا أم دولا.(المتحدة،2002: 116، 118) ورفضت المحكمة ادعاء الدفاع القسر والاكراه فيما يتعلق بكبار المسؤولين المتهمين. لانهم ما كان لأي من رؤسائهم أن يُبقوا على المدعين في مناصبهم لو تبين باستمرار أنهم يستنكرون أو يعترضون على تنفيذ تلك البرامج الاجرامية. واستنتجت ان لا احد من المُدعى عليهم تصرف تحت القسر والإكراه.(المتحدة،2002: 122) ما وراء المحكمة: بما ان المحاكمة كانت بتمويل واشراف اميركي، فالصور والمشاهد الفيديوية الخارجة للعالم خضعت للتعديل او الحجب، بحيث تكون هذه الصور والمشاهد مطابقة للرؤية الاميركية. وهو ما سوف اسميه الرواية الاميركية لمحاكمات نورنبرغ. ونجحت هذه الرواية في تهميش ما عداها بحيث تبدوا انها الوحيدة! فلا غرابة ان نجد ان معظم الوثائقيات الاوروبية والكتب تردد ذات الرواية الاميركية. يقول محمد هيكل: اميركا في آخر مشهد في الحرب، تكفلت وحدها بدفع نفقات محاكمة نورنبرغ التي ارادتها عرض مباشر لتبقى عظة للآخرين. في المنطق الاميركي منطق الاعلان له تأثير. وقامت المحكمة وحولت هذه المحكمة الى مسرح لاستعراض النصر الاميركي، والصورة الاخيرة في الحرب هي نورنبرغ والمشهد الاميركي. لتعطي الانطباع ان النصر اميركي. بينما النصر في واقع الامر تحقق بالدم الروسي والبريطاني. في حين ان اميركا دخلت الحرب بعد سنتين وبمنطق المصلحة. لكن المشهد الأخير ترك الانطباع للناس بان النصر اميركي من خلال مشاهد المحاكمة.(هيكل،2025) الرواية الاميركية قامت على كتابة سيناريوا واخراج المحكمة بطريقة تصور القادة النازيين كوحوش متعطشة للدم دون أي شعور بالذنب والندم، ولا يمثلون القيم الاوروبية الاميركية، وان اميركا اتاحت لهم محاكمة علنية عادلة لم يكن يحظى بها خصوم النازية، وانهم ادينوا قضائياً ونالوا عقابهم العادل، ليكونوا عبرة لغيرهم، ولمنع تكرار هذه الجرائم مستقبلاً.(جلبرت،1988: 651) سادت الرواية الاميركية في الوثائقيات والافلام والكتب بالارتباط مع السيادة الامبراطورية للولايات المتحدة، فالتاريخ يكتبه المنتصرون كما قيل قديماً. وحجبت هذه الرواية كل الروايات الاخرى او همشتها، واحتكرت هذا التاريخ واستخدمته انتقائيا للترويج لعدالتها او لمظلومية اليهود او لأنجاد اوروبا من وحشية النازيين الخ. ووسعت هذه الرواية ضد حلفائها الروس بإشاعة الاغتصابات الجماعية التي مارستها الجنود الروس، واسقاط برلين الذي كان يمكن تجنبه عسكرياً، ومعاملة الجنود السوفيت الوحشية للأسرى الالمان. في حين ان الرواية الالمانية التي عبر عنها هيئة الدفاع والمتهمون، قامت على ان المحاكمة لا يمكن ان تكون عادلة لأنها محاكمة المنتصر للمهزوم، وان الفظائع النازية تحدث في أي حرب، الم يرتكب الروس والاميركان القتل ضد الاسرى الالمان جنودا ومدنيين؟، الم تقصف اميركا المدنيين في المانيا بالقنابل، وفي اليابان بالقنبلة الذرية؟ فلماذا تدان المانيا وحدها؟ ثم ان جميع القادة كانوا ينفذون الأوامر لأجل الوطن بالضبط كما كان يفعل جنود الحلفاء، يضاف الى ذلك ان المانيا كانت اشرس الاعداء للشيوعية وهي عدو مشترك يجمع المانيا مع الحلفاء. واذا حللنا الرواية الاميركية نجد انها تقوم بسلب انسانية الخصوم، وهو مبدأ اساسي لكل ابادة جماعية وهذا مبدأ استعماري قديم طبقه الاوروبيون ضد مستعمراتهم، من هنا فإن تصوير القادة النازيين كوحوش وليس كبشر، وهو نفس المبدأ الذي اتخذه الالمان ضد خصومهم من الاعراق الأخرى التي اعتبروها منحطة، وطبقه الاستعمار الفرنسي والاسباني والبريطاني ضد مستعمراتهم. وهو يعني ان اميركا تفكر بذات العقلية الالمانية او بالأدق بذات العقلية الاوروبية بصورة عامة. واذا كانت المانيا تحاكم على مجازرها فان اميركا ارتكبت مجازر ضد المدن الالمانية وضد المدنيين اليابانيين بالقنبلة الذرية. وان الحلفاء الذين يحاكمون النازية على احتلالها كانوا مثل النازيين يحتلون الاراضي المستعمرة. والحقيقة ان القادة النازيين الذين اتٌهموا بالوحشية كانوا مصدومين من مشاهدة افلام الابادة التي عرضت في المحكمة، وبعضهم لم يصدق ماراه وبعضهم استفظع جرائم هتلر او اتهم هملر بتلك الجرائم، واعتبروا هذه الجرائم عار لا يمكن ان يرتكبوه بعلمهم، وقليل منهم من برره بظروف الحرب. (جلبرت،1988: 134_140) ان العصر الاميركي لم يبدأ بانتهاء الحرب العالمية الثانية بل بإسقاط القنبلة الذرية على اليابان. اليس من المفارقات ان الحرب ضد الابادة النازية تنتهي بافتتاح ابادة جديدة وهي السلاح النووي الذي يفوق أي ابادة سابقة؟ وان الحرب التي سعت لتحرير الاراضي من النازية انتهت الى تقاسم المنتصرون للأراضي وبقاء الاستعمار الفرنسي والبريطاني؟. ان محاكمة نورنبرغ في الواقع هي محاكمة الغرب لنفسه وليس للنازية فقط. ان استخدام القنبلة الذرية جرد الاميركان من حق الظهور في نورنبرغ أو طوكيو، مدعين ضد مجرمي حرب آخرين، إذ لم يكن الألمان الذين خنقوا اليهود بالغاز ومارسوا القتل الجماعي، واليابانيون المتعطشون الى الحرب سوى زملاء لهم. "اما أن يقعد قتلة لاتين، ومبيدو دردسن، قضاة، فذلك مالم يزد على أن كمل رسم لوحة الموت بأسلوب معين."(دشنر،2003: 387) وهل يخوّل للإنجليز والروس الذين تقاسموا مع المانيا بولندا في بند سري ضمن الاتفاقية الالمانية الروسية وبتواطئ بريطاني، جلوسهم ضمن هيئة الادعاء؟.(جلبرت،1988: 365، 366، 583) كل ما فعله الأميركيون في ظل انهيار آلة الحرب الألمانية، واثناء الإنزال وفي أعقابه، كان قصفا جوياً عشوائياً على المدنيين، اسفر عن 570,000 قتيل و 800.000 جريح مدني.(غارودي،1999: 57) وشردوا 7 ملايين وخمسة مائة الف نسمة، واساءو معاملة الجنود الالمان حتى الموت اكثر او اقل من مليون جندي، على نحو مماثل للنازيين تقريبا في الفظاظة.(الصقت هذه التهمة بالروس فقط!)(دشنر،2003: 430) مالم تذكره المحاكمة هو ان وزير خارجية الولايات المتحدة، جاء الى هتلر بمليار دولار،(دنشر،2003: 29) وكانت وول ستريت تمول هتلر تحدوها الرغبة الواحدة، وهي تمكينه من الإمساك بزمام السلطة، وتسليحه، وكذلك التمكين من شن الحرب العالمية الثانية، وبذلك تُمكن لنفسها من الحصول على ارباح هائلة...(دنشر،2003: 326) وان مصانع أوبل المملوكة لشركة جنرال موتورز ساعدوا في إعادة تسليح المانيا كما قال وزير الاقتصاد النازي شاخت.(جلبرت،1988: 676) ان من يعتقد ان الدعم المالي الاميركي لهتلر كان قبل ان تُعرف نوايا هتلر العدوانية، فهو يعتقد ان السياسات والشركات الاميركية ساذجة او حسنة النوايا على الاقل. والحقيقة ان رعاية رأس المال الأميركي الكبير لهتلر تواصلت حتى بعد سنوات حكمه الأرهابي... وكانت المصارف الاميركية، تأمل في أيامها في حرب يشنها هتلر على روسيا، وكانت مستعدة لتمويله من أجل هذا.(دشنر،2003: 338، 339) والاكثر من ذلك كانوا على استعداد لتسليح النازية اثناء الحرب اذا ما تخطى الروس في اجتياحهم لالمانيا نهر الإلبه.(دشنر،2003: 398) و"البابا ذاته الذي مكن هتلر ايضاً من الديكتاتورية إذ أعلن قائلاً عنه مراراً: إن تدمير الشيوعية والبلشفية ينتظر الأمر الذي لا يكون ممكناً من دون حرب."(دشنر،2003: 338) من البديهي أن مقدمي الأموال الأجانب الذين كانوا يشجعون هتلر، لم يمثلوا أمام محكمة نورنبرغ. ومن البديهي أن وثائق (ارشيف أيغ) التي تفضح التمويل لم يسمح لها بدخول قضية مجرمي الحرب، ولم يكن مباح في أي حال من الأحوال حتى ذكر الموضوع المحرج المتعلق بمساندة الدول المموّلة الكبرى لهتلر. وقررت المحكمة ان هذه الأمور لا علاقة لها بالقضية! وأن الخوض فيها غير مسموح به.(دشنر،2003: 334، 335) وفي الواقع لم يَنل الغرب جنرالات النازية بسوء بل ادخلهم في خدمته ليطارد إخوة السلاح [الروس] وقد شنقت حفنة من زعماء الحقبة الهتلرية، وثمة نخبة عسكرية جمّة العدد لا تقل كثيراً جداً عن تلك في علو مستواها، مازالت تحظى بالتقدير منذ ذلك الوقت.(دشنر،2003: 371، 372) وكانت الولايات المتحدة تُدخل المجرمين التابعين لهتلر في خدمتها راغبة فيهم تحديداً. وكان الضباط الألمان من ناحية أخرى يسرهم ان يُسلمو خبراتهم في الشرق إلى الاركان العامة الاميركية.(دشنر،2003: 442) يقول الطبيب النفسي دوغلاس كيلي الذي اشرف على السلامة العقلية للمعتقلين النازيين: "لايعد الجنون تفسيرا للنازيين. لقد كانوا ببساطة مخلوقات بيئتهم، كما هو حال جميع البشر"( Kelley ،1948: 5) ولا يوجد فرق حقيقي بين الفرد الالماني والفرد الامريكي باستثناء إيمان الالماني الأكثر حماسة بايديولوجيته. صحيح ان الأمة الألمانية تتمتع بثقافة أكثر تجانساً... ولكن، بصرف النظر عن افتقارنا للتجانس، فانا مقتنع بانه لا يوجد الكثير في امريكا اليوم مما يمكن أن يمنع قيام دولة شبيهة بالنازية.( kelley،1948: 17) فيما يتعلق بالقادة النازيين لم يكونوا من الانواع الخاصة، ويمكن العثور على امثالهم بسهولة في امريكا. (kelley،1948: 171) أنها تجربة مزعجة للغاية أن تعود من نورمبرغ ألى امريكا وتجد نفس التحيزات العنصرية التي بشر بها النازيون تُثار هنا بنفس الكلمات التي ترددت في اروقة سجن نورمبرغ. يمكننا أن نجد التحيزات العنصرية مقنّعة بشكل رقيق في صحافتنا العامة اليوم. والأسوأ من ذلك، أننا نجد بعضاً من كبار رجالنا السياسيين، اعضاء في أعلى هيئاتنا الحاكمة، يدلون بتصريحات من شأنها أن تحسب للنازيين. لا يوجد أي فرق على الاطلاق بين الساسة الامريكيون وأساليب النازية. (kelley ،1948: 172،173) الغريب ان الدكتور كيلي لم يشير الى ان استخدام القنبلة الذرية الذي لم يكن ضروريا للحرب، لان اليابان كانت تريد انهاء الحرب وارادت من السوفيت ان يكونوا وسطاء. علاوة على ان القنبلة القيت على المدنيين وليس على العسكريين او اهداف عسكرية. وان الهدف من استعمالهم هو ردع السوفيت بعد الحرب بحيازة امريكا لهذا السلاح وحدها. ولم يشير على المجازر في الحرب الكورية الامريكية. ولم يشير الى الحملة الماكارثية ضد الشيوعية في امريكا، واخيرا لم يشير الى استعمال الامريكيين للنازيين بعد الحرب كمجندين لصالحها. صحيح ان بعض هذه الاحداث جرت بعد صدور الكتاب لكنه كان يستطيع الاشارة لذلك في الطبعات اللاحقة للكتاب. بعد هذا الحدث الذي مضى عليه ثمانين عام ترى ما فائدة الكلام عنه؟ هل كشف الوقائع المحجوبة وحده استوجب اعادة طرح الموضوع؟ الم يقم كتاب سابقين بطرح رواية مغايرة عملت الرواية الاميركية على تهميشهم. الحقيقة ان الاسباب التي استدعتني ان اكتب عن الموضوع هو المجزرة التي حدثت في غزة بتمويل ومشاركة اميركية سياسية وعسكرية واعلامية. وقد استخدمت وسائل الاعلام الغربية الناطقة بالعربي وثائقيات نورمبرغ للتذكير بمأساة اليهود في الوقت التي كانت تنفذ فيه اسرائيل مجازر تفوق وحشية النازية. وكانت هذه الوثائقيات في هذا التوقيت وبالرواية الاميركية هو تواطئ اعلامي واضح مع المجزرة في غزة. وهو استمرار لعرف قديم في الصحافة الاوروبية الاميركية(سليمان،2000: 43، 55) وعندما بحثت في محرك البحث جوجل عن نورمبرغ باللغة العربية كانت النتائج تقود الى رابط واحد "موسوعة الهولوكوست" وكأن المحكمة كانت جرائم فقط لليهود! وهو تحيز واضح ايضا. ولان هناك رواية اميركية اسرائيلية عن طوفان الاقصى سوف تقوم بذات الطريقة الاميركية في نورمبرغ، من هنا يأتي اعادة طرح نورمبرغ لفهم الروايات الاميركية المقبلة عن طوفان الاقصى وغيرها من احداث مصممة على مقاس الرؤية الاميركية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1_استتخدمت مترجم الانترنت في تعريب النصوص الانكليزية. المصادر: -الأمم المتحدة، اللجنة التحضيرية للمحكمة الجنائية الدولية، 2002. -ج. م. جلبرت، على هامش محاكمات نورمبرج، مجرمو الحرب والتعذيب في ظلال المشانق، ترجمة: أحمد رائف، الزهراء للاعلام العربي، 1988. -محمد حسنين هيكل، كواليس محاكمة نورنبرغ، @mr.heikal، يوتيوب، 2025/12/21. -Douglas m. kelley, m. d, 22 cells in Nuremberg, Macfadden publications, inc 205 east 42nd street, new york 17, 1947. -Joanna Lubecka, Themis at Nuremberg: Between Justice and Politics, 09 December ,2024. https://enrs.eu/article/themis-at-nuremberg-between-justice-and-politics _الدكتور ميخائيل سليمان، صورة العرب في عقول الأمريكيين، ترجمة: عطا عبد الوهاب، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية، 2000. -كارلهاينتس دشنر، المولوخ: إله الشر، تاريخ الولايات المتحدة، ترجمة: محمد جديد، قدمس للنشر والتوزيع، 2003. -روجيه جارودي، امريكا طليعة الانحطاط، تعريب: عمرو زهيري، دار الشروق، الطبعة الثانية، 2000.
#محمد_لفته_محل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تصورات اولية عن المنطق الامريكي السياسي
-
مراجعة الرواية الطائفية بعد عام 2003*
-
سن البلوغ في الشرق الاوسط
-
نصوص من كتاب -سجل دائم-
-
غياب الخصوصية في الانترنت
-
مراجعة ثانية للحرب على غزة
-
داء الوردية كيف تتعايش معه؟
-
الحرب الامبريالية على ايران
-
ملاحظات ميدانية لبيع الملابس النسائية في منطقة الشعب ببغداد
-
مراجعة نقدية للحرب على غزة
-
قراءة في كتاب -الوالي والولي-
-
حرب غزة والعالم
-
ماذا لو كنت رئيسا للعراق
-
السفير الاخير للأغنية العراقية
-
قراءة في كتاب -يقين بلا معبد-
-
حرب غزة وتوازن الردع
-
حرب غزة واعادة رسم عملية السلام
-
ملاحظات على حرب غزة
-
شهادة جندي عراقي على حرب 2003
-
هوامش اجتماعية على احتلال العراق
المزيد.....
-
عراقجي: إيران تعرف كيف تُحيّد القيود
-
-إيران بتمسخر ترامب-.. نجيب ساويرس بتدوينة بعد تمديد وقف إطل
...
-
أول منشور لرئيس وزراء باكستان بعد تمديد وقف إطلاق النار بين
...
-
بلومبيرغ ترصد حجم الخسائر في إيران: 270 مليار دولار ودمار آل
...
-
كيف يتعقب المفتشون آثار تصنيع القنبلة النووية؟
-
سلام: لبنان يحتاج 500 مليون يورو لمواجهة الأزمة الإنسانية
-
بهجوم مباغت.. نمر يقتل طفلا في الهند
-
الحصار الأميركي على إيران يكلفها 500 مليون دولار يوميا
-
ترامب: مختبرات إيران النووية دُمرت بالكامل
-
ترامب وتمديد الهدنة مع إيران.. كواليس اتخاذ القرار ودوافعه
المزيد.....
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
المزيد.....
|