أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جاسم المعموري - من يثق بترامب كمن يثق بالسراب















المزيد.....

من يثق بترامب كمن يثق بالسراب


جاسم المعموري

الحوار المتمدن-العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 20:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ومن يصدق ترامب كمن يصدق مسيلمة الكذاب ,ولا يلدغ مؤمن من جحر مرتين ,ومع ذلك لدغت ايران مرتين ,وربما تكون الثالثة هي اللدغة القاتلة والاخيرة,
فالسياسة قذرة ,لأنها لا تقيم وزناً للصدق ,ولا تعرف وجهاً واحدا للحقيقة, وانما تتقن فنون التلون ,حتى صار الكذب فيها فضيلة ,والتناقض مهارة متقدمة ,فها هو السياسي يقول شيئاً في الصباح ,ويخالفه في المساء ,ويتحدث عن المبادئ وهو يقايضها في غرف مغلقة .. يتحدث عن الحقوق وهو يغتالها على وقع الصفقات.. يدعو إلى السلام ويبيع الأسلحة بأرقام فلكية ,ويشجب الحرب ثم يموّلها من وراء الستار..
ترامب قال لإيران ان أمامها وقتاً للدخول في مفاوضات ,ثم في اللحظة التي حسب أنها مناسبة أعطى الضوء الأخضر لنتنياهو كي يضربها ضربات موجعة بلا مساءلة ,ثم كرر نفس الفعل وخاض مع اسرائيل حربا استمرت 40 يوما دمر فيها ايران تدميرا كاملا , وعاد الى المفاوضات مرة اخرى , ومن يدري ماذا سيفعل اثنائها, هل سيغدر بايران مرة اخرى ويضربها على حين غرة؟ ,فمن يضمن ان لا يكون هذا الوعد مجرد طُعم في صنارة السياسة ..من يضمن أن لا يُكافأ التسليم بالخذلان ,وان لا يتحول الصدق إلى فخ جديد في مسلسل من الأكاذيب المتراكمة ,لا احد يستطيع أن يضمن ذلك لأن السياسة بلا ضامن ولا ضمير ,ولأنها لا تعرف الوفاء ,بل تعرف المصالح التي تتبدل كما تتبدل الوان الحرباء..
وبينما انقلبت الدنيا ولم تقعد ضد بوتين لأنه ضرب كييف ,وسُمّي احتلاله جريمة حرب ,أُعطي الضوء الأخضر لإسرائيل كي تضرب غزة وتدكها وتحولها إلى رماد ,وتُغطى تلك الضربات بذريعة الدفاع عن النفس ,ويُمنح القاتل شرعية لا تُمنح للضحية ,هكذا تُوزع الاخلاق في السياسة بسخاء على جهة ,وتُمنع على اخرى ,وتُقاس الامور بميزان القوة والمصلحة والتحالفات التي لا تخضع لقانون ولا تنحني لعاطفة.
الكيل بمكيالين هو قلب السياسة النابض ,فحين تكون الضحية من الحلفاء تُستنفر المنابر وتُرفع العقوبات وتُرسم خطوط حمراء لا تُمسّ ,اما حين تكون الضحية من المهمشين تُدفن تحت الانقاض بصمت ,ويُتهم من يصرخ بأنه متحيز ,وبأن نظرته غير متوازنة ,فالتوازن في السياسة ليس توازنا حقيقياً ,وانما هو توازن في توزيع الأكاذيب ,وطمس الحقائق واسترضاء الاقوياء ,وإيهام الضعفاء بأن لهم مكاناً في هذا العالم.
السياسي يقبّل المواثيق صباحاً ,ثم يدوسها بحذائه ليلاً .. يتحدث عن العدالة في المؤتمرات ,ثم يتغاضى عنها في الميدان ..يتحدث عن الإنسانية وهو يسلّح الطغاة ,ويقايض أرواح الأبرياء ببضعة عقود تجارية وبصفقات أمنية تجعل الموت جزءاً عادياً من اللعبة ,هكذا تُفهم الأخلاق في السياسة كأداة تُستخدم حين تنفع.
انه انقلاب كامل في الموازين الاخلاقية ,صار العدو من يرفع الصوت ضد القتل ,وصار الارهابي من يدافع عن بيته ,وصار المقاوم خطرا على (الاستقرار) وصار الاستقرار نفسه مرادفاً للقمع والتكميم والاحتلال ,لم تعد الكلمات تعني ما كانت تعنيه, وصار للحرية تعريف سياسي لا اخلاقي ,وللحق هوية دبلوماسية لا انسانية ,وللجريمة تقرع كؤوس الشمبانيا احتفلا بسفك الدماء ..
ان هذا العالم يدور على محور القوة , والقوة وحدها تُعيد تعريف الخير والشر .. النبيل هو من يوافقنا حتى لو قَتل , والخائن هو من يختلف معنا حتى لو كان بريئاً ..هكذا يتكلم العالم باسم الديمقراطية , وهو يُخرس من يطالب بها , وباسم حقوق الإنسان ,وهو يُمعن في سحقها .. السياسة لا تعرف الحياء ولا تخجل من تناقضاتها , بل تصنع منها قناعات جديدة وتسوّقها للجمهور تحت أسماء لامعة وعناوين براقة..
والمفارقة أن من يحاول ان يظل صادقاً في هذا العالم يبدو كأنه غريب , بل كأنه طفل في حلبة مصارعة.. وان السياسي حين يتحدث عن القيم يتحدث عنها كما يتحدث الساحر عن عصاه , يلمّعها كي يصرف أنظار الناس عن الحيلة , ثم يضرب بها من حيث لا يتوقع أحد .. كل شيء في السياسة يُباع ويُشترى حتى المآسي لها سعر ,وحتى الوعود لها تاريخ انتهاء ,والذين يراهنون على الشرف في السياسة كمن يراهن على العثور على قالب ثلج في القيض في قلب الصحراء العربية ..
ان السياسة اليوم هي فن التبرير لا فن القيادة , والسياسي الناجح ليس من يحل المشاكل, بل من يصنعها ,ثم يقنع الناس أنه أنقذهم منها ,.وهو ذاته من أشعلها ,هذا الانفصام بين القول والفعل هو ما يجعل السياسة تبدو كأنها طقس ديني جديد يطلب من أتباعه الإيمان بالمتناقضات ,والتسبيح باسم الأكاذيب وتقديس الزعيم الذي يخدعهم كل يوم..
ومن هنا تتلاشى الحدود بين الواقع والمهزلة ,وتصبح النكبات جزءاً من الجدول السياسي اليومي, وتتحول المآسي إلى قصص اعتيادية في نشرات الأخبار ,وتمسي الأرواح أداة ضغط تُرفع في المفاوضات وتُنسى بعد ذلك , كأنها لم تكن ,كأن الدم لا قيمة له, وكأن الوجع لا صوت له , وكأن العدل مجرد خرافة يُتغنى بها في المحافل ,ثم يُرمى بها في زوايا النسيان.
ويبقى السؤال معلقاً هل نلوم السياسة لأنها كاذبة؟ أم نلوم أنفسنا لأننا صدقناها؟ هل نلوم السياسي لأنه يخدع ؟أم نلوم الشعوب لأنها تطبل له وهي ترى خيانته في كل حركاته وسكناته؟ ربما الجواب أن السياسة لم تتغير أبدا ,بل نحن من كنا نأمل فيها شيئاً من الطهارة ,ونحن من خدعنا أنفسنا حين ظننا ان للسياسة ضميرا ,وأن للمواقف اخلاقا , الحقيقة أنها لعبة مصالح لا أكثرولا اقل ,وميدان يفيض بالخداع والتضليل والتناقض ,وهي لا تصلح أن تكون مرجعاً للأخلاق ,ولا حَكماً على الحقائق ,لأنها قائمة في جوهرها على تغييب الحقيقة نفسها..
فلا عجب إن كذب السياسي ,ولا غرابة إن انقلب على كلامه , لأن هذا هو اصل اللعبة, لا استثناء فيها ,ومن يطلب منها الصدق كمن يطلب من الليل أن يكون نهاراً ,ومن الظل أن يكون شمساً , والسياسات لا تُبنى على الصدق ,وانما على الصفقات ,ولا تُقاس بالمبادئ ,وانما بالأرباح , وكم من سياسي ربح السلطة وخسر الإنسان , وكم من نظام صمد طويلاً لأنه خنق الحقيقة وخدّر الشعوب بأوهام الامن والرخاء!
وهكذا نمضي في دوامة تتكرر فيها الأكاذيب بنفس الوجوه ,او بوجوه جديدة تسوّق نفس الأوهام ,وتمدّ حبال الكذب اطول وأطول ,حتى يصير الصدق نشازا,والمبادئ عبئاً , والكرامة خطرا في عالم تديره أيادٍ لا ترى الانسان , بل ترى في كل شيء رقماً يمكن التحكم فيه أو كتمه او استبداله متى اقتضت الضرورة السياسية ذلك.
جاسم محمد علي المعموري
20-4-2026



#جاسم_محمد_علي_المعموري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اهٍ لو كنت صاروخا باليستيا ..8
- وهكذا حققت المؤامرة اهدافها
- بغداد روحي واغنيتي*
- اهِ لو كنت صاروخا باليستياً .. 7
- اهِ لو كنت صاروخا باليستياً .. 6
- رسالة عاجلة الى امريكا وايران والصين واوربا والخليج
- اهِ لو كنت صاروخا باليستيا ..5
- عشرة اعوام من المفاوضات خير من عشر دقائق من الحرب
- اه لو كنت صاروخا باليستيا ...4
- آهِ لو كنتُ صاروخاً باليستيا...ً(3)
- آهِ لو كنتُ صاروخاً باليستيا...ً(2)
- آهِ لو كنتُ صاروخاً باليستيا...ً*
- هل كان قرار حزب الله دخول الحرب قرارا مركزيا؟
- ليس الحل في محو حضارة او اسقاط نظام
- ما ينبغي فعله لإنهاء الحرب على ايران
- غزغزة لبنان جريمة حرب اخرى
- العن أبو السياسة!
- مظلومية المرأة العراقية وغياب العدالة
- موقع العراق الجغرافي والتهديدات الخطيرة المحتملة
- اغتيال القيادات في ايران جريمة وخيمة العواقب


المزيد.....




- كيف يستعد الأردن لاحتمال عدم التوصل لاتفاق مع إيران؟.. مسؤول ...
- تقرير أممي: الدعم السريع السودانية تلقت دعما عسكريا ولوجستيا ...
- بين التخفيض والإخراج.. لماذا يشكل تخصيب اليورانيوم الإيراني ...
- هل يتحول -ملقا- لهرمز جديد؟.. وزير دفاع ماليزيا يجيب على هام ...
- ترمب ومأزق إيران.. تهديدات متضاربة ومفاوضات بلا بوصلة
- -انقلبت اللعبة- وحصار ترمب نقطة تحول في الصراع
- الاحتلال يعلن استهداف منصة صواريخ لحزب الله جنوبي لبنان
- بين التصعيد والتهدئة.. هدنة على الحافة بين طهران وواشنطن
- بوابة حديدية للمستوطنين بالقدس.. تطورات تنذر بتطبيق تجربة عز ...
- بيان مصري جديد بشأن سبب وفاة ضياء العوضي في دبي


المزيد.....

- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جاسم المعموري - من يثق بترامب كمن يثق بالسراب