أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - بلد العميان














المزيد.....

بلد العميان


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 09:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في عام 1904، كتب هربرت جورج ويلز قصته الشهيرة بلد العميان ، ولم يكن يدرك انه لا يكتب مجرد قصة، بل يرسم مأساة إنسانية تتكرر في كل زمان ومكان كلما ظنّ مجتمع أنه بلغ نهاية الحقيقة.

تحكي القصة عن وادٍ منسيّ، عاش فيه بشر فقدوا جميعهم البصر عبر أجيال، حتى لم يعد العمى نقصًا، بل صار قانونًا، ونظامًا، وتعريفًا للواقع ذاته. لم يعد أحد يتذكر كيف تكون الرؤية، بل أصبح من المستحيل حتى تخيّلها. وعندما ظهر بينهم رجل يرى، لم يكن ذلك كافيًا ليُقنعهم، لأن المشكلة لم تكن في أعينهم، بل في وعيهم.

لم يسألوا: ماذا يرى؟
بل قالوا: هذا لا يرى كما نرى نحن ، إذن هو مخطئ.

وفي لحظة مأساوية، اقترحوا أن يُنزع منه بصره، لا عقابًا، بل “رحمةً” به، حتى يتوافق مع عالمهم.

هنا، لا نكون أمام قصة عن العمى، بل عن الخوف من الحقيقة حين تأتي من خارج المألوف.
حين يخاف الإنسان من نور غيره

أعمق ما تكشفه هذه القصة، أن الإنسان قد لا يضطهد الآخر لأنه شرير، بل لأنه خائف.
خائف من فكرة تهز يقينه،
أو من حقيقة تكشف حدود رؤيته،
أو من اختلاف يهدد تماسك عالمه الداخلي.

وهكذا، بدل أن يتسع للعالم، يسعى إلى تضييقه.
وبدل أن يرتقي بالحقيقة، يحاول خفضها إلى مستوى ما اعتاد عليه.

في هذه اللحظة، لا يعود الظلم مجرد انحراف، بل يصبح وسيلة دفاع عن وهم.

الأقباط: حين يدفع الإنسان ثمن اختلافه

في مصر، حيث يعيش الأقباط جزء أصيل و من تاريخ البلاد وروحها، لا تُختبر هذه الفكرة في الأدب فقط، بل في الواقع اليومي.

ليس التحدي في الوجود، بل في الاعتراف الكامل بهذا الوجود.
ليس في ممارسة الحياة، بل في ممارستها على قدم المساواة.

حين يضطر الإنسان للدفاع عن حقه في العبادة،
أو حين يشعر أن انتماءه الديني قد يحدّد فرصه أو مكانته،
نكون أمام خلل يتجاوز السياسة، ويمس جوهر الكرامة الإنسانية.

وقد جاءت لحظات دامية لتُذكّر بقسوة هذا الواقع، مثل:

* تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية
* تفجيرات أحد السعف في مصر
* تعرية وسحل سيدة مسنه في ابو قرقاص
* الأحكام الظالمة ضد الاقباط
* جلسات صلح الاذعان
* خطف واغتصاب سيلفانا عاطف فانوس
* دهس راهب باللودر في الفيوم
* ومئات الاعتداءات التي تحدث في ربوع مصر

انها احداث دامية مؤلمة و لكن الألم الحقيقي لا يكمن فقط في هذه الجرائم ،
بل في كل لحظة يشعر فيها إنسان أنه أقل أمانًا لأنه مختلف.

ما وراء الألم: سؤال العدالة
القضية في جوهرها ليست صراعًا دينيًا،
ولا تنافسًا بين هويات،
بل سؤال بسيط وعميق:

هل قيمة الإنسان مطلقة… أم مشروطة؟

حين تُصبح الحقوق مرتبطة بالانتماء،
تفقد إنسانيتها.
وحين تُمنح العدالة للبعض دون البعض،
تفقد معناها.

العدالة لا تتجزأ،إما أن تكون قائمة للجميع، أو لا تكون .

ان قصة بلد العميان قصة واقعية تعيشها كل المجتماعات المغلقة التي ترى الغالبية انها تملك الحقيقة المطلقة في عالمنا هذا ،

“بلد العميان” ليست مكانًا جغرافيًا،
بل حالة ذهنية انها واقع معاش في كل مكان وفي كل زمان ،

هي كل مجتمع يرفض الاعتراف بأن الحقيقة أوسع من رؤيته.
وكل نظام يطلب من المختلف أن يختفي كي يستمر.
وكل عقل يفضّل اليقين المريح على الحقيقة المؤلمة.

في هذا العالم، لا يُطلب من الإنسان أن يكذب، بل فقط أن يصمت.
ولا يُطلب منه أن يتخلى عن ذاته،
بل أن يخفيها.
وهذا—في جوهره—شكل آخر من أشكال العمى.

الدفاع عن الرؤية

الدفاع عن حقوق الأقليات ليس دفاعًا عن فئة، بل عن فكرة الإنسان ذاته.
هو دفاع عن حق كل إنسان في أن يرى،
وأن يفكر،
وأن يؤمن،
وأن يختلف—دون خوف.

لأن المجتمعات التي تحمي الاختلاف،
هي وحدها القادرة على البقاء.
أما تلك التي تقمعه،
فإنها لا تحمي نفسها، بل تُضعفها.

اخيرا الإنسان قبل كل شيء
بعد أكثر من قرن على صدور بلد العميان، يبقى السؤال مفتوحًا:

هل نتعلم من القصة،
أم نعيد تمثيلها؟
ام اننا نعيشها في واقعنا اليومي وفي بلاد عديدة ،
كلمة للإنسانية ليس المطلوب أن يرى الجميع الشيء ذاته،بل أن يُسمح لكل إنسان أن يرى بطريقته.
لأن الكرامة الإنسانية لا تبدأ من الاتفاق،
بل من الاعتراف.
وحين يُسلب الإنسان حقه في أن يرى،
لا نفقد فردًا فقط…
بل نفقد جزءًا من إنسانيتنا جميعًا.

بلد العميان قصة واقعية لملايين من البشر وعشرات من الدول تعيش بنفس منطق قصة الكاتب الرائع هربرت جورج ويلز



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيلفانا كمان وكمان
- ليس تراجعًا… انما هو احتلال
- المسيح بالضعف أظهر القوة
- الجمهورية الجديدة… من وعد الحرية إلى واقع الاضطهاد
- اعيدوا لنا مصر
- سجدات الإرهاب
- التعصب الديني ونهاية وطن
- العدالة الغائبة في مصر: اضطهاد بلا عقاب ودولة بلا ميزان
- «نجاحات» جمهورية السيسي السلفية
- الأزهر وإدارة الإرهاب وتهديد العالم
- السيسي… حرية عقيدة للمنصات، سجون للشباب
- أزمة الدولة المصرية: المسار، والشرعية، ومأزق المستقبل
- حين تتحول الرياضة إلى أداة إقصاء… كيف تهدم العنصرية مصر بصمت ...
- مصر: دولة تحمي الخاطفين وتُجرّم حرية الاختيار
- حصاد عام 2025 عام انعدام الأمن وغياب العدالة وتكريس القمع
- الذكرى الثانية لرفيق كفاح
- عهد ظلم الأقباط في مصر: قراءة موثقة لواقع لا يزال يتكرر
- صاحب القضية
- الدولة الساقطة والنظام الفاشي
- الديكتاتور... حين يتجمّل الظلم باسم الوطن


المزيد.....




- كيف يستعد الأردن لاحتمال عدم التوصل لاتفاق مع إيران؟.. مسؤول ...
- تقرير أممي: الدعم السريع السودانية تلقت دعما عسكريا ولوجستيا ...
- بين التخفيض والإخراج.. لماذا يشكل تخصيب اليورانيوم الإيراني ...
- هل يتحول -ملقا- لهرمز جديد؟.. وزير دفاع ماليزيا يجيب على هام ...
- ترمب ومأزق إيران.. تهديدات متضاربة ومفاوضات بلا بوصلة
- -انقلبت اللعبة- وحصار ترمب نقطة تحول في الصراع
- الاحتلال يعلن استهداف منصة صواريخ لحزب الله جنوبي لبنان
- بين التصعيد والتهدئة.. هدنة على الحافة بين طهران وواشنطن
- بوابة حديدية للمستوطنين بالقدس.. تطورات تنذر بتطبيق تجربة عز ...
- بيان مصري جديد بشأن سبب وفاة ضياء العوضي في دبي


المزيد.....

- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مدحت قلادة - بلد العميان