|
|
من مظاهر الغطرسة الأمريكية خلال الرّبع الأول من سنة 2026
الطاهر المعز
الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 09:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
استهداف المَمَرّات المائية: ازدواجية المَعايِير، من قناة بنما إلى مضيق هرمز قناة بنما جزء من الإستهداف الأمريكي للصين قبل نحو عام، زعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الصين تسيطر على قناة بنما، ويجب وقف ذلك في أسرع وقت ممكن، في حين تقع القناة على أراضي دولة ذات سيادة وتُدار من قِبل شركة عامة، ولم يُعِرْ ترامب أي اهتمام لحقيقة أن القناة - التي بنتها الولايات المتحدة في مطلع القرن العشرين وافتُتحت سنة 1916 - قد سُلّمت إلى بنما من قِبل الرئيس كارتر، وتم تجديدها وتوسيعها سنة 2016 بمبادرة من حكومة بنما وعلى نفقتها، بعد أدارت الولايات المتحدة قناة بنما لمدة قرن دون توسيعها أو تحديثها... لا يُبالي دونالد ترامب بالاعتبارات القانونية عندما يريد تنفيذ عملية سطْو، فهو فوق القانون، فوق جميع القوانين، كما علّمه صديقه المقرب إبستين، وبشأن قناة بنما فقد حصلت شركة صينية خاصة من هونغ كونغ على امتياز لمدة 25 عامًا من هيئة قناة بنما لتشغيل محطتين للحاويات على طرفي القناة، ولم تكن الشركة تتعامل مع سفن تحمل بضائع سائبة - لا حبوب ولا معادن ولا منتجات بترولية - ولا سفن سياحية، ولم تكن تحتكر حتى حركة الحاويات، وتم تجديد الإمتياز بشكل قانوني لمدة 25 عامًا أخرى، حتى سنة 2047. تندرج تصريحات دونالد ترامب ضمن سياق سياسي تجلى بوضوح أكبر مع الهجوم على فنزويلا واختطاف رئيسها الشرعي، نيكولاس مادورو، يوم الثالث من كانون الثاني/يناير 2026، والتهديدات الموجهة ضد كوبا، واستهداف أمريكا الجنوبية، والعودة إلى القرن التاسع عشر، وإلى حقبة الاستعمار المُباشر، وهو ما دعا إليه وزير الخارجية ماركو روبيو في دافوس وميونيخ، لذا، كان لا بد من إضفاء طابع رأسمالي ضخم على الأمر، ما استلزم استخدام موارد مالية هائلة: فقد استثمرت بلاك روك مليارات الدّولارات للإستحواذ على محطتي بنما من شركة هاتشيسون الصينية وعلى محفظتها العالمية بأكملها، وتريد بلاك روك شراء شركتي الشحن البحري العالميتين الرائدتين، اللتين تديران أيضًا محطات - وهما شركة MSC الإيطالية السويسرية وشركة ميرسك الدنماركية – للإستحواذ على قطاع التخزين والشحن البحرين وحدّدت فترة ستة أشهر لإتمام الصفقة ونقل ملكية المحطتين البحريتَيْن التّابعتَيْن لشركة هاتشيسون الصينية ( على طَرَفَيْ قناة بنما) إلى المشترين، ولكن انْقَضَت الأشهر الستة، ولم يُوقع العقد أبدًا، ولإخفاء جانب السطو، وُضِعَ إطارٌ قانونيٌّ محكم بالتعاون مع الحكومة البنمية المتواطئة، فقد قضت المحكمة العليا البنمية بأن عقد الامتياز مع هاتشيسون غير دستوري، بعد خمسة وعشرين عامًا من توقيع العقد، وعامين من تجديده، وهكذا، أُعيد استعمار بنما فعليًا، لكن خطة ترامب فشلت الآن، وهو فشل يُعزى إلى الصين التي استجابت بوضوح لخطاب ترامب المعادي للصين وسيطرت على الموقف من خلال بعض الخطوات. الخطوة الأولى: ردّت شركة هاتشيسون الصينية كما تردّ أي شركة رأسمالية، فبعد مصادرة أصولها في بنما - أي تأميمها - رفعت شركة سي كي هاتشيسون دعوى لدى غرفة التجارة الدولية (أو غرفة التحكيم التابعة لها، ومقرها نيويورك). ونظرًا لاستثمار هاتشيسون 1,8 مليار دولار منذ سنة 1997، ووجود اتفاقية لديها لمواصلة عملياتها حتى سنة 2047، فإنها تطالب بتعويض قدره ملياري دولار من الحكومة البنمية، وهو مبلغ يُمثل نحو 2,5% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وإذا لم تتمكن بنما من الدفع، يحق للمدعية مصادرة الأصول البنمية أو عائدات القناة المستقبلية، ويُعَدّ هذا الإجراء، الذي يُرجّح نجاحه، كارثة تُلطّخ سُمْعة بنما في عالم الأعمال الدولي، فمن سيستثمر في بنما ويُخاطر بفقدان ممتلكاته؟ الإجراء الثاني المحدد للحكومة الصينية: حَثّ الشركات الصينية المملوكة للدولة على وقف استثماراتها في بنما. الإجراء الثالث: تخضع واردات المنتجات البنمية، التي نمت في إطار مبادرة الحزام والطريق، الآن لضوابط جمركية صارمة تؤثر على المُصَدِّرِين البَنَمِيِّين. الإجراء الرابع: أبلغت الصين شركة ميرسك، شركة الشحن الدنماركية، التي لا يمكنها تجاهل مطامع ترامب في غرينلاند الدنماركية، باحتمالية خفض حصتها من الصادرات الصينية عالميًا وتقييد وصولها إلى الموانئ الصينية. لقد تصرفت الحكومة البنمية بناءً على أوامر دونالد ترامب وماركو روبيو، ففقدت قناتُها - التي كانت متاحة للجميع - حيادها التجاري وتكبدت مخاطر مالية جسيمة، ويجري حاليًا إعادة تنظيم سلاسل التوريد بين المحيطين الهادئ والأطلسي، مما يحد من حركة الملاحة والعبور عبر بنما.
مضيق هرمز ومسألة الرسوم البحرية يقع مضيق هرمز على بُعد 13,4 الف كيلومتر من بنما، وقدّم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مؤخرًا التفاصيل التالية: «تفرض مصر رسومًا تتراوح بين 200 ألف و700 ألف دولار أمريكي لعبور قناة السويس. أما بالنسبة لسفن الحاويات الكبيرة أو ناقلات النفط، فقد يتجاوز هذا الرقم مليون دولار، وتفرض تركيا رسومًا على مضيق البوسفور، وتفرض كندا رسومًا على ممر سانت لورانس المائي (الضفة اليسرى)، وتفرض بنما رسومًا تتراوح بين 100 ألف و450 ألف دولار أمريكي لعبور القناة، وتصل تكلفة عبور سفن نيوباناماكس الكبيرة لقناة بنما إلى 500 ألف دولار أمريكي، وتفرض الولايات المتحدة رسومًا على ممر سانت لورانس المائي (الضفة اليمنى). أما إيران، فقد رفضت لعقودٍ فَرْضَ رسومٍ على مضيق هرمز، وحافظت على مَجانية العُبُور، رغم كل حملات التشويه والعقوبات والعزلة التي واجهتها، ومع ذلك، ما زلتم تتوقعون مني أن أصدق أن إيران هي الطرف المذنب؟ " لقد تأكد هذا الأمر منذ آذار/مارس 2026، ففي السادس والعشرين من شهر شباط/ فبراير 2026، أُعلت إيران أن هذه الرسوم فُرضت عقب إنشاء ممر ملاحي في الجزء الشمالي من مضيق هرمز، الواقع بالكامل ضمن المياه الإقليمية الإيرانية، بينما يقع شاطئه الجنوبي ضمن المياه الإقليمية العمانية، وقد مكّن العدوان الأمريكي والصهيوني على إيران العراق من التحرر تدريجيًا من بعض جوانب السيطرة الأمريكية، وقد تأكد أن حكومة بغداد ستعيد، بعد التفتيش، تشغيل خط أنابيب كركوك-جيهان (ميناء تركي على البحر الأبيض المتوسط)، مما سيمكنها من إنعاش خزائن الدولة التي استُنزفت جراء إغلاق مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره النفط العراقي من الحقول الجنوبية، وفي هذا الصدد، من المتوقع أن يتحسن الوضع قريبًا، إذ أكدت حكومة العراق مؤخرًا دعمها لإيران، ونتيجة لذلك، يُفترض أن تسمح إيران الآن للناقلات التي تحمل النفط العراقي المستخرج من جنوب العراق بالمرور عبر الممر الجديد في هرمز. معركة السيطرة على طرق التجارة الدّولية تتمثّل طرق التجارة في قنوات الإتصال البرية والبحرية والنهرية والجوية التي تربط المناطق الصناعية بمصادر المواد الخام والأسواق، ويؤثر طول هذه الطرق، وتكلفة بنيتها التحتية، وتأمين وسلامة وكفاءة نقل البضائع، على أسعار المواد الخام والسلع المصنعة، مما يؤثر بدوره على قدرتها التنافسية، وبالتالي على وصولها إلى الأسواق الدولية. رغم تَعَدّد وسائل النقل، إلا أن النقل البحري يبقى الأكثر جاذبية اقتصادية، ولذا، وعلى مرّ قرون من التجارة، طوّرت البشرية طرقًا بحرية آمنة، وتُعدّ المضائق نقاطًا استراتيجية رئيسية للنقل البحري، إذ يمنح التحكم بها الدولَ التي تسيطر عليها ميزة اقتصادية إضافية للضغط على منافسيها، وتيسيطر الدّول الإمبريالية، ولا سيما الولايات المتحدة، على معظم مضائق العالم، ويمكنها في أوقات الأزمات استغلال هذه الميزة الكبيرة ضد خصومها، وقد ثبت ذلك مع ميناءيْ قناة بنما، اللَّذَيْن استولت عليهما الولايات المتحدة من الصين، وتكرر الأمر مع ميناء شانكاي في بيرو، حيث نفذت الصين أعمال توسعة استمرت ثماني سنوات بتكلفة 3,4 مليارات دولار، والآن، تزعم الولايات المتحدة أن الميناء يمكن استخدامه أيضاً من قبل الغواصات وحاملات الطائرات والسفن الحربية الصينية، وهو ما يمثل "تهديداً عسكرياً مباشراً لنصف الكرة الغربي" ينطبق الأمر نفسه على "الشرق الأوسط"، الذي يُعدّ ملتقى طرق تجارية رئيسية، بما في ذلك قناة السّويس" التي لم تسيطر عليها الدول الغربية منذ تأميمها الذي أدّى إلى العدوان الثّلاثي البريطاني-الفرنسي-الصهيوني سنة 1956، حرب وفي حال نشوب أزمة، لن تتمكن مصر من ضمان المرور الآمن. تربط قناة السويس البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر، ويمتدّ الطريق عبر مضيق باب المندب، الذي تقع على ضفافه اليمن، وهي دولة أخرى خارجة عن سيطرة القوى الغربية،وتُحيط بالخليج العربي دولٌ تمتلك أكبر احتياطيات المحروقات في العالم. ويمرّ الطريق البحري لتصديرها عبر مضيق هرمز، الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان، ثم عبر بحر العرب إلى المحيط الهندي، ويخضع الخليج لسيطرة دولة إيران التي لأظْهَرَتْ مُؤَخّرًا إنها لا تخضع لإملاءات الإمبريالية. يُعدّ مضيق هرمز تذكيراً صارخاً بالمعنى الحقيقي للسيطرة على الطرق البحرية. فحصار واحد كفيل بإشعال سلسلة من ردود الفعل في أكثر الأسواق العالمية غير المتوقعة. إلى جانب الطرق البحرية التقليدية، أضافت روسيا طريقًا شماليًا يربط الشرق بالغرب. ومن هذا الطريق، يجري إنشاء خطوط سكك حديدية جنوبًا. وفي سيبيريا، تمتد هذه الخطوط بمحاذاة الأنهار وصولًا إلى خط سكة حديد ترانس-سيبيريا، الذي يتصل بدوره بخط سكة حديد بايكال-أمور الرئيسي، كما يجري التخطيط لإنشاء خطوط ربط مع طريق الحرير الجديد ( مبادرة الحزام والطريق الصينية)، وبهذه الطريقة، تتشكل ممرات نقل أفقية ورأسية في مناطق خارجة عن سيطرة الإمبرياليين وحلفائهم، وتُقلل هذه الطرق الجديدة من نفوذ الإمبريالية، وقد ثبت ذلك في هرمز، وسيثبت مجدداً في تشانكاي (بيرو)، والفرق هو أن بيرو جزء من "الفناء الخلفي" للولايات المتحدة، ففي كانون الثاني/يناير 2026، كان لنشر البحرية الأمريكية لحصار فنزويلا نظير له في المحيط الهادئ، ولم يكن تهريب المخدرات سوى ذريعة أخرى لا أساس لها. في آسيا، أعلن دونالد ترامب فرض تعريفة جمركية بنسبة 50% على صادرات الحليف الهندي، وفرض عقوبات على الهند بسبب وارداتها من النفط الروسي، وعقب هذا الإعلان، وقّعت الهند اتفاقيات مع روسيا لتعزيز التعاون في قطاعات الطيران والفضاء والمعادن النادرة والألومنيوم والأسمدة والنقل بالسكك الحديدية، وغيرها. قبل مبادرة الممر الاقتصادي المشترك بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، كانت الصين تستكشف بالفعل سبل الوصول إلى الأسواق الغربية متجاوزةً مضيق ملقا، حيث يواجه النقل البحري تأخيرات ورسومًا جمركية محتملة من الدّول "الغربية"، وسَعَت بكين، بداية من سنة 2023، إلى تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط، في إطار مبادرة الحزام والطريق، من خلال عملية استرضاء بين السعودية وإيران، بهدف إنشاء ممر مستقر لتدفقات التجارة والطاقة. استغلت الصين تحسن العلاقات الإقليمية، فخططت لنقل البضائع والموارد الطبيعية عبر الخليج العربي وصولاً إلى مصر، ما يقلل اعتمادها على قناة السويس ويخفف من تعرضها للتعريفات الجمركية الغربية والاختناقات المرورية، وكان هذا جزءًا من خطة الصين طويلة الأمد لتأمين طرق بديلة لصادراتها إلى أوروبا، وتعزيز نفوذها السياسي في مناطق العبور الاستراتيجية.
الهند كقوة موازنة للصين؟ نظرت الولايات المتحدة إلى الهند كشريك استراتيجي قادر على مواجهة النفوذ الصيني المتزايد في آسيا والقطاع الصناعي العالمي، ويهدف مشروع مركز التجارة الدولية (IMEC) إلى دمج الهند في شبكة من طرق التجارة والخدمات اللوجستية التي تربط آسيا بأوروبا، مما يوفر بديلاً لمبادرة الحزام والطريق الصينية، كما سعى المشروع إلى تمكين الشركات الأمريكية من الاستفادة من القدرات الإنتاجية الهندية للحفاظ على قدرتها التنافسية مع سلاسل التوريد الصينية، وسَعَت الولايات المتحدة – من خلال التعاون مع الهند - إلى تنويع إنتاجها العالمي وتقليل اعتمادها على الصناعة الصينية، وجعل الهند منصة مركزية للإنتاج الصناعي عالي القيمة. على غرار الصين، تُعدّ الهند من بين أكثر "الاقتصادات الناشئة" الواعدة، إذ تشهد نموًا سريعًا وسوقًا محلية ضخمة، كما تحتل المرتبة الخامسة عالميًا من حيث التأثير على أسواق التصنيع، ما يجعلها لاعبًا رئيسيًا في إعادة تشكيل سلاسل التوريد. وقد أتاح ممر التجارة الدولية بين الهند وأوروبا (IMEC)، الذي يربط الهند بأوروبا برًا عبر الشرق الأوسط واليونان وفلسطين المحتلة، فرصة غير مسبوقة لتسريع التجارة، وخفض التكاليف، وتعزيز التكامل الاقتصادي بين آسيا وأوروبا. اعتمد نجاح مشروع الممر الاقتصادي الدولي للغاز (IMEC) بشكل كبير على الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة، وكان من المفترض أن يتدفق الغاز الطبيعي، وهو مادة خام أساسية للنمو الصناعي والتصنيع كثيف الاستهلاك للطاقة، عبر هذا الممر، مما يحفز الاستثمار في البنية التحتية، إلا أن العدوان على غزة أدى إلى اضطراب المشهد السياسي، وتأخير التعاون بين الكيان الصّهيوني واليونان والهند، ومنع تشغيل الممر، وقد أبرزت الحرب هشاشة مثل هذه المبادرات التجارية الطموحة، مُظهرةً أن حتى أكثر الاستراتيجيات الاقتصادية الواعدة عُرضة بشدة لعدم الاستقرار الإقليمي، مما وضع خطة الولايات المتحدة لاستخدام الهند كثقل موازن للصين في موقف حرج، ونتيجة لذلك، لا تملك الهند خياراً سوى التوجه إلى روسيا للوصول إلى الأسواق الأوروبية، فإلى جانب المزايا المالية أو العسكرية المباشرة التي يمكن أن تجنيها من هذا التعاون، فإنه يتيح لها فرصة إعادة تنشيط الممر الفارسي.
تاريخ العداء الفارسي أُنشئ الممر الفارسي في البداية خلال الحرب العالمية الثانية كطريق إمداد حيوي للاتحاد السوفيتي، ونقلت قوات الحلفاء، ومعظمها بريطانية وأمريكية، الأسلحة والغذاء والإمدادات الأساسية الأخرى عبر الخليج العربي، مروراً بجنوب إيران، إلى الاتحاد السوفيتي لدعم الحرب ضد ألمانيا النازية. تكمن أهمية هذا المَمَرّ الاستراتيجية في قدرته على تجاوز الطرق الأطلسية التي تسيطر عليها ألمانيا، وضمان إمداد بري آمن للجبهة الشرقية في أوروبا. تطلّب هذا الممر تطويرًا كبيرًا للبنية التحتية، بما في ذلك السكك الحديدية والطرقات البرّيّة ومرافق الموانئ، مما مهّد الطريق لدَوْرِ إيران اللاحق كمركز عبور بين جنوب آسيا والشرق الأوسط وأوراسيا، وفي ذروة نشاطه خلال سَنَتَيْ 1942-1943، نَقَلَ هذا الممر ملايين الأطنان من الإمدادات من برنامج الإعارة والتأجير إلى الاتحاد السوفيتي. بعد الحرب، فقد الممر الفارسي الأصلي غايته العسكرية، لكنه ترك إرثًا هامًا من البنية التحتية للنقل، وعلى مر العقود، ولا سيما منذ تسعينيات القرن العشرين، اكتسبت خطة ربط الهند وإيران وروسيا عبر نسخة مُحدثة من هذا الممر زخمًا، بالتوازي مع تطور التجارة العالمية، ويتضمن مخطط الممر الفارسي الجديد شبكة متعددة الوسائط تجمع بين الموانئ والسكك الحديدية والطرقات لتسهيل نقل البضائع من الهند إلى روسيا عبر إيران وبحر قزوين، مما يوفر بديلاً استراتيجيًا للطرق البحرية التقليدية مثل قناة السويس.
المجلس الدولي للنقل بين الشمال والجنوب وإحياء الممر الفارسي يُعدّ الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب (INSTC) التجسيد العصري لتلك الخطة، فقد وقّعت الهند وإيران وروسيا اتفاقية الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب يوم الثاني عشر من أيلول/سبتمبر 2000، ودخلت حيز التنفيذ يوم السادس عشر من أيار/مايو 2002، وهو عبارة عن شبكة متعددة الوسائط من الطرق البحرية والسكك الحديدية والطرق البرية، مصممة لربط الهند بروسيا وشمال أوروبا عبر إيران وبحر قزوين، ومن خلال ربط الموانئ الهندية بمراكز العبور الإيرانية وموانئ بحر قزوين، يبني الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب على الأسس اللوجستية للممر الفارسي، مع توسيع نطاقه ليشمل التجارة بدلاً من الإمدادات في زمن الحرب، ويوفر الممر أوقات عبور أقْصر وتكاليف شحن أقل، ومرونة سياسية أكبر، مما يمكّن الهند وروسيا والدول المشاركة الأخرى من تعزيز التعاون الاقتصادي. صُمم الممر كبديل تجاري استراتيجي، يسمح للهند بتصدير البضائع إلى روسيا وأوروبا مع تجنب نقاط العبور البحرية الاستراتيجية والرسوم الجمركية الغربية، ومع مرور الوقت، انْضَمّت دول أخرى، من بينها أذربيجان وتركمانستان وكازاخستان، إلى المناقشات، مما حوّل المشروع إلى أداة ذات تأثير تحويلي محتمل على التجارة الأوراسية. رغم الآفاق الواعدة، واجه ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب (INSTC) عقبات عديدة في تنفيذه، فقد أدت التوترات السياسية في "الشرق الأوسط" والنزاعات الإقليمية والتأخيرات البيروقراطية في الدول المشاركة إلى تباطؤ التقدم. كما زادت صعوبات التمويل والخلافات حول الجمارك والخدمات اللوجستية والبنية التحتية للموانئ من تعقيد الوضع، وبحلول نهاية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، تراجع الحماس للممر، وفقد الزخم نحو تشغيله الكامل إلى حد كبير، ونتيجةً لعدم الاستقرار السياسي وتغير الأولويات الدولية، فشل ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، رغم جدواه التقنية، في تحقيق كامل إمكاناته خلال هذه الفترة. أما اليوم، فيُمكن لتلاقي المصالح بين الهند وروسيا، والذي يُسهّله التعاون مع إيران، أن يُعيد إحياء الممر التجاري الهندي الروسي. وتُساهم جهود الهند لتعميق العلاقات مع روسيا، لا سيما في ظل الضغوط الخارجية كالرسوم الجمركية الأمريكية، في جعل الممر جذابًا استراتيجيًا مرة أخرى، كما يُعزز دور إيران كمركز عبور على طول هذا المحور أهميته، مما يُتيح نقل البضائع بكفاءة من الهند إلى روسيا وأوروبا عبر الخليج العربي وبحر قزوين، ومع تعزيز الإرادة السياسية، والاستثمار في البنية التحتية، وزيادة الاستقرار الإقليمي، يُمكن للممر التجاري الهندي الروسي أن يُحقق رؤيته الأصلية: ممر تجاري أسرع وأقل تكلفة وأكثر أمانًا سياسيًا يربط جنوب آسيا بشمال أوروبا.
روسيا: العمود الفقري للتجارة الأوراسية يُتيح تعزيز العلاقات بين الهند وروسيا، عبر ممر النقل بينهما إلى جانب شبكتي السكك الحديدية العابرة لسيبيريا وأوراسيا اللتين تربطان روسيا والصين، فرصة سياسية واقتصادية فريدة لروسيا، ولأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة، تجد روسيا نفسها عند مفترق طرق أسرع اقتصادَيْن نموًا في العالم - الهند والصين - وكلاهما أساسي لإنتاج الطاقة والطلب عليها عالميًا، وباعتبارها الجسر البري الرئيسي بين جنوب وشرق آسيا وأوروبا، تستفيد روسيا ليس فقط من عائدات العبور، بل أيضًا من ميزة استراتيجية على طرق التجارة التي هيمنت عليها تاريخيًا القوى البحرية، وعلى نقاط العبور الاستراتيجية التي يسيطر عليها "الغرب". إذا ما تم إنجاز هذه الممرات بالكامل، فقد تصبح الأراضي الروسية عصب التجارة الأوراسية، مما يسهل حركة البضائع والطاقة والتكنولوجيات بين آسيا وأوروبا. ويربط خط سكة حديد ترانس-سيبيريا بالفعل المراكز الصناعية الصينية بغرب روسيا وأوروبا، ومع إضافة ممر النقل بين الهند وإيران (INSTC)، الذي يربط الهند عبر إيران ومنطقة بحر قزوين، ستسيطر روسيا فعلياً على الطرق البرية الرئيسية للتجارة العالمية، وسيمنح هذا التكامل موسكو دوراً محورياً في تنظيم سلاسل التوريد، وتحديد الأسعار، وموازنة النفوذ الاقتصادي لبكين ونيودلهي، مما يضع روسيا في قلب اقتصاد عالمي بري جديد ناشئ، من المرجح أن ينافس شبكات التجارة البحرية التقليدية للقوى الغربية.
شعار "الله معنا" من أدولف هتلر إلى دونالد ترامب ادّعت الإمبريالية "الحق في الهيمنة على شعوب العالم"، وادّعى بعض أقطاب الإمبريالية "إن من واجب الأمم المُتحضِّرة احتلال البلدان المتخلفة لترتقي بها إلى مستوى الحضارة" ( جول فيري - رئيس مجلس الوزراء الفرنسي أمام البرلمان لتبرير احتلال تونس 1881) وادّعى دونالد ترامب إن حقّ الهيمنة على العالم هو نوع من التفويض الإلهي "لأن الله مع الولايات المتحدة ويؤيد حربها ضد إيران"، تماماً كما فعلت النازية الهتلرية بشعارها "الله معنا"، وزعم دونالد ترامب: " أنا أؤمن بذلك، لأن الله خَيِّرٌ، ويريدنا أن نعتني بالناس "، ووصلت المُزايدات حدّ استخدام وزير الحرب بيت هيغسيث (Pete Hegseth ) استعارة صلب السيد المسيح وموته ودفنه وقيامته لوصف عملية إنقاذ عقيد الطائرة المقاتلة الأمريكية التي أُسقطت في إيران، وقال هيغسيث: " أُسقطت الطائرة يوم الجمعة، الجمعة العظيمة؛ واختبأ الطيار في كهف، طوال يوم السبت؛ وتم إنقاذه يوم الأحد وتم إخراجه من إيران مع شروق شمس أحد الفصح..."، وكتب دونالد ترامب على شبكته الاجتماعية "تروث"، في إشارة إلى إيران: " ستموت حضارة بأكملها، ولن تعود أبدًا؛ ستنتهي 47 عامًا من الابتزاز والفساد والموت أخيرًا. بارك الله شعب إيران العظيم! " ردّ عليه البابا ( رئيس الكنيسة الكاثوليكية): "إن اللهَ لا يستجيب لدعاء من يَشُنُّون الحروب"، وأوضح وكيل دائرة الفاتيكان للثقافة والتعليم، أنطونيو سبادارو، ما يلي: "يعتزم البابا تفكيك هذا المنطق الذي بموجبه ينحاز الله، بجيشه السماوي، إلى أحد الطرفين. إنها طريقة لاستغلال الإلهي، فمنذ الحقبة النازية، بل وحتى قبلها، كانت عبارة "الله معنا" وسيلة لتبرير الحرب وإراقة الدماء وإثارة الصراع، وذلك برفع الصراع إلى مستوى ميتافيزيقي ولاهوتي، أو بانتصار الخير على الشر" . يمثّل الرئيس الملياردير دونالد ترامب مصالح أغنى شريحة في الولايات المتحدة، حيث ارتفعت ثروة أثرى الأثرياء من 2,6 تريليون دولار إلى أكثر من 6,7 تريليون دولار خلال عشر سنوات، ويدعم معظم هؤلاء الأثرياء الحزب الجمهوري ( حزب دونالد ترامب) بالمال، وكتبت صحيفة وول ستريت جورنال: "إن الحرب ضد إيران تجعل الاقتصاد الأمريكي أكثر هيمنة من أي وقت مضى، وبما إن الولايات المتحدة واحدة من أكبر مصدري الطاقة في العالم، فإن ذلك يمنح دونالد ترامب ميزة على الدول الأخرى"، والدّليل على ذلك انخفاض إمدادات الغاز الروسي منخفض السعر إلى الاتحاد الأوروبي بشكل حاد في أعقاب العقوبات المفروضة على روسيا وتخريب الولايات المتحدة لخط أنابيب نورد ستريم، مما رَفَع حجمَ إمدادات الغاز الأمريكي رديء الجودة ومرتفع السعر إلى الاتحاد الأوروبي بشكل كبير، وليس من قبيل المصادفة أن أكبر عمليتين عسكريتين لإدارة ترامب نُفذتا ضد فنزويلا ، الدولة التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم، ثم إيران، التي تحتل المرتبة الثالثة عالميًا في احتياطيات النفط، والثانية بعد روسيا في احتياطيات الغاز الطبيعي . إن الحرب ضد روسيا وفنزويلا وإيران ولبنان وسوريا وفلسطين ودول أخرى في الشرق الأوسط - إلى جانب الاستعدادات للحرب ضد الصين - هي جزء من نفس استراتيجية الغرب الذي هَيْمَنَ على العالم لقرون، قبل أن يبدأ فقدان هيمنته على العالم، فلجأ بشكل متزايد إلى الحرب للحفاظ على هيمنته بأي ثمن، مما يخاطر بجر العالم إلى حرب نووية، وفي هذا الإطار تصبح تصريحات البابا فرنسيس ذات أهمية كبيرة، إذ قال:" لقد اعتدنا على العنف واستسلمنا له، وأصبحنا غير مبالين بموت آلاف الأشخاص وبتداعيات الكراهية والانقسام التي تزرعها الصراعات، وغير مبالين بالعواقب الاقتصادية والاجتماعية التي تنتجها، والتي نعرفها جميعًا... هناك عولمة متزايدة للامبالاة..."
#الطاهر_المعز (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الأضرار الجانبية للعدوان الأمريكي الصهيوني على إيران
-
العلاقلات الإماراتية الفرنسية في ظل التنافس بين الإمارات وقَ
...
-
فرنسا – عنصرية الحكومة وأجهزة الدّولة
-
أَرُونْدَاتِي رُويْ: صوت نِسْوِي مناهض للإمبريالية
-
المنظمات -غير الحكومية- بين شَرْعيّة المبادئ المُعْلَنَة وشُ
...
-
رياضة كرة القدم -أفيون الشّعوب-؟
-
المخططات الأمريكية الصهيونية في الخليج 2/2
-
المخططات الأمريكية الصهيونية في الخليج
-
في جبهة الأصدقاء - المناضل النقابي العُمّالي الأمريكي الزنجي
...
-
مُتابعات – العدد الواحد والسّتّون بعد المائة بتاريخ الواحد و
...
-
الحصار و-العقوبات-، سلاح امبريالي ضدّ الشُّعُوب
-
أوروبا والهند، صَفْقَة ضَخْمَة
-
مايكل بارينتي 30/09/1933 - 24/01/2026
-
من دافوس إلى غزة
-
فلسطين - دَوْر الدّعم الخارجي في الإبادة والتّهجير
-
مُتابعات – العدد السّتّون بعد المائة بتاريخ الرّابع والعشرين
...
-
أوروبا – تعميم الرقابة بواسطة الذّكاء الإصطناعي
-
-الدّبلوماسية الزراعية العسكرية- الصهيونية
-
هوامش مُنْتَدَى دافوس 2026
-
الولايات المتحدة: الحرب وسيلة لتجاوز أزمة رأس المال
المزيد.....
-
زلزال عنيف يضرب اليابان.. محررة CNN تصف ما حدث بالطابق الـ18
...
-
مصدر يكشف لـCNN عن جهود مصرية لإعادة أمريكا وإيران إلى طاولة
...
-
مصادر: مفاوضات أمريكا وإيران الأربعاء مع توجه فانس إلى باكست
...
-
-لا قرار باستئناف المفاوضات-.. إيران تشكك في جدية واشنطن: ما
...
-
مسعفون ينقذون مئات الاشخاص بعد عاصفة ثلجية في أقصى شرق روسيا
...
-
-لا نشعر بالأمان-.. نازحون لبنانيون عالقون بين الرغبة في الع
...
-
بعد احتجاز سفينة شحن إيرانية ورفض طهران للتفاوض.. عودة للحرب
...
-
غموض يلف الجولة الثانية من المفاوضات بعد اشتراط إيران فك الح
...
-
فاتورة الحرب على دول الخليج.. من سيتحمل كلفتها؟
-
بيانات ملاحية.. عين الناتو فوق البحر الأسود مع تصاعد استهداف
...
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|