منصور رفاعي اوغلو
الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 07:53
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في السياسة التركية، لا يوجد طرف بريء. المشهد بأكمله أقرب إلى مستنقع تتصارع فيه قوى متنافسة، تتبدّل مواقعها لكنها نادرًا ما تغيّر أساليبها. وفي هذا الإطار، يبدو حزب العدالة والتنمية كحالة مثيرة للجدل: حزبٌ أخطأ كثيرًا، لكنه لا يزال—في نظر البعض—أقل سوءًا من خصومه.
لنكن واضحين: حزب العدالة والتنمية لم يعد ذلك المشروع الإصلاحي الذي صعد به إلى الحكم. على العكس، تحوّل مع الوقت إلى قوة تميل إلى مركزة السلطة وتُتهم بـ تسييس القضاء، ما أضعف الثقة بالمؤسسات. اقتصاديًا، لم يعد الأداء كما كان؛ التضخم، تراجع العملة، والسياسات غير التقليدية كلها مؤشرات على إدارة مرتبكة ساهمت في إنهاك المواطن.
لكن المفارقة الصادمة تظهر عندما ننظر إلى بقية الأحزاب. فبدل أن تقدّم بديلًا ناضجًا، تبدو المعارضة في كثير من الأحيان منقسمة، مترددة، وأسيرة صراعاتها الداخلية. بعضها يرفع شعارات الديمقراطية، لكنه لا ينجح في بناء نموذج مؤسسي مقنع أو رؤية اقتصادية واضحة. وبعضها الآخر ينزلق إلى خطاب شعبوي أو قومي حاد، لا يقل إقصاءً عمّا ينتقده.
في قضايا حساسة مثل الحريات أو إدارة الاقتصاد، لا يظهر أن البدائل المطروحة تملك حلولًا متماسكة بقدر ما تملك قدرة على استثمار الأخطاء. وهذا لا يعفي الحزب الحاكم من المسؤولية، لكنه يطرح سؤالًا أكبر: إذا كان الأداء الحالي مُربكًا، فهل البدائل قادرة فعلًا على تقديم ما هو أفضل، أم أننا أمام إعادة إنتاج للمشكلات نفسها بوجوه مختلفة؟
وصف حزب العدالة والتنمية بأنه “أقل التماسيح وحشية” ليس دفاعًا عنه، بل إدانة جماعية لمناخ سياسي تُدار فيه المنافسة بأدوات قاسية، وتُقدَّم فيه الولاءات أحيانًا على حساب المؤسسات. هو اعتراف بأن الأزمة ليست حكرًا على حزب واحد، بل تمتد إلى بنية سياسية كاملة تحتاج إلى إصلاح عميق.
في النهاية، لا يكفي إسقاط طرف لإصلاح المشهد إذا كانت الأدوات نفسها ستبقى. السؤال الحقيقي ليس من يفوز في الانتخابات فقط، بل كيف تُدار الدولة بعد الفوز: هل تعود المؤسسات إلى دورها الطبيعي، أم يستمر منطق السيطرة والتسييس؟
هذا هو الاختبار الذي لم تنجح فيه أطراف عدة حتى الآن—وسيظل المعيار الأهم لأي تغيير حقيقي في تركيا.
#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟