|
|
إشكالية المواطنة في مجتمعات ما بعد الانتفاضات: بين الدولة القطرية والولاءات المتقاطعة
محمد أحمد الصغير علي عيد
الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 20:54
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
الملخص تتناول هذه الدراسة الإشكالية المركزية التي تواجه مفهوم المواطنة في مجتمعات ما بعد الانتفاضات العربية، حيث تتصارع ثلاثة نماذج متباينة: الدولة القطرية (التي تقوم على الحدود والجنسية القانونية)، والولاءات المتقاطعة (الطائفية، العرقية، القبلية، الجهوية، الدينية)، والمشاريع العابرة للحدود (القومية، الإسلامية، الإقليمية). تفترض الورقة أن حراكات 2011 فتحت فضاءً للنقاش حول المواطنة، لكنها فشلت في ترجمته إلى مؤسسات دائمة بسبب استمرار هشاشة الدولة وضعف المجتمع المدني وتداخل الولاءات التقليدية. تعتمد الدراسة على منهج تحليلي مقارن يراجع أدبيات المواطنة في الفكر السياسي العربي والغربي، ويحلل تجارب ثلاث دول: لبنان (نموذج التعددية الطائفية)، والعراق (نموذج المحاصصة العرقية-الطائفية بعد 2003)، وسوريا (نموذج الدولة القطرية المنهارة). تخلص الدراسة إلى أن بناء مواطنة حقيقية في المنطقة يتطلب تجاوز ثنائية "الدولة القطرية" و"الولاءات المتقاطعة" نحو نموذج "المواطنة التعددية" التي تعترف بالتنوع كقيمة إيجابية، لكنها تضع القانون والحقوق المتساوية كأساس للتعايش. كما تؤكد أن المواطنة لا يمكن أن تتحقق دون دولة ديمقراطية قوية قادرة على توزيع الثروة وحماية الحريات وضمان سيادة القانون.
مقدمة تعتبر "المواطنة" (Citizenship) من أكثر المفاهيم إشكالية في الفكر السياسي العربي المعاصر. فمنذ نشأة الدول الوطنية في المنطقة بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية والاستعمار، ظل مفهوم المواطنة متوترًا بين ثلاثة أقطاب: الانتماء إلى الدولة القطرية (التي فرضتها الحدود الاستعمارية)، والولاءات التقليدية (القبلية، الطائفية، العرقية، الجهوية)، والمشاريع العابرة للحدود (القومية العربية، الأمة الإسلامية، الأممية الاشتراكية). هذا التوتر لم يحل، بل تفاقم مع الانتفاضات العربية عام 2011، التي فتحت فضاءً واسعًا للنقاش حول "دولة المواطنة" و"الدولة المدنية" و"الدولة الديمقراطية"، لكنها فشلت في ترجمة هذه الشعارات إلى مؤسسات دائمة.
في لبنان، ظل النظام السياسي قائمًا على المحاصصة الطائفية منذ اتفاق الطائف (1989)، مما جعل "المواطنة" مجرد واجهة قانونية تخفي واقعًا من التوزيع الطائفي للسلطة والثروة. في العراق، أدى الغزو الأمريكي عام 2003 واحتلاله إلى تفكيك الدولة القطرية وإعادة بنائها على أسس عرقية-طائفية (المحاصصة بين الشيعة والسنة والكرد)، مما أنتج دولة هشة ومستبدة في آنٍ واحد. في سوريا، انهارت الدولة القطرية بالكامل بعد 2011، وتحولت البلاد إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، وتفككت إلى مناطق نفوذ تسيطر عليها قوى متحاربة (النظام، المعارضة المسلحة، الأكراد، التنظيمات الجهادية، القوى الخارجية).
هذه التجارب الثلاث تطرح سؤالاً إشكاليًا مركزيًا: كيف يمكن بناء مواطنة حقيقية في مجتمعات تعاني من هشاشة الدولة، وتداخل الولاءات، وتدخل القوى الخارجية؟ وهل يمكن تجاوز ثنائية "الدولة القطرية" (التي غالبًا ما تكون استبدادية) و"الولاءات المتقاطعة" (التي غالبًا ما تكون إقصائية) نحو نموذج ثالث يجمع بين الاعتراف بالتنوع وضمان الحقوق المتساوية؟
تفترض هذه الدراسة أن المواطنة في المنطقة لا يمكن أن تتحقق دون ثلاثة شروط مترابطة:
• دولة ديمقراطية قوية: دولة قانون تحترم الحريات وتضمن الحقوق وتوزع الثروة بشكل عادل، وليس "دولة استبدادية" أو "دولة هشة" أو "دولة منهارة".
• مجتمع مدني فاعل: قادر على تمثيل المصالح المختلفة ومراقبة الدولة ومحاسبتها، وليس مجرد "منظمات غير حكومية" ممولة من الخارج.
• ثقافة سياسية مواطِنة: تتجاوز الولاءات التقليدية (الطائفية، العرقية، القبلية) نحو وعي مشترك بالحقوق والواجبات المتساوية، دون إنكار التنوع أو إلغائه.
أولاً: مفهوم المواطنة: من النظرية الغربية إلى الإشكال العربي 1.1 تطور مفهوم المواطنة في الفكر الغربي في الفكر السياسي الغربي، تطور مفهوم المواطنة عبر ثلاث مراحل رئيسية، كما وصفها عالم الاجتماع البريطاني ت. هـ. مارشال (T. H. Marshall) في محاضرته الشهيرة "المواطنة والطبقة الاجتماعية" (1949):
• المرحلة الأولى (القرن 18): الحقوق المدنية (Civil Rights): حرية التعبير، حرية الدين، حق الملكية، الحق في محاكمة عادلة. هذه الحقوق كانت ثمرة الثورات الليبرالية (الثورة الإنجليزية، الثورة الأمريكية، الثورة الفرنسية).
• المرحلة الثانية (القرن 19): الحقوق السياسية (Political Rights): حق التصويت، حق الترشح، حق تكوين الأحزاب. هذه الحقوق كانت ثمرة الصراعات الديمقراطية والاشتراكية.
• المرحلة الثالثة (القرن 20): الحقوق الاجتماعية (Social Rights): الحق في التعليم، الصحة، الضمان الاجتماعي، السكن. هذه الحقوق كانت ثمرة دولة الرفاه (Welfare State) والنضال النقابي.
هذا التطور التدريجي لم يحدث في العالم العربي، حيث فرضت الدولة الحديثة "من فوق" قبل تطور المجتمع المدني. لذلك، غالبًا ما يُطرح مفهوم المواطنة في الخطاب العربي بشكل "مجتزأ" (مركز على الحقوق السياسية فقط، أو الحقوق المدنية فقط، أو الحقوق الاجتماعية فقط)، مما يخلق ارتباكًا وتناقضات.
1.2 خصوصية المواطنة في السياق العربي يمكن تحديد خمس خصوصيات رئيسية لمفهوم المواطنة في السياق العربي:
الدولة المستوردة: فالدول العربية الحديثة لم تنشأ نتيجة عقود اجتماعية داخلية، بل نتيجة تفكك إمبراطوريات وتدخل استعماري. لذلك، الحدود غالبًا ما تكون مصطنعة، والولاء للدولة ضعيف مقارنة بالولاءات التقليدية.
الطائفية والعرقية والقبلية: معظم المجتمعات العربية تتسم بتنوع طائفي وعرقي وقبلي، وهذا التنوع لم يُدمج في مفهوم المواطنة، بل غالبًا ما يُعتبر "تهديدًا" للوحدة الوطنية. في بعض الدول (مثل لبنان والعراق)، تم "تسييس" التنوع عبر أنظمة المحاصصة. في دول أخرى (مثل مصر وسوريا في عهد القومية العربية)، تم "قمع" التنوع باسم الوحدة الوطنية.
ج. غياب الحقوق الاجتماعية: على عكس أوروبا، حيث سبقت الحقوق الاجتماعية الحقوق السياسية أحيانًا، في العالم العربي، تراجعت الحقوق الاجتماعية بشكل حاد منذ تطبيق سياسات التكيف الهيكلي النيوليبرالي (1980s-1990s). اليوم، معظم الدول العربية لديها أنظمة صحية وتعليمية متدهورة، وبرامج حماية اجتماعية هشة، مما يجعل المواطنة "جوفاء" (Empty Citizenship).
د. ضعف المجتمع المدني: المجتمع المدني في العالم العربي إما ضعيف، أو خاضع للدولة، أو ممول من الخارج. وهذا يضعف قدرة المواطنين على تنظيم أنفسهم والمطالبة بحقوقهم.
هـ. تدخل القوى الخارجية: القوى الكبرى (أمريكا، روسيا، الصين، الاتحاد الأوروبي، تركيا، إيران، إسرائيل، دول الخليج) تتدخل بشكل مستمر في شؤون المنطقة، مما يضعف سيادة الدول ويجعل "المواطنة" رهينة للمصالح الخارجية.
1.3 "المواطنة التعددية" كبديل في مواجهة هذه الخصوصيات، يطرح بعض المفكرين العرب نموذج "المواطنة التعددية" (Multicultural Citizenship) أو "المواطنة المتسامحة" (Tolerant Citizenship). هذا النموذج، المستلهم من تجارب كندا وسويسرا والهند، يقوم على ثلاثة مبادئ:
الاعتراف بالتنوع كقيمة إيجابية، وليس كتهديد.
الحقوق الجماعية (Group Rights) للطوائف والأقليات (مثل حق إدارة المدارس الخاصة، حق المحاكم الدينية في قضايا الأحوال الشخصية)، إلى جانب الحقوق الفردية.
القانون كأساس للمساواة، بحيث لا يُسمح لأي جماعة (حتى لو كانت أغلبية) بفرض قوانين تميز ضد الآخرين.
هذا النموذج ليس مثاليًا، لكنه يقدم إطارًا عمليًا للتعايش في مجتمعات متنوعة، دون اللجوء إلى القمع أو المحاصصة.
ثانياً: لبنان: المواطنة تحت سقف المحاصصة الطائفية 2.1 النظام الطائفي اللبناني: تاريخ وإشكاليات يعتبر لبنان الحالة الأكثر تطرفًا في "تسييس الطائفية". فالنظام السياسي اللبناني، منذ الاستقلال (1943)، قام على "الميثاق الوطني" غير المكتوب، الذي وزع السلطة على أساس طائفي: رئيس الجمهورية ماروني، رئيس الوزراء سني، رئيس مجلس النواب شيعي، ونائب رئيس مجلس النواب يوناني أرثوذكسي. كما تم توزيع المقاعد البرلمانية على أساس 6:5 بين المسيحيين والمسلمين (ثم تعدلت لاحقًا إلى 5:5 بعد اتفاق الطائف 1989).
هذا النظام أنتج ثلاثة إشكاليات رئيسية:
تفكيك المواطنة: المواطن اللبناني ليس مواطنًا في المقام الأول، بل هو "ماروني" أو "شيعي" أو "سني" أو "درزي" ينتمي إلى طائفته، وحقوقه السياسية مرتبطة بانتمائه الطائفي (مثلاً، لا يمكن لمسيحي أن يصبح رئيسًا للوزراء، ولا يمكن لمسلم أن يصبح رئيسًا للجمهورية).
استمرار الزبونية: النخب الطائفية تستخدم مؤسسات الدولة (الوظائف، التراخيص، المشاريع) لتوزيع الامتيازات على أتباعها، مما يخلق شبكات فساد هائلة.
شلل الدولة: أي قرار كبير (خاصة في الأمن والدفاع والمالية) يحتاج إلى توافق طائفي، مما يجعل الدولة عاجزة عن اتخاذ قرارات حاسمة في الأزمات.
2.2 انهيار لبنان 2019-2026: المواطنة في زمن الأزمة انهيار لبنان الاقتصادي والمالي (2019-2026) كشف هشاشة النظام الطائفي بشكل جذري. مع فقدان العملة أكثر من 95% من قيمتها، وتجميد الودائع المصرفية، وارتفاع نسبة الفقر إلى أكثر من 80%، انهارت الحقوق الاجتماعية (الصحة، التعليم، الكهرباء، الماء). وبدلاً من أن يؤدي هذا الانهيار إلى وعي وطني جديد (كما حدث في الانتفاضة الشعبية أكتوبر 2019 التي رفعت شعار "كلن يعني كلن"، أي كل الطوائف فاسدة)، عادت الطائفية بقوة. النخب السياسية لعبت على وتر الخوف الطائفي لتبرير استمرارها، وتم توزيع المساعدات الإغاثية عبر القنوات الطائفية، مما أعاد إنتاج الزبونية.
في عام 2026، لبنان ليس دولة منهارة فقط، بل دولة "شبه غائبة". المواطنة اللبنانية أصبحت مجرد "جواز سفر" يسمح بالهجرة، وليس إطارًا للحقوق والواجبات. تجربة لبنان تظهر أن المواطنة التعددية تفشل عندما تكون الدولة عاجزة عن توزيع الثروة وحماية المواطنين، وعندما تكون النخب الطائفية أكثر قوة من مؤسسات الدولة.
ثالثاً: العراق: المواطنة بين المحاصصة العرقية-الطائفية والدولة الهشة 3.1 بناء الدولة بعد 2003: نظام المحاصصة بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 واحتلاله، تم تفكيك الدولة القطرية (التي كانت قومية عربية وبعثية) وإعادة بنائها على أسس عرقية-طائفية. النظام السياسي الجديد (الذي كرسه دستور 2005) يقوم على توزيع السلطة بين ثلاث مكونات رئيسية: الشيعة (الذين يشكلون الأغلبية)، والسنة (الأقلية الكبيرة)، والكرد (أقلية عرقية ذات حكم شبه ذاتي). رئيس الوزراء شيعي، رئيس الجمهورية كردي، رئيس البرلمان سني. كما تم توزيع الثروة (النفط) والموارد والوظائف العامة على أساس المحاصصة.
هذا النظام أنتج ثلاثة نتائج سلبية رئيسية:
دولة هشة: الدولة العراقية لا تسيطر على كامل أراضيها (هناك أقاليم كردية شبه مستقلة، ومناطق متنازع عليها، ووجود ميليشيات موالية لإيران، وبقايا تنظيم الدولة الإسلامية).
فساد مستشري: المحاصصة تعني أن كل قائد طائفي أو عرقي يريد حصة أكبر من الثروة، مما يؤدي إلى سرقة المال العام بشكل ممنهج. العراق يعتبر من أكثر دول العالم فسادًا.
عنف طائفي وعرقي دائم: على الرغم من هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية عسكريًا (2017)، لا تزال التوترات الطائفية والعرقية مرتفعة، وتنفجر بشكل دوري (مثل احتجاجات البصرة 2018-2019، والصراع بين بغداد وأربيل على النفط والمناطق المتنازع عليها).
3.2 احتجاجات تشرين 2019: لحظة مواطنية ضائعة في أكتوبر 2019، انطلقت احتجاجات شعبية واسعة في بغداد ومدن الجنوب، رافضة النظام السياسي القائم بالكامل. المتظاهرون، ومعظمهم من الشباب الشيعة (المحرومين من فرص العمل والخدمات رغم أن حكومتهم "شيعية")، رفعوا شعارات وطنية مدنية: "نريد وطن"، "لا شيعي ولا سني، وطني عراقي"، "كلهم حرامية". كانت هذه لحظة مواطنية نادرة في العراق، حيث تجاوز المتظاهرون الانقسامات الطائفية والعرقية وطالبوا بدولة مدنية ديمقراطية.
لكن هذه اللحظة ضاعت. تم قمع الاحتجاجات بوحشية من قبل قوات الأمن والميليشيات الموالية لإيران، مما أسفر عن مئات القتلى وآلاف الجرحى. النخب السياسية استعادت السيطرة، وعاد نظام المحاصصة بقوة. تجربة العراق تظهر أن المواطنة لا يمكن أن تتحقق بقوة الشارع فقط، بل تحتاج إلى مؤسسات قوية وإرادة سياسية من النخب الحاكمة، وهما مفقودان في العراق.
رابعاً: سوريا: من الدولة القطرية إلى التفكك الكامل 4.1 الدولة القطرية السورية: قومية عربية واستبداد قبل 2011، كانت سوريا نموذجًا للدولة القطرية "المركزية" و"العلمانية" (بالمعنى السلطوي). حزب البعث، الذي يتبنى الأيديولوجية القومية العربية، حكم البلاد بقبضة حديدية منذ 1963، وخاصة في عهد حافظ الأسد (1970-2000) وبشار الأسد (2000-حتى الآن). تم قمع أي تعبير عن الهوية الطائفية (علوية، سنية، درزية، مسيحية، كردية) أو الإقليمية، باسم "الوحدة الوطنية" و"مقاومة المؤامرات الخارجية".
هذا النموذج أنتج دولة "بوليسية" قمعية، لكنها أيضًا وفرت درجة من الاستقرار والخدمات الأساسية (التعليم، الصحة، الكهرباء، الماء) لمعظم المواطنين (باستثناء الأكراد المحرومين). المواطنة في سوريا كانت تعني "الولاء للأسد"، وليس الحقوق المتساوية.
4.2 انهيار الدولة وتفكك المواطنة (2011-2026) مع اندلاع الانتفاضة الشعبية في مارس 2011، وتحولها إلى حرب أهلية بعد تدخل القوى الإقليمية والدولية، انهارت الدولة السورية بالكامل. بحلول عام 2026، سوريا ليست دولة واحدة، بل مجموعة من "الكانتونات" المتناحرة:
مناطق سيطرة النظام (بمساعدة روسيا وإيران وحزب الله): تسيطر على حوالي 60% من المساحة، وتضم معظم المدن الكبرى (دمشق، حلب، حمص، حماة، اللاذقية، طرطوس). النظام عاد بقوة، لكن الدولة لم تعد قادرة على تقديم الخدمات الأساسية (الكهرباء ساعات قليلة يوميًا، المياه مقطوعة في كثير من المناطق، التعليم والصحافة منهاران).
مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) (بمساعدة أمريكا): تسيطر على شمال شرق سوريا (المناطق الكردية والعربية)، وتدير إدارة شبه مستقلة (الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا). هذه الإدارة تقدم نموذجًا فريدًا من "المواطنة التعددية" (تعترف باللغات والثقافات المختلفة، وتضمن حقوق المرأة، وتطبق نظامًا علمانيًا)، لكنها تعاني من الحصار الاقتصادي والتهديدات التركية الدائمة.
مناطق سيطرة المعارضة المسلحة (بدعم تركي): تسيطر على مناطق محدودة في شمال غرب سوريا (إدلب، ريف حلب)، وتعيش تحت وطأة الفقر والعنف والصراعات بين الفصائل المختلفة.
مناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (بقايا): لا تزال جيوب صغيرة في البادية السورية، لكنها لا تشكل تهديدًا وجوديًا.
في هذا الواقع، "المواطنة السورية" أصبحت مجرد ورقة لا قيمة لها. المواطن السوري إما نازح داخل البلاد (أكثر من 7 ملايين)، أو لاجئ خارجها (أكثر من 5 ملايين)، أو مقيم تحت حكم ميليشياوي، بلا حقوق ولا كرامة.
4.3 دروس من التجربة السورية تجربة سوريا تظهر أن الدولة القطرية، حتى لو كانت استبدادية، أفضل من "لا دولة". انهيار الدولة لا يؤدي إلى "حرية" و"ديمقراطية"، بل إلى فوضى وحروب أهلية وتفكك اجتماعي وتدخلات خارجية. لكنها تظهر أيضًا أن الدولة القطرية القمعية غير مستدامة، وأنها تحتاج إلى إصلاحات جذرية نحو الديمقراطية واللامركزية والاعتراف بالتنوع. سوريا ما بعد الحرب، إذا قامت، ستحتاج إلى نموذج جديد من المواطنة يتجاوز "القومية العربية" الاستبدادية و"الطائفية" المميتة.
خامسة: نحو مواطنة عربية جديدة: شروط وإمكانيات 5.1 ما العمل؟ خلاصات من التجارب الثلاث من خلال تحليل تجارب لبنان، العراق، وسوريا، يمكن استخلاص بعض الخلاصات حول شروط بناء مواطنة حقيقية في المنطقة:
لا مواطنة بدون دولة قوية ديمقراطية: الدولة الهشة أو المنهارة لا تستطيع حماية الحقوق أو توزيع الثروة. لكن الدولة القوية إذا كانت استبدادية تقمع الحريات وتهمش الأقليات، فهي أيضًا لا تستطيع بناء مواطنة حقيقية. المطلوب هو دولة ديمقراطية قوية: دولة قانون، فصل السلطات، انتخابات حرة، احترام حقوق الإنسان، حكم رشيد.
لا مواطنة بدون عدالة اجتماعية: المواطنة الجوفاء (حقوق سياسية شكلية دون حقوق اجتماعية) لا تكفي. المواطنون يحتاجون إلى التعليم، الصحة، السكن، العمل، الضمان الاجتماعي. هذا يتطلب إعادة توزيع للثروة، وضرائب تصاعدية، ودولة رعاية اجتماعية قوية. السياسات النيوليبرالية (التي تقلص دور الدولة) هي عدو المواطنة.
لا مواطنة بدون اعتراف بالتنوع: إنكار التنوع الطائفي والعرقي والقبلي والجهوي (كما في سوريا ومصر في عهد القومية العربية) لا يزيله، بل يدفعه إلى تحت السطح، لينفجر بشكل عنيف لاحقًا. المطلوب هو الاعتراف بالتنوع كقيمة إيجابية، ومنح الأقليات حقوقًا جماعية (في إدارة شؤونهم الثقافية والدينية والتعليمية)، مع الحفاظ على الحقوق الفردية المتساوية والقانون الموحد للجميع.
لا مواطنة بدون مجتمع مدني فاعل ومستقل: المواطنة لا تُمنح من أعلى، بل تُنتج من أسفل عبر تنظيمات مجتمع مدني قوية ومستقلة (نقابات، أحزاب، جمعيات، حركات اجتماعية). هذه التنظيمات هي التي تراقب الدولة وتُحاسبها، وتُعبئ المواطنين للمطالبة بحقوقهم. المجتمع المدني الضعيف أو التابع هو أرض خصبة للاستبداد أو الفوضى.
5.2 سيناريوهات مستقبلية بناءً على هذه الشروط، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المواطنة في المنطقة:
سيناريو استمرار الأزمة (الأكثر ترجيحًا) : ستستمر الدول العربية في معاناتها من هشاشة الدولة، وضعف المجتمع المدني، وتداخل الولاءات، وتدخل القوى الخارجية. المواطنة ستظل جوفاء أو مشوهة، وستستمر الاحتجاجات بشكل متقطع، لكن دون تغيير جذري. هذا هو سيناريو "الجمود المأساوي".
سيناريو التحول التدريجي (ممكن لكن صعب) : إذا نجحت قوى الإصلاح في بعض الدول (مثل تونس قبل الانقلاب، أو المغرب في حالة حدوث تحول ديمقراطي حقيقي، أو الإدارة الذاتية الكردية في سوريا) في بناء مؤسسات ديمقراطية قوية، وتعزيز المجتمع المدني، وتبني سياسات عدالة اجتماعية، والاعتراف بالتنوع، فقد تقدم نموذجًا يحتذى به لدول أخرى. هذا السيناريو يتطلب وجود نخب وطنية شجاعة، ودعمًا إقليميًا ودوليًا (وهو غير متوفر حاليًا).
سيناريو الانهيار والتدويل (السيناريو الأسوأ) : قد تنهار دول أخرى مثل لبنان (بالكامل) أو العراق (بشكل أعمق)، وقد تتحول إلى "دول فاشلة" أو "كانتونات متناحرة". وقد تتدخل القوى الكبرى بشكل أكبر، مما يزيد الوضع سوءًا. هذا السيناريو سيكون كارثة إنسانية وسياسية، وسيؤجل أي نقاش حول المواطنة لعقود.
الخاتمة ليس بناء المواطنة في المنطقة مهمة سهلة. فالعقبات هائلة: دول هشة أو منهارة، مجتمعات ممزقة بانقسامات طائفية وعرقية وقبلية، أنظمة سياسية استبدادية أو فاسدة، اقتصادات ريعية أو مدمرة، تدخلات خارجية مستمرة. لكن المهمة ليست مستحيلة. تجارب لبنان والعراق وسوريا، رغم مآسيها، قدمت دروسًا قيمة: لا مواطنة بدون دولة قوية ديمقراطية، ولا مواطنة بدون عدالة اجتماعية، ولا مواطنة بدون اعتراف بالتنوع، ولا مواطنة بدون مجتمع مدني فاعل.
المواطنة ليست هدية تُمنح من فوق، بل هي إنجاز يُبنى من أسفل، عبر صراعات طويلة ومستمرة من أجل الحقوق والكرامة. وكل الاحتجاجات، من لبنان 2019 إلى العراق 2019 إلى تونس 2021 إلى المغرب 2025، هي حلقات في هذا الصراع الممتد. قد تنجح الأنظمة في قمع هذه الاحتجاجات، لكنها لا تستطيع قتل الأمل في مواطنة أفضل. وهذا الأمل، وحده، هو ما يبرر الاستمرار.
قائمة المراجع المراجع العربية:
بشارة، عزمي. (2017). المسألة العربية: الهوية، المواطنة، والدولة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
حنفي، ساري. (2019). الدولة والمجتمع في الوطن العربي: أزمة المواطنة وإعادة الإنتاج. مركز دراسات الوحدة العربية.
حرب، علي. (2015). مواطنة المتخلفين: جدل الديني والسياسي في الفضاء العام العربي. المركز الثقافي العربي.
الخطيب، أحمد. (2021). لبنان: انهيار الدولة وانهيار المواطنة. دار الساقي.
الدوري، عادل. (2020). العراق الجديد: بين المحاصصة الطائفية والدولة المدنية. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
قاسم، فراس. (2022). سوريا: من الدولة القطرية إلى التفكك. مركز الجزيرة للدراسات.
صليبي، كمال. (2019). لبنان: المواطنة والطائفية. دار النهار.
المراجع الأجنبية:
Benhabib, S. (2004). The Rights of Others: Aliens, Residents, and Citizens. Cambridge University Press.
Isin, E. F. (2012). Citizenship after Orientalism. In The Oxford Handbook of Citizenship. Oxford University Press.
Kymlicka, W. (1995). Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights. Oxford University Press.
Marshall, T. H. (1950). Citizenship and Social Class and Other Essays. Cambridge University Press.
Mervin, S. (2020). Lebanon: A Confessional State in Crisis. In The Routledge Handbook of Middle East Politics. Routledge.
Picard, E. (2018). Iraq: From Dictatorship to Sectarian Democracy? In The Oxford Handbook of Iraqi Politics. Oxford University Press.
Salamé, G. (2015). Democracy without Democrats? The Renewal of Politics in the Arab World. I.B. Tauris.
Wedeen, L. (2019). Authoritarian Apprehensions: Ideology, Judgment, and Mourning in Syria. University of Chicago Press.
جدل العلمانية والدين في الفضاء العام العربي: إشكاليات المواطنة وصراع النماذج بقلم الأستاذ الباحث: محمد أحمد الصغير علي عيد باحث مستقل
الملخص تتناول هذه الدراسة الإشكالية المركزية التي تطرحها العلاقة بين العلمانية والدين في الفضاء العام العربي، في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة منذ حراكات 2011 وحتى عام 2026. تهدف الورقة إلى تجاوز النقاش الأيديولوجي العقيم بين أنصار العلمانية "المتطرفة" وأنصار "الدولة الدينية"، نحو مقاربة تركيبية ترى في العلمانية ليس فصل الدين عن الدولة فحسب، بل تنظيمًا للعلاقة بين الديني والسياسي يضمن حرية الضمير والمواطنة المتساوية. تعتمد الدراسة على منهج تحليلي نقدي يراجع الأدبيات الكلاسيكية والحديثة حول العلمانية في السياق العربي، ويحلل تجارب ثلاث دول نموذجية: تونس (ما بعد الثورة والانقلاب)، ومصر (ما بعد الانقلاب العسكري)، والمغرب (النموذج الملكي الخاص). تخلص الدراسة إلى أن أزمة العلمانية في العالم العربي ليست أزمة مفهوم بقدر ما هي أزمة سياق: فغياب دولة القانون والعدالة الاجتماعية يحوّل النقاش العلماني-الديني إلى صراع هوياتي عقيم، بينما يبقى التحدي الحقيقي هو بناء دولة مدنية ديمقراطية تحترم التنوع وتضمن الحقوق.
مقدمة ظل النقاش حول العلمانية والدين في الفضاء العام العربي لعقود أحد أكثر النقاشات إثارة للجدل وأقلها إنتاجية. ففي الوقت الذي تُعتبر فيه العلمانية في الغرب إرثًا تاريخيًا تراكميًا نتج عن صراعات دموية بين الكنيسة والدولة، فإنها في العالم العربي تُطرح غالبًا كـ"وافد" أو "غزو ثقافي" أو "حل جاهز" لا يأخذ بعين الاعتبار خصوصية المجتمعات العربية وتاريخها. من جهة أخرى، يُقدّم "الدين" (في الغالب الإسلام) كبديل شامل للحكم، وكحل سحري لكل المشاكل، متجاهلاً إخفاقات التجارب التاريخية التي جمعت بين الدين والسياسة.
بعد أكثر من عقد على حراكات 2011 التي أطاحت بأنظمة عربية راسخة، يبدو النقاش أكثر إلحاحًا وأكثر تعقيدًا. ففي تونس، الدولة العربية الوحيدة التي بدت وكأنها تسير في مسار انتقال ديمقراطي حقيقي، انتهى الأمر بانقلاب الرئيس قيس سعيد عام 2021، الذي وظّف خطابًا علمانيًا معاديًا للإسلاميين لتبرير تفكيك المؤسسات الديمقراطية. وفي مصر، عادت المؤسسة العسكرية إلى الحكم بقبضة أشد مما كانت عليه قبل 2011، في إطار ما وصفه بعض المحللين بـ"الدولة البوليسية العلمانية". وفي المغرب، ظل النظام الملكي يلعب على ثنائية "الملك أمير المؤمنين" و"الدولة المدنية" لتبرير استمرار هيمنته.
هذه التحولات تطرح سؤالاً إشكاليًا مركزيًا: لماذا فشلت النماذج العلمانية والدينية في المنطقة العربية في تقديم بديل ديمقراطي مستقر؟ وهل يمكن تجاوز ثنائية "علمانية متطرفة" و"دين سياسي" نحو نموذج ثالث يجمع بين الحرية والعدالة والاحترام للتنوع؟
تفترض هذه الدراسة أن أزمة العلمانية في العالم العربي ليست أزمة مفهوم بقدر ما هي أزمة سياق. ففي غياب دولة القانون، والعدالة الاجتماعية، والمؤسسات الديمقراطية، يتحوّل النقاش العلماني-الديني إلى صراع هوياتي لا يؤدي إلا إلى مزيد من الاستقطاب والعنف. ولن نتمكن من تجاوز هذه الأزمة إلا من خلال مقاربة تركيبية ترى في العلمانية ليس "فصل الدين عن الدولة" (وهو مفهوم غربي تاريخي)، بل "تنظيم العلاقة بين الديني والسياسي" بطريقة تضمن حرية الضمير والمواطنة المتساوية وسيادة القانون.
أولاً: العلمانية: تاريخ المفهوم وتطبيقاته في السياق العربي 1.1 ما هي العلمانية؟ تجاوز المغالطات قبل الدخول في التحليل، لا بد من توضيح ما تعنيه العلمانية وما لا تعنيه. في أدبيات الفلسفة السياسية، تشير العلمانية (Secularism) إلى مبدأ ينص على أن المؤسسات الحكومية يجب أن تكون منفصلة عن المؤسسات الدينية. لكن هذا التعريف البسيط يخفي تعقيدات كثيرة، خاصة عند الانتقال من السياق الغربي إلى السياقات غير الغربية.
يميز الباحث تشارلز تايلور (Charles Taylor) بين ثلاثة نماذج للعلمانية في الغرب:
• النموذج الفرنسي (اللايكية - Laïcité) : نموذج صارم يسعى إلى إبعاد الدين عن الفضاء العام تمامًا، ويعتبر الدين شأنًا خاصًا بالفرد فقط. هذا النموذج نشأ في سياق صراع عنيف بين الجمهوريين والكنيسة الكاثوليكية، ولا يزال يثير جدلاً كبيرًا في فرنسا حتى اليوم (خاصة فيما يتعلق بالحجاب في المدارس).
• النموذج الأمريكي : نموذج أكثر مرونة، يقوم على مبدأ "عدم تأسيس دين"، لكنه يسمح بحرية التعبير الديني في الفضاء العام. الكنائس والمجموعات الدينية فاعلة في المجتمع المدني والسياسة، لكن الدولة لا تفضل دينًا على آخر.
• النموذج الألماني والشمال أوروبي : نموذج "التعاون"، حيث تتعاون الدولة مع المؤسسات الدينية (مثل فرض ضريبة الكنيسة)، مع الحفاظ على حيادية الدولة تجاه المعتقدات.
في العالم العربي، كثيرًا ما يُطرح النموذج الفرنسي (الأكثر صرامة) كنموذج وحيد للعلمانية، مما يسهل على المعارضين وصف العلمانية بأنها "عدوة الدين" أو "غزو ثقافي". لكن الحقيقة أن العلمانية ليست نموذجًا واحدًا، بل هي عائلة من النماذج. والمطلوب في السياق العربي ليس استيراد نموذج جاهز، بل بناء نموذج خاص يتناسب مع تاريخ المنطقة وثقافتها وتنوعها.
1.2 العلمانية في التاريخ العربي: من النهضة إلى الاستقلال يمكن تتبع تاريخ العلمانية في الفكر العربي عبر عدة محطات رئيسية:
• مرحلة النهضة (أواخر القرن 19 - أوائل القرن 20) : دعا رواد النهضة العربية، مثل رفاعة الطهطاوي، وخير الدين التونسي، وعلي عبد الرازق، وفرح أنطون، إلى نوع من "الفصل بين الدين والدولة"، لكن بمصطلحات مختلفة. كان همهم الأساسي هو مواجهة التخلف والاستبداد، ورأوا في الأخذ ببعض المبادئ الأوروبية (مثل سيادة القانون، والمواطنة، والمجالس النيابية) سبيلاً للنهضة. لكنهم لم يطرحوا قط "علمانية متطرفة" ترفض الدين كليًا.
• مرحلة ما بعد الاستقلال (1950s - 1970s) : تبنت الأنظمة العربية "القومية" (مثل مصر تحت حكم عبد الناصر، وسوريا والعراق تحت حكم حزب البعث) نموذجًا "علمانيًا" من أعلى، حيث تم تأميم المؤسسات الدينية وإخضاعها للدولة، وتم تهميش رجال الدين التقليديين. لكن هذا النموذج كان "علمانية سلطوية" وليست علمانية ديمقراطية: فقد استُخدمت لمحاربة المعارضة السياسية (خصوصًا الإسلاميين) وليس لضمان حريات المواطنين.
• ج. مرحلة الصحوة الإسلامية (1970s - 2000s) : جاءت الصحوة الإسلامية كنتيجة طبيعية لفشل النماذج القومية والعلمانية السلطوية في تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية. قدم الإسلاميون (مثل سيد قطب، وحسن البنا، وأبو الأعلى المودودي) نموذجًا بديلاً يقوم على "حاكمية الله" و"الدولة الإسلامية". لكنهم هم أيضًا فشلوا في تقديم نموذج عملي للحكم الديمقراطي، كما أثبتت تجربة الإخوان المسلمين في مصر (2012-2013).
• د. مرحلة ما بعد 2011: شهدت المنطقة عودة للنقاش العلماني-الديني بشكل أكثر حدة، لكن في سياق جديد: لم يعد النقاش يدور حول "الدولة الدينية" مقابل "الدولة العلمانية" فقط، بل أصبح مرتبطًا بقضايا أخرى: الديمقراطية، حقوق الإنسان، العدالة الاجتماعية، ومكافحة الفساد. في تونس، صاغت حركة النهضة نموذجًا جديدًا أسمته "الإسلام الديمقراطي" أو "الدولة المدنية المرجعيتها الإسلام"، لكن هذا النموذج اصطدم بمعارضة شديدة من التيار العلماني المتطرف، وانتهى بانقلاب 2021.
ثانياً: إشكاليات العلمانية والدين في الفضاء العام العربي 2.1 الدولة والمجتمع: من المواجهة إلى التفاوض أحد أعمق الإشكاليات التي تواجه العلمانية في العالم العربي هو عدم الفصل بين الدولة والمجتمع. ففي الغرب، سبق بناء "المجتمع المدني" (كفضاء مستقل عن الدولة) بناء الدولة الحديثة. أما في العالم العربي، فالدولة سبقت المجتمع، أو بالأحرى، الدولة خلقت المجتمع (أو شكلته) وفقًا لإرادتها. هذا يعني أن أي نقاش حول "دين الدولة" أو "علمانية الدولة" هو في الواقع نقاش حول طبيعة السلطة وشرعيتها، وليس حول التنظيم القانوني للعلاقة بين المؤسسات.
في غياب مجتمع مدني قوي ومستقل، يتحول النقاش العلماني-الديني إلى صراع نخبوي حول من يمتلك "الشرعية" لتحديد هوية الدولة. هذا الصراع يهمش القضايا الحقيقية التي تهم المواطنين: البطالة، الفقر، الفساد، تردي الخدمات العامة. ولذلك، يبدو النقاش في كثير من الأحيان نخبويًا ومنفصلاً عن هموم الناس.
2.2 المواطنة بديلاً عن "الأمة" و"الجماعة" التحدي الآخر هو مفهوم المواطنة نفسه. ففي الخطاب الإسلامي التقليدي، يُستبدل مفهوم "المواطنة" بمفهوم "الجماعة" أو "الأمة"، حيث تكون الأولوية للانتماء الديني على الانتماء الوطني. وفي الخطاب القومي العربي، يُستبدل مفهوم "المواطنة" بمفهوم "القومية" أو "الأمة العربية". هذا يجعل من الصعب بناء دولة قانون قائمة على المساواة بين جميع المواطنين بغض النظر عن دينهم أو عرقهم أو جنسهم.
لذلك، يجادل بعض المفكرين العرب (مثل عزمي بشارة، وسعاد صالح، وراشد الغنوشي في مرحلة متأخرة) بأن "المواطنة المتساوية" يجب أن تكون الأساس لأي مشروع ديمقراطي في العالم العربي. هذا يعني أن الدولة يجب أن تكون محايدة تجاه المعتقدات الدينية (بمعنى لا تفضل دينًا على آخر)، لكنها في نفس الوقت يجب أن تحترم حرية الضمير وحق المواطنين في التعبير عن معتقداتهم في الفضاء العام.
2.3 نقد "العلمانية المتطرفة" و"الدولة الدينية" يمكن توجيه نقدين رئيسيين للنماذج المتطرفة (سواء العلمانية أو الدينية):
أ. نقد النموذج العلماني المتطرف:
• يفرض نموذجًا غربيًا لا يتناسب مع السياق: العلمانية المتطرفة (النموذج الفرنسي) هي نتاج تاريخ أوروبي خاص، ولا يمكن استيرادها إلى العالم العربي دون عنف رمزي كبير.
• يخلق ردود فعل معاكسة: كلما حاولت الدولة فرض علمانية متطرفة (كما حدث في تونس قبل الثورة، وفي مصر في عهد عبد الناصر)، قويت التيارات الدينية المعارضة.
• يعتبر الدين مجرد رأي خاص: في المجتمعات العربية، الدين ليس مجرد "رأي شخصي"، بل هو جزء من الهوية الفردية والجماعية، ونظام مرجعي للقيم والأخلاق. تجاهل ذلك يؤدي إلى اغتراب قطاعات واسعة من الشعب.
ب. نقد نموذج "الدولة الدينية":
• يفتقر إلى مفهوم واضح للمواطنة: الدولة الدينية، في صيغتها التقليدية، تميز بين المواطنين على أساس دينهم (المسلمون كمواطنين من الدرجة الأولى، وغير المسلمين من الدرجة الثانية، وأحيانًا "المرتدون" ليس لهم حقوق).
• يؤدي إلى انتهاك حقوق الإنسان: حرية الضمير، وحرية تغيير الدين، وحرية التعبير، والمساواة بين الجنسين، كلها قيم تتعارض مع النماذج التقليدية للدولة الدينية.
• يفشل في تقديم حلول عملية للمشاكل الحقيقية: كما أظهرت تجربة الإخوان في مصر، فإن التركيز على قضايا "الهوية" و"الشرعية الدينية" يلهي عن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المزمنة.
ثالثاً: العلمانية كـ"تنظيم للعلاقة بين الديني والسياسي" إذا كانت النماذج المتطرفة (سواء العلمانية أو الدينية) قد فشلت، فهل من نموذج ثالث؟ تجيب هذه الدراسة بنعم، وترى أن العلمانية في السياق العربي يجب أن تُفهم ليس كـ"فصل الدين عن الدولة" بقدر ما هي "تنظيم للعلاقة بين الديني والسياسي" . وهذا التنظيم يقوم على عدة مبادئ:
• حيادية الدولة: الدولة لا تتبنى دينًا رسميًا، ولا تفضل دينًا على آخر، لكنها تحترم جميع المعتقدات (وتلك حق للأفراد والجماعات). هذا يختلف عن "إبعاد الدين عن الفضاء العام".
• حرية الضمير: لكل فرد الحق في اعتناق أي دين أو معتقد، أو عدم اعتناق أي دين، دون أي تمييز أو عقاب.
• المواطنة المتساوية: جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات أمام القانون، بغض النظر عن دينهم أو معتقدهم.
• سيادة القانون: القانون هو المرجعية العليا، وليس أي نص ديني (كما في النموذج الثيوقراطي)، ولا إرادة الحاكم (كما في النموذج الاستبدادي).
• الفضاء العام المشترك: لكل المواطنين الحق في التعبير عن معتقداتهم (الدينية أو غير الدينية) في الفضاء العام، بشرط احترام القانون وحقوق الآخرين. هذا يعني أن الحجاب، والكنائس، والجوامع، والنقاشات الدينية، كلها أمور مشروعة في الفضاء العام، طالما أنها لا تدعو إلى العنف أو الكراهية.
هذا النموذج، الذي يمكن تسميته بـ "العلمانية التعددية" أو "الدولة المدنية" ، ليس مثاليًا، لكنه يقدم إطارًا عمليًا للتعايش بين أتباع الديانات والمعتقدات المختلفة. وهو نموذج يقر بأن الدين جزء مهم من هوية الكثير من الناس، لكنه يرفض جعل الدين أساسًا للقانون أو للتمييز بين المواطنين.
رابعاً: العلمانية في تجارب ما بعد 2011: تونس، مصر، المغرب 4.1 تونس: من التسوية الديمقراطية إلى الانقلاب الشعبوي تُعتبر تونس الحالة الأكثر إثارة للجدل في هذا السياق. فبعد ثورة 2011، نجح التونسيون في بناء نظام ديمقراطي (دستور 2014، انتخابات حرة، تداول سلمي للسلطة)، حيث قامت حركة النهضة الإسلامية بتحول فكري كبير من "الدولة الدينية" إلى "الدولة المدنية المرجعيتها الإسلام". في المقابل، قبلت الأحزاب العلمانية اللعبة الديمقراطية وعملت مع النهضة في ائتلافات حكومية.
لكن هذا التوافق الهش انهار في 25 يوليو 2021، عندما قام الرئيس قيس سعيد (الذي كان يُنظر إليه على أنه "علماني معتدل") بحل البرلمان وتجميد الدستور وإصدار قوانين بمراسيم رئاسية. استخدم سعيد خطابًا علمانيًا معاديًا للإسلاميين (اتهمهم بـ"التآمر" و"الخيانة") لتبرير تفكيك الديمقراطية. هذا يكشف عن مفارقة مأساوية: العلمانية المتطرفة (التي تريد إقصاء الدين من الفضاء العام تمامًا) يمكن أن تكون أداة للاستبداد لا للحرية. فبدلاً من أن تكون العلمانية ضمانًا للحقوق والحريات، تحولت في تونس إلى غطاء لتفكيك المؤسسات الديمقراطية.
4.2 مصر: العودة إلى "الدولة البوليسية العلمانية" في مصر، كان مسار ما بعد 2011 مختلفًا. بعد عام واحد فقط من حكم الإخوان (2012-2013)، قام الجيش بانقلاب عسكري في 3 يوليو 2013، بقيادة عبد الفتاح السيسي. منذ ذلك الحين، تعود مصر بسرعة إلى نموذج "الدولة البوليسية العلمانية" الذي عرفته في عهد عبد الناصر ومبارك، بل وأكثر قسوة.
تم قمع الإخوان (والمعارضة المدنية أيضًا) بوحشية، وتم تشديد قبضة الجيش والمخابرات على الحكم، وتم تقييد الحريات بشكل كبير. النظام المصري الحالي ليس "علمانيًا" بالمعنى الديمقراطي للكلمة، بل هو نظام "أمني" يستخدم خطابًا معاديًا للإسلاميين لشرعنة قمعه. هذا النموذج، كما يجادل بعض المحللين، غير مستدام على المدى الطويل، لأنه لا يعالج أيًا من المشاكل الجذرية للبلاد (الفقر، البطالة، الفساد، تردي الخدمات العامة)، ويخلق ردود فعل معاكسة قد تظهر بشكل عنيف في المستقبل.
4.3 المغرب: النموذج الملكي الخاص في المغرب، يقدم النظام الملكي نموذجًا "ثالثًا" لا هو علماني ولا هو ديني بالمعنى التقليدي. الملك هو "أمير المؤمنين"، أي له سلطة دينية وسياسية في نفس الوقت. لكن في الوقت نفسه، هناك دستور وقوانين وبرلمان وحكومة، ويتمتع المغاربة بحريات نسبية (أكثر من مصر وتونس بعد الانقلاب، لكن أقل من تونس قبل الانقلاب).
هذا النموذج يُعتبر "استثنائيًا" في المنطقة، ولا يمكن تعميمه. فهو يعتمد بشكل كبير على شرعية الملك الشخصية (كـ"سليل النبي" وكـ"رمز الوحدة الوطنية")، وعلى قدرة النظام على امتصاص الاحتجاجات عبر الإصلاحات الشكلية والترهيب الانتقائي. لكن هذا النموذج أيضًا يواجه تحديات كبيرة، خاصة مع صعود جيل جديد من الشباب (GenZ212) الذي يرفض التقسيمات التقليدية ولا يرضى بالإصلاحات الترقيعية.
خامسة: آفاق العلمانية والدين في الفضاء العام العربي بناءً على التحليل السابق، يمكن استخلاص بعض الاستنتاجات حول مستقبل النقاش العلماني-الديني في المنطقة:
• انتهى عصر الحلول الأيديولوجية الجاهزة: لا "الدولة الدينية" ولا "الدولة العلمانية المتطرفة" تقدمان حلولاً عملية لأزمات المنطقة. التجارب أثبتت فشل النموذجين.
• النقاش الحقيقي ليس حول "الدين في السياسة" بقدر ما هو حول "الديمقراطية والعدالة الاجتماعية" : معظم المواطنين العرب، عندما يُسألون في الاستطلاعات، يقولون إنهم يريدون دولة مدنية تحترم قيم الإسلام (أو المسيحية)، لكنها في نفس الوقت تضمن حرياتهم وحقوقهم وتحارب الفساد وتوفر فرص عمل. بمعنى آخر، يريدون مزيجًا من القيم الدينية والمبادئ الديمقراطية.
• المواطنة المتساوية هي المخرج من المأزق: المخرج الوحيد من المأزق الحالي هو بناء مشروع سياسي يقوم على المواطنة المتساوية، بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجنس. هذا المشروع لا يتطلب "فصل الدين عن الدولة" بطريقة متطرفة، لكنه يتطلب ضمان حقوق جميع المواطنين، بما في ذلك حقوق غير المسلمين والنساء والمثليين والمختلفين فكريًا.
• لا علمانية ديمقراطية بدون دولة ديمقراطية: في النهاية، العلمانية وحدها ليست كافية لضمان الديمقراطية. العلمانية المتطرفة يمكن أن تكون (وقد كانت) غطاءً للاستبداد. المطلوب هو بناء دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية التي تحترم حقوق الإنسان، وأي نقاش حول العلمانية والدين يجب أن يكون في إطار هذا المشروع الأكبر.
الخاتمة ليس النقاش حول العلمانية والدين في العالم العربي نقاشًا عقيمًا، لكنه يحتاج إلى إعادة تأطير جذرية. بدلاً من السؤال: "هل يجب أن تكون الدولة علمانية أم دينية؟" يجب أن نسأل: "كيف نبني دولة ديمقراطية تحترم التنوع وتضمن الحقوق وتحارب الفساد وتوفر العدالة الاجتماعية؟" العلمانية، في أفضل صورها، هي أداة لتحقيق هذا الهدف، وليست هدفًا في حد ذاتها. والدين، في أفضل صوره، هو مصدر للقيم والأخلاق التي يمكن أن تساهم في بناء مجتمع أفضل. الصراع الحقيقي ليس بين "العلمانيين" و"الدينيين"، بل بين قوى الاستبداد والإقصاء من جهة، وقوى الحرية والعدالة والكرامة من جهة أخرى. وهذا الصراع يتطلب تحالفات تتجاوز الانقسامات الأيديولوجية التقليدية، وتجمع كل من يؤمن بأن الإنسان هو غاية وليس وسيلة، وأن الحرية والعدالة قيمتان لا تتجزآن، وأن المواطنة المتساوية هي الطريق الوحيد لمستقبل أفضل.
قائمة المراجع المراجع العربية:
• بشارة، عزمي. (2018). الدين والدولة: تأسيس ديني، فهم جديد. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
• الغنوشي، راشد. (2016). العلمانية والمجتمع المدني: مناقشة نقدية. دار سحر للنشر.
• العسلي، باسم. (2020). العلمانية في الفكر العربي المعاصر: من رفاعة الطهطاوي إلى محمد عابد الجابري. مركز دراسات الوحدة العربية.
• الجابري، محمد عابد. (1991). الدين والدولة وتطبيق الشريعة. مركز دراسات الوحدة العربية.
• صالح، سعاد. (2019). المواطنة وحقوق المرأة في المجتمعات العربية: مقاربة نقدية. المجلس العربي للعلوم الاجتماعية.
• عطوان، عبد الباري. (2022). تونس بين الربيع والانقلاب: قراءة في تجربة النهضة. دار الساقي.
• عبد الله، نادر. (2021). مصر بعد الانقلاب: عودة الدولة البوليسية. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
المراجع الأجنبية:
• Asad, T. (2003). Formations of the Secular: Christianity, Islam, Modernity. Stanford University Press.
• Agrama, H. A. (2012). Questioning Secularism: Islam, Sovereignty, and the Rule of Law in Modern Egypt. University of Chicago Press.
• Brown, N. J. (2017). Arguing Islam after the Revival of Arab Politics. Oxford University Press.
• Hashemi, N. (2021). Islam, Secularism, and Liberal Democracy: Toward a Democratic Theory for Muslim Societies. Oxford University Press.
• Hibbard, S. W. (2010). Religious Politics and Secular States: Egypt, India, and the United States. Johns Hopkins University Press.
• Taylor, C. (2007). A Secular Age. Harvard University Press.
• Volpi, F. (2017). Revolution and Authoritarianism in North Africa. Oxford University Press.
• Zemni, S. (2022). The Tunisian Counter-Revolution and the Specter of Authoritarianism. Middle East Critique, 31(4), 351-369.
صراع الهويات في الشرق الأوسط الجديد: الطائفية، العرقية، والطبقة بقلم الأستاذ الباحث: محمد أحمد الصغير علي عيد باحث مستقل
الملخص تتناول هذه الدراسة التحولات العميقة في بنية الصراعات الهوياتية في الشرق الأوسط بعد عقد ونصف من حراكات 2011، حيث تداخلت ثلاثة مستويات من الهوية (الطائفية، العرقية، والطبقة) في أنماط معقدة ومتناقضة. تفترض الورقة أن النظريات الكلاسيكية التي تفسر الصراعات في المنطقة إما من منظور "صراع الحضارات" (صموئيل هنتنغتون) أو من منظور "التبعية الاقتصادية" (المنظور الماركسي) لم تعد قادرة على تفسير التعقيد الراهن. بدلاً من ذلك، تقدم الورقة مقاربة تركيبية ترى في "إعادة إنتاج الهويات" استجابةً لانهيار الدولة وتفكك العقد الاجتماعي وتعميق سياسات النيوليبرالية. تعتمد الدراسة على منهج تحليلي مقارن يراجع الأدبيات الحديثة حول الهوية في العلوم الاجتماعية، ويحلل أربع حالات نموذجية: لبنان (تسييس الطائفية)، سوريا (عرقنة الصراع)، العراق (تفكك الدولة والهوية الوطنية)، ومصر (تراجع الطائفية مقابل صعود الصراع الطبقي). تخلص الدراسة إلى أن الصراعات الهوياتية في الشرق الأديد اليوم ليست "قديمة" أو "أبدية"، بل هي نتاج سياسات حديثة (استعمارية، قومية، نيوليبرالية) أعادت إنتاج الانقسامات لأغراض الهيمنة. كما تؤكد أن الوعي الطبقي، رغم تهميشه، يبقى الأمل الوحيد لتجاوز الصراعات الهوياتية نحو مشروع سياسي جامع.
مقدمة لطالما وصِف الشرق الأوسط بأنه "فسيفساء من الطوائف والأعراق". من جبال لبنان إلى سهول العراق، ومن وادي النيل إلى الخليج العربي، تتداخل المجتمعات في أنماط معقدة من الانتماءات الدينية (مسلمون سنة، مسلمون شيعة، علويون، دروز، مسيحيون متنوعو الطوائف، يزيديون، صابئة، يهود)، والعرقية (عرب، أكراد، أمازيغ، تركمان، آشوريون، أرمن، شركس)، والقبلية (مئات القبائل المنتشرة في شبه الجزيرة العربية وشمال أفريقيا). هذا التنوع ليس ظاهرة جديدة، لكن الجديد هو الطريقة التي تم بها "تسييس" هذه الهويات، وتحويلها إلى أدوات للصراع، وتوظيفها في مشاريع إقليمية ودولية.
مع تفكك الدولة القطرية في العديد من دول المنطقة (سوريا، ليبيا، اليمن، العراق، لبنان)، ومع فشل المشاريع القومية (العربية، الاشتراكية، البعثية) في تقديم هوية جامعة، ومع تعميق سياسات النيوليبرالية التي تزيد من التفاوت الطبقي وتفكك التضامن الاجتماعي، برزت الهويات الطائفية والعرقية كبديل عن الهوية الوطنية، وكغطاء للصراعات على السلطة والثروة. في لبنان، النظام السياسي نفسه قائم على المحاصصة الطائفية. في سوريا، تحولت الحرب الأهلية إلى صراع طائفي وعرقي. في العراق، تم تفكيك الدولة القطرية وإعادة بنائها على أساس عرقي-طائفي بعد 2003. في مصر، تراجعت حدة الصراع الطائفي نسبيًا لكنها لم تختفِ، مقابل صعود صراع طبقي حاد.
هذه التحولات تطرح سؤالاً إشكاليًا مركزيًا: لماذا عادت الهويات الطائفية والعرقية إلى الواجهة بقوة في العقود الأخيرة، رغم عقود من القومية العربية والعلمانية السلطوية؟ هل هذه الهويات "قديمة" و"جوهرية" في المجتمعات العربية، أم أنها أعيد إنتاجها لأسباب سياسية واقتصادية حديثة؟ وما العلاقة بين الصراع الهوياتي والصراع الطبقي؟ هل يتعارضان أم يمكن أن يتكاملا؟
تفترض هذه الدراسة أن الصراعات الهوياتية في الشرق الأوسط اليوم ليست "صراع حضارات" (كما يروج صموئيل هنتنغتون)، ولا هي مجرد "غطاء" للصراع الطبقي (كما يبسط بعض الماركسيين). بدلاً من ذلك، ترى الورقة أن الهويات الطائفية والعرقية أعيد إنتاجها وتوظيفها من قبل النخب المحلية والإقليمية والدولية كآلية للسيطرة في ظل تراجع الدولة القومية وتفكك العقد الاجتماعي. فالطائفية والعرقية أصبحت "سوقًا" للولاءات، حيث يشتري السياسيون ولاءات المواطنين مقابل حماية مصالحهم الطائفية أو العرقية، بدلاً من تلبية مطالبهم الطبقية المشتركة. لكن هذا لا يعني أن الصراع الطبقي قد تلاشى؛ بل هو موجود تحت السطح، وينفجر بين الحين والآخر (كما في احتجاجات العراق 2019، ولبنان 2019-2020، ومصر 2011-2013، والسودان 2018-2019). التحدي الحقيقي هو بناء وعي طبقي قادر على تجاوز الانقسامات الهوياتية نحو مشروع سياسي جامع للفقراء والمهمشين من كل الطوائف والأعراق.
أولاً: إعادة النظر في الهوية: من الجوهرية إلى البنائية 1.1 نقد النظريات الجوهرية للهوية قبل تحليل صراعات الهويات في الشرق الأوسط، لا بد من توضيح الإطار النظري الذي سنعتمده. في العلوم الاجتماعية المعاصرة، هُجرت النظريات "الجوهرية" (Essentialist) التي تعتبر الهويات (الطائفية، العرقية، القومية) ثابتة وقديمة وأبدية. هذه النظريات، التي تجد صدى في خطاب الجماعات المتطرفة (مثل "صراع الحضارات" لهنتنغتون، أو الخطاب الجهادي الذي يقسم العالم إلى "دار الإسلام" و"دار الكفر")، تفسر الصراع على أنه حتمي وطبيعي، مما يعطيه شرعية ويسهل استغلاله سياسيًا.
بدلاً من ذلك، تتبنى هذه الدراسة المنظور "البنائي الاجتماعي" (Social Constructionism) للهوية. وفق هذا المنظور، الهويات ليست ثابتة ولا جوهرية، بل هي نتاج تفاعلات اجتماعية وتاريخية وسياسية. يتم "بناؤها" و"إعادة بنائها" عبر الخطابات، المؤسسات، الممارسات، والصراعات على السلطة والموارد. الهوية الطائفية، على سبيل المثال، لم تكن ذات أهمية سياسية كبرى في فترات تاريخية معينة، ثم أصبحت ذات أهمية قصوى في فترات أخرى، ليس لأن "الطوائف تغيرت"، بل لأن الظروف السياسية والاقتصادية جعلت من الطائفية أداة فعالة للتعبئة والمحاصصة.
هذا المنظور البنائي له أهمية عملية كبرى: إذا كانت الهويات مبنية اجتماعيًا، فهي قابلة للتغيير. فما بناه البشر يمكنهم تفكيكه أو إعادة بنائه. وهذا يفتح أفقًا للأمل في تجاوز الصراعات الهوياتية نحو وعي طبقي جامع.
1.2 آليات إعادة إنتاج الهويات في الشرق الأوسط في السياق العربي، يمكن تحديد أربع آليات رئيسية أعادت إنتاج الهويات الطائفية والعرقية وجعلتها مركزية في الصراعات السياسية:
• السياسات الاستعمارية (فرق تسد): الاستعمار البريطاني والفرنسي لعب دورًا رئيسيًا في "تسييس" الطوائف والأعراق. في لبنان، فرضت سلطة الانتداب الفرنسي نظامًا طائفيًا في الحكم (توزيع المناصب على أساس طائفي) وأعطت صلاحيات واسعة للزعماء الدينيين. في العراق، فضل البريطانيون السنة على الشيعة والأكراد، مما خلق استياءً طائفيًا وعرقيًا تفاقم بعد الاستقلال. في سوريا، اعتمد الفرنسيون على الطوائف الأقلية (العلويين، الدروز، المسيحيين) في جيشهم وإدارتهم، مما زرع بذور الانقسامات التي انفجرت لاحقًا.
• سياسات الدولة القومية العربية (القمع والاستيعاب): بعد الاستقلال، تبنت الدول العربية أيديولوجيات قومية (القومية العربية، البعث، الناصرية) التي رفضت الاعتراف بالتنوع الطائفي والعرقي، واعتبرته "تخلفًا" و"مؤامرة استعمارية". تم قمع أي تعبير عن الهوية الكردية (في سوريا والعراق)، والأمازيغية (في المغرب والجزائر)، والطائفية (في مصر وسوريا والعراق)، باسم "الوحدة الوطنية". لكن هذا القمع لم يلغِ الهويات، بل دفعها تحت السطح، لتنفجر لاحقًا بعنف عندما ضعفت الدولة.
• ج. سياسات النيوليبرالية وتفكيك الدولة الاجتماعية (منذ 1980s-1990s): مع تطبيق سياسات التكيف الهيكلي والخصخصة، تراجعت قدرة الدولة على توزيع الثروة وتوفير الخدمات الأساسية. في غياب "الدولة الاجتماعية"، أصبح المواطنون يعتمدون بشكل أكبر على شبكاتهم الطائفية والعرقية والقبلية للحصول على فرص عمل، خدمات صحية، مساعدات، وحماية. هذا "التحول إلى القبيلة" أو "الطائفة" هو رد فعل على انسحاب الدولة، وليس عودة إلى "الجذور القديمة".
• د. التدخلات الإقليمية والدولية (توظيف الهويات): القوى الإقليمية (إيران، تركيا، السعودية، الإمارات، قطر، إسرائيل) والقوى الدولية (أمريكا، روسيا، الصين) تستخدم الهويات الطائفية والعرقية كأداة لتعزيز نفوذها. إيران تدعم الميليشيات الشيعية في لبنان والعراق وسوريا واليمن. تركيا تدعم السنة والتركمان. السعودية والإمارات تدعمان الجماعات السنية المعارضة للنفوذ الإيراني. إسرائيل تدعم الأكراد والدروز. هذا التدويل للصراعات الهوياتية يجعلها أكثر عنفًا وتعقيدًا.
ثانياً: الطائفية بين التسييس والتجييش 2.1 لبنان: نموذج "الدولة الطائفية" لبنان هو النموذج الأكثر تطرفًا في تسييس الطائفية. النظام السياسي اللبناني، كما أشرنا في الدراسة السابقة، قام على المحاصصة الطائفية منذ الاستقلال. لكن ما يجعل لبنان نموذجًا فريدًا هو أن الطائفية لم تبقَ مجرد أداة لتوزيع السلطة بين النخب، بل تغلغلت في كل مفاصل الدولة والمجتمع: القضاء (محاكم دينية للأحوال الشخصية لكل طائفة)، التعليم (مدارس خاصة لكل طائفة)، الإعلام (محطات وبرامج طائفية)، وحتى الحياة اليومية (زواج، إرث، سكن).
هذا التسييس الشامل للطائفية أنتج أربعة نتائج سلبية:
• تفكيك الهوية الوطنية: المواطن اللبناني لا يشعر بأنه "لبناني" قبل أن يكون "مارونيًا" أو "شيعيًا" أو "سنيًا". الهوية الوطنية ضعيفة ومجزأة.
• استمرار الزبونية السياسية: الزعماء الطائفيون يوزعون المناصب والخدمات والتراخيص على أتباعهم، مما يخلق شبكات فساد هائلة ويجعل المواطن "تابعًا" لزعيمه الطائفي.
• شلل الدولة في الأزمات: أي قرار مصيري (مثل انتخاب رئيس، تشكيل حكومة، إقرار موازنة) يحتاج إلى توافق طائفي، مما يجعل الدولة عاجزة عن اتخاذ قرارات سريعة وفعالة. هذا أدى إلى انهيار لبنان الاقتصادي والمالي 2019-2026.
• الاقتتال الأهلي الدوري: كل بضعة عقود، تنفجر التوترات الطائفية إلى حرب أهلية (1958، 1975-1990، 2008، وأزمة 2021-2022 التي كادت تتحول إلى حرب). هذه الحروب لا تحل المشكلة، بل تعيد إنتاجها بقوة.
تجربة لبنان تظهر أن الاعتراف بالتنوع الطائفي دون بناء مواطنة جامعة يؤدي إلى انهيار الدولة وإلى عنف دوري. الحل ليس إلغاء الاعتراف بالطوائف (وهو مستحيل عمليًا)، بل بناء مؤسسات دولة قوية ومواطنة متساوية تتجاوز الطائفية، مع احترام الحريات الدينية والثقافية.
2.2 العراق: من القمع البعثي إلى المحاصصة الطائفية العراق يقدم نموذجًا مختلفًا. تحت حكم حزب البعث (1968-2003)، تم قمع الهوية الشيعية والكردية بقسوة. الشيعة تم استبعادهم من المناصب العليا (رئاسة الجمهورية، الجيش، المخابرات كانت حكرًا على السنة)، وتم قمع مرجعياتهم الدينية (إعدام محمد باقر الصدر 1980، قمع انتفاضة 1991). الأكراد تعرضوا لحملات تهجير وتجفيف (حملة الأنفال 1988 التي قتل فيها ما يصل إلى 182,000 كردي). هذا القلم خلق استياءً هائلًا، لكنه لم يمنع ظهور هوية عراقية علمانية هشة بين قطاعات من المثقفين والطبقة الوسطى.
بعد الغزو الأمريكي 2003، تم تفكيك الدولة البعثية بالكامل (قرار حل حزب البعث، إقالة الجيش العراقي، إزالة البعثيين من الوظائف العامة). ثم تم بناء دولة جديدة على أساس "المحاصصة العرقية-الطائفية"، بمشاركة الأحزاب الدينية الشيعية (المجلس الأعلى الإسلامي، حزب الدعوة، التيار الصدري)، والأحزاب الكردية (الحزب الديمقراطي الكردستاني، الاتحاد الوطني الكردستاني)، والأحزاب السنية (التي قاطعتها في البداية ثم انخرطت لاحقًا). دستور 2005 كرس هذه المحاصصة.
النتيجة كانت كارثية من ثلاث جهات:
• دولة هشة ومستبدة في آنٍ واحد: هشة لأنها لا تسيطر على كامل أراضيها (وجود إقليم كردي شبه مستقل، وميليشيات موالية لإيران، وبقايا داعش). مستبدة لأنها قمعت الاحتجاجات السلمية (احتجاجات 2011، 2015، 2018، 2019) بوحشية، وأعدمت آلاف المعتقلين.
• فساد مستشري: المحاصصة تعني أن كل حزب طائفي أو عرقي يريد حصة أكبر من الثروة (النفط). هذا أدى إلى سرقة المال العام بشكل ممنهج. العراق يعتبر من أكثر دول العالم فسادًا (المرتبة 162 من 180 في مؤشر مدركات الفساد 2025).
• عنف طائفي وعرقي دائم: على الرغم من هزيمة داعش (2017)، لا تزال التوترات الطائفية والعرقية عالية. السنة يشعرون بالتهميش والإقصاء. الشيعة منقسمون بين تيارات متناحرة (الصدر، الإطار التنسيقي، الميليشيات الموالية لإيران). الأكراد يريدون استقلالًا كاملًا. والتركمان والمسيحيون واليزيديون والصابئة يعانون من التهميش والعنف.
تجربة العراق تظهر أن تفكيك الدولة القمعية دون بناء دولة ديمقراطية قائمة على المواطنة يؤدي إلى دولة هشة، فاسدة، وعنيفة، لا ترضي أيًا من المكونات.
2.3 مصر: تراجع الطائفية مقابل صعود الصراع الطبقي مصر تقدم نموذجًا مختلفًا ومثيرًا للاهتمام. فبالنسبة لدولة ذات أقلية قبطية كبيرة (حوالي 10-15% من السكان)، لم تشهد مصر حروبًا أهلية طائفية على غرار لبنان والعراق. لماذا؟
يمكن إرجاع ذلك إلى عدة عوامل:
• القومية العربية الناصرية (1950s-1960s): التي قدمت هوية جامعة (عربية، اشتراكية، علمانية) تجاوزت الطائفية، على الأقل بين المثقفين والطبقات الوسطى.
• سيطرة الدولة على المؤسسات الدينية (الأزهر، الكنيسة القبطية الأرثوذكسية): الدولة توظف رجال الدين وتتحكم في منابرهم، مما يحد من قدرتهم على التحريض الطائفي.
• غياب نظام المحاصصة الطائفية: على عكس لبنان والعراق، لا توجد مناصب "مخصصة" للأقباط (باستثناء عدد محدود من المقاعد البرلمانية). هذا يقلل من تسييس الطائفية كأداة للمحاصصة.
لكن هذا لا يعني أن الطائفية اختفت في مصر. هناك حوادث عنف طائفي بين الحين والآخر (هجمات على كنائس، نزاعات على أراضٍ، خطاب كراهية في وسائل الإعلام)، وهناك تمييز ضد الأقباط في الوظائف العامة والترقيات. لكن الطائفية لم تصبح المحور الرئيسي للصراع السياسي.
في المقابل، برز الصراع الطبقي بشكل حاد في مصر منذ 2011. احتجاجات 2011 كانت تطالب بـ"خبز، حرية، عدالة اجتماعية". احتجاجات 2013 كانت انقلابًا على الإخوان بدعم من قطاعات واسعة من الشباب والعمال والفلاحين والمسيحيين والنساء، لكن سرعان ما تحولت إلى ديكتاتورية عسكرية قمعية. منذ 2013، ارتفعت معدلات البطالة والفقر والتفاوت بشكل كبير، وانخفضت الأجور الحقيقية، وتراجعت الخدمات العامة. هذا أدى إلى موجة احتجاجات عمالية وفلاحية وشبابية مستمرة (مثل احتجاجات الحوامدية 2022، والإسكندرية 2023، وكفر الشيخ 2024)، لكنها تُقمع بوحشية.
تجربة مصر تظهر أن الوعي الطبقي يمكن أن يتجاوز الطائفية عندما تكون الدولة قوية بما يكفي لمنع تسييس الطوائف، لكن هذا لا يعني أن الدولة عادلة. فالدولة المصرية الحالية هي دولة بوليسية قمعية تخدم النخبة الرأسمالية، وتقمع أي صوت ناقد، سواء كان طائفيًا أم طبقيًا.
ثالثاً: العرقية: الأكراد والبربر كحالة دراسية 3.1 الأكراد: أمة بلا دولة تواجه الدولة القطرية القضية الكردية هي أقدم وأكبر قضية عرقية في الشرق الأوسط. الأكراد، الذين يبلغ تعدادهم حوالي 35-40 مليون نسمة، موزعون على أربع دول: تركيا (نحو 15 مليون)، إيران (نحو 8-10 ملايين)، العراق (نحو 6 ملايين)، سوريا (نحو 3 ملايين). على الرغم من أنهم يشتركون في لغة وثقافة وأصل، إلا أنهم منقسمون سياسيًا بين أحزاب متناحرة (حزب العمال الكردستاني PKK في تركيا، الحزب الديمقراطي الكردستاني KDP والاتحاد الوطني الكردستاني PUK في العراق، حزب الاتحاد الديمقراطي PYD في سوريا، الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني KDPI).
حركات التحرر الكردية مرت بمراحل متعددة: من التمردات المسلحة في تركيا (1984-حتى الآن)، إلى الحكم الذاتي في العراق (منذ 1991)، إلى الإدارة الذاتية في سوريا (منذ 2012). لكن على الرغم من هذه الإنجازات، لم يحقق الأكراد دولة مستقلة (بسبب المعارضة التركية والإيرانية والسورية والعراقية، وأيضًا بسبب انقساماتهم الداخلية).
التحولات الأخيرة في المنطقة أثرت على القضية الكردية بشكل كبير:
• في سوريا: الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية - قسد) تقدم نموذجًا فريدًا من اللامركزية الديمقراطية، القائمة على "الإقليمية" و"تعدد الثقافات" و"حقوق المرأة". لكن هذا النموذج يواجه تحديات كبيرة: الحصار الاقتصادي التركي، والتهديدات العسكرية التركية المتكررة، وعدم الاعتراف الدولي، والضغوط من النظام السوري.
• في العراق: إقليم كردستان العراق يتمتع بحكم شبه ذاتي، وله برلمان وحكومة وجيش (البشمركة). لكن الإقليم يعاني من فساد مستشري، صراع بين الحزبين الرئيسيين (KDP وPUK)، خلافات مع بغداد حول النفط والمناطق المتنازع عليها (كركوك، سنجار، خانقين)، وتدخل تركي وإيراني.
• في تركيا: الصراع بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني (PKK) مستمر منذ 1984، وأسفر عن أكثر من 40,000 قتيل. أردوغان، رغم تحسينه بعض الحقوق الثقافية للأكراد (السماح باللغة الكردية في الإعلام، فتح قنوات حوار)، إلا أنه قمع بشدة حزب الشعوب الديمقراطي (HDP) واتهمه بـ"الإرهاب"، واعتقل آلاف الكرد.
• في إيران: الأكراد يعانون من التهميش والقمع، خاصة بعد احتجاجات 2022 ("امرأة، حياة، حرية") التي شارك فيها أكراد بقوة. الحرس الثوري الإيراني يقصف مناطق كردية باستمرار، ويعتقل وينفذ نشطاء أكراد.
• القضية الكردية هي تجسيد لصراع الهويات العرقية في الشرق الأوسط: أمة بلا دولة تواجه أربع دول قطرية ترفض الاعتراف بحقها في تقرير المصير. الحل ليس بالضرورة دولة كردية مستقلة (وهو أمر صعب جيوسياسيًا)، لكنه يتطلب اعترافًا بحقوق الأكراد الثقافية والسياسية داخل الدول القائمة (لامركزية، لغات رسمية، تمثيل عادل، تنمية اقتصادية).
3.2 الأمازيغ (البربر): صراع الهوية في شمال أفريقيا الأمازيغ (أو البربر) هم السكان الأصليون لشمال أفريقيا، ويمتد وجودهم من واحة سيوة في مصر إلى المحيط الأطلسي في المغرب. يقدر عددهم بحوالي 30-40 مليون نسمة، يتركزون في المغرب والجزائر، مع وجود أقلية في تونس وليبيا وموريتانيا ومصر (سيوة). على الرغم من تعريبهم وتبنيهم الإسلام، إلا أنهم حافظوا على لغتهم (تامازيغت) وثقافتهم وهويتهم.
لفترة طويلة، تم قمع الهوية الأمازيغية من قبل الدول القومية العربية. في المغرب، تحت حكم الحسن الثاني (1961-1999)، كان تعليم اللغة الأمازيغية محظورًا، وكان النشطاء الأمازيغ يتعرضون للملاحقة. في الجزائر، كانت سياسة "العروبة" (تحت حكم حزب جبهة التحرير الوطني) تهدف إلى طمس الهوية الأمازيغية، مما أدى إلى "الربيع الأمازيغي" 1980 واحتجاجات 2001 ("الربيع الأسود") التي قمعتها السلطات بقسوة.
لكن منذ العقد الأول من القرن 21، تغيرت السياسات بشكل كبير، وذلك بسبب عدة عوامل: الضغط الأمازيغي المستمر، وصعود الوعي الأمازيغي عبر الإنترنت، واحتياج الدول إلى تعزيز الوحدة الوطنية في مواجهة الإسلام السياسي. في المغرب، تم إقرار دستور 2011 الذي يعترف بالأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب العربية. في الجزائر، تم إقرار دستور 2016 الذي يعترف بالأمازيغية كلغة رسمية أيضًا. في تونس وليبيا، تم تحسين وضع اللغة الأمازيغية بشكل محدود.
رغم هذه المكاسب، لا تزال الهوية الأمازيغية تواجه تحديات:
• تطبيق القوانين بطيء وغير كافٍ (في المغرب، لا تزال المدارس تدرس بالعربية والفرنسية فقط، والإذاعة الأمازيغية ضعيفة التمويل).
• معارضة من التيارات العربية والإسلامية المتطرفة التي تعتبر الأمازيغية "تهديدًا للوحدة الوطنية" أو "بدعة".
• انقسام بين الأمازيغ أنفسهم بين من يطالبون بـ"ثقافة أمازيغية" ضمن دولة عربية-إسلامية، ومن يطالبون بـ"أمة أمازيغية" مستقلة (وهو تيار هامشي جدًا).
تجربة الأمازيغ تظهر أن صراع الهويات العرقية يمكن أن يُحل سلميًا عبر الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية والسياسية، دون الوصول إلى العنف المسلح. وهذا يقدم أملًا في إمكانية إدارة التنوع العرقي في المنطقة بطرق ديمقراطية.
رابعاً: الطبقة والهوية: جدلية التكامل والصراع 4.1 هل يتعارض الوعي الطبقي مع الوعي الهوياتي؟ واحدة من أعمق الإشكاليات في تحليل المجتمعات العربية هي العلاقة بين الصراع الطبقي والصراع الهوياتي (طائفي، عرقي). هناك ثلاث نظريات رئيسية:
• النظرية الماركسية الكلاسيكية: ترى أن الصراع الطبقي (بين البرجوازية والبروليتاريا) هو الصراع الأساسي، وأن الصراعات الهوياتية (القومية، الدينية، العرقية) هي "وعي زائف" (False Consciousness) تغرسه النخب الحاكمة لتقسيم الطبقة العاملة وإضعافها. لذلك، الحل هو بناء وعي طبقي جامع يتجاوز الانقسامات الهوياتية.
• النظرية ما بعد الكولونيالية: ترى أن الصراعات الهوياتية ليست "زائفة"، بل هي نتاج حقيقي للاستعمار والتهميش. فالأقليات (كالأكراد، الأمازيغ، الأقباط، الشيعة) عانت من قمع حقيقي، ولا يمكن اختزال هذا القمع إلى "صراع طبقي". لذلك، النضال من أجل حقوق الهوية (اللغوية، الثقافية، السياسية) هو نضال مشروع في حد ذاته.
• النظرية التركيبية: ترى أن الصراع الطبقي والصراع الهوياتي ليسا بديلين، بل يتفاعلان بطرق معقدة. ففي بعض الحالات، يتطابقان (مثلاً، الفقراء الشيعة في لبنان والعراق هم أيضًا مهمشون طائفيًا). وفي حالات أخرى، يتناقضان (مثلاً، أغنياء الشيعة في لبنان (حزب الله، حركة أمل) يدافعون عن مصالحهم الطبقية ضد الفقراء الشيعة). والمطلوب هو بناء تحالفات بين الفقراء والمهمشين من كل الطوائف والأعراق، دون إنكار خصوصياتهم الهوياتية.
هذه الدراسة تتبنى النظرية التركيبية. فاحتجاجات العراق 2019 ولبنان 2019 والسودان 2018-2019 أظهرت أن الجماهير قادرة على تجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية مؤقتًا، عندما يكون العدو المشترك هو الفساد والبطالة والتفاوت. لكن هذه الوحدة المؤقتة تصطدم بعقبتين:
• النخب السياسية تستعيد السيطرة عبر إعادة تفعيل الانقسامات الهوياتية (كما حدث في لبنان والعراق بعد قمع الاحتجاجات).
• غياب برنامج سياسي بديل واضح يتحدث بلغة الطبقة مع احترام الهويات.
لذلك، فإن بناء وعي طبقي قادر على تجاوز الهويات يتطلب:
• تنظيمات مستقلة (نقابات، أحزاب، جمعيات) تعبر عن المصالح الطبقية المشتركة، وتعمل في نفس الوقت على حماية حقوق الأقليات.
• خطاب سياسي يشرح كيف أن الفقر والبطالة والتفاوت لا يفرقون بين طائفة وأخرى، وكيف أن النخب الحاكمة تستغل الطائفية لصرف الانتباه عن النهب الطبقي.
• تحالفات عابرة للهويات في الميدان (احتجاجات مشتركة، إضرابات موحدة، مقاطعة منتجات).
4.2 أمثلة على التقاطع الطبقي-الهوياتي أ. احتجاجات العراق 2019 (تشرين) : المتظاهرون، ومعظمهم من الشباب الشيعة في مدن الجنوب، رفعوا شعارات وطنية مدنية ("نريد وطن"، "لا شيعي ولا سني، وطني عراقي"). هذا كان تعبيرًا عن وعي طبقي: الفقراء الشيعة أدركوا أن حكامهم الشيعة (الذين يسيطرون على الدولة منذ 2005) ينهبون الثروة ويتركونهم جوعى. لكن الاحتجاجات قمعت، وعادت الطائفية لتسيطر.
ب. احتجاجات لبنان 2019 (ثورة 17 تشرين) : المتظاهرون رفعوا شعار "كلن يعني كلن" (كل الطوائف فاسدة)، مما أظهر وعيًا طبقيا يتجاوز الطائفية. لكن سرعان ما عادت الطائفية بقوة، واستولى حزب الله والتيار الوطني الحر على الاحتجاجات، وحولوها إلى صراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل. النتيجة: انهيار لبنان اقتصاديًا وسياسيًا.
ج. احتجاجات السودان 2018-2019 : السودان بلد متنوع عرقيًا (عرب، أفارقة، نوبيون، بجا) ودينيًا (مسلمون، مسيحيون، أديان تقليدية). الاحتجاجات التي أطاحت بالبشير رفعت شعارات وطنية مدنية ("حرية، سلام، عدالة")، وشاركت فيها جميع المكونات. لكن بعد سقوط البشير، انقلب الجيش (أكتوبر 2021)، وعادت الانقسامات العرقية والجهوية إلى الواجهة، وتحول السودان إلى حرب أهلية (من أبريل 2023 حتى الآن). هذه الحرب هي نموذج مأساوي لتفكك الدولة وعودة الصراعات العرقية-الجهوية.
هذه الأمثلة تظهر أن الوعي الطبقي يمكن أن ينبثق في لحظات الأزمات، لكنه يحتاج إلى تنظيمات وأحزاب وإعلام وبرامج بديلة ليستمر ويتحول إلى قوة سياسية دائمة. بدون هذه البنى، سرعان ما تستعيد النخب السيطرة، وتعيد تفعيل الانقسامات الهوياتية.
خامسة: نحو تجاوز صراع الهويات: شروط وآفاق 5.1 دروس من التجارب من خلال تحليل تجارب الطائفية (لبنان، العراق، مصر)، والعرقية (الأكراد، الأمازيغ)، والجدلية الطبقي-الهوياتي (احتجاجات العراق ولبنان والسودان)، يمكن استخلاص عدة دروس:
• الهويات ليست جوهرية ولا أبدية، بل هي نتاج سياسات وتاريخ. لذلك، يمكن تغييرها عبر سياسات جديدة تعترف بالتنوع وتضمن الحقوق المتساوية.
• قمع الهويات يزيدها عنفًا، والاعتراف بها (بحدود) يقلل التوترات. تجربة الأمازيغ (سلمية نسبيًا) أفضل من تجربة الأكراد (عنيفة) لأن الدول المغاربية اعترفت بحقوقهم بشكل أكبر من الدول التي يعيش فيها الأكراد.
• المواطنة المتساوية هي المخرج الوحيد من صراع الهويات. المواطنة لا تلغي الهويات، لكنها تخلق إطارًا مشتركًا للحقوق والواجبات يتجاوزها.
• لا مواطنة بدون دولة قوية ديمقراطية. الدولة الهشة أو الاستبدادية لا تستطيع حماية المواطنين ولا توزيع الثروة ولا إدارة التنوع. الدولة المطلوبة هي دولة قانون، فصل سلطات، لامركزية، احترام حقوق الإنسان.
• الوعي الطبقي هو حليف للمواطنة، وليس عدوًا للهوية. الفقراء والمهمشون من كل الطوائف والأعراق لديهم مصالح مشتركة: التعليم، الصحة، العمل، السكن، الضمان الاجتماعي. بناء تحالفات طبقية عابرة للهويات هو الطريق الوحيد لكسر احتكار النخب وتجاوز الصراعات الهوياتية.
5.2 آفاق المستقبل مستقبل صراع الهويات في الشرق الجديد يعتمد على عدة متغيرات:
• استمرار هشاشة الدولة (كما في لبنان، العراق، ليبيا، اليمن، سوريا) سيؤدي إلى تفاقم الصراعات الهوياتية، وتفكك الدولة إلى دويلات طائفية وعرقية، وتدخل خارجي أعمق.
• تعزيز الدولة الاستبدادية (كما في مصر، تونس بعد الانقلاب، الجزائر، المغرب) قد يقلل من الصراع الهوياتي المفتوح، لكنه سيزيد من القمع والاستياء، وقد ينفجر لاحقًا بشكل عنيف.
• الإصلاحات الديمقراطية الحقيقية (وهي السيناريو الأقل احتمالًا حاليًا) قد تخلق فضاءً لحل سلمي للصراعات الهوياتية، عبر اللامركزية، والاعتراف بالحقوق الثقافية، والمواطنة المتساوية، والعدالة الاجتماعية.
في كل الأحوال، لن تعود المنطقة إلى "نموذج الدولة القومية" التي سادت في 1950-1970 (قمع الهويات باسم الوحدة الوطنية)، كما لن تتحول إلى "نموذج الدولة الطائفية" على الطريقة اللبنانية أو العراقية. المستقبل سيكون مزيجًا معقدًا من الاعتراف بالتنوع، وضعف الدولة، والصراع الطبقي، والتدخلات الخارجية. مهمة الباحثين والمفكرين والنشطاء هي المساهمة في بناء وعي نقدي يتجاوز ثنائية "الهوية القاتلة" و"الوعي الطبقي الوهمي"، نحو مشروع تحرري يشمل الجميع: فقراء الشيعة والسنة، الأكراد والعرب، الأمازيغ والأفارقة، النساء والرجال، الشباب والشيوخ. مشروع لا يعد بالجنة، لكنه يعد بالكرامة والحرية والخبز.
الخاتمة صراع الهويات في الشرق الأوسط ليس قدرًا محتومًا، ولا هو "صراع حضارات" أبدي. إنه نتاج سياسات استعمارية، وقمع قومي، ونيوليبرالية مفككة للدولة، وتدخلات إقليمية ودولية. الطائفية والعرقية أعيد إنتاجها كأدوات للسيطرة في ظل تراجع الدولة القومية وتفكك العقد الاجتماعي. لكن في اللحظات التي ينهض فيها الفقراء والمهمشون (كما في احتجاجات 2011، 2019، 2023-2026)، يتجاوزون مؤقتًا هذه الانقسامات، ويطالبون بالخبز والحرية والكرامة. هذه اللحظات هي الأمل الوحيد لتجاوز صراع الهويات نحو مشروع سياسي جامع.
الحل ليس في إنكار الهويات أو قمعها، بل في الاعتراف بها كجزء من التنوع الإنساني، وفي نفس الوقت بناء مواطنة متساوية تضمن الحقوق للجميع دون تمييز. وهذا يتطلب دولة ديمقراطية قوية، ومجتمعًا مدنيًا فاعلاً، ووعيًا طبقيًا قادرًا على رؤية العدو المشترك (النخب الفاسدة، رأس المال المتوحش، الإمبريالية) بدل الانشغال بالصراعات الداخلية. الطريق طويل وشاق، لكنه ليس مستحيلاً.
قائمة المراجع المراجع العربية:
• الأمين، حسن. (2021). الطائفية في لبنان: جذورها وتطوراتها. مركز دراسات الوحدة العربية.
• البياتي، حميد. (2020). العراق الجديد: المحاصصة الطائفية والدولة الهشة. دار المدى.
• جلبي، محمد. (2019). القضية الكردية في الشرق الأوسط: من التهميش إلى الحكم الذاتي. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
• شقرون، مصطفى. (2022). الأمازيغ والهوية في شمال أفريقيا: من القمع إلى الاعتراف. دار الأمان.
• الصفدي، رامز. (2018). الصراع الطبقي والصراع الطائفي: جدلية العلاقة في المجتمعات العربية. مجلة الدراسات الفلسطينية، 29(3)، 45-78.
• عطوان، عبد الباري. (2023). انتفاضات الجياع: الطبقة والهوية في الربيع العربي. دار الساقي.
• فخرو، نبيل. (2024). تجاوز الطائفية: نحو مواطنة متساوية في لبنان. مركز كارنيغي للشرق الأوسط.
المراجع الأجنبية:
• Anderson, B. (2006). Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism (Revised ed.). Verso. (Original work published 1983)
• Brubaker, R. (2004). Ethnicity without Groups. Harvard University Press.
• Fanon, F. (1963). The Wretched of the Earth. Grove Press.
• Gellner, E. (1983). Nations and Nationalism. Cornell University Press.
• Hall, S. (1996). Who Needs Identity? In S. Hall & P. du Gay (Eds.), Questions of Cultural Identity. Sage Publications.
• Huntington, S. P. (1996). The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. Simon & Schuster.
• Makdisi, U. (2000). The Culture of Sectarianism: Community, History, and Violence in Nineteenth-Century Ottoman Lebanon. University of California Press.
• Tripp, C. (2013). A History of Iraq (3rd ed.). Cambridge University Press.
• White, J. B. (2018). The Kurdish National Movement: New Perspectives. University of Texas Press.
ما بعد "لاهوت السوق": تحولات الخطاب الديني في عصر النيوليبرالية العربية بقلم الأستاذ الباحث: محمد أحمد الصغير علي عيد باحث مستقل
الملخص تتناول هذه الدراسة التحولات العميقة التي طرأت على الخطاب الديني في العالم العربي تحت تأثير هيمنة النموذج النيوليبرالي، الذي سبق لنا تحليله في دراسة "لاهوت السوق". تفترض الورقة أن النيوليبرالية لم تؤد فقط إلى إعادة هيكلة الاقتصاد والسياسة، بل أعادت أيضًا تشكيل طبيعة الخطاب الديني ووظائفه الاجتماعية. فبعد أن كان الخطاب الديني التقليدي (سواء الإسلامي أو المسيحي) يقدم نفسه كبديل شامل للنظام الرأسمالي أو كمنظومة أخلاقية مقاومة، تحول في العقود الأخيرة إلى خطاب توافقي يكرس القيم النيوليبرالية (المنافسة، ريادة الأعمال، المسؤولية الفردية، الازدهار المادي كدليل على البركة الإلهية). تعتمد الدراسة على منهج تحليلي نقدي يراجع الأدبيات الحديثة حول "الإسلام النيوليبرالي"، و"بروسبيريتي جوسبل" (إنجيل الازدهار) في السياق المسيحي العربي، وتيارات "الروحانية الجديدة" التي تزاوج بين التنمية الذاتية والتصوف الشرقي. تخلص الدراسة إلى أن "لاهوت السوق" لم يلغِ الدين، بل أعاد إنتاجه في صورة تتوافق مع متطلبات الرأسمالية المعاصرة، محولاً المؤمن من "عبد لله" إلى "مقاول ذات" يسعى إلى "الخلاص" عبر النجاح المادي. في المقابل، تبرز تيارات دينية مضادة تتبنى خطابًا نقديًا للرأسمالية، لكنها تظل هامشية في الفضاء العام.
مقدمة في دراسة سابقة بعنوان "لاهوت السوق"، حللنا كيف تحولت النيوليبرالية من مجرد سياسات اقتصادية إلى عقيدة شاملة تقدم السوق كـ"إله" له صفات مطلقة. لكن السؤال الذي ظل مفتوحًا هو: ماذا حدث للخطاب الديني التقليدي (الإسلامي والمسيحي) في ظل هيمنة هذا "الإله" الجديد؟ هل تراجع الدين وتلاشى في الفضاء العام، كما توقع منظرو العلمنة الكلاسيكيون؟ أم أنه تحول وتكيف مع النموذج الجديد؟
تشير الأدلة الميدانية والدراسات الحديثة إلى أن الدين لم يتراجع، بل تغير. ففي العقود الأخيرة، وخاصة في أعقاب حراكات 2011 وفشل المشاريع السياسية الإسلامية، برزت أشكال جديدة من التدين تتوافق بشكل مدهش مع القيم النيوليبرالية. لم يعد الخطاب الديني يدعو بالضرورة إلى مقاومة الرأسمالية أو بناء "الدولة الإسلامية"، بل أصبح يقدس "ريادة الأعمال"، و"التنمية البشرية"، و"الازدهار المادي" كدليل على رضا الله (أو المسيح)، و"المسؤولية الفردية" كطريق إلى الخلاص.
هذه الظاهرة، التي يمكن تسميتها بـ "تحول الخطاب الديني في عصر النيوليبرالية" ، هي محور هذه الدراسة. سنحاول فيها تحليل ثلاث تجليات رئيسية لهذا التحول:
• الإسلام النيوليبرالي (Neoliberal Islam): وهو الخطاب الذي يزاوج بين القيم الإسلامية وآليات السوق، ويقدم النجاح الاقتصادي كعبادة.
• إنجيل الازدهار (Prosperity Gospel) في السياق المسيحي العربي: وهو الخطاب الذي يعلّم أن الإيمان والصلاة والصدقة هما مفتاح الثروة والصحة.
• الروحانية الجديدة (New Spirituality): وهي تيارات صوفية وهندوسية وشرقية معاصرة تقدم "السلام الداخلي" و"التوازن" و"الطاقة الإيجابية" كأدوات لتحسين الأداء في سوق العمل.
سنسعى في النهاية إلى الإجابة عن سؤالين: كيف أعادت النيوليبرالية إنتاج الدين في صورتها؟ وما هي إمكانيات وجود خطاب ديني نقدي للرأسمالية في العالم العربي اليوم؟
أولاً: من "مقاومة الرأسمالية" إلى "ريادة الأعمال الإسلامية" 1.1 التحول التاريخي للإسلام السياسي عند الحديث عن العلاقة بين الإسلام والرأسمالية، لا بد من التمييز بين مرحلتين رئيسيتين:
• مرحلة النقد والمواجهة (19601990-) : في هذه المرحلة، قدم منظرو الإسلام السياسي (مثل سيد قطب، وأبو الأعلى المودودي، ومحمد باقر الصدر) خطابًا نقديًا حادًا للرأسمالية الغربية وللاشتراكية المادية على حد سواء. بالنسبة لقطب، الرأسمالية هي "عبادة المال" والجشع، والإسلام هو الحل الثالث الذي يحقق العدالة الاجتماعية ويوزع الثروة بشكل عادل. أما الصدر، فقدم في كتابه "اقتصادنا" نقدًا ماركسيًا للرأسمالية من منظور إسلامي، داعيًا إلى نظام اقتصادي إسلامي قائم على الزكاة والربا والخمس.
في هذه المرحلة، كان الخطاب الإسلامي يقدم نفسه كبديل شامل للرأسمالية. وكان "السوق" يُنظر إليه كميدان للاستغلال وليس كـ"إله". كان الهدف هو بناء "دولة إسلامية" تتدخل في الاقتصاد لتحقيق العدالة.
• ب. مرحلة التوافق والتحول (2000 - حتى الآن) : مع فشل المشاريع الإسلامية في الحكم (كما في السودان، أفغانستان، ومصر لفترة قصيرة)، ومع صعود النيوليبرالية كعقيدة اقتصادية مهيمنة عالميًا، بدأ الخطاب الإسلامي يتحول تدريجيًا من نقد الرأسمالية إلى التكيف معها. هذا التحول تجلى في عدة مظاهر:
ظاهرة "التمويل الإسلامي" (Islamic Finance) : البنوك الإسلامية، والصكوك، والتأمين التكافلي، كلها أمثلة على محاولة "أسلمة" الآليات الرأسمالية بدلاً من استبدالها. فبدلاً من إلغاء الربا (الذي يعتبر جوهر الرأسمالية)، تم "تحويله" إلى "مرابحة" و"مشاركة" و"إجارة"، وهي عقود تحقق نفس النتيجة الاقتصادية (فائدة على رأس المال) لكن بصيغة شرعية.
خطاب "ريادة الأعمال الإسلامية" : برز في العقد الأخير خطاب جديد يشجع الشباب المسلم على "ريادة الأعمال" و"الابتكار" و"التنمية البشرية" كأنها "عبادة". فمؤتمرات مثل "الإسلام وريادة الأعمال" و"الحلال إيكونومي" تقدم السوق كحل للبطالة والفقر، وتحمّل الفرد مسؤولية نجاحه أو فشله (وهو جوهر الأخلاق النيوليبرالية).
"الإنسانية الإسلامية" (Islamic Humanitarianism) : تحولت المنظمات الخيرية الإسلامية الكبرى (مثل الهلال الأحمر القطري، الندوة العالمية للشباب الإسلامي) من العمل على "تغيير الأنظمة" إلى تقديم خدمات إغاثية ومساعدات تنموية، تتوافق مع أجندة المنظمات الدولية (الأمم المتحدة، البنك الدولي). هذا "التنموية" الإسلامية هي تجسيد لـ"لاهوت السوق" في العمل الخيري: حلول فردية ومساعدة مؤقتة بدلاً من معالجة الأسباب الهيكلية للفقر.
1.2 الإسلام النيوليبرالي في تركيا وإندونيسيا: نماذج للتأمل في تركيا، قدمت تجربة حزب العدالة والتنمية (2002-2023) نموذجًا لما يمكن تسميته بـ"الإسلام النيوليبرالي". فمن ناحية، كان الحزب محافظًا اجتماعيًا ودينيًا (رفع الحظر عن الحجاب، إنشاء مدارس إمام خطيب، خطاب أخلاقي). ومن ناحية أخرى، طبق سياسات اقتصادية نيوليبرالية (خصخصة واسعة، تحرير الأسواق، جذب الاستثمار الأجنبي، تقليص دور الدولة في الرعاية الاجتماعية). النتيجة كانت نموًا اقتصاديًا سريعًا، لكنه صاحبه تفاقم التفاوت الاجتماعي، وتآكل حقوق العمال، واقتصاد "البناء" القائم على المضاربة العقارية والديون الخارجية.
في إندونيسيا، ظاهرة مشابهة: صعود "الإسلام الوسطي" (Islam Moderat) الذي يدعم الديمقراطية والسوق، ويتجنب الصدام مع الغرب. الأحزاب الإسلامية الإندونيسية تتبنى سياسات نيوليبرالية، وتتنافس على جذب الاستثمار الأجنبي، وتدعم خصخصة المؤسسات العامة.
هذان النموذجان يوضحان كيف يمكن للخطاب الإسلامي أن يتوافق مع "لاهوت السوق" بل ويقدس آلياته. لم يعد السوق عدوًا، بل أصبح حليفًا. ولم يعد النجاح الاقتصادي مشبوهًا، بل أصبح علامة على "بركة الله".
1.3 التيارات النقدية الهامشية: هل من بديل؟ لكن ليس كل الخطاب الإسلامي تحول إلى "نيوليبرالي". هناك تيارات نقدية هامشية تحاول استعادة روح النقد الاجتماعي للإسلام السياسي القديم. هذه التيارات (التي يمكن تسميتها بـ"الإسلام اليساري" أو "الإسلام التحرري") تنتقد التمويل الإسلامي باعتباره "حيلة شرعية" لإضفاء القداسة على الربا، وتدعو إلى إعادة توزيع الثروة عبر الزكاة، وإقامة نظام اقتصادي تعاوني قائم على المشاركة الحقيقية. لكن هذه الأصوات تظل هامشية في الفضاء العام، وتواجه صعوبات كبيرة في التأثير، خاصة مع تراجع الاهتمام بـ"الإسلام السياسي" بعد إخفاقاته في الحكم.
ثانياً: إنجيل الازدهار: الوجوه المسيحية للنيوليبرالية 2.1 ما هو إنجيل الازدهار؟ إنجيل الازدهار (Prosperity Gospel) هو لاهوت مسيحي بروتستانتي يعلّم أن الإيمان بالمسيح، والصلوات، والتبرعات (العشور) هي مفاتيح للثروة والصحة والنجاح المادي. باختصار: "الله يريدك غنيًا". هذا اللاهوت انتشر بقوة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وجنوب شرق آسيا، ووصل إلى العالم العربي عبر القنوات الفضائية والإنترنت.
في صميم إنجيل الازدهار، توجد "عقيدة البذرة" (Seed-Faith): كما تزرع بذرة وتحصد محصولاً، كذلك تبرعك المالي (بذرتك) سيؤدي إلى حصاد مالي مضاعف من الله. الخطاة والفقراء هم فقط من يعانون بسبب نقص إيمانهم. هذا الخطاب هو تجسيد مثالي لـ"لاهوت السوق": يحوّل العلاقة مع الله إلى علاقة تعاقدية (أعط لأخذ)، ويحمّل الفرد المسؤولية الكاملة عن فقره (لأن إيمانه ضعيف)، ويقدس الثروة كعلامة على البركة الإلهية.
2.2 إنجيل الازدهار في السياق المسيحي العربي في مصر، ولبنان، وسوريا، والأردن، وفلسطين، تنتشر الكنائس الإنجيلية والخمسينية التي تتبنى خطاب إنجيل الازدهار. هذه الكنائس تجذب بشكل خاص الشباب والطبقات الوسطى المتراجعة التي تبحث عن أمل مادي وروحاني في آنٍ واحد. في أوقات الأزمات الاقتصادية، يزداد الإقبال على هذه الكنائس، لأنها تَعِدُ بحل سحري (الصلاة والبركة) للمشاكل المادية.
في مصر، على سبيل المثال، برزت كنائس مثل "كاسلية الإيمان" و"الكنيسة الإنجيلية بالزمالك" التي تقدم خطابًا يركز على "الرخاء"، "النجاح"، و"التنمية البشرية". هذه الكنائس تنظم مؤتمرات وندوات عن "ريادة الأعمال المسيحية" و"الاستثمار الآمن"، وتستقطب رجال أعمال ومشاهير.
لكن هذا الخطاب لا يخلو من النقد. ينتقد لاهوتيون مسيحيون (خاصة في الكنائس التاريخية مثل الأرثوذكسية والكاثوليكية) إنجيل الازدهار باعتباره "بدعة"، و"تسويقًا للإيمان"، و"تبريرًا للجشع باسم المسيح". لكن هذه الأصوات النقدية تظل هامشية مقارنة بجاذبية خطاب الازدهار.
ثالثاً: الروحانية الجديدة: من "الإيمان بالله" إلى "إدارة الذات" 3.1 صعود الروحانية العلمانية بالتوازي مع تحولات الخطاب الإسلامي والمسيحي، برزت في العقود الأخيرة "روحانية جديدة" (New Spirituality) لا ترتبط بدين معين، بل تمزج بين عناصر من التصوف الإسلامي (الصوفية)، والبوذية (التأمل، اليوجا)، والهندوسية (التشاكرا، الطاقة)، والفكر الجديد (New Thought). هذه الروحانية الجديدة تخاطب فردًا معزولاً، قلقًا، يسعى إلى "السلام الداخلي" و"التوازن" و"السعادة" في عالم متسارع ومضطرب.
ما يجعل هذه الروحانية "نيوليبرالية" هو أنها تركز بشكل كبير على "إدارة الذات" (Self-management). فبدلاً من تغيير النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يسبب القلق والضغط، تعلمك هذه الروحانية كيف تتأقلم معه، كيف تهدئ أعصابك، كيف تزيد "طاقتك الإيجابية" لتكون أكثر إنتاجية في العمل. إنها "حبوب الهلوسة الروحية" للرأسمالية المعاصرة.
3.2 الروحانية الجديدة في العالم العربي في العالم العربي، تنتشر هذه الروحانية الجديدة بشكل متزايد بين الطبقات الوسطى والعليا المتعلمة، خاصة عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي. مدربو "التنمية البشرية"، و"كوتشز الحياة"، وخبراء "اليوجا" و"التأمل"، يقدمون محتوى باللغة العربية يجمع بين الاقتباسات الدينية (من القرآن والإنجيل) ومبادئ علم النفس الإيجابي وقوانين الجذب.
هذه الظاهرة لم تدرس بعد بشكل كافٍ في الأوساط الأكاديمية العربية، لكن الدراسات الأولى تشير إلى أنها تنتشر في مصر ولبنان والإمارات والسعودية. بعض الأسماء المعروفة في هذا المجال (مثل الدكتورة إيمان عبد الله، وخالد المنيف، ودينا المصري) يتابعهم ملايين العرب على وسائل التواصل، ويقدمون ورش عمل وبرامج مدفوعة الثمن لـ"تطوير الذات" و"جذب المال والنجاح".
هذه الروحانية الجديدة هي التجسيد الأكثر تطورًا لـ"لاهوت السوق": إنها لا تحتاج إلى إله خارجي، بل تجعل الإنسان نفسه "إلهًا" قادرًا على خلق واقعه عبر أفكاره وطاقته الإيجابية. إنها الدين النهائي للفردانية النيوليبرالية.
رابعاً: نقد تحول الخطاب الديني: بين التكيف والمقاومة 4.1 هل يخدم الدين النيوليبرالية؟ التحليل السابق يظهر أن التيارات الدينية السائدة (الإسلامية، المسيحية، الروحانية الجديدة) لم تقاوم النيوليبرالية، بل تكيفت معها وأعادت إنتاج قيمها الأساسية: الفردانية، المسؤولية الشخصية، المنافسة، السوق كحل. يمكن تلخيص آليات هذا التكيف في ثلاث نقاط:
إضفاء القداسة على النجاح الاقتصادي: الثروة لم تعد مشبوهة، بل أصبحت علامة على رضا الله (أو الكون). الفقر لم يعد ظلمًا اجتماعيًا، بل نتيجة قلة الإيمان أو الجهد.
تحويل العبادة إلى أدوات لتحسين الأداء: الصلاة والتألم والصدقة أصبحت وسائل لتحقيق "السلام الداخلي" أو "جذب البركة" أو "زيادة الإنتاجية"، وليس غايات في حد ذاتها.
تفكيك التضامن الاجتماعي: بدلاً من الدعوة إلى العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة، يركز الخطاب الديني الجديد على "مساعدة النفس" (Self-help) والصدقات الفردية، مما يضعف المطالبة بسياسات عامة عادلة.
4.2 هل من خطاب ديني نقدي ممكن؟ لكن ليس كل الخطاب الديني تحول إلى "نيوليبرالي". هناك تيارات نقدية هامشية تستحق الاهتمام:
في الإسلام: تيارات "الإسلام اليساري" (مثل حركة العدالة الاجتماعية في مصر، وتيار "الإسلام والإنسانية" في تونس) تحاول إعادة قراءة النصوص الإسلامية في ضوء قضايا العدالة الاقتصادية وحقوق العمال والبيئة. هذه التيارات تنتقد التمويل الإسلامي كحيلة رأسمالية، وتدعو إلى إعادة توزيع الثروة عبر الزكاة والضرائب التصاعدية.
في المسيحية: "لاهوت التحرير" (Liberation Theology)، رغم أنه تراجع في العالم العربي، إلا أن بعض الكنائس البروتستانتية والكاثوليكية في فلسطين ومصر تحاول استعادة روحه النقدية، من خلال الدفاع عن حقوق الفقراء والمضطهدين.
في الروحانية الجديدة: تيارات "الروحانية النقدية" التي لا تكتفي بـ"السلام الداخلي"، بل تحاول ربط الوعي الفردي بالنضال الاجتماعي من أجل العدالة والمساواة.
لكن هذه التيارات النقدية تواجه تحديات جمة: نقص التمويل، قلة الاهتمام الإعلامي، وتهميشها من قبل التيارات السائدة (الموالية للنظام أو للسوق). ومع ذلك، فهي تمثل أملًا في إمكانية وجود خطاب ديني يتجاوز "لاهوت السوق" نحو رؤية أخلاقية أكثر عدلاً وإنسانية.
الخاتمة ما بعد "لاهوت السوق" لا يعني نهاية الدين، بل تحوله. لقد نجحت النيوليبرالية في إعادة إنتاج الدين في صورتها: إسلامًا يقدس ريادة الأعمال والتمويل الإسلامي، ومسيحية تعد بالازدهار المادي، وروحانية جديدة تحول التأمل إلى أداة لتحسين الأداء الوظيفي. هذه التحولات تجعل الدين "مريحًا" للرأسمالية، لأنه يحمّل الفرد مسؤولية فقره وفشله، ويصرفه عن النضال من أجل العدالة الاجتماعية، ويقدم حلولاً فردية (صلاة، تبرع، تأمل) لمشاكل هيكلية.
لكن هذا التوافق ليس نهائيًا. فالأزمات المتكررة للرأسمالية (من 2008 إلى 2026)، وتفاقم التفاوت، والتغير المناخي، كلها تخلق أرضية خصبة لظهور خطابات دينية نقدية جديدة. السؤال هو: هل ستنجح هذه الخطابات في اختراق الفضاء العام وتقديم بديل حقيقي، أم ستبقى هامشية في مواجهة آلة "لاهوت السوق" الإعلامية والاقتصادية؟ المستقبل وحده كفيل بالإجابة. لكن الأكيد أن الصراع القادم لن يكون بين "الدين" و"العلمانية" فقط، بل بين "دين السوق" و"أديان العدالة".
قائمة المراجع المراجع العربية:
أبو زيد، نصر حامد. (1999). الإسلام والسياسة: نقد الخطاب الديني. دار التنوير.
الغنوشي، راشد. (2016). العلمانية والمجتمع المدني: مناقشة نقدية. دار سحر للنشر.
الخطيب، منذر. (2020). الإسلام والرأسمالية: من المواجهة إلى التكيف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
السيد، يسرى. (2022). إنجيل الازدهار في الكنائس العربية: دراسة ميدانية. مجلة الدراسات القبطية، 15(2)، 89-112.
حافظ، كريم. (2024). روحانية العصر الجديد في العالم العربي: بين التنمية البشرية والإدمان الرقمي. مجلة العلوم الاجتماعية، 52(1)، 45-78.
داوود، ميشيل. (2021). لاهوت التحرير في السياق العربي: إمكانيات وقيود. مركز دراسات الوحدة العربية.
المراجع الأجنبية:
Atasoy, Y. (2009). Islam s Marriage with Neoliberalism: State Transformation in Turkey. Palgrave Macmillan.
Coleman, S. (2000). The Globalisation of Charismatic Christianity: Spreading the Gospel of Prosperity. Cambridge University Press.
Hardt, M., & Negri, A. (2017). Assembly. Oxford University Press.
Haynes, J. (2021). Religion, Conflict and Post-Secular Politics. Routledge.
Kuru, A. T. (2019). Islam, Authoritarianism, and Underdevelopment: A Global and Historical Comparison. Cambridge University Press.
Mahmood, S. (2015). Religious Difference in a Secular Age: A Minority Report. Princeton University Press.
Rudnyckyj, D. (2010). Spiritual Economies: Islam, Globalization, and the Afterlife of Development. Cornell University Press.
Tuğal, C. (2016). The Fall of the Turkish Model: How the Arab Uprisings Brought Down Neoliberal Islam. Verso.
Vásquez, M. A. (2020). The Prosperity Gospel and Neoliberalism: A Critical Analysis. Annual Review of the Sociology of Religion, 11, 45-67.
#محمد_أحمد_الصغير_علي_عيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
لاهوت السوق: كيف استعارت النيوليبرالية بنى الخطاب الديني لتب
...
المزيد.....
-
الحكومة المصرية تنتهي من إعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية ل
...
-
ثورة الفاتيكان ضد الاستبداد: دلالات زيارة البابا للجزائر وصر
...
-
كنائس الكاثوليك بالقدس: تحطيم إسرائيلي تمثال المسيح انتهاك ل
...
-
صورة تُظهر جنديًا إسرائيليًا يُلحق أضرارًا بتمثال المسيح في
...
-
مستشار ومساعد قائد الثورة الإسلامية: محمد مخبر: الدبلوماسية
...
-
سجال بين وزير بولندي وإسرائيلي بعد حادثة -تمثال المسيح-
-
تعرضوا للبصق والتهديد والاختطاف: يهود بريطانيون يروون تصاعد
...
-
قلق متزايد في أوساط الجالية اليهودية ببريطانيا وسط تقارير عن
...
-
وزير خارجية الاحتلال يعتذر عن إتلاف تمثال للسيد المسيح جنوب
...
-
فراس يقتدي بأبيه.. سيرةُ القزاز وعائلته التي رفعت أذانَ المس
...
المزيد.....
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
-
إله الغد
/ نيل دونالد والش
-
في البيت مع الله
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله للمراهقين
/ يل دونالد والش
-
شركة مع الله
/ نيل دونالد والش
-
صداقة مع الله
/ نيل دونالد والش
المزيد.....
|