أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن صالح الشنكالي - المحاصصة تعني: تنتخب ما تنتخب، فالرئاسات محسومة














المزيد.....

المحاصصة تعني: تنتخب ما تنتخب، فالرئاسات محسومة


حسن صالح الشنكالي
كاتب وباحث تربوي واجتماعي

(Hassan Saleh Murad)


الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 20:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد نظام المحاصصة في العراق مجرد آلية لإدارة التعدد، بل تحول إلى بنية سياسية ثابتة أعادت تشكيل الدولة على أساس تقاسم النفوذ بدل بناء المؤسسات. فبدل أن يكون التنوع مصدر قوة، أصبح إطاراً لتوزيع السلطة وترسيخ الانقسام، وإضعاف فكرة المواطنة لصالح الهويات الفرعية.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن العملية السياسية التي تأسست بعد 2003 لم تنتج دولة مواطنة، بل أعادت إنتاج الدولة كشبكة توازنات بين مكونات سياسية. ومع مرور الوقت ترسخ شعور عام لدى الشارع بأن نتائج اللعبة السياسية شبه محسومة، وهو ما يلخصه المثل المتداول بمرارة:
تنتخب ما تنتخب، فإن رئيس الجمهورية كردي من اليكتي، ورئيس البرلمان سني عربي، ورئيس الوزراء شيعي.

هذه العبارة، رغم بساطتها، تكشف جوهر الإشكال: أن التمثيل السياسي لم يعد قائماً على الإرادة الحرة للناخبين أو على البرامج، بل على توزيع مسبق للمناصب وفق معادلة المحاصصة، ما جعل الانتخابات في نظر كثيرين إعادة إنتاج للواقع نفسه لا تغييراً له.

ولا يمكن فهم هذا الواقع دون العودة إلى جذوره الأعمق، إذ لا تبدأ الأزمة فقط بعد 2003، بل تمتد إلى تراكمات طويلة في تاريخ الدولة العراقية، حيث تراجعت فكرة المواطنة لصالح منطق القوة والانتماء، وتعمقت الفجوات بين المكونات المختلفة بفعل الصراعات السياسية المتعاقبة. لكن مرحلة ما بعد 2003 شكّلت نقطة التحول الحاسمة، حين جرى تثبيت هذا الانقسام داخل بنية الدولة بدل العمل على تجاوزه.

لقد ساهم الاحتلال الأميركي، عبر قرارات مفصلية مثل حل الجيش وإعادة تشكيل السلطة على أسس مكوناتية، في ترسيخ هذا النموذج، لكنه لم يكن العامل الوحيد. فالقوى السياسية التي تولت الحكم بعد ذلك وجدت في المحاصصة أداة لإدارة السلطة وتقاسم النفوذ، بدل بناء دولة مركزية عادلة وقوية.

وهنا تكمن الإشكالية الأساسية: أن المحاصصة لم تعد مجرد خلل سياسي، بل أصبحت نظامًا متكاملاً لإدارة الدولة له مصالحه وشبكاته، مما جعل الخروج منه أمراً معقدًا يتجاوز القرار السياسي البسيط.

إن الخلاص من هذا النظام لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إعادة تعريف الدولة نفسها. فالدولة ليست غنيمة تُقسم بين القوى، ولا ساحة لتوزيع المناصب، بل مؤسسة قائمة على المواطنة المتساوية أمام القانون. وهذا التحول يتطلب نقل مركز الثقل من الانتماء الفرعي إلى الانتماء الوطني، ومن الحصة إلى الكفاءة، ومن التوافق القسري إلى التنافس الديمقراطي الحقيقي.

لكن هذا المسار يحتاج إلى أدوات إصلاحية واضحة. من بينها التفكير بجدية في نظام لا مركزي حقيقي، لا يقتصر على الإدارات الشكلية، بل يمنح حتى أصغر وحدة محلية، كالقرية أو الناحية، حق إدارة شؤونها عبر ممثليها المنتخبين، مع صلاحيات فعلية في رسم السياسات الاقتصادية والخدمية ضمن إطار الدولة الواحدة. هذا النموذج من اللامركزية العميقة ليس فكرة نظرية، بل معمول به في أكبر الدول التي تمتلك بنية تحتية رصينة وقوة اقتصادية وعسكرية متقدمة، حيث تُنقل كثير من الصلاحيات من المركز إلى الوحدات الإدارية لضمان الكفاءة وتقريب القرار من المواطن.

وفي المقابل، يمكن النظر إلى خيار آخر يتمثل في إعادة هيكلة النظام السياسي باتجاه نظام رئاسي واضح الصلاحيات، يُنتخب فيه رئيس الدولة مباشرة من الشعب لمدة محددة لا تتجاوز خمس سنوات، مع منع إعادة انتخابه لأكثر من مرة واحدة. هذا النموذج، إذا ما اقترن بضوابط دستورية ورقابة مؤسساتية قوية، يمكن أن يقلل من تشظي القرار السياسي، ويحد من صفقات تقاسم السلطة التي تغذيها الأنظمة التوافقية.

لكن أي إصلاح، سواء باتجاه اللامركزية أو النظام الرئاسي، لن ينجح ما لم يُرافق بإصلاح أعمق في الثقافة السياسية والقانونية، يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة بوصفها كيانًا موحداً، لا ساحة لتوزيع النفوذ. فالمشكلة ليست فقط في شكل النظام، بل في منطق التفكير السياسي السائد الذي ما يزال أسير الهويات الضيقة.

كما أن البعد الاجتماعي والاقتصادي لا يقل أهمية، إذ إن الفقر والبطالة وضعف الخدمات تعزز الانقسام وتدفع نحو الاحتماء بالهويات الفرعية، ما يضعف الانتماء الوطني ويعيد إنتاج الأزمة نفسها بأشكال مختلفة.

وفي النهاية، يبقى العراق أمام لحظة مفصلية: إما الاستمرار في نظام المحاصصة بما يعنيه من تآكل الدولة وتضخم الانقسام، أو الشروع في مسار إصلاحي جريء يعيد بناء الدولة على أسس المواطنة، ويفتح الباب أمام نماذج حكم أكثر كفاءة ووضوحاً .



##حسن_صالح_الشنكالي (هاشتاغ)       Hassan_Saleh_Murad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق بين ذاكرة الحصار وضرورة السيادة: هل نتعلم من الامس قب ...
- آدم… أكثر من مجرد اسم
- لماذا أصبحنا وقودًا لكل حرب إقليمية
- نظام في العراق: لا هو دولة دينية عادلة ولا دولة مدنية يحكمها ...
- الرسوم الكمركية: بين منطق الحماية واختبار الكفاءة الاقتصادية
- العراق بين وهم المواجهة وحقيقة الحروب الحديثة
- العراق : انتقال من استبداد الفرد إلى فوضى المحاصصات
- شمال سوريا على صفيح ساخن… قسد بين الضغط والتمدد
- اهلاً بالحكومة السابعة ….
- نزع السلاح: شجاعة وطنية ومسؤولية عراقية
- البرلمان الطلابي: من فكرة تربوية الى ممارسة ديمقراطية داخل ا ...
- من الهروب من التطرف إلى إعادة إنتاجه في أوروبا
- العدالة المؤجَّلة وإعادة إنتاج اللاثقة
- الإيمان كمسار داخلي: دراسة في وحدة التجربة الروحية بين الحلا ...
- العراق بين الصراع الأقليمي وصراعات الداخل
- لماذا لا يحدث التغيير في مدارسنا؟
- حرب الطقس… من القنبلة الذرية إلى التحكم بالمناخ كاداة نفوذ
- جلوس قادة الكُرد في دهوك: هل نحن مقبلون على خارطة جديدة؟
- عراق ما بعد الانتخابات: نتائج بلا أغلبية… ومشهد بلا بوصلة
- غياب المشروع الوطني… العراق بين وهم الوحدة وحقيقة الانقسام


المزيد.....




- -الشانغل- الهجين.. الولد الشقي الذي صنع الفكاهة والاندماج بك ...
- ترمب يعلن مهاجمة سفينة شحن إيرانية بخليج عُمان وطهران تتوعد ...
- أوكرانيا تقترح مظلة صاروخية أوروبية وتدعو لقمة بين زيلينسكي ...
- نائب رئيس -المؤتمر السوداني-: لا حسم عسكريا للصراع ولا بديل ...
- قبيل جولة المفاوضات.. هذه أبرز مطالب واشنطن وطهران
- جائزة مولاي الحسن للألعاب الرياضية الجامعية.. الدورة ال15 ره ...
- محادثات استثنائية بين -حماس- و-فتح- لاستكمال تنفيذ المرحلة ا ...
- رسائل تصعيد وسط توتر مع سيول.. بيونغ يانغ تختبر صواريخ باليس ...
- بروفيسور أمريكي: إيران ستصبح القوة الرابعة عالميا إذا احتفظت ...
- بإشراف أمريكي.. توحيد ميزانية ليبيا بعد 13 عاما


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن صالح الشنكالي - المحاصصة تعني: تنتخب ما تنتخب، فالرئاسات محسومة