أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جبار قادر - تدوير منصب محافظ كركوك: صفقة تُنتج الشلل الإداري!














المزيد.....

تدوير منصب محافظ كركوك: صفقة تُنتج الشلل الإداري!


جبار قادر

الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 16:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تحوّل منصب محافظ كركوك إلى موقع شديد الحساسية في المشهد السياسي العراقي، إلى درجة باتت فيها عملية تدويره خاضعة لتوازنات لا تقل تعقيداً عن تلك التي تحكم منصب رئيس الجمهورية في العراق "الاتحادي". هذا التميّز في الأهمية لا يرتبط فقط بطبيعة كركوك كمدينة متعددة القوميات، بل أيضاً بتاريخها المعقّد والصراعات الإقليمية والمحلية التي تتقاطع فيها، حيث يحاول كل طرف، دون وجه حق، أن يقدّم نفسه بوصفه صاحب الحق في تقرير شؤونها.
في هذا السياق، يثير قرار الاتحاد الوطني الكردستاني بالتنازل عن المنصب لصالح ممثل الجبهة التركمانية تساؤلات جدية حول منطق التمثيل السياسي للمكونات القومية ومعايير تقاسم السلطة في المحافظة. فالاتحاد الوطني، رغم امتلاكه خمسة مقاعد من أصل ١٦ مقعداً في مجلس المحافظة، يُضاف إليها مقعد كوتا المسيحيين الذي تشغله موظفة في إعلام الاتحاد الوطني، أي ما مجموعه ستة مقاعد، اختار منح المنصب لجهة تركمانية لا تمتلك سوى مقعدين. وهو ما لا يمكن فهمه بمعزل عن ضغوط سياسية داخلية وإقليمية، في مقدمتها محاولات إرضاء الميليشيات الشيعية الموالية لإيران، وخصوصاً قيس الخزعلي، فضلاً عن قوى سنّية تحمل نهج البعث برئاسة الحلبوسي، وكذلك تركيا التي تنظر إلى كركوك باعتبارها ساحة نفوذ حساسة، وتتعامل مع الجبهة التركمانية بوصفها ذراعاً لحزب الحركة القومية الفاشي في تركيا.
وتزداد الشكوك حين ننظر إلى الطريقة التي جرى بها ترتيب هذا التنازل، حيث تشير المعطيات إلى أن محافظ كركوك السابق، ريبوار طه، المنتمي إلى الاتحاد الوطني، لم يغادر موقعه نتيجة مسار سياسي طبيعي، بل نتيجة ضغوط أجبرته على الاستقالة والقبول بمنصب نائب المحافظ. هذا التحول لا يعكس فقط إعادة توزيع شكلي للمناصب، بل يكشف خللاً في التوازن السياسي، حيث جرى تصميم هيكل إداري يجعل المحافظ الجديد مقيّداً بآلية توافقية صارمة، إذ لا يمكن اتخاذ قرارات أساسية دون موافقة المحافظ ونائبيه معاً. عملياً، تُفرغ هذه الصيغة المنصب من فاعليته، وقد أثبتت التجربة العراقية بعد عام 2003 أن هذه الصيغة تحوّل الإدارة المحلية إلى ساحة تعطيل بدل أن تكون أداة لخدمة السكان، كما حدث في رئاسة الجمهورية. وهكذا، فإن هذه الآلية ليست جديدة في التجربة العراقية، وغالباً ما تؤدي إلى شلل إداري يعرقل تنفيذ المشاريع والخدمات، وهو ما سيدفع ثمنه سكان كركوك بمختلف مكوناتهم. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، يجري تكريس نموذج إداري قائم على الشك المتبادل وتقاسم التعطيل. كما أن محاولة تبرير هذا المسار بالعودة إلى سوابق سياسية، مثل اتفاق فندق الرشيد الذي جرى برعاية الخزعلي، بدعم مباشر من إيران، لا تقدم حجة مقنعة، بل تؤكد أن ما يحدث اليوم هو استمرار لنهج الصفقات السياسية على حساب الإرادة المحلية.
الأكثر إشكالية هو أن اختيار ممثل عن الجبهة التركمانية، المعروفة بخطابها المعادي للكرد، ووقوفها على مدى عقود في الجبهة المناوئة لهم دون النظر إلى مصلحة التركمان أنفسهم، لا يخدم حتى المكون التركماني ذاته. فمن المؤكد أن الدفاع عن حقوق التركمان لا يمكن أن يتحقق عبر مهاجمة الكرد أو غيرهم أو تبني خطاب إقصائي، بل على العكس، إن أي حقوق حقيقية ومستدامة للتركمان تمر عبر ضمان الحقوق القومية للكرد وجميع مكونات كركوك أيضاً. فالتجربة أثبتت أن إضعاف أحد المكونات يفتح الباب لإضعاف الجميع، وليس العكس.
كما أن هذا المسار يتجاهل حقيقة أن التركمان لعبوا في تاريخ كركوك دوراً مهماً في إدارة شؤونها، وكان بإمكانهم تقديم نموذج أكثر توازناً لو تم اختيار شخصيات ترکمانیة مهنية كفوءة تؤمن بالتعايش والشراكة. في المقابل، لم يُسجّل تاريخ العراق الحديث موقفاً مماثلاً للعرب باتجاه منح الكرد أو التركمان مثل هذه الحقوق في إدارة المدينة والمحافظة، بل وقفوا ضد الإدارة الكردية خلال السنوات التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين. وحين تمكنوا من السيطرة عليها بعد ١٦ أكتوبر ٢٠١٧، مارسوا سياسات اضطهاد وتهميش شديدة ضد سكان المدينة من الكرد، وحرموا الأحياء الكردية من الخدمات الأساسية، رغم أن الكرد يشكلون أحد طرفا سياسيا قویا في معادلة الحكم في المحافظة.
أما على المستوى الكردي، فإن القضية تتجاوز مجرد منصب إداري. فالكرد، الذين يشكلون نحو نصف سكان كركوك أو أكثر بقليل، عانوا لعقود من التهميش، خاصة خلال حكم صدام حسين، حيث تعرضوا لسياسات تعريب وتهجير قاسية. وبعد عام ٢٠١٧، عقب استفتاء كردستان، شهدت المدينة عودة لسياسات الاضطهاد والتهميش بطرق مشابهة لأساليب البعث، أعادت إلى الأذهان ممارسات الماضي، وإن اختلفت أدواتها.
لذلك، فإن ما يجري اليوم لا يمكن النظر إليه كترتيب إداري عابر، بل كجزء من مسار أوسع يعيد تشكيل التوازنات في كركوك على حساب المكون الكردي، ويضعف في الوقت نفسه فرص بناء شراكة حقيقية بين جميع مكونات المدينة.
إن أي حل مستدام لكركوك يجب أن يقوم على مبدأ واضح وهو لا يمكن تحقيق الاستقرار عبر إرضاء أطراف خارجية أو عبر صفقات سياسية قصيرة الأمد، بل عبر عقد سياسي عادل يعترف بحقوق جميع مكونات المحافظة. وفي هذا الإطار، فإن ضمان حقوق الكرد لا يتعارض مع حقوق التركمان أو العرب، بل يشكل شرطاً أساسياً لتحقيق توازن حقيقي يضمن للجميع مكانهم في إدارة المدينة ومستقبلها.
إن كركوك تحتاج اليوم إلى إدارة قوية وفعالة، لا إلى منظومة تعطيل مقنّعة بتوافق سياسي، وإلى خطاب جامع لا يقصي أحداً، بل يؤسس لشراكة حقيقية تنهي عقوداً من الصراع وتفتح الباب أمام استقرار طال انتظاره.



#جبار_قادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في ذكرى حملات الأنفال البعثية ضد الشعب الكردي
- اغتيال ليف تروتسكي
- كردستان الحمراء السوفیتیة: بين الحقيقة التاريخية و ...
- هل هناك خوارزمية ثورية تحكم إيران؟
- القضية الكردية وغياب الفهم الصحیح لحقائق التاريخ والجغ ...
- الفدرالية في العراق: أزمة فهم أم غياب التطبيق؟
- العراق: سلطة مشتتة، قرار مجزأ وسيادة مهشمة
- قطارات المنفى: الكرد في مسارات الإقتلاع الستالیني
- تركيا والقضية الكردية: بين إرث السلاح وآفاق السلام.
- بين استقلال كردستان ووحدة العراق: الدولة كإطار لإدارة الحلمَ ...
- مجلس النواب العراقي: من حلم تأسيس الدولة إلى مسرح العبث السي ...
- الإختراق الإسرائيلي في إيران ولبنان، والميليشيات تضرب في كرد ...
- بوکچين ملهم أوجلان: أفکار أخفقت في مواجهة الواقع
- الميليشيات العراقية وفنّ صناعة الأعداء
- كردستان الشرقية في لحظة التحول: هل يفتح إنهاك إيران الطريق إ ...
- الكرد في المناهج الرسمية: الغياب المتعمد أو التشويه المنهجي.
- القضية الكردية: بين إنكار الحقوق واستحالة الاستقرار
- كوبا وأمريكا اللاتينية في إعادة تموضع الاستراتيجية الأمريكية ...
- واشنطن تلوّح بالدعم والكرد يتذكرون: هل يتكرر التاريخ؟
- حين تُقصف كردستان... وتصمت بغداد عن السيادة


المزيد.....




- بعد توتر في مضيق هرمز.. هل تسفر محادثات أمريكا وإيران عن اتف ...
- أنور قرقاش: لا عودة للعلاقات مع إيران -دون مراجعة وضمانات-
- كيف غيّرت طائرات إيران المسيّرة مفهوم القوة في النزاعات الدو ...
- إن.بي.سي عن الشرطة: مقتل 8 أطفال في إطلاق نار جماعي في شريفب ...
- الجيش السوداني يستهدف مواقع الدعم السريع ويوسع عملياته في 3 ...
- صحف عالمية: تصريحات أمريكية وإيرانية متسرعة عطلت التوصل لاتف ...
- جسر جوي أمريكي إلى الشرق الأوسط ومفاوضات متعثرة.. ماذا تخفي ...
- العثور على وزير الإعلام في بوروندي مقتولا وتساؤلات حول ظروف ...
- خبراء: أزمة هرمز مرشحة للتفاقم والتفاوض المؤجل سيد الموقف
- قرقاش: لن نقبل بالتهديد والعدوان كواقع جديد في المنطقة


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جبار قادر - تدوير منصب محافظ كركوك: صفقة تُنتج الشلل الإداري!