أميمة الخيراني
الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 09:44
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
مقدمة:
في إطار الديناميات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر، أصبح مفهوم التنمية من أبرز القضايا التي تثير اهتمام جل الدول والمجتمعات، لما لها من أهداف في تحقيق التقدم وتحسين مستوى العيش، وكذا تحقيق نمو اقتصادي شامل داخل المجتمعات، إلا أن التنمية لم تعد تقتصر على الجوانب الاقتصادية فقط بل اصبحت احدى اهم القضايا الشاملة لمختلف الابعاد الاجتماعية والثقافية والسياسية، بل وبات ينظر الى التنمية باعتبارها عملية توسع في الحريات الحقيقية التي يتمتع بها الناس."1
و"من تم فأن عملية التنمية إذا ما اعترفنا بانها تعزز حرية الفرد، فلابد ان تتضمن عملية التنمية تلك التخلص من كل انواع القصور والحرمان والحد من الحريات التالية:
حرية التعبير حرية المشاركة، حرية اتخاد القرارات وحرية الاختيار، الحرية الاقتصادية والاجتماعية.
وعلى هذا الأساس فإن التنمية تستلزم إزالة كافة المعوقات التي تؤدي الى افتقاد الحريات (مثل القوانين والتشريعات التي تعطي الحكام سلطات مطلقة، الفقر، عدم عدالة الفرص الاقتصادية، الحرمان الاجتماعي المنظم...)2
وتأسيسا على ذلك، تتضح العلاقة المتداخلة بين الحرية الفردية وتحقيق التنمية "ذلك لأن كل عناصر التنمية تصب في بعضها كالاهتمام بالصحة يؤدي الى خفض معدل الوفيات يؤدي الى خفض معدل المواليد يؤدي الى خفض معدل نمو السكان. والاهتمام بالتعليم يؤدي الى الاهتمام بالصحة ويؤدي الى متابعة الصحف والاحداث والمشاركة السياسية، اي ان التنمية حلقة او حلقات تصب في بعضها."3
وعليه، لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية، إذا كان المجتمع يعاني من فوارق اجتماعية
لأن التنمية ليست مجرد ارقام اقتصادية، بل هي سيرورة اجتماعية بالأساس، كما أن المسألة الاجتماعية كالفقر وغيره ليست مجرد عائق للتنمية بل هي المؤشر الحقيقي لقياس مدى نجاح او فشل التنمية، فإذا أردنا المقارنة بين بلدين الاول له مشاريع كبرى (طرق، بنيات فخمة وغيرها) لكن نسبة الفقرة مرتفعة، فحين الاخر يسجل تحسنا في مستوى العيش وتراجع مستوى الفقر،
فنحن في الاول نكون امام " نمو بلا تنمية"، في حين يعكس الاخر النهج التنموي المتوازن.
ان" الحديث عن التنمية دون العودة إلى المؤسسات الاولى التي اشتغلت عليها يبقى مجرد إنشاء"4
فتحقيقها لم يعد مسؤولية على عاتق الدول وحدها بل اضحى تتدخل فيه مؤسسات دولية كبرى أبرزها مؤسسة البنك الدولي التي تقدم نفسها كفاعل رئيسي في توجيه مسارات التنمية ومكافحة الفقر داخل الدول خاصة النامية، غير ان دور هذه المؤسسة يطرح العديد من الاشكالات حول ما إذا كانت تساهم في تحقيق التنمية الشاملة، أم انها تكرس المسألة الاجتماعية على رأسها الفقر وتجعل مسؤوليته على عاتق الدول المقترضة، مما يثير التساؤل حول طبيعة التنمية التي يدعمها البنك الدولي: هل هي تنمية للمجتمعات أم انها تنمية للرأسمال بالأساس؟ وإذا كان الفقر ينظر اليه كعائق امام تراكم الرأسمال وليس كقضية إنسانية، فهل يعكس استمراره رغم عقود مديدة من التدخل قصور في اليات البنك، ام عن تناقض بنيوي في وظيفته، مما يجعل خيار إصلاحه موضع مساءلة ويقتضي التفكير في إضافة إصلاحات داخل البنك الدولي، او اقتراح بدائل تنموية أكثر استقلالية؟ وعليه، سيتم تفكيك هذه الإشكالية الى مبحثين اثنين وهما كالتالي:
المبحث الأول بعنوان البنك الدولي ومفهوم التنمية، ثم المبحث الثاني بعنوان المسألة الاجتماعية ومسؤولية الفقر.
المبحث الأول: البنك الدولي ومفهوم التنمية
المطلب الأول: نشأة البنك الدولي
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، التي خلفت اثارا كبيرة على مستوى الاقتصاد العالمي، حيث دمرت البنية التحتية لمجموعة من الدول، وبرزت مجموعة من "الامور التي فرضت نفسها، وكان لها تأثير كبير في التطورات اللاحقة للنظام الاقتصادي العالمي، ويمكن أن نشير إلى ثلاث قضايا ظهرت بشكل واضح عندما وضعت الحرب أوزارها، ولم تكن مطروحة في السابق، او على الأقل لم تكن مطروحة بالدرجة نفسها، وهي قضايا كان لها تأثير عميق في اتجاهات السياسات الاقتصادية اللاحقة والمؤسسات الدولية المنشأة وهذه القضايا هي:
ـ اعادة تعميرأروبا بعد ما خلفته الحرب من تدمير ما ترتب عليها من بزوغ مفهوم النمو الاقتصادي واستخدامه معيارا للتقدم.
ـ المواجهة بين النظم الاقتصادية: نظام رأسمالي يقوم على اساس اقتصاد السوق في الغرب، ونظام اشتراكي يقوم على مبدأ التخطيط المركزي في الشرق.
ـ ظهور قضية التنمية الاقتصادية للعالم الثالث كواحدة من المشاكل الرئيسية في عالم ما بعد الحرب، حيث انقسم العالم الى شمال متقدم، وجنوب متخلف."5
وهذا ما تطلب إنشاء العديد من المؤسسات الاقتصادية الدولية لمعالجة جل الاوضاع والمشاكل الاقتصادية للبلدان، وانطلاقا من هذه المحطة بدأ الاقلاع الرئيسي للنظام الاقتصادي الدولي المعاصر، حيث تم إنشاء العديد من المؤسسات التي قدمت نفسها كفاعل رئيسي في تحقيق التنمية الاقتصادية وكذا الاجتماعية، على رأسها "مؤسسة البنك الدولي"، اذ يعتبر البنك الدولي"احد ابرز المؤسسات الدولية التي تعنى بالتنمية عبر العالم، ومن اجل تحقيق هذه الغاية، يقدم البنك خبرته عبر تقاريره ودراساته وبرامجه التدخلية.
وتشكل هوية هذه البرامج انطلاقا من خلفية ايديولوجية وفلسفية ومعرفية تبدو من اول وهلة انها اقتصادية وماليه صرف."6
ففهم طبيعة الدور الذي تلعبه هذه المؤسسة في مجال التنمية يقتضي طرح تساؤل جوهري الا وهو:
متى وأين وكيف ولماذا تأسست هذه المؤسسة (البنك الدولي)؟
ففي شهر ماي سنة 1944 تأسست مؤسسة البنك الدولي في إطار أشغال ( Bretton Woods conference) الذي انعقد في الولايات المتحدة الامريكي
في سياق دولي تسم بأثار الحرب العالمية الثانية وما خلفته من دمار اقتصادي واسع في العديد من الدول " ذلك حينما سيوجه الرئيس الامريكي " فرانكلين روزفلت" (Franklin Roosevelt) الدعوة الى ممثلي 44 دولة لحضور مؤتمر نقدي مالي
انعقد في مدينة "بريتون وودز"، تكون مهمته مناقشة مشروع صندوق النقد الدولي، وقبل عقد هذا المؤتمر، تقرر عقد اجتماع تمهيدي بمدينة "اتلانتيك سيتي" في 15 يونيو 1944، لبحث ومناقشة الموضوعات المدرجة في مشروع بريتون وودز، وتخطي العقبات التي قد تعوق سير اعماله، وقد ضم هذا المؤتمر خبراء من الولايات المتحدة وخمسة عشر دولة اخرى، ثم أنظم إليهم بعد ذلك خبراء اخرون من غيرها من الدول لقد قدم الخبراء البريطانيون في هذا الاجتماع اقتراحات تضمنت تعديلات سلمت اقتراح مشروع خاص (wrld Bank)
وافق عليه (أي المقترح) ممثلو الدول المساهمة في المؤتمر
من بينهم ممثلو للولايات المتحدة الأمريكية، فكانت تلك التعديلات بمثابة اساس المناقشات
التي دارت في مؤتمر "برايتون وودز."7
ثم فيما بعد " تم عقد مؤتمر الامم المتحدة النقدي والمالي المتفق عليه، خلال الفترة الممتدة من 1 الى 22 يوليوز 1944، تفرعت عن هذا المؤتمر ثلاث لجان، تولت اللجنة الثانية منه إعداد اتفاقية خاصة بإنشاء بنك دولي، وقد كانت الفكرة السائدة لدى الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك هي أن صندوق النقد الدولي لا يمكن أن يقوم بواجباته اذا لم تكن هناك قروض طويلة الاجل للمساهمة في تنمية الدول التي خربتها الحرب، أو التي يعاني اقتصادها من الكساد، وبهذه الوسيلة يكمل نشاط البنك الدولي الاهداف الاساسية لنشاط صندوق النقد الدولي؛ مهمته المساعدة على الاستقرار الدولي في مجالات التمويل والتنمية، وقد انتهت أعمال المؤتمر بالموافقة على المشروعات النهائية لمراد اتفاقية كل من المؤسستين ( البنك الدولي وصندوق النقد الدولي)"8
و"في مارس 1946سينعقد مؤتمر اخر، يهم دراسة بعض الموضوعات التفصيلية التي لم تتطرق لها اتفاقية بريتون وودز، ومن بينها تحديد المقر الرئيسي للبنك الدولي وتعين مديره ونوابه، والمدراء التنفيذيين، وكذا تمديد المهلة بالنسبة للدول التي لم تصادق بعد على اتفاقية إنشائه، كي تتاح لها فرصة الانضمام الى المؤسسة والعضوية بها، وقد انتهى المؤتمر الى تبني وجهة النظر الامريكية باختيار العاصمة واشنطن مقرا للبنك الدولي، واختيار وزير الخزانة الامريكي مديرا له، كما تم اختيار اثني عشر مديرا تنفيذيا في هذا الاجتماع، واكتسبت هذه الاتفاقية قوتها التنفيذية عندما تم ايداع وثائق تصديقها من قبل ثمان وعشرون دولة، لينطلق البنك الدولي في مزاولة اعماله بعد ذلك شهر يونيو من عام 1947؛ رغم أن ثلاث دول من بين التي اشتركت في مؤتمر بريتون وودز لم تودع وثائق تصديقها، وإن كانت قد وقعت على الاعمال النهائية للمؤتمر، وهي الاتحاد السوفياتي سابقا و نيوزلندا و ليبيريا"9
وعقب استيفاء البنك الدولي المتطلبات القانونية لبدء نشاطه، اتجه نحو بناء هيكله المؤسسي الذي يمكنه
من الاضطلاع بمهامه، فقد اعتمد البنك الدولي خمس مؤسسات متخصصة شكلت بنيته التنظيمية حيث توفير التمويل، وضمان الاستثمارات، وتسوية النزاعات في الدول الاعضاء، كما تشترك هذه "المؤسسات الخمس التي تتألف منها مجموعة البنك الدولي في الالتزام بالحد من الفقر، وتعزيز الرخاء المشترك، وتشجيع التنمية المستدامة.
يقدم البنك الدولي للإنشاء والتعمير(IBRD ) والمؤسسة الدولية للتنمية(IDA)، اللذان يشكلان معا البنك الدولي التمويل والمشورة بشأن السياسات والمساعدة الفنية الى حكومات البلدان النامية، وينصب تركيز المؤسسة الدولية للتنمية على بلدان العالم الاشد فقرا،
ام البنك الدولي للإنشاء والتعمير فيساعد البلدان متوسطة الدخل والبلدان الافقر المتمتعة الائتمانية.
تركز مؤسسة التمويل الدولي (IFC)
والمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار(MIGA) والوكالة الدولية لضمان الاستثمار (ICSID)
على تدعيم القطاع الخاص في البلدان النامية.
ومن خلال هذه المؤسسات، تقدم مجموعة البنك الدولي التمويل والمساعدة الفنية والتأمين ضد المخاطر السياسية، وتسوية المنازعات للشركات الخاصة، ومن ضمنها المؤسسات المالية".10
المطلب الثاني: دور البنك الدولي في التنمية الاقتصادية
كما سبقت الاشارة، فان البنك الدولي قدم نفسه كفاعا رئيسي في تمويل مشاريع التنمية وتوجيه السياسات الاقتصادية، لدى فالأمر يجعل دراسة دوره في التنمية الاقتصادية مسألة اساسية لفهم ماذا تأثيره على مسار التنمية في هذه الدول، اذ يمكن القول ان دور البنك الدولي في مجال التنمية شهد تطورا تدريجي في مراحل مختلفة ارتكزت بالأساس في البداية على زيادة الاستثمارات وتمويل المشاريع الكبرى، خاصة مشاريع البنية التحتية مثل الطرق والسكك الحديدية، الطاقة والمياه والكهرباء، وتقديم القروض "فالفكرة الاساسية من وراء القروض التي يقدمها البنك الدولي هي العمل على توفير مصدر لتمويل الدول غير قادرة على الالتجاء الى السوق المالية الدولية، ولذلك فان عملاء البنك الدولي هم من الدول الفقيرة والاقل نموا، وعندما تتحسن الاوضاع الاقتصادية للدول وتصبح قادرة على الالتجاء الى السوق المالية الدولي، فان قروض البنك تتوقف عنها، ويقال ان الدولة اصبحت قادرة على الاقتراض، وتتم قروض البنك بضمان من الحكومات في الدول المعنية، اي ان قروض البنك دائما سيادية".11
ففي الفترة ما بين سنة (1946/1967)" كان اول قرض من البنك موجها الى فرنسا، وتبعته قروض لدول أوروبية اخرى، لكن عندما تولت خطة "مارشال"سنة 1947 جهود اعادة الاعمار بعد الحرب في اوروبا، تحول البنك بسرعة الى تمويل مشاريع البنية التحتية في مختلف انحاء العالم، في مجالات مثل الطاقة، والري، والنقل.
وكان اول قرض لدولة غير اوروبية موجها الى التشيلي سنة 1948 بقيمة 13.5 مليون دولار امريكي لإنتاج الطاقة الكهرومائية، كما أطلق البنك برنامجا للمساعدة التقنية".12
وخلال سنة "1956 تم انشاء المؤسسة المالية الدولية للتركيز حصريا على القطاع الخاص، وفي سنة 1960 تم انشاء المؤسسة الدولية لتوفير الموارد للدول الاقل قدرة على الاقتراض، وكان اول قرض
للمؤسسة المالية الدولية موجهها الى البرازيل بمبلغ 2 مليون دولار امريكي لصناعة المعدات الكهربائية، كما توسط البنك في ثلاث نزاعات دولية ذات طابع اقتصادي:
تأمين صناعة النفط في إيران، وتطوير نظام مياه نهر السند، وتمويل السد العالمي بأسوان على نهر النيل".13
فقد كان اهتمام البنك الدولي في هذه المرحلة مرتكزا بالأساس على رفع معدل النمو الاقتصادي باعتباره مؤشر رئيسي للتقدم.
المطلب الثالث: تنمية المجتمعات ام تنمية الرأسمال
وكما سبق ذكره، فان جل اهتمامات البنك الدولي خاصة ما بين سنة (1970/1950تقريبا) كانت تركز على تحقيق النمو الاقتصادي الشامل، غير انه ومع " نهاية الستينات وخاصة مع تولي« ماكنمارا» رئاسة البنك، بدأ البنك بدأ يوجه عناية خاصة الى قضايا التوزيع، وبذلك اصبح
« النمو مع التوزيع»(Growth with distribution)هو احد محددات مشروع تمويل البنك الدولي
فلم يقتصر البنك على تمويل المشروعات الكبرى للبنية الاساسية المادية، مثل محطات توليد الكهرباء، والطرق، وشبكات المياه والصرف؛ بل اتجه ايضا الى تمويل المشروعات الصحية والتعليمية ومشروعات التنمية الريفية."14
والحقيقة ان التنمية ليست مجرد تحقيق للنمو الاقتصادي او الزيادة في الاستثمارات والمشاريع فقط ، بال التنمية الحقيقية تتطلب اولا وقبل كل شيء فهما عميقا للواقع الاجتماعي ودراسات تشخيصية للمشاكل الحقيقية التي يعاني منها المجتمع المعني ثم العمل على معالجتها ، اي التركيز على القضايا او المسألة الاجتماعية باعتبارها عامل رئيسي لتحقيق التنمية والتقدم، ولعل ابرز القضايا التي تطرح نفسها امام التنمية تتعلق بمستوى التعليم والخدمات الصحية والفقر والهشاشة، كلها تشكل ركائز اساسية لابد الانطلاق منها اولا للنهوض بالمجتمع وتمكين افراده من المشاركة الفعلية في عملية التنمية فالفرد يولد" ولديه عدد من المواهب والقدرات، والتعليم بصوره العديدة يبرز هذه المواهب والقدرات ويستغلها".15
ومن ثم يمكن استغلال هذه المواهب للخروج من دائرة الفقر وبالتالي المساهمة في التنمية الاقتصادية " وتعتبر اليابان المثال الرائد لتعزيز النمو الاقتصادي من خلال الفرصة الاجتماعية خاصة فرصة التعليم الاساسي، وكثيرا ما ينسى الناس ان نسبة المتعلمين في اليابان كانت اعلى منها في اوروبا حتى وقت اصلاح الميجي في منتصف القرن التاسع عشر، وقبل ان يبدأ التصنيع هناك، ولكن اليابان مع هذا سبقت اوروبا بعقود طويلة، وواضح ان التنمية الاقتصادية في اليابان أفادت كثيرا بتنمية المورد البشري بالفرص الاجتماعية التي تولدت آنذاك".16
كما يمكن التركيز على الصحة كعامل رئيسي في التنمية الاقتصادية والحياة ككل، فغياب الصحة ينتج عنه غياب المشاركة الفعلية في المجتمع حيث، "تتيح الصحة والتغذية الجيدة للفقراء فرصة العمل عددا أكثر من الايام كل عام (التي تزيد ضمن أمور أخرى، من صلاحيتهم للعمل في الصناعة الحديثة) وتزيد من إنتاجيتهم، وتبين دراسات مشروعات البناء في الهند واندونيسيا، ان المستوى المنخفض للصحة والتغذية، كان من بين العوامل التي جعلت من استخدام اساليب رأس المال المكثف اكثر اقتصادا في النفقات حتى مع وجود الايدي العاملة الرخيصة ووفرتها ."15
فخلال هده المرحلة " دخل على مفهوم التنمية تطور مهم، وذلك بإعطاء مزيد من الاهتمام الرأس المال البشري، الى جانب رأس المال المادي، وكان عدد من الكتاب وعلى رأسهم شولتز قد اشاروا في بداية الستينيات الى اهمية الاستثمار في الانسان".18
وبالتالي يمكن القول ان البنك الدولي انتقل من مرحلة كان يعتمد فيها على تنمية الرأسمال الاقتصادي كعامل رئيسي لتحقيق التنمية الى مرحلة لاحقة تبين فيها ان الاعتماد على النمو الاقتصادي وحده غير كافي، ولابد من التركيز على الرأسمال البشري لتحقيق النمو المتوازن ، اي الانتقال من تنمية الرأسمال الى تنمية المجتمعات.
المسألة الاجتماعية ومسؤولية الفقر المبحث الثاني:
المطلب الأول: المسألة الاجتماعية
لقد اصبحت المسألة الاجتماعية تتميز " بحمولة كبيرة من المضامين التي لها ابعاد في العالم وفي المغرب، بل إن عبارة «المسألة الاجتماعية» تتضمن تشكيلة هي بمثابة حقيبة من المفاهيم ذات المعاني المتعددة التي تحيل الى مجموعة متنوعة من الدلالات وهو ما يثير العديد من المواضيع:
ـ هناك مستوى ظاهر للمسألة الاجتماعية يرتبط دائما بمشاكل الفقر والهشاشة والتهميش والاقصاء".19
إلا أن هناك معاني اخرى للمسألة الاجتماعية تحيل على" صعوبة العيش، وتكلفة سلة الاسر من المواد الغذائية، وقضايا الدخل والاستفادة من الخدمات العمومية والمرافق الاجتماعية، والسكن والنقل والشغل، وجميع عمليات التعبئة التي تثيرها جميع هذه الانشغالات."20
وعلى الرغم من تعدد دلالات المسألة الاجتماعية واختلاف ابعادها، إلا أنها تظل تعبر عن جل القضايا والاختلالات التي تؤثر على المجتمع بشكل عام، وتؤثر على مسار التنمية وتعيق تحقيقها بشكل متوازن ومستدام.
المطلب الثاني: المسألة الاجتماعية عائق أمام تنمية رأس مال
قد اشرت في المبحث السابق الى ان البنك الدولي خاصة في بداية السبعينيات بدا فيه التركيز على المسألة الاجتماعية امرا ضروريا في سياسات البنك ومشاريعه
(تمويل مشاريع الصحة، التعليم، محاربة الفقر..)، إلا انه " في نفس سياق التساؤلات حول مدى حضور المسألة الاجتماعية في سياسة البنك ومشاريعه، يرفض الاقتصادي المغربي نجيب اقصبي، كل الاطروحات التي ترى ذلك، اذ يعتبر انه هناك توجه سياسي وايديولوجي للبنك الدولي، وينبغي إدراك أن هذا التوجه يشتغل لصالح السوق والرأسمال والقطاع الخاص، على حساب الخدمة العمومة، وعلى حساب الطبقات الفقيرة وكل ما هو اجتماعي"21
وقد وضح أقصبي ذلك بقوله " ان البنك الدولي له مرجعية فلسفية اقتصادية ومنطق اشتغال يطابقها، ذلك أن الدولة إذا ما ارادت تحقيق التقدم، حسب هذا المنطق الذي يشتغل وفقه البنك الدولي، فإنه على الدولة ان تفسح المجال للأغنياء كي يغتانوا أكثر، وأن تمكن الثروة من ان تزداد، لأن هذا هو ما سيرفع من وثيرة الاستثمار، وهو ما سيتيح امكانية تحقيق مناصب الشغل وارتفاع الدخل، وبالتالي تحقيق الازدهار
الذي يمكن عبره القضاء على الفقر."22
"إن مثل هذا المنطق حسب الاقتصادي اقصبي ليس إلا "اسطورة" يتم تسويقها للدول الفقيرة من اجل المضي قدما في المشاريع التي يقترحها والمرتبطة اساسا بالاقتراض، كما انها تتضمن تبريرا لسياساته"23
وفي نفس السياق يقول "إريك توسان" في كتابه البنك العالمي تاريخ نقدي " لم تكن قضية «حقوق الانسان» ابدا اولوية بالنسبة للبنك العالمي.
الحق الفردي في الملكية الخاصة هو الحق الذي ظل بلا منازع ثابتا في كل اشتراطات البنك، وهو حق يحابي في واقع الامر الملاكين الكبار، سواء كانوا افراد او اثرياء او مقولات، البنك العالمي، للحقوق الجماعية للسكان والافراد، إذا ما أثار البنك العالمي حقوق الانسان، فليس بالمعنى التقدمي المدون في النصوص الاساسية للأمم المتحدة".24
"فرغم النصوص الدولية التي تشكل الاطارالقانوني لحماية حقوق الإنسانية، فإن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يعملان وفقا لمنطق المقولات المالية الخاصة والرأسمالية العالمية، دون مراعاة لنتائج أعمالهما الاجتماعية والسياسية".25
إلا انه " في سنة 2012 اعترف البنك اخيرا بانه لا يمكن اختزال عدم المساواة الى «النمو»، واقر تقرير رئيس بأنه ركزا أكثر من اللازم على تقليص عدم المساواة كعامل مساهم في النمو، وليس كغاية في حد ذاتها".26
أي ان تقليص مسألة عدم المساواة فقط وسيلة للزيادة في النمو، وليس كهدف انساني في حد ذاته وذلك لأن مسألة عدم المساواة تعرقل سير النمو.
"وبناء عليه فإن المسألة حسب هذا المنظور ليست إلا عائقا أمام تضخم الثروة، وبالتالي سيكون أخر ما يفكر فيه البنك الدولي".27
المطلب الثالث: مسؤولية الفقر ومساءلة البنك الدولي
يعد الفقر من أهم القضايا التي تؤثر بشكل عميق على المجتمعات البشرية في مختلف انحاء العالم، ويعتبر تحديا كبيرا، يسعى العديد من الباحثين وصانعي السياسات الى ايجاد الحلول الفعالة لمواجهته"28
فرغم إقرار البنك الدولي بإدراج القضايا الاجتماعية والتركيز على الرأسمال البشري ضمن سياساته التدخلية، إلا ان المسألة الاجتماعية، لا تزال تشكل تحديا كبيرا للعديد من الدول والمجتمعات، وهذا ما أكده تقرير التنمية الاجتماعية لسنة 2024" فعلى الرغم من ان الاقتصادات الكلية بدأت تتعافى تدريجيا فإن الفقر المدقع ما يزال مرتفعا في البلدان التي تعيش اوضاعا خاصة، مما يدل على وجود، هشاشة بنيوية عميقة"29
"ففي سنة 2022 كان النصف الافقر من سكان العالم يمتلك فقط2٪ من الثروة العالمية، في حين كان أغنى 10٪ يملكون 76٪ منها"30
كما أعلن البنك الدولي في تقرير الفقر والازدهار والكوكب 2024: مسارات الخروج من تعدد الازمات انه" تباطأ التقدم في الحد من الفقر العالمي خلال العقد الماضي، ومن المتوقع أن تكون الفترة من 2020ـ2030 عقدا ضائعا في هذا المجال.
فاليوم يعيش حوالي 8,5٪ من سكان العالم في فقر مدقع، أي الاشخاص الذين يعيشون بأقل من 2,15 دولارفي اليوم وفق الاسعار الدولية، كما ان الفقر يتركز بشكل متزايد في البلدان ذات الدخل المتوسط الاعلى (حوالي 5,8 دولار في اليوم) ويعيش حوالي 44٪ من سكان العالم في حالة فقر.
ويرجع ارتفاع عدد الفقر، مقارنة بعام 1990 اساسا إلى النمو السكاني ـ وبالمعدل الحالي للتقدم، قد يستغرق عقودا للقضاء على الفقر المدقع وضمان ان يعيش كل فرد بأكثر من 8,5 دولار في اليوم".31
ان مسألة الفقر تبرز في الواقع الاجتماعي للمجتمعات بشكل واضح، دون الحاجة إلى أرقام او إحصائيات للكشف عنها، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو من المسؤول عن هذا الفقر؟
"فرغم البرامج ذات البعد الاجتماعي التي يعلن عنها البنك الدولي وإقراره بالحاجة الى تجديد سياساته التدخلية".32
الا ان هناك العديد من الانتقادات التي وجهت للبك الدولي، وجعلته في سياقاتها هو المسؤول عن الفقر في العالم، "فمنذ"ماكنمار" الرئيس الخامس للبنك الدولي ووزير الدفاع الولايات المتحدة في حربها على فيتنام، اضحى هدف البنك هو مناهضة الفقر، ومنذ ذلك الحين وكل خطب رؤساء هذه المؤسسة تدور حول محاربة الفقر، لكن بمقدار ما كثر الكلام عن محاربة الفقر، بقدر ما استفحل وازداد حسب العديد من الباحثين والاقتصاديين".33
"انه الكلام حول محاربة الفقر يدخل في إطار" الايديولوجيا التبريرية كما يقول اقصبي".34
فقد قدم ايريك توسان في كتابه البنك العالمي: تاريخ نقدي مجموعة من الاطروحات ضد البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، حيث يقول" منذ انشائهما سنة 1944، دعم البنك العالمي وصندوق النقد الدولي نشاط جميع الديكتاتوريات والأنظمة الفاسدة المصطفى في معسكر حلفاء الولايات المتحدة
- يا دستان على سيادة الدول منتهكين بفظاعة حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها وذلك بسبب الاشتراطات التي يفرضانها وتؤدي الى افتقار السكان وزيادة التفاوتات الاجتماعية، تارك البلدان فريسة للشركات العابرة للأوطان وتغيير تشريعات الدول (اصلاح عميق لقانون الشغل، القوانين المنجمية، وفسخ الاتفاقيات الجماعية) لصالح الدائنين «المستثمرين» الاجانب.
- يخفي خطابهما بشأن الحد من الفقر على نحو سيء سياسة ملموسة تعيد انتاج اسباب الفقر ذاتها".35
فعل الرغم من الدور الذي يقدمه البنك الدولي في تمويل مشاريع التنمية، الا ان العديد من الاصوات ترى بعض هذه المشاريع لا تحقق دائما النتائج المرجوة، بل قد تؤدي احيانا الى زيادة الاعباء المالية على الدول النامية بسبب تراكم الديون.
"فنحن في بلداننا نعاتب انظمتنا على المساءلة والمحاسبة والحكامة وهلم جرا من القضايا، اما البنك الدولي فلا كلام معه ولا أحد يسائله، رغم انه هو من يأتي بالمشروع والمنهجية وبالقروض، ومع انه لا يحقق اي نتيجة ملموسة على ارض الواقع، علما ان الدين يبقى على عاتق البلد المدين وينبغي تسديده".36
كما يرى غراهام هانكوك ايضا ان" البنك الذي يضع اموالا من أكثر المشروعات في أكثر البلدان النامية من أي مؤسسة أخرى يدعى بأنه يبحث عن السبيل الذي يمكن ان يحقق به حاجيات الفقراء، في أي مرحلة مما تشير اليه بدورة المشروع، لكن هل تجد الوقت لسؤال الفقراء انفسهم كيف يمكنهم تصور احتياجاتهم؛ كما لم يشير لأي طريقة يمكن وضع آرائهم في الكيفية التي يمكن بيها تلبية حاجياتهم وبالطبع فمنذ تحديد أي مشروع محتمل للبنك وحتى مرحلة التقييم النهائي فإنه عادة ما يتم إغفال الفقراء كليا عن عملية صناعة القرار كأنهم غير موجودين، وكما علق أحد الفلاحين السنغاليين بعد أن قامت بعثة من خبراء التنمية المهنين بزيارة خاطفة لقريته:
«إنهم لا يعلمون أنه يوجد اناس يعيشون هنا»"37
فكل هذه الانتقادات تفدي بنا الى التفكير او" طرح قضية محاسبة ومساءلة البنك الدولي نفسه على مشاريعه في البلدان المقترضة". 38
غيرأن البنك الدولي يعتبر فشل التنمية في البلدان النامية، يعود بالأساس الى فساد النظم السياسية السائدة، " حيث أظهرت تجارب التنمية في العديد من الدول، خاصة في افريقيا، ان فشل التنمية كان راجعا في الدرجة الأولى الى فساد النظم السياسية السائدة، وانه لا يوجد امل حقيقي في أي تنمية متواصلة مالم تحدث تغيرات جذرية في أساليب الحكم. ورغبة من البنك الدولي في طرح هذه القضايا دون التعرض مباشرة للأمور السياسية، فقد سك تعبيرا جديدا لمناقشة هذه الأمور، وهو تعبير "الحكم الصالح"، ويقصد به كل أساليب استخدام السلطة سواء من الحكومات اومن ادارات الحكم المحلي، او في إدارات المشروعات او غير ذلك من الميادين. فهذا الميدان لا يقتصر على الحكومات بالمعنى الضيق بل يتناول كل أوضاع العمل الجماعي. ومن هنا جاءت صيحة البنك الدولي في 1989 بأن ازمة أفريقيا هي ازمة في الحكم الصالح"39
المطلب الرابع: البنك الدولي بين الاصلاح والاغلاق
بعد الانتقادات التي وجهت الى البنك الدولي يبقى السؤال المطروح هو:
هل ينبغي اصلاح هذه المؤسسة ام اغلاقها؟
في هذا السياق يرى الدكتور المغربي نور الدين الشكر في كتابه البنك الدولي: التنمية بين الخبرة والسيادة بأنه" اذا كان حضور السوسيولوجي ذي المرجعية السوسيولوجية ضروريا داخل الهيئات الفنية والادارية للمؤسسات بشكل عام وداخل البنك بشكل خاص، لتغيير المقاربات والنماذج ولو نسبيا؛ فانه وحتى لا يتم السقوط في اوهام التسويق لخطاب جد متفائل بإصلاح البنك، ينبغي الاعتراف ان الدعوات لدمج علم الاجتماع في تلك" الهيئات التقنية والفنية" لن يحل جميع المشاكل الاجتماعية، ولكن غيابه ايضا سيجعل مجموعة برامج تنموية تعاني من عائق المقاربات الضيقة، وهو ما يؤول حتما الى الفشل الاقتصادي والتقني".40
لما للخبراء السوسيولوجين من دور مهم داخل مؤسسة البنك الدولي" غير ان مشاركة خبراء البنك الدولي ذوي الخلفية السوسيولوجية في سياغة التقارير وتحليل الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية للبلدان المعنية بتدخلاته، لا ينبغي ان تقتصر على العمليات التقنية مثل جمع البيانات وتقييم المشاريع.
ان دورهم الاساسي يتجاوز التدخل التقني الى وضع رؤية وهندسة اجتماعية حول التغيير الذي يستشرفون أفقه في المجتمعات المستهدفة ببرامج وتدخلات للبنك "41.
ان دور الخبراء السوسيولوجين يساعد في التحليل السوسيولوجي وتحليل البنيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وكذلك دمج البعد الاجتماعي ضمن مختلف مراحل واعداد وتنفيذ المشاريع التنموية، على فهم حاجيات السكان، والكشف عن الفوارق الاجتماعية، وتحديد الفئات الهشة، وضمان نوع من العدالة التنموية.
لتذهب الاتجاهات الراديكالية الى عكس ذلك، حيث ان " الراديكاليون الذين اشتغلوا داخل البنك او معه بعقود، يرون ان دعوة "اصلاح البنك" من الداخل، بدل توجيه النقد له من الخارج لا طائلة من ورائها، ولا تمثل اراء اصحابها الا صيحة في واد امام تغول وهيمنة مؤسسة مالية ضخمة تختفي وراءها فلسفة رأسمالية متوحشة، وفي هذا السياق قدم عالم الاجتماع الامريكي مايكل غولدمان" احد الخبراء المختصين الذين اشتغلوا داخل البنك الدولي، دراسة نقدية بعد تجربة طويلة داخل المؤسسة، انتهى به المطاف الى طرح سؤال يعيد مسح طاولة النقاش من جديد، فبعد ان رأى" مايكل غولدمان" ان البنك الدولي جزء من بنية متشعبة من القوى والثقافات والاموال تساءل: هل يمكن اغلاق البنك الدولي؟"42
"لينتهي الى خلاصات تعبر عن حالة من التذمر واليأس من نتائج الاحتجاجات التي يعرفها العالم تجاه سياسة البنك، معتبرا ان هذا الاخير" سيبقى قائما حتى لو اجتمع كل المحتجين في العاصمة الامريكية".43
في حين يرى ايريك توسان في كتابه البنك الدولي: تاريخ النقدي ان مسألة مقضات او مساءلة البنك الدولي امام القضاء تبقى شبه مستحيلة بفضل الحصانة القضائية التي منحتها له الدول المؤسسة وهذه الحصانة تمنع المحاكم الوطنية من متابعته او حتى الحجز عن أمواله، بل تشمل هذه الحصانة، كذلك موظفي البنك الدولي، اذ لا يتم تسليمهم للمحاكم حتى في حالة ارتكاب انتهاكات خطيرة.
وفي حالة حاولت اي دولة ما رفع دعوة ضد البنك، فانه غالبا ما يحاول فك المشكلة تحت الطاولة، وذلك من خلال اتفاقية ثنائية مع حكومة الدولة، حيث يدعو الى سحب الشكوى مقابل تقديم قروض، او التخلي عن الديون، وفي هذا السياق يقول توسان" في السنوات الاخيرة جرت محاولات عديدة لحمل البنك العالمي امام القضاء، بخاصة ضد المؤسسة المالية الدولية، هيئة البنك المكرسة للقطاع الخاص ففي سنة 2017، تقدم فلاحون بشكوى ضد ممثلين اثنين لمجموعة البنك العالمي لانهما شجعا على انتهاكات خطيرة للحقوق الانسانية بواسطة تمويل انشطة شركة زيت نخيل تلجأ الى اغتيال معاريض مشاريعها".44
و" في 2019، قدم سكان 13 قرية في الغرب الغيني شكوى ضد مؤسسة التمويل الدولي نفسها لأنها مولت منجم بوكسيت ضار، وتطرقت الشكوى المقدمة للوسيط المستقل في المقام الأول للانتهاكات المنتظمة للمعايير البيئية والاجتماعية: مصادرة الأراضي، تذمير البيئة وسبل العيش".45
وفي عام 2012 ناشد صيادون ومزارعون في غوجارات، بالهند الوسيط نفسه أن يندد بمشروع موندرا ألتراميغا للطاقة، محطة للطاقة الحرارية تستخدم الفحم المستخرج من طبقات أقل من البيتومين ما يؤدي الى تدهور نوعية الهواء والظروف المعيشية، وفي مواجهة رفضت مؤسسة التمويل الدولية لنتائج وسيطها الخاص، قدم الضحايا شكوى الى المحاكم الامريكية، وكما هو الحال في كل اجراء، حاولت مؤسسة التمويل الدولية اقناع القضاء في الولايات المتحدة الامريكية بأنها تتمتع بالحصانة".46
فكل ما حاول اريك توسان ان يبينه هنا هو ان مسألة محاسبة او مساءلة البنك الدولي قضائيا تواجه عوائق قانونية تجعلها شبه مستحيلة، وهو ما يجعل فكرة اغلاقه بعيدة المنال.
غيران مايكل غولدمان "يرى انه لابد سحب بساط الشرعية من البنك الدولي، لأنها هي ما يوفر له الرساميل اللازمة للقروض وسحب بساط الشرعية ذلك يكون من خلال الاصرار" الثوري والائتلاف الفئوية، والشعبية، ومقاطعة ومواجهة القيادات السياسية التي توقع على الاتفاقيات مع البنك الدولي".47
"آنذاك يمكن حسب غولدمان اعاده البنك الدولي الى الرماد الذي بعث منه بعد الحرب العالمية الثانية، والتي معها لن يبقى هناك مبرر لوجوده".48
في حين يرى جيمس م. بوتون وكولن برادفور جونيور في مقالهما الحوكمة العالمية: قوى فاعلة جديدة، وقواعد جديدة " انه ما لدينا اليوم هو تعددية في القوى الفاعلة المستقلة، العامة والخاصة على حد سواء، كل منهما يسعى لتحقيق اهدافه واولوياته بعملائه والدوائر المناصرة له. وبلغته التقنية وثقافته التنظيمية الخاصة"49
لذلك فهما يقترحان نظام عالمي جديد للتصدي للتحديات العالمية العاجلة وفي هذا السياق يقولان" ان النظام الدولي الحالي مكون من مؤسسات ووكالات وقوى فاعلة متعددة ذات ولايات متخصصة والمطلوب هو الانتقال لنظام عالمي من المؤسسات التي جرى اصلاحها واليات جديدة للحوكمة يمكن ان تسخر مختلف الطاقات والموارد بطريقة متماسكة، وذلك للتصدي بصورة فعالة للتحديات العالمية العاجلة في عصر التحول الاقتصادي والاجتماعي الحاشد الذي ينتظرنا. ان انتخاب قادة جدود في المملكة المتحدة وفرنسا واليابان، واحتمال انتخابهم في بلدان اخرى في مجموعة الثمانية، واختيار رؤساء جدد لمؤسسات بريتون وودز والمؤسسات الاخرى. كل ذلك يوفر فرصة للمضي قدما بجدول اعمال اصلاح الحوكمة وخلق نظام عالمي ملائم للمشاكل التي يتعين التصدي لها".50
خلاصة:
خلاصة لما سبق يمكن القول أن البنك الدولي منذ تأسيسه لم يكن مجرد جهاز تقني محايد يهدف إلى تحقيق التنمية، بل شكل ألية مركزية ضمن بنية النظام الرأسمالي. فرغم تعدد خطاباته وتحولاته من إعادة الاعمار إلى محاربة الفقر، فإن جوهر تدخل البنك الدولي أضحى قائما على ادماج الدول النامية في السوق العالمية وفق شروط تكرس التبعية وتحد من السيادة الاقتصادية، كما ان انخراط البنك الدولي في المسألة الاجتماعية لا يعكس تحول اخلاقي بقدر ما يعكس سعيه لضمان استقرار النظام الاقتصادي العالمي، واذا ما تأملنا محدودية نتائج سياسة البنك واستمرار الفقر يتضح ان الاشكال يفوق أليات عمله ليطال طبيعة وظيفته داخل هذا النظام، ما يجعل مسألة إصلاحه محل شك، ويطرح النقاش حول ضرورة البحث عن بذائل تنموية أكثر استقلالية وانصافا.
الهوامش:
1 أمارتياصن، التنمية حرية، ترجمة شوقي جلال المركز القومي للترجمة 2010، ص: 17
2 سعد طه علام، التنمية والمجتمع، القاهرة، مكتبة مدبولي، 2006 ص:14
3 مرجع نفسه
4 محاضرة الدكتور نور الدين الشكر 2026/ 04/8, 10:28
5 حازم الببلاوي، النظام الاقتصادي الدولي المعاصر من نهاية الحرب العالمية الثانية الى نهاية الحرب الباردة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والادب، الكويت، 1996، ص: 15_16
6 د. نورالدين الشكر، البنك الدولي التنمية بين الخبرة والسيادة قراءة في بعض مسارات التدخل بالبلدان النامية، حالة المغرب، دار القلم 2024 ص: 145
7 ذ. نور الدين الشكر، مرجع نفسه، ص: 34
8 عبد العزيز عبد الغفار، الجوانب الاقتصادية لنشاط البنك الدولي، الهيأة المصرية العامة للكتب، مصر 1976 ص: 43
9 مرجع نفسه ص: 35
10 تم الاسترجاع من الموقع: https://urli.info/1mTWn بتاريخ16:54,5/04/2026,
11 بشار محمود قبلان، اثار سياسة البنك الدولي على التنمية الاقتصادية والسياسية، عماد الدين للنشر، عمان، 2008، ص:25
12 تم الاسترجاع من موقع https://www.worldbank.org/en/archive/history?utm 16 :13,15/04/2026
13 مرجع نفسه: 2026/04/15، 16:20
14 حازم الببلاوي، مرجع سبق ذكره، ص: 168
15 البنك الدولي، تقرير عن التنمية في العالم 1980، واشنطن، البنك الدولي،1980، ص:59
16 امارتيا صن، مرجع سبق ذكره، ص:62
17 البنك الدولي، مرجع سبق ذكره، ص:56
18 حازم الببلاوي، مرجع سبق ذكره، ص: 169
19 مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية، المسألة الاجتماعية في المغرب اليوم، مراكش،2023/05/27
20 المرجع نفسه
21 رأي الاقتصادي المغربي نجيب أقصبي، نقلا عن د. نور الدين الشكر مرجع سبق دكره، ص: 221
22 مرجع نفسه، نقلا عن ذ. نور الدين الشكر ص: 222
23 مرجع نفسه
24 اريك توسان، البنك العالمي: تاريخ نقدي، ترجمة: اطاك المغرب، اطاك المغرب، 2022، ص: 473
25 Benchikh M.charvin, R. Demichel Introduction au Droit international public نقلا عن أريك توسان، مرجع سبق كره، ص: 474
26 BWP World Bank criticised for overlooking ar work’ نقلا عن أريك توسان، مرجع نفسه، ص: 466
27 ذ. نور الدين الشكر، مرجع سبق ذكره، ص: 223
28 شريف محمد، علي احمد، ايمان احمد، حسن علي، مفهوم الفقر واسبابه: دراسة تحليلية مع التركيز على الواقع المصري، المجلة العلمية للدراسات والبحوث المالية، المجلد 16، العدد 4، 2024
29 Policy, desa. Un. Org : world social Report 2024: social Development intimes of converging crises A call for Global action T. Economic Analysis and Policy Division
30 مرجع نفسه
31 World Bank , poverty, prosperity, and planet Report 2024: pathways out of the polycrisis, Washington, world bank,2024,p:XIII
32 ذ. نور الدين الشكر، مرجع سبق دكره، ص: 223
33 جون بيلجر، حكام العالم الجدد، 2008، نقلا عن ذ. نور الدين الشكر، ص: 224
34 هانز مارتين، هارالد شومان، فخ العولمة، نقلا عن ذ. نور الدين الشكر، ص: 224
35 اريك توسان، مرجع سبق دكره ص: 207
36 هانز مارتين، هارالد شومان ، مرجع سبق ذكره، نقلا عن د نور الدين الشكر ص225
37 غراهام هانكوك، سادة الفقر، ترجمة ناصر السيد و مستمار السقيد، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1994، ص: 125
38 ذ. نور الدين الشكر، مرجع سبق ذكره
39 Pascal Bonifance, la volonté de la l’impuissance : la fin des ambitions internationales et stratégiques, paris, 1996، نقلا عن حازم الببلاوي، مرجع سبق ذكره، ص : 170_ 171
40 ذ. نور الدين الشكر، مرجع سبق ذكره
41 ذ. نور الدين الشكر، مرجع نفسه، ص: 167
42 مرجع نفسه، ص: 226
43 مرجع نفسه
44 اريك توسان، مرجع سبق ذكره، ص: 499
45 مرجع نفسه
46 Sushovan Dhar, un jugement de la cour supreme des Etats- unis défie l’immunité incontestée de la banque mondiale, avrail 2019 : https://www.cadtm.org/Un- jugement-de-la-cour-superme-des-états-Unis-defie-1-immunite-incontestee-de.نقلا عن أريك توسان، ص: 499
47 مايكل غولدمان، نقلا ذ. الشكر: ص:226
48 مرجع نفسه
49 جيمس م. بوتون، وكولن برادفور جونيور، الحوكمة العالمية: قوى فاعلة جديدة قواعد جديدة، مجله التمويل والتنمية 3112 ص: 2
50 مرجع نفسه ص: 5
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟