عزالدين محمد ابوبكر
الحوار المتمدن-العدد: 8681 - 2026 / 4 / 18 - 20:15
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
تعتبر الرسالة الثامنة والثلاثون من "رسائل من رواقي" (Letters from a Stoic) لسينيكا بمثابة إيجاز أو بيان توضيحي للطريقة التي يرى بها الرواقيون عملية التعلم والتغيير النفسي. والفلسفة الرواقية هي فلسفة يمكن القول بأنها واحدة من أكثر الفلسفات المعارضة للفلسفة الأبيقورية، وينسب إنشاء الفلسفة الرواقية إلى زينون الذي ولد في قبرص سنة 336 ق.م، ثم جاء إلى أثينا سنة 312 ق.م، وأخذ يتردد على مدارسها، وأخذ يعلم في "رواق" ومن هنا جاءت التسمية لهذه الفلسفة بالفلسفة الرواقية. لكن حتى مع اختلاف الرواقية مع الأبيقورية، إلا أن غايتهما كانت واحدة، وهي حصر غاية الفلسفة في الغاية العملية المتصلة بالحياة¹؛ ففي الفكر الرواقي، الفلسفة ليست ترفاً فكرياً أو جدالاً منطقياً معقداً، بل هي مثل "طب للنفس". ويظهر هذا في الرسالة 38 من خلال تفضيله للمحادثة الهادئة على المحاضرة العامة؛ وبالنسبة لسينيكا، الخطابات الرنانة قد تبهر الأذن، لكن "المشورة الحسنة" هي التي تُهمس في الأذن لتصل إلى القلب، والفلسفة الحقيقية في نظره هي التي تُقال في "نبرات منخفضة"؛ لأنها تستهدف الوجدان لا الإعجاب الجماهيري.
وهذا هو نص الرسالة نقلاً عن الأصل الإنجليزي²:
الرِّسَالَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلاثُونَ
"أَنْتَ مُحِقٌّ تَمَاماً فِي حَثِّكَ عَلَى أَنْ نَتَبَادَلَ الرَّسَائِلَ بِشَكْلٍ أَكْثَرَ تَكْرَاراً. إِنَّ الفَائِدَةَ القُصْوَى تَأْتِي مِنَ المُحَادَثَةِ؛ لأَنَّهَا تَتَسَلَّلُ شَيْئاً فَشَيْئاً إِلَى العَقْلِ. أَمَّا المُحَاضَرَاتُ المُعَدَّةُ سَلَفاً وَالمُلْقَاةُ أَمَامَ جُمْهُورٍ مُسْتَمِعٍ، فَهِيَ أَكْثَرُ رَنِيناً لَكِنَّهَا أَقَلُّ حَمِيمِيَّةً. الفَلْسَفَةُ هِيَ مَشُورَةٌ حَسَنَةٌ، وَلَا أَحَدَ يُقَدِّمُ المَشُورَةَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ. مِثْلُ هَذِهِ الخِطَابَاتِ الرَّنَّانَةِ -إِنْ جَازَ لِي تَسْمِيَتُهَا كَذَلِكَ- قَدْ يُلْجَأُ إِلَيْهَا بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ حَيْثُ يَكُونُ الشَّخْصُ فِي حَالَةٍ مِنَ التَّرَدُّدِ وَيَحْتَاجُ إِلَى دَفْعَةٍ. وَلَكِنْ حِينَمَا لَا يَكُونُ الهَدَفُ جَعْلَهُ يَرْغَبُ فِي التَّعَلُّمِ، بَلْ دَفْعَهُ إِلَى التَّعَلُّمِ فِعْلِيّاً، فَلَا بُدَّ مِنَ الِالْتِجَاءِ إِلَى تِلْكَ النَّبَرَاتِ المُنْخَفِضَةِ، الَّتِي تَنْفُذُ إِلَى العَقْلِ بِسُهُولَةٍ أَكْبَرَ وَتَسْتَقِرُّ فِيهِ. إِنَّ المَطْلُوبَ لَيْسَ كَثْرَةَ الكَلِمَاتِ، بَلِ الكَلِمَاتُ الفَعَّالَةُ.
يَجِبُ أَنْ تُبْذَرَ الكَلِمَاتُ كَمَا تُبْذَرُ البُذُورُ؛ فَمَهْمَا كَانَتِ البِذْرَةُ صَغِيرَةً، فَإِنَّهَا حِينَمَا تَسْقُطُ فِي النَّوْعِ المُنَاسِبِ مِنَ التُّرْبَةِ، تَكْشِفُ عَنْ قُوَّتِهَا، وَتَتَمَدَّدُ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ ضَئِيلَةً وَتَنْمُو حَتَّى تَصِيرَ ذَاتَ حَجْمٍ هَائِلٍ. وَالعَقْلُ (المَنْطِقُ) يَفْعَلُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ؛ فَقَدْ تَبْدُو أَبْعَادُهُ لِلْعَيْنِ الظَّاهِرَةِ غَيْرَ ذِي شَأْنٍ، وَلَكِنَّهُ مَعَ النَّشَاطِ يَبْدَأُ فِي التَّطَوُّرِ. وَرَغْمَ أَنَّ الكَلِمَاتِ المَنْطُوقَةَ قَلِيلَةٌ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا اسْتَوْعَبَهَا العَقْلُ كَمَا يَنْبَغِي، فَإِنَّهَا تَجْمَعُ قُوَّتَهَا وَتَنْدَفِعُ صَاعِدَةً لِلأَعْلَى. نَعَمْ، إِنَّ القَوَاعِدَ (التَّعَالِيمَ) لَهَا ذَاتُ خَصَائِصِ البُذُورِ: فَهِيَ ذَاتُ أَبْعَادٍ مُدْمَجَةٍ وَتُنْتِجُ نَتَائِجَ مُبْهِرَةً -بِشَرْطِ، كَمَا أَقُولُ، وُجُودِ النَّوْعِ الصَّحِيحِ مِنَ العَقْلِ، لِيَتَلَقَّفَهَا وَيَتَمَثَّلَهَا. وَسَيَسْتَجِيبُ العَقْلُ عِنْدَئِذٍ بِأَنْ يَكُونَ هُوَ بَدَوْرِهِ مُبْدِعاً، وَسَيُنْتِجُ غَلَّةً تَفُوقُ مَا وُضِعَ فِيهِ."
واستخدام سينيكا لتشبيه "البذور" ليس مجرد تجميل أدبي، بل هو عمق الفلسفة الرواقية؛ حيث يؤمن الرواقيون بأن العقل البشري يحتوي على "بذور العقل" أو "بذور الفضيلة"، ودور الفيلسوف هو مجرد "باذر" يلقي الكلمة (البذرة)، ودور المتلقي هو "التربة". والفلسفة هنا تضع المسؤولية على عاتقك أنت؛ فالبذرة الصغيرة يمكن أن تتحول إلى شجرة ضخمة إذا كان عقلك مستعداً لاستيعابها وتمثلها. ويركز سينيكا على أن "العبرة ليست بكثرة الكلمات بل بفعاليتها"، وهذا القول يعكس المبدأ الرواقي في العيش وفقاً للطبيعة والتركيز على الجوهر؛ فالكثرة في الكلام قد تشتت العقل، بينما "الكلمات القليلة المستوعبة" تمنح العقل القوة لينمو من الداخل. والفلسفة هنا هي عملية "تفاعلية"؛ فالعقل لا يكتفي بأخذ المعلومة، بل "يستجيب بأن يكون هو بدوره مُبدعاً". ويفرق سينيكا في هذه الرسالة بين حالتين للنفس؛ الأولى هي حالة التردد وتحتاج إلى "دفعة" أو خطابة قوية (Harangues)، أما الثانية فهي حالة التعلم الحقيقي، وتحتاج إلى "الهمس" والتسلل الهادئ للعقل، وهذا يظهر مرونة سينيكا كمعلم؛ فهو يدرك أن النفس البشرية تمر بحالات مختلفة، وأن لكل حالة أسلوباً يناسبها، لكنه ينحاز دائماً للعمق الهادئ على الضجيج العابر. وتنتهي الرسالة بفكرة مذهلة: "العقل سيُنتج غلّة تفوق ما وُضع فيه"، وهذا القول هو لب الفلسفة الرواقية؛ حيث الهدف ليس أن تظل تابعاً لسينيكا أو لأي معلم، بل أن تتحول أنت بفضل الفلسفة إلى مصدر للإبداع والفضيلة، بحيث تفوق النتائج (أفعالك وحكمتك) المدخلات (الكلمات التي قرأتها).
يتميز أسلوب سينيكا في هذه الرسالة بخصائص المدرسة الرواقية المتأخرة؛ حيث يبتعد عن التعقيد اللفظي ويركز على النفاذ المباشر إلى الوجدان، ويبدأ بتقرير مبدأ جوهري في التواصل وهو: "الفلسفة مشورة حسنة، ولا أحد يقدم المشورة بأعلى صوته". وهكذا يرفض سينيكا أسلوب "الخطابة" (Lectures) التي تُلقى أمام الجماهير لأنها رنانة لكنها فارغة من الروابط الشخصية، وأسلوبه هنا يعتمد على "المساررة" أو الحديث الهادئ، وهو ما يجعله يبدو كصديق يجلس معك، لا كمعلم يلقي دروساً من فوق منصة. ويؤمن سينيكا بـ "الكلمات الفعالة" لا "الكلمات الكثيرة"، ويتضح هذا في عبارته: "المطلوب ليس كثرة الكلمات بل الفعّال منها"، وأسلوبه هنا يعتمد على الجمل القصيرة والقوية (Sententiae) التي تشبه الحكم المأثورة، وهو بهذا لا يريد حشو عقلك بالمعلومات، بل يريد إعطاءك "شرارة" تشتعل ذاتياً في عقلك. واستخدام "البذرة" كاستعارة مركزية هو ذروة الإبداع في هذا النص؛ لأن سينيكا لا يرى المعلم كشخص "يبني" العقل، بل كـ "مزارع" يضع البذرة، وهذا التشبيه يخدم فكرتين؛ الأولى هي أن البذرة صغيرة لكن بداخلها شجرة ضخمة، وكذلك الحقيقة الفلسفية، والثانية هي أن البذرة لا تنمو وحدها، بل تحتاج "تربة" (عقل المستمع) لتنمو، وهذا يحول القارئ من متلقٍ سلبي إلى شريك مبدع. وينتقل سينيكا بذكاء من نقد "الصوت العالي" (الخطابة) إلى مدح "الصوت الخفي" (المحادثة)، ثم ينتهي بشرح "آلية العمل" داخل العقل، وهذا التسلسل يهدف إلى إقناع المتلقي بأن التغيير الحقيقي يحدث في الصمت والهدوء، وليس في ضجيج الكلمات. والأسلوب هنا "نفعي" بالمعنى الإيجابي، فهو لا يهتم بجمال الجملة لذاتها، بل بمدى "التصاقها" في العقل، واستخدام أفعال مثل "تتسلل"، "تنفذ"، "تستقر" يشير إلى أن سينيكا يكتب بعقلية الطبيب الذي يصف دواءً؛ حيث الكفاءة هي المعيار الأول للأسلوب.
وعندما نعيد قراءة الرسالة بهدوء وتمعن نجد أن هناك جسراً فكرياً مدهشاً يمتد من أروقة الرواقية القديمة إلى "أبو الوجودية" الحديثة، سورين كيركجور؛ حيث رغم الفارق الزمني (أكثر من 1700 عام)، إلا أن "الكلمات" عند كلاهما ليست مجرد أداة لنقل المعلومات، بل هي "قوة وجودية" تستهدف تغيير كيان المتلقي. وكما أشرت، فإن سينيكا يرفض الخطابة الرنانة ويفضل "النبرات المنخفضة" (Lower tones) التي تتسلل إلى العقل، وهو يريد حواراً حميمياً يكسر المسافة بين المعلم والمتعلم، وكيركجور يطور مفهوم "الاتصال غير المباشر" بالنسبة له حيث الحقيقة الوجودية لا تُلقن كدرس، بل يجب أن تُقدم بطريقة تجعل المتلقي "يصطدم" بها بنفسه، تماماً كما أراد سينيكا للكلمة أن تكون "بذرة" تنمو ذاتياً، أراد كيركجور للكلمة أن تكون "شرارة" تُشعل الوعي الفردي دون وصاية مباشرة.
عند سينيكا إن "المطلوب ليس كثرة الكلمات بل الفعّال منها"، والقيمة ليست في النص، بل في "الاستجابة المبدعة" للعقل، وعند كيركجور الحقيقة هي "الذاتية" والكلمة لا تكون حقيقية إلا إذا تم "تمثلها" (Appropriation) في حياة الفرد، وقد مهد سينيكا لهذا بفكرة "البذرة" التي لا قيمة لها إلا إذا لاقت "التربة المناسبة" (الذات المستعدة للفعل). وسينيكا يحذر من "المحاضرات أمام جمهور مستمع" لأنها تفقد حميميتها وتأثيرها الوجودي، والفلسفة عنده هي خلاص فردي؛ وعند كيركجور يمكن القول بأن الحشد هو الضلال، حيث كان كيركجور يكره الخطابات الجماهيرية والمؤسساتية (مثل الكنيسة الرسمية في وقته) لأنها تمحو "الفرد الواحد"، وكلاهما آمن بأن الحكمة الحقيقية تُهمس في أذن "الفرد" ولا تُصرخ في وجه "القطيع".
وماهية الإنسان المعاصر الآن مشروطة بـ "الاقتصاد القائم على الانتباه"؛ ونحن نعيش في عصر "المحاضرات العامة" التي حذر منها سينيكا، لكنها اليوم تأخذ شكل "ترندات" وضجيج رقمي مستمر، وهذا الضجيج يجعل "التربة" (العقل) صلبة وجافة، بحيث ترتد عنها "البذور" (الكلمات العميقة) قبل أن تنغرس، والإنسان اليوم يستهلك الكلمات ولا "يتمثلها". ورغم كل هذا الضجيج، نجد في ماهية الإنسان حنيناً فطرياً لما هو حقيقي؛ حيث كلما زاد زيف "الخطابات الرنانة" في الفضاء العام، زاد عطش الفرد لنوع التواصل الذي وصفه سينيكا بـ "المشورة التي لا تُقدم بأعلى صوت". وهذا يفسر العودة القوية للفلسفة الرواقية والوجودية اليوم؛ فالإنسان يبحث عن "بذرة" واحدة حقيقية وسط ركام من المعلومات الزائفة. وماهية التواصل تغيرت؛ حيث النبرة المنخفضة اليوم قد لا تكون صوتاً فيزيائياً، بل هي تلك "اللحظة من الصمت" التي يقتنصها الفرد بعيداً عن شاشته، وسماع سينيكا اليوم يتطلب "عزلة إرادية"، وهو مفهوم وجودي بامتياز؛ حيث القدرة موجودة، لكنها تتطلب "اختياراً" (بمعنى كيركجوري) واعياً للانفصال عن الحشد لسماع صوت الذات. ومن المفارقات أن التكنولوجيا التي تخلق الضجيج هي نفسها التي نقلت إلينا رسالة سينيكا المكتوبة قبل ألفي عام، والماهية التقنية للإنسان قد تكون عائقاً، لكنها أيضاً توفر "مخازن" لهذه البذور. والتحدي الوجودي هنا ليس في انعدام البذور، بل في قدرة الإنسان على "إسكات" الضجيج الخارجي ليسمح للبذرة بالنمو، وحسب ماهيته الحالية، الإنسان قادر على السماع، لكنه مُحاصر، وهو يحتاج إلى ما سماه كيركجور "القرار الحاسم" ليتحول من "مستمع مشتت" إلى "مستقبل مستعد"؛ وإن رسالة سينيكا اليوم هي "فعل مقاومة"، فأن تختار سماع النبرة المنخفضة يعني أنك اخترت استعادة فرديتك من قبضة الضجيج العالمي.
1- للمزيد عن هذه الفلسفة ومضمونها راجع صـ 129، دروس في الفلسفة؛ تأليف: يوسف كرم - إبراهيم مدكور، عالم الأدب للبرمجيات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى - 2016، بيروت.
2- الرسالة 38 (letter xxxviii)، من كتاب letters from a stoic، متوفر على الإنترنت.
#عزالدين_محمد_ابوبكر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟