أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ليث فائز العطية - الرجعة بوصفها ولادة كونية عظمى - هندسة المعنى في الوجود















المزيد.....

الرجعة بوصفها ولادة كونية عظمى - هندسة المعنى في الوجود


ليث فائز العطية

الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 20:42
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


” الرجعةُ تتجلّى كتحوّلٍ في بنية الوجود بين غيبٍ يتدرّج في الانكشاف، ومعنىً يتكثّف عبر طبقات الحضور، وبين سننٍ تحفظ انتظام العالم، وتجلّياتٍ تعيد صياغة ميزان الحق في مسار التاريخ.”

يتجلّى الوجود، في أعمق طبقاته، لا بوصفه حالةً ثابتة، بل بوصفه مسارًا حيًّا من التحوّل المستمر؛ مسارًا يتأرجح بين الكشف والحجاب، بين عقلٍ يسعى إلى البرهان، وروحٍ تلمح المعنى. وفي هذا الامتداد، لا تكون الحقيقة معطًى جاهزًا، بل رحلة وعيٍ تتكشف عبر الزمن، ضمن نظامٍ كونيٍّ محكومٍ بسننٍ دقيقة، لا تُلغي الاختيار، ولا تنفي القدر، بل تنسج بينهما وحدةً خفية.

ضمن هذا الأفق، تنبثق فكرة “الولادة الكونية” بوصفها مفتاحًا لفهم حركة الوجود. فالكون لا يسير في خطٍّ جامد، بل يعيش تحوّلاتٍ كبرى، يمكن وصفها بولاداتٍ متعاقبة: منها ما هو خفيّ، ومنها ما يهزّ البنية العميقة للوجود، فيعيد ترتيب ميزان المعنى فيه.

ومن هنا، لا يمكن النظر إلى “الرجعة” بوصفها حدثًا جزئيًا أو معجزةً خارجة عن النظام، لأن وصفها بالمعجزة يُقزِّم حقيقتها. فالرجعة ليست خرقًا للسنن، بل تجلٍّ أعلى لها؛ ليست استثناءً، بل ذروة انتظام الوجود حين يبلغ أقصى درجات انكشافه.

إن الرجعة، في هذا السياق، هي ولادة كونية عظمى، لا تخصّ الإنسان وحده، بل تشمل الكون بأسره، والإنسان جزءٌ من هذا الحدث الشامل. إنها لحظة يعيد فيها الوجود تشكيل ذاته، ويعيد قراءة تاريخه، لا على مستوى الوقائع فحسب، بل على مستوى المعنى الكامن خلفها.

الولادات الكونية لم تتوقف منذ نشأة الوجود، لكنها تتفاوت في مراتبها؛ ومنها ما يُعدّ مفصليًا، ومنها ما يُعدّ أعظم من غيره. وفي هذا السياق، تمثّل “أيام الله” محطاتٍ كبرى في هذا المسار: يوم الظهور، ويوم الرجعة، ويوم القيامة الكبرى. وهذه ليست مجرد تواريخ، بل أطوار وجودية تتصاعد فيها درجات الكشف، حتى يبلغ الوجود تمام بيانه.

فالغيبة ليست غيابًا مطلقًا، بل إعدادٌ خفيّ تتراكم فيه شروط التحوّل.
والظهور ليس نهاية، بل بداية الانكشاف الظاهر.
أما الرجعة، فهي طورٌ متقدّم تتكامل فيه خطوط الحقيقة، وتدخل فيه البشرية مرحلةً جديدة من الوعي.

ومن هذا المنظور، لا تُختزل الرجعة في كونها محاكمةً أولية تسبق القيامة، ولا تُحصر في كونها وفاءً بوعدٍ إلهيٍّ بنصرة الأولياء. لكنها، في عمقها، تتجاوز ذلك، لتكون لحظة انكشاف الحقيقة في قلب التاريخ نفسه، قبل انكشافها المطلق في القيامة الكبرى.

في الرجعة، لا يعود الصراع كما كان، بل يُعاد تعريفه. تظهر قوى الحق لا بوصفها ردّ فعل، بل بوصفها ميزانًا حاكمًا، وتُستأصل جذور الانحراف، في صورة القضاء النهائي على مصدر الإغواء. وهنا تتجلّى الرموز الكبرى – كما في الروايات – لا بوصفها شخصيات تاريخية، بل بوصفها تجليات لقوى كونية: النصر، والتطهير، وإعادة التوازن.

فالمنتصر يتجلّى في الحسين بوصفه اكتمال معنى استرجاع الحق، لا كغلبةٍ عابرة، بل كنصرٍ يعيد تعريف التاريخ من جذوره.
والسفّاح يتجلّى في أمير المؤمنين بوصفه قوة الفصل والتطهير، لا بالمعنى الظاهري، بل كحسمٍ كونيٍّ بين الحق والباطل.
أما الجبّار، فيتجلّى في محمد، لا كهيمنةٍ قسرية، بل كتمام القدرة التي يُعاد بها ميزان الوجود، ويبلغ بها الحق ذروته في الحضور.

وفي هذا الامتداد، لا يكون الثأر مجرّد ردٍّ تاريخي، بل استعادةً كونيةً للميزان المختل، ولا تكون النصرة حدثًا محدودًا، بل حالةً ممتدة “مع اختلاف الليل والنهار”، حيث يغدو الأنصار امتدادًا حيًّا لمعنى النصرة عبر الزمن، لا ينحصرون في جيلٍ دون آخر.

ومن هنا، تتجلّى الموقعية العظمى للرجعة في دين محمد وآله؛ إذ لا يتحقّق هذا الدين في أبهى صوره، ولا يبلغ تمام ظهوره، إلا في نهاية عصر الرجعة العظيمة، في ما يمكن تسميته الدولة المحمدية العظمى.

وهي ليست دولةً بالمعنى الضيّق، بل أفقٌ كونيّ:
دولة السلام،
ودولة الرحمة،
ودولة الحق،
الدولة التي يتحقّق فيها المعنى الكامل لقوله تعالى: “ليظهره على الدين كله”.

هناك تبلغ الرسالة كمالها، ويصل التاريخ إلى لحظة صفائه، وتنكشف الحقيقة بوصفها ميزانًا شاملًا للوجود.

وفي قلب هذه الحقيقة، تبرز تلك “اللؤلؤة” التي شُرِيَت بثمنٍ عظيم؛ إذ لم يكن ذلك الثمن حدثًا عابرًا، بل تأسيسًا لمسارٍ كامل من الاستعادة الكونية. وهكذا يغدو حق الحسين ليس ذكرى، بل حقيقةً ثابتة في ضمير الوجود، تتجدّد مع كل اقترابٍ من تمام هذا الانكشاف.

وليس عبثًا أن تُذكر حوادث الإحياء بعد الموت في تاريخ الأمم السابقة، ولا سيما في بني إسرائيل، لأنها تمثّل نماذج مصغّرة وإشارات مبكرة إلى قانونٍ كونيٍّ أوسع: أن الوجود يحمل في ذاته قابلية الرجوع وإعادة التشكّل.

وفي قلب هذه الولادة الكونية يحدث تحوّلٌ أعظم: تحوّل في المعرفة نفسها.
فالعلم الذي عرفه الإنسان لم يكن إلا جزءًا يسيرًا، ومع اكتمال هذا الطور تنفتح آفاقٌ جديدة من الإدراك. غير أن هذا الاتساع لا يتحقق دون اتساعٍ موازٍ في العقل، ولا يكتمل العقل دون تحوّلٍ في اللغة، فتولد لغةٌ جديدة أكثر قدرة على احتواء المعنى.

وهكذا لا تكون الرجعة عودةً إلى الماضي، بل انتقالًا إلى أفقٍ جديد:
أفقٍ يتسع فيه العقل،
ويتطهر فيه العلم،
ويُعاد فيه تشكيل الوعي الإنساني.

وفي هذا السياق، يتجلّى الإنسان لا بوصفه كائنًا محكومًا بحتميةٍ عمياء، ولا منفصلًا عن القدر، بل بوصفه مركز وعيٍ داخل شبكةٍ كونية متشابكة، يتحرك فيها بين ما كُتب له وما يختاره، فيُحاسب على ما صدر عن إرادته، لا على ما تجاوز قدرته.

إن “هندسة المعنى في الوجود” ترى أن الحقيقة لا تُعطى دفعةً واحدة، بل تتجلّى عبر مراحل، وأن الرجعة تمثّل إحدى أعظم هذه المراحل؛ لحظةً يعيد فيها الوجود ترتيب نفسه، وتُستعاد فيها المعاني إلى مواضعها، ويبلغ فيها الصراع مداه، ليتهيأ العالم لتمام انكشافه في القيامة الكبرى.

وعليه، فإن الرجعة ليست مجرد ولادة…
بل ولادةٌ يعيد بها الوجود قراءة نفسه، ويكتب بها فصله الأخير قبل اكتمال الحكاية.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هندسة المعنى في الوجود


المزيد.....




- النظام الإيراني يرد على تصريحات ترامب عن -وجود انقسامات بسبب ...
- ترامب يعلن تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لـ3 أساب ...
- هل ستشن ضربات نووية على إيران؟.. ترامب يرد
- ترمب يبشر بترميم العلاقات مع بريطانيا خلال زيارة تشارلز لواش ...
- إيران تعلن موقفها من المفاوضات وترد على ترمب بتأكيد الوحدة ا ...
- تونس في مفترق الطرق.. 3 سيناريوهات تحكم مشهد -الانسداد العظي ...
- وول ستريت جورنال: حرب إيران استنزفت الذخائر الأمريكية
- -صراع الألغام- يشتد تحت مياه هرمز
- وزير الدولة الصومالي للشؤون الخارجية: سيادتنا ليست للبيع وسن ...
- إسرائيل تعترض -مقذوفات- أطلقت من لبنان


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ليث فائز العطية - الرجعة بوصفها ولادة كونية عظمى - هندسة المعنى في الوجود