أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد وهاب عبود - مواقع تتربح وطفولة تُستباح














المزيد.....

مواقع تتربح وطفولة تُستباح


محمد وهاب عبود

الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 20:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بداية من أستراليا مروراً بفرنسا وصولاً إلى بريطانيا تستمر قرارات حظر مواقع التواصل الاجتماعي عن الأطفال، في ما يواصل أقطاب التكنولوجيا جني حصاد الأرباح من طفولة لا تعرف كيف تحمي نفسها.

يقول الفيلسوف جون لوك إن عقل الطفل صفحة بيضاء لم تكتب عليها التجارب بعد. لكن ماذا حين تتولى الكتابة على تلك الصفحة أياد لا تؤمن إلا بمعادلة واحدة مفادها أنه كلما طالت مدة المعاينة على الشاشة، تكدست الأموال في خزائن مالكي مواقع التواصل الاجتماعي.
ها هي استراليا وفرنسا والنرويج واليونان وسلوفينيا وبريطانيا تقطع الطريق على هذه المنصات، فتسن قوانين تمنع الأطفال دون الخامسة عشرة أو الثامنة عشرة من ولوج الفيسبوك وتيك توك وإنستغرام، وكأنها تعلن حالة الطوارئ على براءة الطفولة قبل أن تدنسها براثن الإدمان الرقمي.

المفارقة أن أقطاب تلك المنصات باتوا اليوم في دائرة الاتهام بتهمة التخطيط المتعمد لصناعة الإدمان، فقد أقرت تسريبات بأن هذه الشركات تستخدم خوارزميات مصممة بدقة متناهية لاختراق نقاط الضعف النفسي لدى المستخدمين، وخصوصاً الأصغر سناً للقيام بما يعرف بهندسة الإدمان ، كتلك التي يدير بها تاجر المخدرات مفاعيل الجرعة الأولى.

فالطفل الذي يقضي ساعات في مقارنة صوره مع صور مصفاة بمئات الفلاتر، يخرج بجسد مشوه في مخيلته، بعقل يظن أن الحب لا يستحق إلا بكمية الإعجابات، وأن القيمة البشرية تقاس بسرعة انتشار المقطع. كما يتسلل القلق الاجتماعي إليه، فينام على وسادة من الاكتئاب ويصحو على كابوس الوحدة. وتتحطم قدرته على التركيز، فيصبح عاجزاً عن قراءة صفحة من كتاب أو الإنصات لصديق لدقائق. تنهار جودة نومه ويختل إيقاعه البيولوجي تحت وطأة الضوء الأزرق الذي يخدع الدماغ ظاناً أن الشمس لم تغب بعد.

وقد أظهرت دراسات نشرتها دوريات طبية محكمة أن معدلات القلق والانتحار بين المراهقين ارتفعت بنسبة تناهز المئة وخمسين بالمئة بعد العقد الثاني من الألفية، أي بالتزامن مع انتشار الهواتف الذكية في كل حجرة نوم.

لكن الضرر الأعمق يتجاوز النفسي إلى الاجتماعي. فهذه المنصات بتصميمها الذي يكافئ الفرد على حساب الجماعة، تعزز الأنانية وتعمق العزلة، فكم من جلسات عائلية تحولت إلى صمت وكل فرد غارق في متاهته الرقمية! كم من أطفال فقدوا القدرة على قراءة تعابير الوجوه الحقيقية، على الإحساس بالألم حين يرون دموع الآخر، وعلى مد يد العون دون أن يطلب منهم "لايك"؟

تتلاشى الألفة التي كانت تميز المجتمعات الإنسانية وتحل محلها ثقافة المقارنة الدائمة، من يملك جسداً أكثر تشكيلاً، من يسافر إلى وجهات أبعد، من يحصل على تفاعلات أكثر. فالفقير يشعر بفقر أكثر والغني يشعر أن غناه لا يكفي.

وحين تتصدر واجهات التطبيقات مشاهد القتل والحروب وإيذاء الحيوانات والبشر تحت غطاء "الترفيه"، تختل البوصلة الأخلاقية لدى الطفل الذي لم تتشكل بعد لديه آليات التمييز بين الجد والهزل، بين الألم والمتعة. يضحك على جثة وينشر مقطع سقوط إنسان كالنكتة ويشارك في تحديات خطيرة قد تودي بحياته. لقد تحولت التطبيقات إلى مخدرات رقمية، والفرق الوحيد أن المخدرات التقليدية كانت تخفي قبحها، أما هذه فتقدم الخراب في شاشات ملونة.

قد يقول قائل إن التكنولوجيا موج جارف لا يمكن صدّه، وهذا صحيح لكن حين ظهر التلفزيون استطاعت أسر كثيرة أن تضع برامج حماية، أن تختار ما يشاهده الطفل، أن تحدد ساعات المشاهدة، أن تجلس بجانبه وتشرح وتناقش. أما اليوم فالهاتف الذكي في جيب الطفل يخرج معه إلى كل مكان، ويخلد معه إلى النوم، ويستيقظ قبله.

فالخوارزميات أقوى من أي رقابة أبوية، إنها حرب غير متكافئة متمثلة بطغمة فاسدة من مالكي التكنولوجيا لا يهمها سوى السيطرة على العقول والجيوب، زمرة تريد صناعة أجيال استهلاكية محطمة، أنانية لا تعبأ بالعدالة الاجتماعية ولا التنمية ولا السلمية ولا النزاهة ولا التضامن، وأمام تحديات تغلي كالمرجل على سطح هذا الكوكب.

دكتور محمد وهاب عبود باحث وأكاديمي



#محمد_وهاب_عبود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المنطقة الرمادية بين النصر والهزيمة
- الإبادة المنسية.. مليون طفل عراقي ضحية الحصار الأمريكي
- ماذا بعد انقشاع غبار المعركة؟
- إبستين وشراء البراءة من الإعلام
- قصة السومريين والمجلس الوزراي للاقتصاد
- لماذا هذه الكراهية للشعوب؟
- انتخابات العراق 2025.. لا جديد يُذكر والقديم يُعاد
- القابضون على الذكاء الاصطناعي
- شيطنة فنزويلا
- جائزة نوبل.. تكريم الغرب لنفسه
- البودكاست وثقافة الثرثرة
- سلطة النهب
- ال -ترند- والانجراف الجمعي
- فرنسا القديمة وكاليدونيا الجديدة
- الأجيال وجدل الأفضلية المزمن
- كورونا العادل في زمن الظلم
- كورونا_من زاوية اخرى
- قوى الامن في مستنقع السياسة
- حب رقمي
- سلاح ألمعرفة ألمضادة


المزيد.....




- للمرة الثانية.. أمريكا ترفع مؤقتا العقوبات المفروضة على النف ...
- للمرة الأولى.. ثعلبا بحر يتيمان صغيران يخطفان الأنظار في حوض ...
- مئات الآلاف يزورون هذه الأسواق الشعبية في كوريا الجنوبية.. م ...
- إيرانيات يشاركن في احتجاجات حاشدة في إيران ضد أمريكا وإسرائي ...
- الجيش الأمريكي يكشف عن عدد السفن العائدة لإيران منذ بدء الحص ...
- من فيروز ووديع الصافي إلى جوليا: حكاية الجنوب في الأغنية الل ...
- ترامب: حصار موانئ إيران سيستمر حتى التوصل لاتفاق ينهي الحرب ...
- -هرمز- في قلب الأزمة ـ تحذيرات من قرب نفاد كيروسين الطائرات ...
- ألمانيا ـ روبوتات -شبيهة بالبشر- تبدأ ممارسة -المهنة-.. فهل ...
- فوضى وشبهات تزوير تُخيّم على الانتخابات الرئاسية في بيرو


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد وهاب عبود - مواقع تتربح وطفولة تُستباح