|
|
منحدر التصعيد وتبدلات الميدان:قراءة📕في توازنات الحرب وتصدعات الداخل الإسرائيلي …
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 15:28
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ خلال المنعطفات التاريخية الحاسمة ، لا تأتي الأحداث فرادى ، بل تتدحرج ككرة ثلج تكبر مع كل احتكاك ، حاملةً في مسارها تراكمات الغضب والتناقضات المؤجلة ، وما نشهده اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري عابر ، بل هو انعكاس عميق لاختلالات بنيوية في موازين القوىد، وتعبير صريح عن واقع إقليمي يعاد تشكيله تحت ضغط النار ، حيث تتكسر السرديات القديمة أمام حقائق الميدان ..
لم يكن تسارع الأحداث في الساحة الإقليمية وليد الصدفة ، بقدر ما جاء نتيجة مباشرة لارتفاع منسوب الاحتقان داخل المجتمع الإسرائيلي ، وهو ما أسهم في تقويض سردية “ الكيان المتماسك ظاهرياً” ، فقد تبيّن أن هذا الكيان يعاني من انقسامات داخلية عميقة ، تتراوح بين فئات مختلفة في مستوى الانتماء والجاهزيةز، الأمر الذي انعكس سلباً على الأداء العسكري والمعنوي ، وفي الميدان ، تشير المعطيات إلى ارتفاع ملحوظ في حجم الخسائر في صفوف جيش الاحتلال ، في ظل مواجهات معقدة مع مقاتلي حزب الله ، حيث تتجه العمليات نحو نمط استنزافي أفضى إلى تراجع القدرة القتالية على المدى المتوسط ، ويكتسب هذا المشهد أهمية خاصة كونه يمثل تحولاً في طبيعة الصراع ، إذ باتت القوات الإسرائيلية تواجه بيئات قتالية تختلف جذرياً عن تلك التىّ اعتادت عليها .
فعلى سبيل المثال ، واجهت فرقة 98 تحديات جغرافية في لبنان مغايرة تماماً لقطاع غزة ، ففي حين تتسم غزة بطبيعة مسطحة ومناطق مكتظة وأهداف قريبة ، ما يسهّل الحركة والاشتباك ، فإن الجنوب اللبناني يتميز بتضاريس جبلية وعرةز، وطرق محدودة ، ومحاور ضيقة ، الأمر الذي يفرض نمطاً قتالياً أكثر تعقيداً وبطئاً ، ويتطلب جهداً مكثفاً لتأمين كل تقدم ميداني ، كما تختلف تكتيكات القتال بين الجبهتين ؛ ففي غزة اعتمدت المقاومة بشكل كبير على الأنفاق ، بينما يمتلك حزب الله شبكة عملياتية واسعة ومعقدة ، تجمع بين العمل فوق الأرض وتحتها ، مع اعتماد كبير على عنصر المفاجأة ، واستخدام مكثف للصواريخ والطائرات المسيّرة ، إضافة إلى منظومات نارية مخفية ، هذا التنوع في أساليب القتال يؤدي إلى زيادة استنزاف القوات الإسرائيلية ، ويحدّ من قدرتها على تحقيق حسم سريع ، لذلك، جدّد رئيس هيئة الأركان تحذيره من اقتراب انهيار الجيش .
يُعدّ نتنياهو واهمًا إذا كان يعتقد أنه سيحصل على أي مكسب من لبنان ، فقد تضررت الولايات المتحدة من الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية التىّ استهدفت قواعدها في المنطقة ، وهو ضرر لم تشهده جغرافيتها من قبل ، وبالتالي ، فإن محاولة البنتاغون تفريغ حمولة أسلحته تجاه إيران لم تُحدث تغييرًا جوهريًا في طبيعة النظام ، في المقابل ، تواجه إسرائيل حربًا حقيقية متعددة الأبعاد : جوية وبحرية وبرية ، وتبقى المواجهة البرية الأكثر إيلامًا ، نظرًا لما تمتلكه المقاومة في لبنان من إمكانات تؤهلها لتحويل الصراع إلى نموذج استنزافي شبيه بتجارب تاريخية معقدة ، وهو ما يفتح باب التساؤل حول قدرة المجتمع الإسرائيلي على تحمّل خسائر بشرية كبيرة في صفوف قواته ، ولم تعد بلدة بنت جبيل مجرد ساحة اختبار عسكري ، حيث التحام مباشر ومواجهات توصف بأنها شديدة العنف ، بل إن مشهدها يتكرر اليوم في مختلف مناطق الجنوب بوتيرة أكثر ضراوة ، إذ يواجه الإسرائيليون حالة من عدم اليقين في معارك تتسم بطابع غير تقليدي ، حيث يظهر المقاتلون بشكل مفاجئ من مواقع متعددة ، ويتحركون فوق الأرض وتحتها ، ما يجعل تحديد مواقعهم بدقة أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة لغرف العمليات الإسرائيلية ، وقد أصبحت هذه الأرض بيئة قتال معقدة ، تفصل فيها أمتار قليلة بين الحياة والموت بالنسبة لجنود الاحتلال ، وحتى مع اعتماد سياسة الأرض المحروقة ، لم تحقق هذه الاستراتيجية أهدافها ، إذ لا يقتصر المشهد على استهداف أبنية ومواقع عسكرية ، بل يمتد إلى كمائن نارية متحركة تعيد تشكيل خريطة المواجهة بشكل مستمر ، مدعومة برشقات صاروخية وضربات بالطائرات المسيّرة أسهمت في تقليص التفوق العسكري الإسرائيلي وقلب موازين القوة .
ولا تقتصر هذه الضربات على المناطق الحدودية ، بل تمتد إلى عمق الكيان الإسرائيلي ، بهدف إرباك الجبهة الداخلية وخلق حالة من الضغط الشامل ، وفي هذا السياق ، بدأت الصحافة العبرية بالكشف عن حجم الخسائر البشرية والإصابات في صفوف القيادات الميدانية، إلى جانب مؤشرات واضحة على حالة الارتباك داخل المؤسسة العسكرية ، وعليه ، بات الجنوب اللبناني يمثل عاملًا حاسمًا في معادلة الصراع ، حيث يدرك مقاتلو حزب الله والمقاومة أن هذه الجبهة تشكل مفتاح المرحلة المقبلة في مسار المواجهة .
على الصعيد السياسي ، تبدو حسابات القيادة الإسرائيلية ، وعلى رأسها بنيامين نتنياهو ، محفوفة بالمخاطر ، فافتراض تحقيق مكاسب استراتيجية من خلال توسيع رقعة الصراع قد لا يكون واقعياً ، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي ، وتداخل الأدوار الدولية ، كما أن أي تصعيد إضافي قد يضع المجتمع الإسرائيلي أمام اختبار قاسٍ يتعلق بقدرته على تحمّل الخسائر البشرية والاقتصادية ، في المقابل ، يتسم المشهد الإقليمي بتشابكات معقدة ، حيث تلعب العوامل الجيوسياسية والاقتصادية دوراً محورياً ، فالممرات البحرية ، وعلى رأسها مضيق هرمز ، تمثل نقطة ارتكاز في معادلة الأمن الدولي ، نظراً لاعتماد نسبة كبيرة من التجارة العالمية على الشحن البحري ، ويمنح هذا الواقع بعض الدول، مثل إيران ، أوراق ضغط استراتيجية في مواجهة أي صراع طويل الأمد ، عبر قدرتها على التأثير في حركة الملاحة .
في ظل غياب مشروع سلام حقيقي لدى الإسرائيليين ، يبدو من الطبيعي أن يطالب نتنياهو ، خلال مكالمته الأخيرة مع الرئيس ترامب ، باستئناف المواجهة مع إيران ، فتل أبيب تسعى إلى فرض واقع إقليمي خاضع بالكامل لمشروعها التوسعي ، سعيًا لتحقيق ما تعتبره حلمًا تاريخيًا ، وهو هدف لا يمكن بلوغه إلا من خلال اصطفاف عسكري واسع للقوى الغربية خلفها ، وفي هذا السياق ، لا يقتصر نفوذ نتنياهو على التهديد المباشر لبعض الشخصيات داخل المنظومة السياسية الأمريكية ، بل يمتد – وفق هذا التصور – إلى امتلاك أدوات ضغط قادرة على إحداث تأثيرات عميقة في بنية النظام السياسي برمته ، في حال كُشفت بعض الملفات الحساسة ، ومع ذلك ، يظل الميدان العسكري هو العامل الحاسم ؛ إذ أجبر واقع العمليات نتنياهو وحكومته على القبول بوقف إطلاق النار ، فالتفوق التكنولوجي ووسائل النقل الجوية لا تعوّض تعقيدات المواجهة البرية ، حيث تختلف الحسابات جذريًا بين النظرية والتطبيق ، وعلى مستوى أوسع ، تكشف الحقائق الجيوسياسية والاقتصادية عن تباينات عميقة ، إذ لا يزال نحو 80% من تجارة العالم يعتمد على الشحن البحري ، وهو نظام ممتد عبر قرون طويلة ، وهذا ما يفسر حالة القلق التىّ ظهرت في مواقف الرئيس ترمب ، بما في ذلك تعبيراته الغاضبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، احتجاجًا على استمرار إغلاق مضيق هرمز ، الذي لم يكن يحظى بوعي واسع لدى الرأي العام الدولي قبل هذه الحرب .
وفي هذا الإطار ، أدركت القوى الدولية حساسية النقاط الضيقة في هذا المضيق ، حيث تمتلك إيران قدرة نسبية على تعطيل الملاحة في ممرات محددة ، وهو ما يمنحها ليس فقط ثقلًا اقتصاديًا ، بل أيضًا نفوذًا سياسيًا مباشرًاً، وتُعد هذه الورقة بمثابة ضمانة استراتيجية في مواجهة أي صراع طويل الأمد ، نظرًا لعدم قدرة أي دولة على تحمّل كلفة إغلاقه لفترة ممتدة ، ويمكن تشبيه هذه الأهمية الاستراتيجية بمضيق تايوان ، الذي يشكّل مصدر قلق تاريخي للولايات المتحدة في ظل احتمالات السيطرة الصينية عليه ، وعليه، فإن مسألة إغلاق مضيق هرمز لا ترتبط بالوضع الداخلي الأمريكي بقدر ما تتصل بمفاهيم الأمن القومي الأمريكي ومكانة الولايات المتحدة في النظام الدولي .
في المقابل ، تبدو إسرائيل عاجزة عن استيعاب هذه التعقيدات الاستراتيجية ، خاصة في ظل سياساتها التىّ أثارت توترات متزايدة مع دول الاتحاد الأوروبي ، ما أسهم في تآكل صورتها كشريك مقبول ضمن المنظومة الغربية ، التىّ باتت تُنظر إليها كخصم لأوروبا نتيجة سياساتها غير المراعية لمصالح دول الاتحاد الأوروبي …والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بين الميدان والعقل 🧠 : معادلات الصراع وحدود القوة في
...
-
بين الانبطاح والنهضة : النظر في المواقف الدولية وسقوط السردي
...
-
على حافة الاشتعال : تحولات القوة الدولية بين واشنطن وطهران …
-
ميزان القوة في الشرق الأوسط: بين الحسابات الأمريكية والإسرائ
...
-
تحولات⚙في المزاج الأمريكي تجاه إسرائيل:من تآكل المسلما
...
-
جوليا بطرس 🙋♂♥🇱🇧 - القو
...
-
بين دبلوماسية “دعه يمر” ودماء🩸الميدان: قراءة في التح
...
-
بين التكنولوجيا والبدائية : تحولات الصراع الاستخباراتي - الز
...
-
حروب الهيمنة ونهايات القوة:حين تتحكم الجغرافيا بمصير العالم
...
-
التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بين تصاعد الصراع يصل لل
...
-
فلسطين:🇵🇸معادلة الثبات بين الإبداع والمقاومة
...
-
متغيرات الصراع:من تصعيد ميداني إلى إعادة تشكيل التوازنات الد
...
-
تحولات القوة في زمن الحروب: من هيمنة السلاح إلى صعود العقل ا
...
-
غرينلاند 🇬🇱 ومضيق هرمز… بين من يصنع القرار و
...
-
تشابك الجبهات واستنزاف الداخل:قراءة📕في التحولات الاس
...
-
الكوتش روزا 🌹Rosa– السرعة في الأداء - حين تتحوّل إلى
...
-
المقصلة والسخرية ☠ : جدلية القمع والمقاومة في زمن السي
...
-
استراتيجية داخلي وخارجي الاستنزاف مقابل الحسم السريع : سينار
...
-
بين إنكار الواقع وصناعة السردية: مفارقات الخطاب السياسي من غ
...
-
بين الوساطة والتصعيد : باكستان 🇵🇰في قلب صراع
...
المزيد.....
-
للمرة الثانية.. أمريكا ترفع مؤقتا العقوبات المفروضة على النف
...
-
للمرة الأولى.. ثعلبا بحر يتيمان صغيران يخطفان الأنظار في حوض
...
-
مئات الآلاف يزورون هذه الأسواق الشعبية في كوريا الجنوبية.. م
...
-
إيرانيات يشاركن في احتجاجات حاشدة في إيران ضد أمريكا وإسرائي
...
-
الجيش الأمريكي يكشف عن عدد السفن العائدة لإيران منذ بدء الحص
...
-
من فيروز ووديع الصافي إلى جوليا: حكاية الجنوب في الأغنية الل
...
-
ترامب: حصار موانئ إيران سيستمر حتى التوصل لاتفاق ينهي الحرب
...
-
-هرمز- في قلب الأزمة ـ تحذيرات من قرب نفاد كيروسين الطائرات
...
-
ألمانيا ـ روبوتات -شبيهة بالبشر- تبدأ ممارسة -المهنة-.. فهل
...
-
فوضى وشبهات تزوير تُخيّم على الانتخابات الرئاسية في بيرو
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|