أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - عن القضاء التركي: كيف تطلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بوجود قضاء كهذا؟















المزيد.....

عن القضاء التركي: كيف تطلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بوجود قضاء كهذا؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 07:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المشكلة في ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لم تعد فقط سياسية أو جيوسياسية، بل أصبحت في جوهرها مشكلة دولة قانون. فلا يمكن لدولة تطلب الانضمام إلى اتحاد يرفع شعار استقلال القضاء وسيادة القانون أن تستمر في تقديم نفسها كمرشح جدي، بينما التقارير الأوروبية نفسها تقول إن تدهور المعايير الديمقراطية واستقلال القضاء والحقوق الأساسية لم يُعالَج بعد، وإن مفاوضات الانضمام متوقفة منذ 2018. هذه ليست دعاية من خصوم أنقرة، بل خلاصة رسمية صادرة عن مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

المفارقة هنا مؤلمة وواضحة: تركيا تريد فوائد أوروبا، لكنها لا تريد شروط أوروبا. تريد أن تُعامل كدولة مرشحة محترمة، لكن من دون أن تقدّم الحد الأدنى الذي يجعل هذا الترشيح معقولاً. والمقصود هنا ليس مجرد انتخابات أو خطابات، بل جوهر العدالة نفسها: هل القاضي في تركيا مستقل فعلاً؟ هل النيابة تعمل وفق القانون أم وفق المناخ السياسي؟ هل يمكن للمعارض أن يثق بأن المحكمة ستفصل في قضيته بوصفها محكمة، لا بوصفها امتداداً للسلطة؟ تقارير المفوضية الأوروبية الأخيرة تقول بوضوح إن الحوار حول سيادة القانون ما زال محورياً في علاقة الاتحاد بتركيا، لكن التراجع في استقلال القضاء والمعايير الديمقراطية مستمر.

ولكي نفهم عمق المشكلة، يكفي النظر إلى مجلس القضاة والمدعين في تركيا، وهو القلب المؤسسي الذي تتحدد عبره التعيينات والمسارات المهنية والتأديب داخل السلطة القضائية. لجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا أعادت في رأيها الصادر أواخر 2024 التأكيد على أن وجود تأثير مرتفع للسلطة التنفيذية على هذا المجلس يظل مشكلة مركزية، وذكّرت بأن المجلس القضائي المستقل وحده هو ما يمكن أن يحمي استقلال القضاء حقاً. عندما تكون الجهة التي تشرف على حياة القضاة المهنية واقعة تحت تأثير سياسي مرتفع، فإن كل حديث عن “استقلال القضاء” يتحول إلى عبارة شكلية أكثر منه واقعاً مؤسسياً.

المشكلة ليست تقنية، بل بنيوية. أوروبا لا تطلب من تركيا أن تكون مثالية، بل أن تكون قابلة للثقة قانونياً. لكن كيف تُبنى الثقة في قضاءٍ تُثار حوله باستمرار أسئلة عن الضغط السياسي، وعن الملاحقات ضد المعارضين، وعن الانتقائية في تطبيق القانون؟ حتى بيان المفوضية الأوروبية عند نشر تقارير التوسعة لعام 2025 لم يكتفِ بعبارات عامة، بل أشار إلى تزايد الإجراءات القانونية ضد شخصيات وأحزاب معارضة وإلى أن هذه التطورات تثير “مخاوف جدية” بشأن التزام تركيا بالقيم الديمقراطية. وهذا يعني أن المشكلة لم تعد مجرد إرث قديم، بل واقعاً حاضراً ومتجدداً.

بل إن الصورة تصبح أشد سوءاً عندما ننظر إلى الجانب الأوروبي غير التابع للاتحاد، أي مجلس أوروبا. فمفوض مجلس أوروبا لحقوق الإنسان عبّر في ديسمبر 2025 عن قلقه من القيود على التجمعات السلمية والاستخدام المفرط للقوة ضد المتظاهرين في تركيا، في إشارة إلى بيئة عامة لا تعكس فقط أزمة في الحريات، بل أزمة في آليات الحماية القانونية نفسها. لأن القضاء المستقل ليس مجرد قضية قضاة ومحاكم، بل هو الضمانة الأخيرة عندما تتوتر السياسة وتغلظ الدولة يدها. وعندما تتراكم الإشارات إلى ضعف هذه الضمانة، يصبح السؤال الأوروبي مشروعاً: أي نوع من دولة القانون تريد تركيا أن تقنعنا به؟

الأخطر من ذلك أن أزمة القضاء التركي لم تعد مسألة داخلية صرفة، بل أصبحت قضية مرتبطة مباشرة بعلاقة تركيا بالقارة الأوروبية كلها. فالاتحاد الأوروبي ليس سوقاً فقط، ولا تحالف مصالح فقط، بل هو أيضاً منظومة قانونية وسياسية مبنية على افتراض أساسي: أن القضاء ليس أداة بيد السلطة التنفيذية. ولهذا السبب بالتحديد، فإن ملف استقلال القضاء ليس تفصيلاً في مفاوضات الانضمام، بل شرط من شروط المعنى نفسه. إذا غاب هذا الشرط، يصبح الحديث عن الانضمام شبيهاً بطلب عضوية في نادٍ وأنت ترفض قواعده الأساسية منذ البداية.

وقد يقول قائل إن أوروبا نفسها ليست بريئة من الازدواجية، وإنها تتعاون مع أنقرة في ملفات الأمن والهجرة وأوكرانيا رغم كل هذه العيوب. وهذا صحيح جزئياً. لكن هذا لا ينقذ القضاء التركي من النقد، بل يزيد الإدانة السياسية وضوحاً: إذا كانت أوروبا تتعامل مع تركيا براغماتياً رغم مشاكلها، فإن أنقرة كان يفترض أن تستغل هذه المساحة لإصلاح قضائها، لا لتطبيع التدهور داخله. بعبارة أخرى، حتى عندما منحت أوروبا تركيا هامشاً سياسياً أوسع لأسباب جيوسياسية، لم تستثمره أنقرة لتقترب من المعايير الأوروبية، بل واصلت إدارة علاقتها مع القضاء بمنطق السيطرة لا بمنطق الاستقلال.

ولا يمكن تجاهل البعد الرمزي أيضاً. دولة تطلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يفترض أن تعرض على الأوروبيين قصة تقدم: إصلاحات، شفافية، ضمانات قضائية، احترام للأحكام، وتقليل لتدخل السياسة في العدالة. لكن ما الذي تعرضه تركيا اليوم بدلاً من ذلك؟ تعرض على أوروبا مشهداً تختلط فيه التعيينات القضائية بالسياسة، وتبقى فيه المخاوف من تأثير السلطة التنفيذية على الجسم القضائي حاضرة بقوة، وتستمر فيه الشكاوى من استخدام الإجراءات القانونية ضد المعارضين. بهذا المعنى، لا تبدو تركيا كدولة تتقدم نحو معايير العضوية، بل كدولة تريد من الاتحاد أن يخفض معاييره كي يناسبها.

السؤال إذن ليس: لماذا لا يثق الأوروبيون بالقضاء التركي بما يكفي؟
السؤال الأصح هو: كيف تتوقع أنقرة من الأوروبيين أن يثقوا بقضاء كهذا أصلاً؟
فاستقلال القضاء ليس بنداً بروتوكولياً يُملأ في استمارات الانضمام، بل هو امتحان يومي لطبيعة الدولة. وكلما ازداد شعور القاضي بأن مساره المهني أو موقعه يتأثران بمزاج السلطة، تقلصت المسافة بين المحكمة وبين المكتب السياسي. وعندما تضيق هذه المسافة، لا تعود الدولة مرشحة للانضمام إلى منظومة قانونية أوروبية، بل تصبح فقط شريكاً خارجياً تتعامل معه أوروبا بحسب الحاجة. وهذا ما حدث فعلاً: الانضمام متوقف، أما التعاون البراغماتي فمستمر.

الخلاصة أن أزمة القضاء التركي ليست مجرد عقبة على طريق عضوية الاتحاد الأوروبي، بل هي دليل على أزمة أعمق في تصور السلطة التركية نفسها لفكرة الدولة القانونية. يمكن لتركيا أن تطلب الانضمام كما تشاء، ويمكنها أن تكرر الخطاب الأوروبي كما تريد، لكن ذلك كله يبقى فارغاً ما لم يتحول القضاء من جهاز تدور حوله الشبهات السياسية إلى سلطة مستقلة بحق. وحتى يحدث ذلك، سيظل السؤال الأوروبي قائماً ومحرجاً: كيف تطلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بوجود قضاء كهذا؟



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسالة إلى وزارة الهجرة الهولندية: نحبكم من أعماق قلوبنا، است ...
- عندما تقول أوروبا: عزيزي أردوغان، لا تُتعِب أجهزتك الاستخبار ...
- عن أفعال الجيش التركي على الحدود السورية: هل تعلّم الإسرائيل ...
- هل حان الوقت لثورة سورية جديدة؟ أم أن السوريين يخافون من است ...
- كيف تدعم تركيا حق سوريا في استرجاع الجولان بينما تحتل لواء ا ...
- الغربان السود تسيطر على سوريا: هل حان الوقت لإزاحة الدين من ...
- الى اين تسير تركيا في علاقتها مع امريكا هل هي اسرائيل الخفية ...
- عندما يصبح الدين ثوبًا على مقاس الحاكم: كيف نصب أردوغان الأت ...
- عقدة الخواجة: لماذا تقبّل تركيا أقدام الأوروبيين بينما تدوس ...
- صدام الدين والعلمانية في تركيا: من المنتصر وما هو الثمن؟
- في ظل تشكّل شرق أوسط جديد، هل سيتخلى الغرب عن التحالف مع ترك ...
- هل يتجنى الاتحاد الاوروبي على تركيا ام انها فعلا لا تستحق ال ...
- هل يدفع المعارضون الاتراك في اوروبا ثمن التقارب الاوروبي الت ...
- ثورة مرتقبة ضد حكم الجولاني في سوريا: هل ستدعم تركيا الجولان ...
- الأقليات داخل الثكنة التركية: حين تتحول الخدمة العسكرية إلى ...
- لماذا يمنع الجولاني الخمور في سوريا بينما يسمح بها “معلمه” أ ...
- تركيا: الكل يخاف منها، لا أحد يحبها كيف حوّلت السلطة الحالية ...
- من أدخل داعش إلى سوريا ومَن موّلها ودرّبها؟ بحث في الدور الت ...
- هل بدأ أحمد الشرع يسقط من عيون مناصريه؟
- لماذا تتعامل تركيا مع سوريا كمزرعة أبقار؟ وهل تُستخدم ذريعة ...


المزيد.....




- من مأساة 1912 إلى مزاد علني.. إليكم قصة سترة نجاة تيتانيك ال ...
- وفد أمريكي يتوجه إلى إسلام آباد لمواصلة المفاوضات
- هل تحسم المفاوضات الخلافات في الملف النووي الإيراني؟
- لبنان: مقتل جندي إسرائيلي ومخاوف من سقوط الهدنة
- الولايات المتحدة: إعصار يدمر المنازل ويقطع الكهرباء عن آلاف ...
- الاحتلال يعتقل 23 ألف فلسطيني منذ أكتوبر 2023
- تصرف مفاجئ لممثلة مصرية في كوبنهاغن.. ملصق عن إسرائيل يشعل ا ...
- أنثروبيك تخترق عالم التصميم الاحترافي الذكي بأداة -كلود ديزا ...
- جيل مهدد لسنوات.. فقر الدم والقروح تنهش أجساد أطفال غزة
- كيف حولت حادثة -كهرمان مرعش- غرف أطفالنا إلى مناطق عمليات؟


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - عن القضاء التركي: كيف تطلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بوجود قضاء كهذا؟