محمد سعد خير الله
محمد سعد خيرالله عضو رابطة القلم السويدية
(Mohaemd Saad Khiralla)
الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 00:35
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
جاءت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الدائرة مع إيران لتضع الدولة المصرية في موضعٍ يستحيل معه استمرار المراوغة؛ إذ بات مطلوبًا موقفٌ معلن وحاسم: هل تقف القاهرة إلى جانب الدول الخليجية التي أغدقت على مصر أرقامًا فلكية منذ الخروج الشعبي على حكم جماعة الإخوان الإرهابية في 30 يونيو 2013، أم تمضي في الاتجاه الآخر؟ وهنا وقع السقوط المدوي؛ إذ تفاجأ العالم " ولستُ ممن تفاجؤوا" بأن كل ما يُنطق ويُسمع ويُرى ويُبث من قلب القاهرة كان، قلبًا وقالبًا، مؤيدًا وداعمًا بشدة لنظام الملالي في إيران، إلى الدرجة التي شعر معها البعض أن هذا المحتوى يُدار من طهران لا من القاهرة . إنه حاصلُ تراكمٍ هائلٍ من كراهية إسرائيل والتحريض عليها جرى بناؤه عبر عقود، حتى بلغ مرحلةً بات معها من المتعذر على تروس ماكينة النظام المصري إعادة تطويعه أو توظيفه بالكيفية التي اعتادت الاستفادة منه دائمًا. وهو ما تسبب في أزمة كبيرة وغير مسبوقة بين مصر ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست، عبّرت عنها خطابات شديدة اللهجة لكبار الكتّاب والمفكرين والصحفيين الذين يُنظر إليهم باعتبارهم صدى صوت لأنظمتهم الحاكمة.
وقد عمّقت هذه الأزمة، لدى المتلقي الخليجي رسميًا وشعبيًا، التناقضات الحادة بين ما جرى فعليًا وما ظل يُقال على مدى أكثر من عقد على لسان الرئيس السيسي من أن "أمن الخليج خط أحمر"، وأن "أمن الخليج من أمن مصر"، وأن "الجيش المصري يتعامل مع الخليج كما يتعامل مع الدولة المصرية"، وصولًا إلى العبارة الأشهر: ((مسافة السكة)). وهي العبارة التي رسخت في الوعي الجمعي الخليجي أن أي تهديد لدولة خليجية يعني حضورًا فوريًا للجيش المصري، الأمر الذي ترتب عليه لاحقًا شعور واسع بخيبة الأمل، وصل لدى البعض إلى حد وصف ما جرى" بالخيانة".
وفي قلب هذا المشهد العاصف، انعكس ذلك بوضوح على الرئيس المصري؛ إذ جاء خطابه في الرابع عشر من مارس المنصرم، خلال إفطار الأسرة المصرية في دار القوات الجوية، ليصعق الحضور وهم يستمعون إلى الرجل نفسه الذي قال سابقًا: "وأقسم بالله، أنا قعدت خمسين سنة أتعلم يعني إيه دولة، ولسه بتعلم"، وذلك في يناير 2018 خلال كلمته في افتتاح حقل ظهر بمدينة بورسعيد. فإذا به يظهر هذه المرة مرتبكًا، معترفًا ضمنيًا، حين قال نصًا في الإفطار الأخير: "إحنا عاوزين اللي بيكتب يبقى عارف، وإلا كانت مشكلة مصر اتحلت. ليه المشكلة ما بتتحلش؟ يا إما إحنا مش قادرين كمسؤولين، يا إما عِظَم المشكلة". وفي الخطاب نفسه، أوصى من يقدّم حلًا ألّا يبالغ، وأن "يخلي نفسه في اللي هو فيه لأن الدولة حاجة تانية خالص"، قبل أن يضيف: "اللي عنده حل ييجي، وإحنا هنبقى سعداء بجد وإحنا بنسمع منه".
وتأتي هذه التصريحات في واقع يصفه بعض خبراء الاقتصاد بأنه كارثي على الدولة المصرية؛ ففي الأسابيع القليلة الماضية تم رفع أسعار المحروقات ( الغاز والسولار والبنزين ) بمقدار ثلاثة جنيهات دفعة واحدة، وهي زيادة استثنائية وليست دورية، كما ارتفع سعر أسطوانة البوتاجاز الصغيرة من 225 إلى 275 جنيهًا، والكبيرة من 450 إلى 550 جنيهًا، بالترافق مع ارتفاع أسعار السلع والخضروات كافة، ووصول سعر الدولار إلى ما يقترب من 53 جنيهًا مصريًا، مع تلميح الرئيس في خطابه إلى زيادات أخرى قادمة .
فبلدي الأم، تقف البلاد الآن أمام واحدة من أكثر لحظاتها تعقيدًا، بلد منهك تمامًا، مديون خارجيًا بما يقترب من 165 مليار دولار، وداخليًا ترليونات الجنيهات، ويأتي ضمن قائمة الدول التي تتذيل المؤشرات العالمية في التعليم والرعاية الصحية ومتوسط دخل الفرد.
وفي هذا السياق، يقع على عاتقي شخصيًا، بعد أن اضطررت إلى الخروج القسري من وطني في الأول من أبريل عام 2018، فقط لأنني كنت أسعى لدولة ديمقراطية حديثة بعيدة عن ثنائية العسكر والإخوان، وأتحدث عن السلام مع إسرائيل بشكل إيجابي، تركت خلالها أطفالي وزوجتي مضطرًا للحفاظ على حياتي، ولم يلتئم شملنا إلا بعد عامين وثلاثة أشهر وأحد عشر يومًا، وتحديدًا في الثاني عشر من يوليو عام 2020.
لقد عشت أجواءً جحيمية بكل ما للكلمة من معنى، ومع ذلك أجد نفسي عن طيب خاطر أنحي كل ذلك جانبًا، وأقدّم روشتة لحل مشكلة مصر، دونما تكلّف، كما طلب الرئيس السيسي. وليس هذا فحسب، بل أنا على أتم الاستعداد لرسم أدق خطوط التنفيذ لما سأطرحه في السطور القادمة.
((روشتة للإنقاذ في مصر))
1/ إعادة الجيش المصري إلى ثكناته، وإلغاء التجنيد الإجباري، وإصلاح المناهج العسكرية عبر أنسنتها وتحديثها بما يتوافق مع مفهوم الجيوش الوطنية الحديثة، بحيث تصبح المؤسسة العسكرية مؤسسة دفاعية احترافية خالصة، بعيدة عن أي أدوار تتجاوز وظيفتها الأصلية.
2/ انسحاب الجيش فورًا من السياسة والاقتصاد، وحصر دوره حصريًا في حماية الأمن القومي والدفاع عن الحدود، بما يعيد التوازن الطبيعي بين مؤسسات الدولة ويضمن خضوع المجالين السياسي والاقتصادي للإدارة المدنية الكاملة.
3/ إصلاح القضاء إصلاحًا شاملًا وعميقًا، وضمان استقلاله الكامل بوصفه الضامن الأول للعدالة وسيادة القانون، وبما يكفل الفصل الحقيقي بين السلطات.
4/ تعليق العمل بالدستور الحالي، وتشكيل لجنة متخصصة لتحديث دستور 1923 بما يتوافق مع العصر والعالم الذي نعيشه؛ عالم ما بعد الحداثة، على أن يؤسس هذا الدستور لدولة مدنية حديثة تقوم على المواطنة الكاملة والمساواة التامة بين جميع المواطنين، ويكرّس بوضوح مبدأ علمانية الدولة، باعتبار أن الدولة لا دين لها، وأن منتهى التطرف أن تعتمد الدولة دينًا رسميًا لها، إذ يجب أن تبقى الدولة على مسافة واحدة من جميع مواطنيها دون تمييز.لقد آن الأوان أن تنتهي محنة الأقباط في مصر؛ فمنذ الغزو الإسلامي ما تزال هذه المحنة مستمرة، باستثناء المرحلة الليبرالية المصرية التي بدأت من ثورة 1919 وحتى انقلاب 1952، أي ثلاثة وثلاثين عامًا فقط عاش فيها الأقباط في ظل دولة المواطنة.ولابد من أن يشعر قرابة 23 مليون قبطي في الداخل بأنهم متساوون تمامًا مع المسلمين في هذا البلد، ومعهم البهائيون، واللاأدريون، واللادينيون، والملحدون، وغيرهم.
5/ الإفراج الفوري عن جميع سجناء الرأي الذين لم يشاركوا في أعمال عنف أو تحريض عليها، باعتبار ذلك مدخلًا ضروريًا لاستعادة الثقة العامة وفتح المجال الوطني أمام التهدئة السياسية.
6/ إطلاق خطة اقتصادية وطنية تقوم على تحرير السوق من الاحتكار، ودعم الإنتاج، بما يعيد توجيه الاقتصاد لخدمة المجتمع لا لخدمة شبكات النفوذ.
7/ إطلاق إصلاحات ديمقراطية حقيقية تتيح للشباب المشاركة الفعلية في صياغة مستقبل البلاد، وتفتح الطريق أمام تداول سياسي طبيعي وسلمي.
8/ فتح المجال العام بالكامل، وضمان الحريات المدنية، وحرية الصحافة، وعمل منظمات المجتمع المدني دون قيود، باعتبارها شروطًا أساسية لأي حياة سياسية سليمة.
9/ إبعاد المؤسسات الدينية عن الحياة العامة وعن صناعة القرار السياسي، وحصر دورها في الإرشاد الروحي فقط، وما يستتبع ذلك من إلغاء التعليم الديني بكافة مستوياته، وترسيخ مبدأ أن التعليم يجب أن يكون مدنيًا موحدًا، قائمًا على المعرفة والعقل.
10/ استعادة شعور المصريين بملكية موارد وطنهم، وضمان أن يشعر كل مواطن بأنه شريك حقيقي في حماية الوطن والحفاظ عليه وصناعة مستقبله.
11/ تفكيك خطاب الكراهية الموجَّه ضد الآخر في المناهج التعليمية والمؤسسات الدينية، فقد حان الوقت للتوقف عن إعادة إنتاج التناقضات والصراعات داخل المجتمع.
12/ إعادة بناء المنظومة التعليمية على أساس التفكير النقدي والعقلانية، بدلًا من التلقين والخضوع، بما يؤسس لإنسان قادر على الفهم لا مجرد التلقي.
13/ إقرار شفافية كاملة في إدارة المال العام، وربط الإنفاق الوطني برقابة مؤسسية مستقلة تضمن المساءلة وتحمي الموارد العامة من العبث.
14/ إعادة تعريف الأمن القومي بحيث يبدأ من الإنسان المصري وكرامته وحقوقه الأساسية، لأن أمن الدولة الحقيقي لا ينفصل عن أمن المواطن.
15/ إطلاق مشروع وطني يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، ويفتح أفقًا جديدًا لتجاوز الانقسامات وبناء عقد اجتماعي جديد.
16/ إقرار عدالة انتقالية شاملة تكشف الحقيقة كاملة، وتنصف الضحايا، وتجبر الضرر، وتضع كل من تورط في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أمام القانون، بعيدًا عن الانتقام أو الثأر السياسي، بما يسمح بطي صفحة الماضي على أسس عادلة، ويفتح المجال أمام مصالحة وطنية حقيقية.
وفي النهاية تبقى كلمة: فإذا كانت الدعوة التي أطلقها الرئيس، وعنونها بقوله: "اللي عنده حل ييجي"، تعبيرًا جادًا عن إدراك حجم المأزق، فهذه مجرد محاولة صريحة مني لوضع تصور قابل للنقاش أمام وطن لم يعد يحتمل مزيدًا من إهدار الوقت. فمصر اليوم لا تحتاج إلى إدارة الأزمة فقط، بل إلى شجاعة الانتقال من منطق السيطرة إلى منطقٍ آخر تمامًا، جرّبته دول عديدة قبلنا كانت تمر بأزمات مشابهة، وأصبحت اليوم ديمقراطيات مستقرة يُضرب بها المثل. فهل يستمع مني رئيس مصر؟
تنويه: نُشر هذا المقال أمس الأربعاء 15 أبريل بنسخته الإنجليزية في صحيفة تايمز أوف إسرائيل، وتُنشر هنا وحصريًا النسخة العربية على مدونتي في الحوار المتمدن.
#محمد_سعد_خير_الله (هاشتاغ)
Mohaemd_Saad_Khiralla#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟