الطايع الهراغي
الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 20:43
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
"أحزم الحازمين من عرف الأمر قبل وقوعه فآحترس منه"
(لقمـان الحكيـم)
"أتونس عندي في هواك تولّع ** وأنت منى نفسي عليك تقطّعُ"
(الطّاهــر الحـــدّاد)
** مقدّمة لا بد منها
اتّحاد الشّغل منظّمة تاريخها عصارة نضالات ورهانات وخصوصيّات تميّزت بها عن غيرها من المنظّمات النّقابيّة على الصّعيد العربيّ والإفريقيّ وإلإقليميّ . نتاج لتضحيّات تراكمت على مدار أكثر من قرن.منظّمة الفتى الحالم عميد النّقابيّين محمّد علي الحامّي ورفيق دربه ذلك الثّوريّ المنسيّ السّابق لعصره الحداثيّ الطّاهر الحدّاد وشهيد الحركة النّقابيّة والحركة الوطنيّة إبّان محنتها فرحات حشّاد. منظّمة هي الابن الشّرعيّ لـ"جامعـة عمـوم العملـة التّونسيّــة"،تجربة التّأسيس الأولى قبل أكثر من مائة سنة. أرادها مؤسّسوها(الحامّي /الحدّاد أحمد الدّرعي/مختار العيّاري.)بكامل الوعي والالتزام والانضباط تنظيما نقابيّا تونسيّا لحما ودما وهويّة ورؤية وتوجّها. منظّمة يشهد لها التّاريخ والمؤرّخون بأنّها أكثر عراقة وامتدادا من تاريخ الدّولة التّونسيّة الحديث.ودورها في الحراك الاجتماعيّ وفي المعارك السّياسيّة في سائر الحقب والمنعرجات موضوع لم يكن يوما محلّ طعن أو خلاف. المسألة معترف بها من أكثر من مؤسّسة أكاديميّة ومراكز بحث ومن جهات مشهود لها بأمانتها وصرامتها المعرفيّة.منظّمة هي بكلّ المقاييس جزء أساسيّ واعتباريّ فاعل في حياة التّوانسة. تلك خاصّيتها. وذلك بالضّبط ما يبيح الحديث عن خصوصيّات الحركة النّقابيّة التّونسيّة .
اتّحاد الشّغل منظّمة وُجدت لكي تبقى.ولذلك يجب أن تبقى.ذلك هو قدرها وقدر المعنيّين بالنّشاط صلبها وفي حقلها.أمّا ما هي عليه الآن من وهَـنِ مربك ووضعيّة شائكة ومحيّرة مهما كان وقعه وفداحة انعكاساته الآن ولاحقا فيجب أن يُعدّ في باب ما هو عرضيّ من الانحرافات. كيــف؟؟ارتباطا بالأزمة الأخيرة ذلك هو السّؤال. وذلك هو الإشكال. وفي ذلك تحديدا تتمثّل مسؤولية المناضلين، من كان منهم معنيّا بشكل مباشر بما يُطبخ في الحقل النّقابيّ ومن كان على تخوم السّاحة النّقابيّة.وذلك ما يجب أن يخوض فيه النّاشطون في الشّأن المجتمعيّ العامّ وكلّ الغيورين على مكانة المنظّمة وتاريخها وإرثها ودورها في الحراك الاجتماعيّ الذي ميّزها وطبع أفقها ورسم ملامحها واستبصر آفاقها قبل أكثر من قرن، منذ الانبعاث الأوّل (1924).
الحركة النّقابيّة التّونسيّة(واتّحاد الشّغل جزء مفصليّ فيها) حالما تتونست ومنذ ولادتها العسيرة حكمت عليها جملة من الملابسات بأن يكون تاريخها بقدر ما هو حافل بالنّجاحات هو أيضا تاريخ هزّات وأزمات. تختلف حدّتها وتشعّباتها باختلاف الظّروف التي تتنزّل فيها والأطراف الفاعلة في حيثيّاتها ومخاضها بالإيجاب وبالسّلب أيضا. في تناولها والتّعاطي معها يكون الخلط بين الثّابت فيها والعرضيّ فضيحة. وأشنع من ذلك مسايرة الأهواء والانطباع واعتماد الاختزال الذي قد يؤدّي إلى إعلاء ما هو ثانويّ من العوامل والتّغافل عمّا هو جوهريّ. ويبقى سؤال الأسئلة: كيف السّبيل إلى تطويق الأزمة وفرملتها والفعل فيها بتأطيرها وإحكام إدارتها في انتظار تدبّر أقوم المسالك وأنجع المخارج لتجاوزها؟؟ وقبلُ وبعدُ : هل يمكن ردّ الاعتبار للمنظمة بمصالحتها مع تاريخها النّضاليّ الطّويل وتصالح قياداتها وأطرها وإطاراتها مع الإرث الذي راكمه الرّوّاد، هل يمكن ذلك دون تملّك شجاعة تثبيت وجود الأزمة والإقرار بفداحتها والتّسلّح بعقليّة الاعتراف بجملة الانحرافات التي تفاقمت في المدة النّيابيّة الأخيرة بشكل مرعب؟؟؟.
كلّ خوض في حيثيّات الشّأن النّقابيّ بالوضع الذي هو عليها الآن وبكلّ تعقيداته وتشعّباته ،ومساعي الفعل في معضلة الأزمة المستفحلة في اتّحاد الشّغّالين يستدعي ضرورةَ ووجوبا إدراكا واعيا ومسؤولا لضرورة التّفريق الإراديّ والمقصود والهادف (لكي لا نتحدّث عن فضيحة وخطيئة تعمّد الخلط) بين الموقف من قيادات المنظّمة مركزيّا وجهويّا وقطاعيّا في ما يتعلّق بمستوى التّسيير والإشراف والموقع منها وكيفيّة التّعامل مع اعتمالات الحقل النّقابيّ وإرهاصاته. خلاف ذلك قد يؤول في غياب الحذر المدروس إلى ضرب من النّزوع الذّاتي الأنويّ المسكون ببدعة البحث عن براءة ذمّة لإرضاء الذّات، هذا إن لم يكن سعيا لإرضاء هذه الجهة أو تلك. كلّ من يتناول الشّأن النّقابيّ كما هو قائم في المدّة النّيابيّة الأخيرة باختزال أزمته في أبعادها وتمظهراتها الدّاخليّة الصّرفة فقط ولا يضبط محاذير لتجنّب مزالق ومخاطر ما هو سلبيّ من انعكاسات ذلك على تمثّـل طبيعة الإجراءات والمآلات والمخارج يكون قد حكم على نفسه(بمعزل عن مدى وعيه بذلك من عدمه)بأن يكون مكوّنا من مكوّنات الأزمة وعاملا من عواملها ولازمة من لوازمها ،وفي أحسن الاحتمالات حطبا لها،ولن يكون بأيّة حال حلاّ لها ولا بديلا عنها.
كلّ تجاهل مقصودا كان أم عفويّا لما تتحمّله دوائر الحكم ومريدو الحاكم وأنصاره (في الأزمة الحاليّة برغبة استئصاليّة غير مسبوقة) من مسؤوليّة في تعمّد تعفين المناخ الاجتماعيّ وتلويثه وتلغيمه بأكثر الأشكال شيطنة وتحاملا واستهدافا وتوظيفا لمؤسّسات الدّولة لإذكاء موجبات إدامة الأزمة والدّفع بها إلى أقصاها بمراكمة جملة من العراقيل والمغالاة في تضخيم الصّعوبات الموجودة بطبعها وافتعال ما لم يوجد في سعي محموم لتعميمها وتأبيدها يورّط صاحبه-بوعي منه أو بدونه- في تسهيل تمرير مشروع السّلطة القائمة في محاولاتها المحمومة للإنهاء مع الأجسام الوسيطة بترويض ما هو طيّع منها والانتقام غممّا هو عصيّ على التّعليب، وبأكثر ما يمكن من ثأريّة وعنجهيّة مع المنظّمات التي تمتلك مشروعيّة تاريخيّة ومكانة اعتباريّة وانغراسا مجتمعيّا مردّه رصيدها النّضاليّ الذي راكمته في رحلة بحثها عن تأمين مقوّمات الوجود وضمان البقاء وبحثها عن الاستقلاليّة كحالة مفقودة وكهدف منشود.
**مؤتمر المنستير والمخاض العسير
مؤتمر المنستير(أواخر مارس 2026) ليس حالة فريدة في مسارات الفعل النّقابيّ في تونس. فعديدة هي الوشائج التي تشدّه إلى مثيله من جملة المؤتمرات الاستثنائيّة التي عاشتها المنظّمة طيلة تاريخها وفي أكثر من منعرج. بعضها فُرِض عليها فرضا: مؤتمر قفصة ( أفريل 1981)الذي أريد له أن يكون محطّة لوضع حدّ لمخلّفات أزمة 26جانفي 1978 وتبعاتها في ما عرف بالخميس الأسود / مؤتمر سوسة (1989) في إطار تطبيع الحياة السّياسيّة بعد انقلاب 07 نوفمبر 1987 وكمخرج لتجاوز أزمة 1985/ 1988/مؤتمر جربة (فيفري 2002 ) كإعداد لمرحلة ما بعد إسماعيل السّحباني .
موضوعيا يبقى المؤتمر الأخير هو مؤتمر شدّ الأنفاس لكثرة ما قيل فيه وعنه وما حام حوله من مخاوف تتعلّق رأسا بإمكانيّة عدم التئام فعاليّاته أصلا وبصعوبة الاتّفاق على مخرج وفاقيّ يرضي أطراف النّزاع من داخل المؤسّسة النّقابيّة ومن خارجها. مؤتمر على خلاف ما سُوِّق له استثنائيّ بامتياز.حكمته أزمة استفحلت وعطّلت السّير العاديّ لعمل القيادات النّقابيّة المركزكيّة وطالت القيادات الجهويّة فأملت مخرجا استثنائيّا.
هو محطة للثّأر من وضعيّة ملتبسة كأشدّ ما يكون الالتباس لمن رآى فيه وأراده موعدا انتخابيّا صرفا. أقصى ما يمكن أن يكون منتظرا منه وما هو متاح فيه موضوعيّا انتخاب قيادة جديدة غير متورّطة بشكل مباشر وعلنيّ وواضح في الأزمة التي كادت وتكاد تعصف بالمنظمة وغير مسؤولة عن إدارتها. قيادة ستوكل إليها مهمّة إصلاح ورتق ما تصدّع طيلة المدّة النّيابيّة المنصرمة وأساسا في ردهاتها الأخيرة. ذلك بالضّبط ما تعكسه وبكلّ أمانة مكوّنات وطبيعة القائمتين الرّسميّتين المتنافستين(03 أعضاء قدامى فقط في كلّ قائمة مع خلوّ كلّ منهما من العناصر التي أثارت كثيرا من الجدل سلبا وإيجابا: سامي الطاهري/ سمير الشّفّي/ حفيّظ حفيّظ ونور الدّين الطّبّوبي).
وهو في الظّفّة المقابلة مؤتمر إعادة إنتاج الأزمة ورسكلتها لمن بنى خطابه ورؤيته على ضرورة تنحّي كلّ القيادة كشرط أوّليّ وكمقدّمة ضروريّة لتمرير أيّ حلّ مع ما يقتضيه ذلك من ترتيبات وإجراءات.
من أرتأى أن يستسهل ويكابر ليرى في مؤتمر أواخر مارس 2026 إيذانا بإنهاء الأزمة وإيقاف النّزيف الذي تتخبّط فيه المنظّمة منذ إقرار المؤتمر غير الانتخابيّ كسابقة لا موجب لها إطلاقا فله ذلك.غير أنّ المسألة أكثر تعقيدا وتشابكا. والواقع يظل أكثر عنادا من الأماني . والبون يبقى شاسعا بين حسن النّوايا (هذا إن وجدت )وفداحة الواقع ومأساويّته.
مؤتمر المنستير مؤتمر استثنائيّ بكل المقاييس ومن بابه الى محرابه. كلّ ما حفّ به يجعل منه أكثر الفعاليّات استثنائيّة في تاريخ المنظّمة لأنّ الأزمة هذه المرّة نوعيّة مركّبة وعواملها متداخلة وفي ظروف مخصوصة بالغة التّعقيد.فالمؤسّسات والهياكل الموكول إليها صنع القرار غلبتها الأزمة حينا واستعصت عليها أحيانا. وكون الؤتمر الأخير فعاليّة استثنائيّة بامتياز مسألة لا علاقة لها لا من بعيد ولا من قريب بمدى مراعاة قانونيّة آجال انعقاد المؤتمر، مادامت مشدودة إلى حالة من الانسداد والتّعطّل والعطالة التي باتت عليها "ماكينة" الاتّحاد وعليه فُرِضت. الموقف من مؤتمر المنستير يحكمه بالضرورة الموقع في الأزمة والموقف من اعتمالاتها(رفضا أو قبولا/ تباينا أو تناغما مع مكوّناته النّقابيّة والسّياسيّة). مسألة تحكمها مقاربات يستدعيها الموقف من الحدث ويمليها الموقع منه.على النّقيض من ذلك تماما الموقف من المنظّمة كإرث تاريخيّ لحركة نقابيّة عريقة، كمفصل أساسيّ في تاريخ تونس الحديث،كجزء هامّ من الذّاكرة الجماعيّة لتاريخ التّوانسة النّضاليّ. ومن العبث أن يتحوّل التّعامل مع حيثيّات المؤتمر إعدادا وفعاليّات ومخرجات إلى مناسبة لشيطنة الفعل النّقابيّ وإدانة كلّ الفاعلين النّقابيّين والحكم على العمل النّقابيّ بالإفلاس والعقم واستنفاذ الدّور الموكول له سابقا. فليس من المسؤوليّة الأدبيّة والنّقابيّة وحتّى الفكريّة تعمّد الخلط بين الفعل النّقابيّ كضرورة وكواقع موضوعيّ يحتّمه ظرف موضوعيّ هو الآخر،كآليّة من الآليّات التّنظّم التي اهتدى إليها النّقابيّون للدّفاع عن العمّال والتّخفيف من درجة الحيف المسلّط عليهم من أرباب العمل أعرافا ودولة وبين الانحراف النّقابيّ والتّبقرط كحالة،كظاهرة وليس كلازمة أبديّة وجوهر ثابت. ظاهرة يُفترض أن يعمل الغيورون على المنظّمة وغير المتورّطين في مآسيها على أزالة أسبابها. رهان الرّهانات في ما بعد مؤتمر المنستير وقد بات فعلا ماضيا بقطع النّظر عن الموقف منه ومن مخرجاته وإرهاصاته وكيفيّة التّفاعل معها في القادم من المحطّات بالسّلب أو بالإيجاب: أيّ مستقبل للفعل النّقابيّ في اتّحاد الشّغل؟؟أيّ آفاق للعمل النّقابيّ الاحتجاجيّ والمستقلّ بالضّرورة؟؟ كيف السّبيل إلى القطع مع مخلّفات الأزمة وتداعياتها؟؟وهل يمكن الاعتقاد في ذلك دون تباحث أنجع السّبل لاستئصال أسبابها؟؟ وأيّ الطّرق أجدى في ذلك؟؟
** مؤتمـر مارس وبعــدُ ؟؟
أنهى مؤتمر المنستير أشغاله وبات عمليّا بما له وما عليه حدثا من الماضي
ويظلّ ما أسفر عنه مفتوحا على أكثر من سؤال. أسئلة هي إلى الإشكالات أقرب: هل انتهت الأزمة؟؟ وهل رسم المؤتمر ما يسهّل ضبط معالم الخروج من ورطة الوضع الاسثنائيّ شديد الانغلاق ؟؟ وهل ثمّة قناعة بضرورة أن يكون المؤتمر الاستثنائيّ تنبيها بضرورة القطع مع الاستثناء في ما تحدّده سلط القرار العليا ؟؟
كيف سيتفاعل النّقابيّون مسؤولين ومنخرطين مع مسألة لا زالت بعدُ إشكاليّة؟؟
كيف السّبيل إلى إعادة الاعتبار لمؤسّسات المنظّمة والاحتكام إليها في تبصّر الحلول النّاجعة في ما هو إشكاليّ وفي ما هو محلّ خلاف؟؟
ما هي المخارج الضّروريّة العاجل منها والآجل لتدبّر مصادر تمويل إضافيّة لماليّة المنظّمة مع ضمان ما يتطلّبه ذلك من شفافيّة كانت دوما مطلبا وضرورة، تمويل بدونه سيستحيل التّسيير اليوميّ لما هو عاديّ؟؟
ما هو شكل التّواصل الذي يجب أن يحكم مستقبلا علاقة القيادة المركزيّة بقيادات القطاعات؟؟
هل هي علاقة هرميّة عموديّة تحكمها اللّحظة والأهواء وتقلّب الحال والأحوال ؟؟
أم هي علاقة مسؤولة قوامها التّآزر والتّفاعل بحثا عمّا يجب من نجاعة؟؟
كيف السّبيل إلى خلق المعادلة الضّروريّة التي تفرض اعتراف السّلط بأهليّة واستحقاقات المنظّمة بإزالة ما هو مرفوع في وجهها من عراقيل وصدّ وعدم اعتراف أصلا؟؟
وماذا عن معالم وحدود معضلة استقلاليّة القرار النّقابيّ؟؟ هل هي واضحة بما يكفي في أذهان النّقابيّين عموما وأساسا في أذهان القيادات في مختلف مستوياتها؟؟
هل يكون مؤتمر مارس قطعا مع الفتاوى النّقابيّة التي أدّت إلى خرق مخرجات مؤتمر عامّ هو مؤتمر 2017، خرق تبيّن بعد فوات الأوان وبعد أن وقع الفأس في الرّأس كارثيّته ومجانيّته ؟؟
#الطايع_الهراغي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟