أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قاسم محمد داود - حين تتحول السياسة إلى هوية: إيران والطريق إلى صراع بلا نهاية














المزيد.....

حين تتحول السياسة إلى هوية: إيران والطريق إلى صراع بلا نهاية


قاسم محمد داود
كاتب

(Qasim Mohamed Dawod)


الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 16:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين يعجز الفاعلون السياسيون عن إدارة خلافاتهم ضمن أطر المصالح والبرامج، يلجؤون أحيانًا إلى أخطر البدائل: إعادة تعريف الصراع ذاته. فبدل أن يبقى نزاعًا قابلًا للتفاوض حول سياسات أو موارد أو رؤى، يتحول إلى صراع هويات؛ حيث لا يعود الخصم منافسًا يمكن التفاهم معه، بل يصبح “آخر” مهدِّدًا للوجود والانتماء.
في هذا التحول، تُستبدل لغة السياسة بلغة الانتماء، وتُختزل القضايا المعقدة في ثنائيات حادة: “نحن” مقابل “هم”. هنا تفقد التسويات معناها، لأن الهوية لا تُقسَّم ولا تُساوَم بسهولة. ومع كل تصعيد، تتآكل المساحات المشتركة التي تسمح بالحوار، وتُغذّى مشاعر الخوف والارتياب، فتُعاد صياغة الوعي الجمعي على أساس الاصطفاف لا الشراكة.
إن أخطر ما في هذا المسار أنه يُخرج الصراع من دائرة الممكن إلى دائرة المغلق؛ حيث تتراجع الحلول السياسية، ويعلو منطق الإقصاء. وما كان خلافًا قابلًا للاحتواء يصبح أزمة مفتوحة، تتوارثها الأجيال، وتستعصي على أي معالجة سريعة أو حتى عادلة. في هذه اللحظة، لا يكون التحدي فقط في إنهاء الصراع، بل في إعادة تعريفه من جديد بوصفه شأنًا سياسيًا يمكن التفاهم حوله، لا معركة وجود لا تقبل إلا الغلبة.
أخطر ما يقدَّم خدمةً غير مباشرة لإيران هو الإصرار على تصوير الخلاف معها بوصفه نزاعًا مذهبيًا خالصًا، وكأنّه امتداد لصراع تاريخي بين طوائف لا يمكن التوفيق بينها. هذا الطرح، وإن بدا بريئًا في ظاهره، ينسجم تمامًا مع منطق السلطة في طهران، التي تستفيد من إعادة تعريف الصراع على هذا الأساس، لأنه يتيح لها الهروب من المساءلة السياسية إلى ساحة التعبئة الهوياتية.
فعندما يُعاد تأطير الخلاف بوصفه صدامًا طائفيًا، تتراجع الأسئلة الحقيقية: من يتدخل؟ ولماذا؟ وبأي أدوات؟ لتحل محلها سرديات تعبئة وانقسام. عندها لا يعود النقاش ممكنًا، لأن الهوية لا تُناقش بل تُدافع عن نفسها، ولا تُسوّى بل تُصادِم غيرها. وهكذا يتحول نزاع يمكن احتواؤه عبر السياسة إلى حالة استقطاب حاد، تُغلق فيها أبواب الحلول.
وفي هذه البيئة، يصبح الصراع مفتوحًا على احتمالات لا نهائية، لأنه يتغذى على مشاعر الانتماء والخوف، لا على حسابات المصالح. وما إن يدخل في هذا المسار، حتى يفقد الجميع القدرة على ضبطه أو إنهائه، إذ لا غالب فيه ولا مغلوب، بل دوامة مستمرة من التوتر والانقسام.

الخلاف مع النظام الإيراني ليس مذهبياً ولا دينياً، بل سياسي في جوهره، وتؤكد ذلك جملة من الأسباب يمكن تبسيطها على النحو الآتي:
يتضح الطابع السياسي للخلاف مع النظام الإيراني من خلال طبيعة سلوكه وخطابه، سواء في الداخل أو الخارج. فمن جهة، ترتكز سياساته المعلنة على مفاهيم مثل توسيع النفوذ، وحماية الأمن القومي، ومواجهة الخصوم، وهي كلها تعبيرات تنتمي إلى منطق الدولة ومصالحها، لا إلى إطار ديني صرف. وحتى حين يُستدعى البعد المذهبي، فإنه يظهر بوصفه أداة تعبئة وتوسّع، يتغير حضوره وحدّته تبعًا للظروف، لا باعتباره غاية نهائية أو مبدأ ثابتًا. وهذا ما تؤكده طبيعة علاقاته البراغماتية، إذ لم يتردد في بناء تحالفات مع أطراف لا تشاركه الانتماء المذهبي، عندما تقتضي المصلحة ذلك، في مشهد يعكس أولوية السياسة على العقيدة.
كما أن جوهر الصراع يتمحور حول النفوذ الإقليمي وإعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة، وهو ما يفسر أنماط التدخل في الشؤون الداخلية للدول، عبر دعم قوى محلية أو جماعات مسلحة، في سياق إدارة نفوذ سياسي لا نشر دعوة دينية. ويزداد هذا المعنى وضوحًا عند النظر إلى اختلاف نماذج الحكم، حيث يتمحور الخلاف حول طبيعة الدولة وشكل السلطة، أكثر من كونه نزاعًا عقائديًا. بل إن الخطاب الإيراني ذاته يتبدل بين لغة دينية وأخرى سياسية تبعًا للجمهور المستهدف، ما يعكس مرونة براغماتية تؤكد أن السياسة هي المحرك الأساس.
ومن جهة أخرى، تكشف الوقائع الداخلية والخارجية هشاشة الرواية التي تقدّم الصراع بوصفه طائفيًا. فداخل إيران نفسها، يقف في مقدمة المعارضين للنظام مواطنون إيرانيون، غالبيتهم من الشيعة، خرجوا احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية والسياسية، لا بدافع مذهبي، بل رفضًا لسياسات أضرت بهم وأدخلت بلادهم في أزمات متلاحقة. كما أن طيفًا واسعًا من المعارضين في الخارج، إلى جانب شخصيات عربية من الطائفة الشيعية، اتخذوا مواقف واضحة ضد هذا المشروع، انطلاقًا من اعتبارات وطنية، لا منطلقات طائفية.
أما في سلوكها العسكري والسياسي، فلم تُظهر إيران تمييزًا فعليًا بين الطوائف؛ إذ طالت سياساتها وتدخلاتها مختلف المجتمعات دون استثناء، بل إن الأضرار في بعض الحالات أصابت البيئات الشيعية نفسها بقدرٍ أكبر. وهذا يكشف أن شعار “حماية الطائفة” لا يتجاوز كونه غطاءً سياسيًا لتبرير النفوذ وتوسيع المجال الحيوي.
بناءً على ذلك، يتبيّن أن الخلاف مع إيران ليس صراعًا مذهبيًا، بل هو في جوهره صراع حول طبيعة الدولة والنظام الإقليمي: بين منطق الدولة الوطنية القائم على السيادة، ومنطق التمدد عبر الوكلاء والتدخلات العابرة للحدود. ولهذا، فإن من يواجه هذا المشروع لا يمثل طائفة بعينها، بل ينتمي إلى طيف واسع من القوى التي ترى في الدولة الوطنية إطارًا جامعًا، وترفض اختزال المجتمعات في هويات ضيقة تُستَخدم كأدوات في صراع سياسي أكبر.



#قاسم_محمد_داود (هاشتاغ)       Qasim_Mohamed_Dawod#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران والخليج العربي: من -وسيلة ضغط- إلى -خطأ استراتيجي- قرا ...
- الضربة التي فتحت أبواب الجحيم: ديناميات الانفجار بين إيران و ...
- العرب في عصر التكتلات الكبرى: لماذا أصبح القطب العربي ضرورة ...
- سوريا 2026: عام التأسيس أم هدنة ما قبل الانفجار؟
- ترشيح المالكي: عودة “رجل المرحلة الصعبة” أم إحياء منظم لفشلٍ ...
- إيران بين غضب الخبز وضغوط الخارج: احتجاجات مفتوحة على كل الا ...
- العائدات المليارية والفرص المهدورة: لماذا أخفق العراق في «تط ...
- رئيس وزراء العراق: بين -مطرقة- الولاء الداخلي و-سندان- الفيت ...
- العقل المأسور: كيف تحوّل المقدّس إلى أداة للسلطة؟
- هل الدين ضد التقدم؟ أم نحن ضد السؤال؟
- العزوف الانتخابي في العراق: الأسباب العميقة ل -مقاطعة الإحبا ...
- الولاءات المتعددة... دولة ممزقة بين الهويات
- بعد حرب غزة: من يرسم خريطة الشرق الأوسط… ونهاية الوهم وبداية ...
- الانتداب الناعم على غزة كيف تعيد خطة ترامب إنتاج الوصاية الد ...
- العراقي وصور المرشحين: قراءة اجتماعية–سياسية في مواسم الدعاي ...
- قمة قطر الطارئة: محاولة للتضامن العربي والإسلامي في مواجهة ا ...
- من يملك حق الخوف في الشرق الأوسط؟
- العشيرة والمال السياسي… حين تُختطف الديمقراطية في العراق كيف ...
- فشل التجربة الديمقراطية في العراق بعد 2003: تحليل العوامل ال ...
- -اتفاقيات أبراهيم- مع إسرائيل: تطبيع بلا مقابل


المزيد.....




- شاهد.. عواصف قوية تغمر مطارًا ومنازل في شيكاغو
- -هل كان يمزح؟-.. ترامب يرد على ادعاء مسؤول أمريكي بأنه -انتق ...
- قصف أكثر من 200 هدف لحزب الله.. ولبنان يشكو إسرائيل بعد غارا ...
- مصدر: الحكومة الإسرائيلية تبحث وقف إطلاق نار محتمل مع لبنان ...
- غارات تطال سلوفيانسك وسومي وروسيا تكثف قصف المدن الأوكرانية ...
- اتصالات مستمرة بين واشنطن وطهران.. ومسؤول أمريكي: لم نوافق ع ...
- ألمانيا تقود حراكا دوليا لحشد أكثر من مليار دولار لدعم السود ...
- غارات إسرائيلية متواصلة على لبنان وإنذار للسكان بإخلاء مناطق ...
- حرب في الشرق الأوسط.. وساطات مكثفة لاحتواء تصعيد مفتوح على ك ...
- إسرائيل تصدر إنذارا بالإخلاء لجميع سكان جنوب نهر الزهراني وح ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قاسم محمد داود - حين تتحول السياسة إلى هوية: إيران والطريق إلى صراع بلا نهاية