|
|
عندما يتحول الحقد الطائفي إلى الرهان على سقوط الحكم الشيعي
محمد صادق
الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 11:34
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
نسمع كثيراً وبصورة متكررة تكاد تتحول إلى لازمة يومية في فضاء مواقع التواصل الاجتماعي، خطاباً يختزل تعقيدات المشهد العراقي بعد عام 2003 في عبارة تبسيطيةٍ مشحونة بـ حكم شيعي أو احتلال إيراني فارسي أو حكم شيعي طائفي صفوي وما شابه ذلك ..
إنّ التفكيك المعمق لهذا الخطاب الطائفي يتطلب الغوص في "بنية الوهم" التي يقتات عليها هؤلاء، فهم يقرؤون الدولة العراقية الحديثة من ثقب إبرة مذهبية ضيقة تتجاهل كلياً تعقيدات العلوم السياسية الحديثة وتراكيب النظام الديمقراطي البرلماني، حيث ينطلق هذا التيار من فرضية مغلوطة بنيوياً تزعم أن الشيعة كـ"كتلة بشرية صماء" هم من يحكمون، بينما الحقيقة الواقعية تشير إلى أن العراق ما بعد 2003 انتقل من "دولة الاستبداد الفردي" إلى "دولة المكونات التوافقية"، وهو نظام لا يمنح السلطة المطلقة لأي مذهب أو قومية، بل يوزعها عبر شبكة معقدة من التوازنات والمحاصصة التي تشترك فيها القوى السنية والكردية جنباً إلى جنب مع القوى الشيعية في كل مفاصل القرار السياسي والأمني والاقتصادي، فالحكومة هي نتاج تحالفات عابرة أو ائتلافية، والبرلمان الذي يشرّع القوانين لا يمرر قراراً دون توافق المكونات الثلاثة الكبرى، مما يجعل مقولة "حكم الشيعة" مجرد بروباغندا سياسية خبيثة تهدف إلى تجريد الشيعة من صفتهم الوطنية وحصرهم في خانة "المستولي" تمهيداً لشيطنتهم.
أما الرهان على "سقوط حكم الشيعة" أو دفعهم لثمن الحكم الطائفي ضد السنة ، فهو نابع من حقد أيديولوجي يرفض تقبل حقيقة التحول الديموقراطي، ويعكس جهلاً مطبقاً بمرونة النظام الديمقراطي البرلماني الذي صُمم ليكون غير قابل للانهيار الكلي بفعل أزمة واحدة، لأن شرعيته مستمدة من صندوق الاقتراع ومن اعتراف دولي وإقليمي واسع، وهؤلاء الطائفيون الذين يعولون على تدخل أمريكي أو تدخل خارجي لإزاحة المكون الأكبر واهمون لدرجة الانفصال عن الواقع، إذ إن القوى العظمى تتعامل مع "دولة مؤسسات" ومع "واقع ديموغرافي" لا يمكن القفز عليه أو استئصاله بقرار خارجي، فالعراق اليوم ليس مجرد سلطة هشة بل هو كيان يمتلك عمقاً استراتيجياً واقتصادياً مرتبطاً بالسوق العالمية للطاقة، والولايات المتحدة نفسها تدرك أن استقرار العراق هو مفتاح استقرار المنطقة، وأن أي محاولة لتقويض المكون الشيعي تعني انزلاق المنطقة ككل في أتون فوضى لا تبقي ولا تذر.
اما هذا الخطاب البغيض يتجاهل أيضاً أن "الشيعة" ليسوا تنظيماً سياسياً واحداً، بل هم حراك مجتمعي وسياسي متنوع يضم تيارات متصارعة ومنتقدة لبعضها البعض، مما يثبت أن الصراع في العراق هو صراع "سياسي برامجي" وليس "مذهبياً وجودياً" كما يحاول الطائفيون تصويره، فالمطالبة بالإصلاح ومحاربة الفساد تخرج من مدن الجنوب والفرات الأوسط قبل غيرها، مما يعني أن المجتمع الشيعي هو أول من يمارس النقد الذاتي للسلطة، وهذا دليل قوة وحيوية لا دليل ضعف أو سقوط، إن هؤلاء الذين ينتظرون "لحظة الانتقام" يعيشون في سجن الماضي، يرفضون فهم أن الدولة العراقية هي دولة "المواطنة الصعبة" التي تحاول التشكل رغم كل الألغام، وأن الرهان على التدخل الخارجي لقلب الطاولة هو خيانة وطنية مغلّفة برداء المظلومية الزائفة، فالعراق لم يعد "سنيّاً" بالمعنى السلطوي القديم ولن يكون "شيعياً" بالمعنى الإقصائي، بل هو وطن محكوم بتوافقية اضطرارية ومؤسسات دستورية تجعل من حلم الطائفيين في العودة إلى نقطة الصفر مجرد سراب يحسبه الظمآن ماءً، بينما الواقع السوسيوسياسي يؤكد أن الشيعة جزء أصيل وجوهري من الدولة لن يزول إلا بزوال الدولة نفسها، وهو أمر لا تسمح به معادلات القوى الدولية ولا موازين الردع المحلية.
إنّ الغوص في أعماق هكذا خطاب طائفي يكشف عن "عقدة تفوق تاريخية" مصابة بذهان سياسي، حيث يرفض هذا التيار الطائفي الاعتراف بأن الدولة في العراق قد غادرت مفهوم "الدولة الضيعة" التي تملكها فئة واحدة، وانتقلت إلى مفهوم "الدولة الساحة" التي تتصارع فيها الإرادات، فهؤلاء يمارسون نوعاً من "التعامي البنيوي" حين يصفون الحكم بأنه "شيعي"، متجاهلين أن الدولة العراقية المعاصرة هي في الحقيقة "دولة لادولتيّة" أو دولة المكونات التي تتوزع فيها الامتيازات والمغانم والمسؤوليات بشكل أفقي وعمودي، فالمؤسسة العسكرية والأمنية والمالية ليست حكراً على مذهب، بل هي ساحة محاصصة يشترك فيها "الإقطاع السياسي" السني والكردي بفعالية كاملة، وما ادعاء "المظلومية السياسية" من قبل هؤلاء إلا أداة لابتزاز الدولة والحصول على مكاسب أكبر تحت غطاء الطائفية، بينما هم في الحقيقة جزء لا يتجزأ من جسد السلطة الذي ينتقدونه علناً ويتمسكون به سراً.
سوسيولوجياً، يعاني هذا الفكر من "اغتراب عن الواقع الديموغرافي"، فهو لا يريد استيعاب أن الشيعة في العراق يمثلون الثقل البشري والجغرافي والاقتصادي (باعتبار منابع النفط)، وأن تحولهم من "رعايا" في الأطراف إلى "شركاء" في المركز هو مسار تاريخي طبيعي لا يمكن عكسه إلا بحروب إبادة، وهو أمر مستحيل في ظل النظام العالمي الراهن، إن هؤلاء الطائفيين يسقطون رغباتهم الانتقامية على شكل "تحليلات سياسية" تفتقر للحد الأدنى من العلمية، فيصورون الوجود الشيعي في السلطة وكأنه "عارض طارئ" سيزول بتدخل خارجي، وهذا ينم عن قصور في فهم "سوسيولوجيا المقاومة والبقاء" لدى المجتمع الشيعي الذي صقلته القرون في مواجهة الإقصاء، مما جعل بنيته الاجتماعية والسياسية تمتلك "مرونة فولاذية" وقدرة عالية على امتصاص الصدمات الخارجية، والتعويل على أمريكا أو غيرها لتغيير هذه المعادلة هو "مراهقة سياسية"، لأن القوى الدولية تبحث عن المصالح لا عن إحياء المظلوميات التاريخية، ومصلحة العالم تكمن في التعامل مع القوة القائمة على الأرض والقادرة على تأمين تدفق النفط ومكافحة الإرهاب، وهي مهام أثبت فيها المكون الأكبر أنه العمود الفقري لاستقرار الدولة.
نقدياً، فإن هذا الخطاب يسقط في فخ "التعميم الاختزالي"، فهو يتهم "الشيعة" ككل بالفشل أو بالتبعية، متجاهلاً الصراعات البينية العنيفة داخل البيت الشيعي نفسه، وهي صراعات تدل على أن المحرك ليس المذهب بل "المصالح السياسية" و"بناء الدولة"، فالاحتجاجات التي هزت العراق عام 2019 بعدها وما قبلها كانت شيعية بامتياز ضد نخب شيعية، مما يفكك مقولة "الحكم الطائفي" ويحولها إلى "أزمة حكم وطنية" يعاني منها السني والكردي والشيعي على حد سواء، إن هؤلاء السنة الحاقدين الذين ينتظرون سقوط الشيعة لا يدركون أن "السقوط" الذي يتمنونه يعني زوال الكيان العراقي بالكامل، لأن الشيعة اليوم هم صمام الأمان لوحدة التراب الوطني، وأي محاولة لعزلهم أو كسر إرادتهم ستؤدي إلى تفتيت العراق إلى دويلات فاشلة، وهو سيناريو يخشاه العالم أكثر مما يخشاه الداخل، لذا فإن خطاب "دفع الثمن" هو مجرد تنفيس غريزي يعبر عن عجز سياسي وفشل في تقديم بديل وطني حقيقي يتجاوز عقدة المذهب نحو فضاء المواطنة، مما يجعل هذا التيار يدور في حلقة مفرغة من الأوهام التي تتكسر يومياً أمام صخرة الواقع المؤسساتي والاجتماعي العراقي الجديد.
إنّ تحليل السيكولوجيا العميقة لهذه الفئة يتطلب تشريحاً لمنظومة "الذهان الجماعي" الذي تعيشه، فهذه العبارة التي يرددونها ليست مجرد تحليل سياسي خاطئ، بل هي "آلية دفاعية" نفسية تعكس عجزاً عن التكيف مع الواقع الجديد، حيث يسيطر عليهم ما يُعرف في علم النفس بـ "عقدة الاستحقاق المسلوب"؛ فهم نشأوا على سردية تاريخية متوارثة توهمهم بأن السلطة هي حق طبيعي وحصري لفئة معينة، وعندما انكسرت هذه المركزية عام 2003، أصيبت بِنْيَتُهم النفسية بـ "صدمة نرجسية" حادة، فباتوا يرفضون الاعتراف بالواقع الديموغرافي والديموقراطي لأنه يجردهم من ميزة "السيد المطاع"، وهذا الرفض يتحول سيكولوجياً إلى "إنكار" (Denial)، حيث يوهمون أنفسهم بأن الوضع الراهن هو "حالة شاذة" أو "حادث عابر" سينتهي حتماً، ومن هنا ينبع هوسهم بعبارة "دفع الثمن" أو "السقوط الوشيك"، فهي محاولة بائسة لاستعادة توازنهم النفسي المنهار عبر خلق أمل وهمي بالعودة إلى الماضي.
سيكولوجياً، يمارس هؤلاء ما يُسمى بـ "الإسقاط العدائي"، فحين يتحدثون عن سقوط الشيعة، هم في الحقيقة يعكسون "رغبتهم الإبادية" التي لا يستطيعون تحقيقها على أرض الواقع، فيحولونها إلى "نبوءات سياسية" يبحثون لها عن مبررات خارجية، وهذا يفسر ارتماءهم في أحضان الوهم بـ "التدخل الأمريكي"، إنها "سيكولوجية التابع العاجز" الذي فقد القدرة على الفعل الداخلي، فصار ينتظر "مخلصاً خارجياً" (حتى لو كان عدواً تاريخياً كأمريكا) ليقوم بالمهمة نيابة عنه، وهذا التناقض الصارخ—بين كره أمريكا والرهان عليها لإزاحة الشيعة—يكشف عن انفصام في الشخصية السياسية، حيث تصبح الغاية (إزاحة المكون الأكبر) مبرراً لتبني أي وسيلة، حتى لو كانت تدمير الوطن بالكامل، مما يثبت أن محركهم الأساسي هو "الحقد السلبي" وليس المشروع الوطني.
علاوة على ذلك، يعيش هؤلاء حالة من "العمى الوظيفي" تجاه بنية النظام البرلماني؛ فهم يفسرون "التعددية" و"الأزمات السياسية" داخل البيت الشيعي على أنها علامات ضعف وسقوط، بينما هي في الواقع علامات "حيوية ديموقراطية" وقدرة على التجدد، والسبب السيكولوجي لهذا الفهم القاصر هو اعتيادهم على "نموذج الأب المستبد" أو الحزب الواحد الذي لا يتزلزل إلا بالانهيار الكلي، لذا فهم لا يستوعبون "المرونة البنيوية" للنظام التوافقي الذي يوزع السلطة كشبكة عنكبوتية إذا انقطع منها خيط لم يسقط البيت، إنهم مسجونون داخل "إبرة مذهبية ضيقة" تمنعهم من رؤية المشهد الكلي، فتتحول قراءتهم للواقع إلى نوع من "التفكير السحري" الذي يرى السقوط حتمياً لمجرد أنهم يكرهون الحاكم، متجاهلين الاعتراف الدولي والمصالح الجيوسياسية التي جعلت من هذا النظام واقعاً صلباً، وبذلك يظلون يقتاتون على الأوهام، منتظرين لحظة لن تأتي، لأنهم ببساطة يرفضون الاعتراف بأن "العراق القديم" قد مات سيكولوجياً وسياسياً، وأن المستقبل يُبنى بالشراكة لا بالانتظار الشامت على قارعة التاريخ.
إنّ التغلغل في "النواة الصلبة" لسيكولوجيا هؤلاء السنة الطائفيين يكشف عن بنية ذهنية مصابة بما يمكن تسميته "بارانويا فقدان المركز"، وهي حالة مرضية تجعل الفرد أو الجماعة يربطون وجودهم الكوني والبيولوجي بامتلاك السلطة المطلقة، فحين يروجون لفكرة أن "الشيعة سيدفعون ثمن حكمهم"، هم لا يمارسون تحليلاً سياسياً، بل يعبرون عن "هذيان تعويضي" يحاول ردم الفجوة بين واقعهم الهامشي الحالي وصورتهم المتضخمة عن أنفسهم في الماضي، فهم ينظرون إلى الدولة كـ "غنيمة مذهبية" سُلبت منهم، وبما أنهم عاجزون عن استردادها عبر الوسائل الديمقراطية أو الواقعية، فإن عقلهم الباطن يبتكر سردية "الحتمية السقوطية" للشيعة كنوع من المسكنات النفسية التي تمنعهم من الانهيار التام أمام حقيقة أن موازين القوى قد تغيرت للأبد.
هؤلاء المرضى سيكولوجياً يعانون من "العجز عن الحداد" على الماضي؛ فهم لم يتقبلوا موت "الدولة المركزية الإقصائية"، وهذا العجز يولد لديهم حقداً بنيوياً يتجاوز الخصومة السياسية ليصل إلى مرحلة "العدمية الطائفية"، حيث يتمنون انهيار المعبد على رؤوس الجميع ما داموا ليسوا هم سدنته، إن رهانهم على "التدخل الخارجي" أو "المنقذ الأمريكي" ليس مجرد تناقض سياسي، بل هو "استلاب إرادي" يعكس شعوراً عميقاً بالدونية تجاه الواقع، فهم يدركون في لاوعيهم أن المكون الشيعي متجذر في الأرض، ومحصن بفتوى وبمؤسسات وبجغرافيا نفطية وبشرية لا يمكن زحزحتها، لذا يلجؤون لـ "قوى عظمى" في خيالاتهم لتؤدي دور "القدر الإلهي" الذي سينتقم لهم، وهذا يمثل قمة الانفصال عن الواقع، حيث تسقط لديهم القوانين السياسية والاجتماعية وتتحل محلها "الرغبات الانتقامية" التي يلبسونها ثوب التوقعات.
أما نظرتهم للمشهد من خلال "إبرة مذهبية ضيقة"، فهي تعبير عن "الضيق المعرفي" حيث يتم اختزال تعقيدات "الدولة البرلمانية" التي تقوم على التحالفات، والتمثيل النسبي، والاعتراف المتبادل، والضمانات الدولية، إلى مجرد "غلبة عددية طائفية"، هذا التبسيط المخل هو آلية دفاعية لحماية "الأنا الطائفية" من الاعتراف بأن الخلل قد يكمن في خطابهم هم لا في بنية النظام، إنهم يرفضون رؤية أن "النظام العراقي" رغم عثراته، يمتلك "شرعية استمرارية" مستمدة من توازن الرعب الداخلي والمصالح الإقليمية، وهم بتجاهلهم لهذا العمق يقعون في فخ "الانتظار الشامت"، وهو سلوك سيكولوجي مدمر يجعل صاحبه يراقب العثرات البسيطة (مثل أزمة سياسية أو مظاهرات) ويضخمها في خياله كأنها "بداية النهاية"، ثم يصاب بالخيبة مع كل مرة يخرج فيها النظام من أزمته أكثر صلابة، مما يزيد من منسوب الحقد والغل لديهم، ويحولهم إلى كائنات تعيش في "غرفة صدى" لا تسمع فيها إلا صدى أوهامها بأن "السقوط غداً"، بينما الغد يأتي دائماً بتكريس أكبر لواقع لا يستطيعون تغييره.
إنّ الجوهر الحقيقي الكامن وراء هذه الخطابات الطائفية يمسّ أعمق نقطة في الأزمة السياسية والاجتماعية التي تلت عام 2003، وهي أزمة "الهوية والسلطة". التحليل النقدي لهذه البنية الذهنية يكشف عن صراع وجودي وليس مجرد خلاف سياسي، فالموضوع هنا يتعدى النقد السطحي ليصل إلى مفهوم "الأنا المتضخمة تاريخياً" التي تجد نفسها فجأة في مواجهة واقع لا يعترف بامتيازاتها الموروثة. يمكن تفكيك هذا المشهد عبر عدة مستويات تحليلية معمقة:
أولاً : سوسيولوجيا "المركزية المنكسرة" هذه الفئة تعيش في حالة من "الزمن الدائري" لا "الزمن الخطي"؛ بمعنى أنهم لا يرون التاريخ تقدماً نحو الأمام، بل يرونه استحقاقاً ثابتاً يدور حول محورهم. "بارانويا فقدان المركز" التي وصفتها العبارة هي النتيجة الطبيعية لتحول جذري من وضعية "الدولة الهوية" (حيث الدولة تتماهى مع طائفة واحدة) إلى "الدولة العقدية" (حيث الدولة هي محصلة أوزان ديموغرافية). الوجع هنا ليس على ضياع الدولة كمؤسسات، بل على ضياع "المرتبة الاجتماعية" التي كانت تمنحهم شعوراً بالاستعلاء الوجودي. لذا، فإن "سقوط الشيعة" في مخيالهم هو في الحقيقة أمنية بـ"استعادة الذات الضائعة" أكثر من كونه مشروعاً سياسياً قابلاً للتطبيق.
ثانياً : الهذيان التعويضي كآلية "بقاء نفسي" عندما يصطدم العقل بواقع صلب لا يرحم، ولا يمتلك الأدوات لتغييره (بسبب العجز العددي أو غياب المشروع الوطني العابر للمذاهب)، فإنه يلجأ إلى "خلق واقع موازٍ". هذا هو "الهذيان التعويضي". إن القول بأن "الشيعة سيدفعون الثمن" يعمل كأداة تخديرية؛ فبدلاً من ممارسة النقد الذاتي والاعتراف بأن قواعد اللعبة السياسية العالمية والمحلية قد تغيرت، يهرب هؤلاء إلى "النبوءة السقوطية". هم لا يحللون الواقع، بل يمارسون "الرجم بالغيب السياسي" ليعطوا لأنفسهم سبباً للاستمرار في الانتظار دون فعل حقيقي. هذا الانتظار هو في جوهره "شلل إرادي" مغلف بلغة التهديد.
ثالثاً : "الحتمية السقوطية" وفشل فهم الدولة الحديثة النقطة الجوهرية في هذه العبارة هي الإشارة إلى جهلهم بـ"بنية النظام البرلماني". هؤلاء الطائفيون يقيسون الأمور بمسطرة "النظام الشمولي"؛ حيث كان يسقط النظام بسقوط "الرأس" أو الانقلاب العسكري. هم لا يستوعبون أن النظام الديمقراطي العراقي بعد 2003، رغم كل عيوبه، هو نظام "أفقي" وليس "عمودياً". إنه نظام "موزع" جغرافياً ومؤسساتياً ودولياً. وبالتالي، فإن فكرة "السقوط الوشيك" هي وهم تقني؛ لأن "الشيعية السياسية" ليست تنظيماً يمكن حله، بل هي تمثيل لمكون بشري هو الأكبر والأكثر تجذراً في عمق الدولة واقتصادها. الرهان على التدخل الأمريكي هنا هو قمة "الانفصام النفسي"، فكيف يطلبون من القوة التي أسست هذا النظام أن تهدمه لصالح عودة نظام إقصائي يرفضه العالم؟
رابعاً : "الثمن" كصورة رمزية للحقد البنيوي عبارة "يدفعون الثمن" هي عبارة "سادية سياسية". هي تعكس الرغبة في رؤية "العقاب الجماعي" لمكون كامل لمجرد أنه تصدر المشهد. هذا ينم عن "عدمية" مخيفة؛ فهم يفضلون رؤية العراق يحترق أو ينهار بالكامل (دفع الثمن) على أن يروه مستقراً تحت قيادة لا تتوافق مع "كودهم المذهبي". هذا هو التفسير السيكولوجي الدقيق لما يُسمى بـ"الحقد البنيوي"؛ الحقد الذي يصبح جزءاً من الهوية، حيث لا يرى الفرد نفسه ناجحاً إلا إذا رأى خصمه التاريخي (كما يتوهمه) محطماً.
الخلاصة : هذا التيار لا يعيش في "العراق الواقعي" لعام 2026، بل يعيش في "عراق متخيل" يسكن ذاكرته الجريحة. إنهم يرفضون "الحقيقة المرة" بأن العراق قد تجاوز مرحلة "الانقلابات والمكرمات"، ودخل مرحلة "المؤسسات والمصالح الدولية". ستبقى هذه الفئة تقتات على أوهام "السقوط" لأن البديل عن ذلك هو الاعتراف بالهزيمة التاريخية لفكرة "الاحتكار المذهبي"، وهذا الاعتراف يتطلب شجاعة نفسية لا يمتلكها من يقرأ المشهد من "ثقب إبرة مذهبية "حاقدة، فالمشكلة لا تكمن فقط في خطأ الوصف، بل في منطق الاختزال نفسه؛ إذ يتم تجاهل التحولات البنيوية التي أعادت تشكيل الدولة والمجتمع، واختزالها في ثنائية طائفية حادة، تُلغي السياسة لحساب الهوية، وتستبدل الوقائع المركّبة بصور ذهنية مبسّطة. وبذلك، يصبح الخطاب الطائفي ليس مجرد رأي، بل أداة لطمس التعقيد، وإعاقة أي فهم واقعي لطبيعة النظام وتوازناته.
#محمد_صادق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أين تسير عجلة الدولة؟
-
جدار المحاصصة و المتظاهرين
-
مَن مِنكُم لايُعاني ؟
-
أغلبَهُم تَمرَضَ وَتَعافى إلّا الكُرد
-
كردستان وذكرى معركة جالديران
-
أزاد أَم إزرائيل ؟
-
الصين وما أدراكَ ما الصين
-
بُلبُليات - 15
-
بُلبُليات - 14
-
بُلبُليات - 13 للسنه الجديدة
-
بُلبُليات - 12
-
إستِعمار لاتَعرُفُ عِنوانَهُ
-
الهِجرةُ بعدَ الهِجرَةِ
-
أربَعُ أديان وَستُ مُحيطاتْ
-
الحيطَه والحَذَر بعد نشوة الإنتصار
-
بُلبُليات - 11
-
بُلبُليات - 10
-
بُلبُليات - 9
-
جُرعات عربيه
-
بُلبُليات - 8
المزيد.....
-
لبنان.. نانسي عجرم تكسر صمتها وتعلن العودة
-
الإمارات تستدعي القائم بأعمال سفارة العراق وتسلمه مذكرة احتج
...
-
باكستان تدخل على خط التهدئة: شهباز شريف يقود جولة إقليمية لإ
...
-
273 مليون طفل بلا تعليم.. اليونسكو تحذّر: الأطفال هم الأكثر
...
-
ذعر بعد إطلاق نار في مدرسة بتركيا يسفر عن مقتل 9 أشخاص على ا
...
-
ستارمر: بريطانيا لن ترضخ لضغوط ترامب من أجل الانضمام إلى الح
...
-
إيران تلوّح بوقف التصدير عبر الخليج وبحر عُمان والبحر الأحمر
...
-
تحت -شمس المغرب- ـ مشاريع طموحة تتوهج رغم التحديات!
-
-سيلا أتلانتيك-.. مشروع كهرباء -خضراء- من المغرب إلى ألمانيا
...
-
نتنياهو: نواصل ضرب حزب الله وهناك هدفان للمفاوضات مع لبنان
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|