|
|
ملف الأوقاف العثماني.. كيف تنظر المحاكم الدولية إلى جرائم عصابة الاحتلال التركي الجديد؟
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 09:17
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
خشب الجميز وأردوغان: الجريمة التركية الكبرى في سوريا
بين المقاولة الإرهابية للـ CIA وملف الأوقاف العثماني.. كيف تنظر المحاكم الدولية إلى جرائم عصابة الاحتلال الجديد؟
لم تسقط دمشق على أيدي ثوار سوريين، في الثامن من ديسمبر عام ٢٠٢٤، بل سقطت على أيدي عصابات المقاولة بالباطن التي وظفها رجب طيب أردوغان ورجل مخابراته القوية حقان فيدان، بأمر مباشر من وكالة المخابرات المركزية الأميركية والموساد الإسرائيلي. عملية "خشب الجميز" التي خططت لها واشنطن منذ أعوام لم تكن ثورة، بل كانت مؤامرة إمبريالية مدمرة لإبادة سوريا تحت ستار "الربيع العربي". ومثلما تذكر المصادر، كانت تركيا مقاول الـ CIA بالباطن، حيث أقام أردوغان مخيمات لجوء تتسع لعشرات الآلاف قبل أي احتجاج في سوريا، لتصبح هذه المخيمات حاضنات تخرج منها قوافل الإرهابيين الذين نفذوا المخطط بقيادة حقان فيدان، صانع الإرهاب الأول.
هذه الورقة تسلط الضوء على تفاصيل المؤامرة، بدءًا من فتح الحدود أمام مئات آلاف الإرهابيين، مرورًا باحتلال دمشق عبر "هيئة تحرير الشام" والجولاني، وانتهاءً بملف الأوقاف العثماني الذي تخطط له أنقرة وسلطة الاحتلال الجديدة لانتزاع أملاك السوريين، كل ذلك في وقت تتعرض فيه الأقليات الدينية في سوريا لموجات إبادة جماعية غير مسبوقة، ويسلم النفط السوري لشركة "شيفرون" الأميركية لنهبه. كما تستعرض هذه الورقة حكم القانون الدولي في هذه الجرائم، وتخلص إلى أن الحل الوحيد يكمن في توحد الشعب السوري والشعوب العربية لتصفية الاحتلال التركي والصهيوني من سوريا والبلاد العربية.
"خشب الجميز".. مؤامرة إمبريالية وأردوغان المقاول بالباطن
قبل أن يخرج أول محتج في شوارع درعا، كانت تركيا قد أنهت استعداداتها لاستقبال موجات الإرهاب التي ستغرق سوريا في بحر من الدماء. فبموجب عملية "خشب الجميز"، وهي مؤامرة دبرتها وكالة المخابرات المركزية (CIA) والموساد الإسرائيلي بتمويل خليجي تجاوز تريليوني دولار، حولت أنقرة حدودها مع سوريا إلى بوابات مفتوحة أمام آلاف الجهاديين القادمين من أوروبا وأفغانستان والشيشان.
أ. فتح الحدود: من مخيمات اللجوء إلى معسكرات الإرهاب
تشير التقارير الدولية إلى أن أردوغان أقام مخيمات لجوء سورية قبل أن تندلع شرارة الأزمة، في خطوة كشفت عن نوايا مبيتة لتدمير سوريا. هذه المخيمات لم تكن لإيواء النازحين بقدر ما كانت "مناطق انطلاق" لإعادة تأهيل الإرهابيين. وبحسب ما وثقه تحقيق أمني إسباني، لعبت تركيا دورًا محوريًا كمعبر عبور للجهاديين الأوروبيين. ففي قضية الجهادي "كاسيانو" الذي حاربت مع جبهة النصرة في سوريا، أثبتت الأدلة أن المتهم استخدم تركيا كممر آمن ومقر لبث دعايته الإرهابية عبر الإنترنت. فالسلطات الإسبانية أكدت أن المتهم دخل إلى سوريا عبر تركيا، واستخدم هوية مزورة أثناء مثوله أمام محكمة تركية في هاتاي. وهذا ليس مجرد حالة فردية، بل كان وزير الداخلية التركي السابق سليمان صويلو يتباهى بإعادة ١١٢٦ جهادياً إلى أوروبا، مما يعني أن أضعاف هذا العدد تم ضخهم إلى سوريا.
هذه الأفعال ترقى في القانون الدولي إلى "التواطؤ في الإرهاب" و"العدوان على دولة ذات سيادة"، حيث أن فتح الحدود أمام آلاف المقاتلين الأجانب لشن حرب على سوريا يعد خرقًا صريحًا لاتفاقيات جنيف ولميثاق الأمم المتحدة الذي يجرم استخدام القوة ضد سلامة الدول.
ب. حقان فيدان: من رجل مخابرات إلى "صانع إرهاب"
في طليعة منفذي هذه المؤامرة يقف حقان فيدان، رئيس جهاز المخابرات التركية (MIT)، الذي وصفته المصادر بأنه "صانع الإرهاب الأول". فيدان هو العقل المدبر الذي أدار تدفق الأسلحة والمال والرجال من تركيا إلى جيوب المعارضة المسلحة في إدلب. لم يكتفِ بذلك، بل أشرف على تطويع "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقًا) لتكون الذراع العسكري الأقوى للمشروع التركي في سوريا. لقد طالب فيدان مرارًا المجتمع الدولي بشطب هيئة تحرير الشام من قوائم الإرهاب، محاولًا غسل سمعتها الدموية لتتناسب مع الأجندة السياسية التركية.
هذا التدخل المباشر من رئيس مخابرات دولة في إدارة فصائل إرهابية مدرجة على لائحة الإرهاب الدولية (جبهة النصرة فرع القاعدة في سوريا)، يضع تركيا في خانة "الدولة الراعية للإرهاب"، ويجعل أردوغان وفيدان عرضة للملاحقة الجنائية أمام المحكمة الجنائية الدولية بجرائم الحرب والعدوان.
ديسمبر الأسود.. احتلال دمشق على يد "المقاولين"
لم تكن معركة دمشق في ديسمبر ٢٠٢٤ انتصارًا سوريًا-سوريًا، بل كانت لحظة ذروة تنفيذ عصابة أردوغان للجريمة. فبينما كانت الطائرات الحربية التركية تمهد الطريق، تسللت عصابات هيئة تحرير الشام بقيادة الجولاني إلى العاصمة، وسط أنباء عن تنسيق مباشر مع غرفة عمليات تركية في مدينة أنطاكيا.
أ. الـ٨ من ديسمبر: سقوط بشار الأسد تحت حراب الإرهاب
في اليوم الذي أعلنت فيه تركيا سيطرتها على دمشق، لم يخفي أردوغان فرحته، معلنًا أن المفتاح أصبح في يده. ما حدث لم يكن تغييرًا سياسيًا طبيعيًا، بل احتلالًا بالوكالة، حيث تولت الفصائل التي تدعمها أنقرة (هيئة تحرير الشام والجيش الوطني السوري) إدارة الشوارع والمؤسسات. وبحسب تقارير دولية، فإن "هيئة تحرير الشام" لا تزال مدرجة كمنظمة إرهابية في الأمم المتحدة، إلا أن تركيا نجحت في فرضها كسلطة أمر واقع.
هذه النقلة النوعية تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، حيث يحظر على الدول التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، كما يحظر دعم الجماعات المسلحة للإطاحة بحكومات شرعية، مهما كانت طبيعة تلك الحكومات.
ب. عصابة بلا شرعية: لا انتخابات ولا تمثيل شعبي
إن السلطة التي حلت محل الحكومة السورية اليوم هي سلطة أمر واقع بلا شرعية دستورية. لم ينتخب هؤلاء أحد، ولم يأتوا عبر أي صندوق اقتراع، بل قدموا على متن شاحنات عسكرية تركية تحمل شعارات جهادية متطرفة. منذ ذلك اليوم وحتى اليوم، تدير هذه العصابة (المكونة من مليشيات إرهابية متشددة) حياة السوريين بمراسيم صادرة عن قادة ميدانيين ليس لديهم أي خلفية قانونية أو إدارية. هذا الوضع لا يعترف به القانون الدولي، ويعتبر احتلالًا عسكريًا غير قانوني، تتحمل تركيا مسؤوليته الكاملة بوصفها سلطة الاحتلال الفعلية.
ج. التخطيط المسبق: قبل أيام من السقوط
تكشف الوثائق المتسربة عن وجود تحضيرات تركية مكثفة قبل الهجوم على دمشق بأشهر. فقد قام فيدان بتنسيق اللقاءات بين قادة الفصائل في اسطنبول لوضع خريطة طريق تقاسم السلطة والثروة (النفط والغاز)، وهو ما تم بالفعل فور سقوط النظام. كأنما كانت سوريا صفقة تجارية تم تقاسمها بين أردوغان وشركائه في الناتو.
إبادة جماعية منهجية بغطاء الوقف العثماني
في واحدة من أبشع مفارقات التاريخ، تستخدم تركيا اليوم وثائق الأرشيف العثماني التي يعود عمرها لأكثر من قرن لتبرير انتزاع ممتلكات السوريين في دمشق وحلب، وذلك في الوقت الذي تشن فيه مليشياتها حملة إبادة جماعية ممنهجة ضد أبناء الشعب السوري.
أ. ملف الأوقاف العثماني: نهب القرن الحادي والعشرين
تسعى وزارة الأوقاف السورية (التابعة للسلطة الحالية) إلى الحصول على نسخة كاملة من السجلات العقارية العثمانية من رئاسة الشؤون الدينية التركية "ديانات"، لحصر العقارات الوقفية في دمشق وحلب. وبحسب المصادر، هناك آلاف العقارات التي قد تُصنف كوقف عثماني، مما يهدد ملكية السوريين الحاليين. ففي حال ثبوت صفة الوقف، يُمنح شاغلو العقار خياران: إما دفع إيجار باهظ وفق أسعار السوق الحالية، أو الإخلاء القسري.
ما يجعل هذه الجريمة فريدة من نوعها هو توقيتها: فبينما تنهب عصابات أردوغان سوريا عبر الغلاء وفواتير الكهرباء الخيالية، يسعى هؤلاء إلى تجريد السوريين من آخر ما تبقى لديهم. هذا النهب المؤسس على "الوقفية العثمانية" لا يختلف عن عمليات السلب والنهب التي قام بها العثمانيون أنفسهم عندما استعبدوا العرب قبل خمسة قرون. القانون الدولي يرفض رفضًا قاطعًا مثل هذه الدعاوى، استنادًا إلى مبدأ "المرور الزمني" (Statute of-limit-ations) الذي يسقط أي دعاوى تعود لفترة استعمارية انتهت منذ أكثر من ٨٠ عامًا.
ب. الإبادة الطائفية والعرقية: مجازر مارس ٢٠٢٥ ضد العلويين والدروز والمسيحيين
لم تقتصر الجريمة التركية على النهب الاقتصادي، بل امتدت لتشمل إبادة جماعية موثقة ضد مكونات الشعب السوري. ففي مارس ٢٠٢٥، وثقت منظمات حقوقية مقتلة دموية راح ضحيتها مئات المدنيين العلويين في الساحل السوري، في مشاهد استنسخت مذابح العثمانيين قبل مئة عام. فقد قامت عصابات تابعة للحكومة الانتقالية بقتل عائلات بأكملها، في سلسلة من عمليات التطهير العرقي المنهجية.
لم يقتصر الاستهداف على العلويين فقط، بل امتد ليشمل المسيحيين والدروز والشيعة وحتى السنة المعارضين لهذه السلطة الجهادية. ففي يوليو ٢٠٢٥، أصدر البرلمان الأوروبي قرارًا عاجلًا يدين فيه الهجمات التي استهدفت كنيسة مار جرجس وغيرها من دور العبادة، معتبرًا أن هذه الاعتداءات تهدد التعايش المجتمعي في سوريا وتزيد من هشاشة وضع الأقليات الدينية. كما حذرت الأمم المتحدة من استمرار الانتهاكات الخطيرة التي تستهدف الأقليات، حيث وثق تقرير أممي مقتل ٣٦٦٦ مدنيًا خلال عام ٢٠٢٥ وحده، بينهم ٣٢٨ طفلًا و٣١٢ امرأة.
هذا النمط من العنف يرتقي إلى تعريفات الإبادة الجماعية (Genocide) بموجب اتفاقية عام ١٩٤٨، حيث تتوفر النية الخاصة (dolus specialis) لتدمير جماعة دينية أو عرقية بشكل كلي أو جزئي.
ج. فواتير الكهرباء والغلاء: آلة تعذيب اقتصادي
بالإضافة إلى القتل المباشر، ابتكرت عصابة الاحتلال التركي أسلوبًا جديدًا للتعذيب الجماعي: رفع فواتير الكهرباء بشكل خيالي، واستنزاف العملة الصعبة، وخلق أزمة غلاء خانقة. السوريون اليوم يدفعون فواتير كهرباء تعادل متوسط رواتبهم الشهرية، في ظل انقطاع التيار الكهربائي لأكثر من ٢٠ ساعة يوميًا. هذه السياسات لا تأتي نتيجة عجز تقني، بل هي جزء من أجندة ممنهجة لإفقار السوريين وإجبارهم على الهجرة أو بيع ممتلكاتهم بأسعار زهيدة، تمهيدًا لمصادرتها بموجب ملف الأوقاف العثماني.
نهب الثروات.. شيفرون وكنوز المتوسط
أثبتت الوثائق المسربة أن "تحرير" سوريا لم يكن من أجل الديمقراطية، بل من أجل عقود النفط والغاز. فبعد أسابيع فقط من سيطرة عصابات أردوغان على دمشق، هرعت شركة "شيفرون" الأميركية العملاقة وشركة "باور إنترناشونال" القطرية لتوقيع مذكرات تفاهم مع وزارة النفط السورية للتنقيب عن النفط والغاز قبالة السواحل السورية.
هذه الاتفاقيات تثير تساؤلات كبيرة: كيف لشركة أميركية (أي من دولة تقود سياسة العقوبات على سوريا) أن توقع عقودًا مع سلطة غير منتخبة لم تأتِ إلا على متن الدبابات التركية؟ ومن المستفيد الحقيقي من هذه الصفقات؟
أ. من الشرق إلى الغرب.. سوريا محط أنظار الشركات العملاقة
تمتلك سوريا احتياطيات نفطية برية مؤكدة تصل إلى ٢.٥ مليار برميل، وتقدر هيئة المسح الجيولوجي الأميركية (USGS) احتياطيات الغاز في مياهها الإقليمية بأرقام هائلة تجعلها كنزًا استراتيجيًا للمنطقة. شركة شيفرون ليست وافدًا جديدًا، بل كانت تنتظر اللحظة المناسبة لدخول السوق السوري منذ عام ٢٠٠٥ عندما أجرت المسوحات الزلزالية الأولية.
في فبراير ٢٠٢٦، أبرمت الحكومة الانتقالية اتفاقًا مع "شيفرون" وشركة "قطر للطاقة"، مما أعطى الشركات الأميركية نافذة على احتياطيات حوض شرق المتوسط، في الوقت الذي تخسر فيه روسيا وإيران نفوذهما الطاقي. هذا التسليم السريع للثروة الوطنية يطرح سؤالًا أخلاقيًا: هل انتقل النفط السوري من قبضة "النظام السابق" إلى قبضة الاحتلال التركي وأسياده الغربيين؟
ب. مئات المليارات تُنهب تحت مسميات الإعمار
لا يمكن فهم تسارع الأحداث في سوريا دون النظر إلى "الكعكة" الاقتصادية. مع سقوط النظام، قُدرت احتياجات إعادة الإعمار بمئات المليارات من الدولارات. الشركات التركية والقطرية والأميركية تتنافس على عقود إعادة الإعمار، وهو ما كان مستحيلًا في ظل وجود حكومة سورية مستقلة. اليوم، ومع وجود سلطة متربعة على كرسي دمشق بموافقة ضمنية من الغرب، أصبحت سوريا "سوقًا مفتوحًا" للاستثمارات المشبوهة، التي يأتي على رأسها التنقيب عن النفط والغاز، تاركين للسوريين الغلاء والجوع وانتزاع ممتلكاتهم.
الجرائم العثمانية التاريخية.. الإبادة والمجاعات ونهب أربعة قرون
قبل أن نتحدث عن الاحتلال التركي الحالي، يجب أن ننظر إلى الإرث الثقيل للدولة العثمانية التي ظلت تحكم البلاد العربية لأربعة قرون كاملة. في الحقيقة، ما يحدث اليوم في سوريا هو مجرد استكمال لمشروع استعماري قديم، أعادت تركيا الحديثة إحياءه بثوب جديد.
أ. إبادة الأرمن والسريان.. سابقة قانونية لمحاكمة تركيا
خلال الحرب العالمية الأولى، ارتكبت الدولة العثمانية إبادة جماعية بحق الأرمن والسريان، راح ضحيتها ١.٥ مليون شخص. هذه الجريمة اعترفت بها أكثر من ٣٠ دولة حول العالم، بما فيها الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وروسيا. تركيا حتى اليوم ترفض الاعتراف بأنها "إبادة"، خوفًا من فتح ملف تعويضات ضخمة.
أما العرب، فقد عانوا من سياسات عثمانية مماثلة. فالمجاعة الكبرى في جبل لبنان وسوريا (١٩١٥١٩١٨) التي أودت بحياة نصف مليون شخص، كانت نتيجة مباشرة لسياسات عثمانية متعمدة منعت الغذاء عن بلاد الشام بحجة تموين الجيوش العثمانية. السوريون يتذكرون كيف أجبرتهم المجاعات والاضطهاد على الهجرة إلى الأمريكتين، حيث يوجد اليوم في الأرجنتين والبرازيل وتشيلي جاليات سورية كبيرة هربت من بطش العثمانيين.
ب. التخلف العقائدي: من "العقلية العثمانية" إلى "نسخة روتشيلد الصهيونية"
المفارقة المأساوية أن العقلية العثمانية التي حكمت المنطقة بقمع وتخلف، تجد امتدادًا لها اليوم في سلوك عصابة أردوغان التي تحكم دمشق. هذه العقلية تجمع بين الاستبداد التركي القديم، والنسخة "الروتشيلدية" الصهيونية التي تهدف إلى تفكيك المجتمعات العربية عبر سياسات التضخم والغلاء، ناهيك عن النسخة "المسيحية الصهيونية الإنجيلية" التي تدعم إسرائيل وإبادة الفلسطينيين من منطلق ديني مسياني.
هذه العصابة لا تختلف في جوهرها عن الكيان الصهيوني الذي يحتل القدس، فكلاهما مشروع استعماري استيطاني. تركيا تحتل شمال سوريا وتريد بسط سيطرتها على دمشق عبر وكيلها، تمامًا كما تحتل إسرائيل الجولان وتشن غاراتها على العمق السوري. وقد عبرت تقارير إسرائيلية بوضوح عن أن تل أبيب وأنقرة تتصارعان لتقاسم النفوذ في سوريا، وكأن سوريا غنيمة حرب يمكن تقسيمها بين اللصوص.
القانون الدولي بين النظرية والتطبيق.. كيف ينظر إلى الجرائم التركية؟
عند تقييم جرائم تركيا الحالية في سوريا، ينقسم القانون الدولي إلى ثلاثة مستويات:
أ. الاحتلال العسكري المباشر: انتهاك واضح لاتفاقيات جنيف
التواجد العسكري التركي في شمال سوريا (عفرين، جرابلس، الباب، تل أبيض، رأس العين) هو احتلال عسكري بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. وفقًا للمادة ٤٢ من اتفاقية لاهاي الرابعة لعام ١٩٠٧، تعتبر الأرض محتلة عندما توضع تحت سلطة الجيش المعادي. تركيا لم تكتفِ بالتواجد العسكري، بل أنشأت إدارات محلية وغيرت التركيبة السكانية في عفرين، حيث انخفضت نسبة السكان الكرد من ٩٠٪ إلى ٢٥٪ بعد أن استولى الجيش التركي وميليشياته على المنازل والمزارع والمصانع.
في فبراير ٢٠٢٥، عقدت المحكمة الدائمة للشعوب جلستها الـ٥٤ في بروكسل، وأصدرت حكمًا تاريخيًا قضت فيه بأن الرئيس أردوغان وكبار المسؤولين الأتراك مذنبون بارتكاب جرائم عدوان وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في شمال شرق سوريا (روجآفا). وقد وثقت المحكمة شهادات مروعة عن قصف مناطق مدنية بالكامل، مما أسفر عن مقتل ١٠ أشخاص بينهم ٨ أطفال.
ب. ملف الإبادة الجماعية للأقليات: انتهاك لاتفاقية ١٩٤٨
جرائم التطهير العرقي ضد العلويين والمسيحيين والدروز في سوريا عام ٢٠٢٥ ترقى إلى تعريف الإبادة الجماعية بموجب المادة الثانية من اتفاقية عام ١٩٤٨، التي تعرّف الإبادة الجماعية بأنها "أي فعل يرتكب بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية". فقتل العلويين لمجرد انتمائهم الطائفي، وحرق الكنائس، وتهجير المسيحيين من منازلهم، كلها أفعال تندرج تحت هذه الجريمة.
ج. الدعاوى العثمانية التاريخية: عقبة قانونية (عدم الرجعية) وسابقة سياسية
من الناحية القانونية البحتة، تواجه المطالبات بتعويضات عن الفترة العثمانية عقبة مبدأ "عدم الرجعية" (Non-Retroactivity)، حيث أن القوانين الدولية الحالية لم تكن موجودة قبل ١٩١٨. ولكن من الناحية السياسية، فإن الإصرار العربي على المطالبة بالاعتراف بالمجاعات والمذابح العثمانية (تمامًا كما فعل الأرمن) يشكل ضغطًا أخلاقيًا ودبلوماسيًا كبيرًا على تركيا. فكلما تقدمت تركيا بمطالبات عقارية جديدة استنادًا إلى الأرشيف العثماني، يمكن للدول العربية أن ترفع سقف مطالبها بالمقابل: إما الاعتراف بالإبادة العثمانية وتعويض أحفاد الضحايا، أو إسقاط ملف الأوقاف العثماني بالكامل.
د. غياب المحكمة الجنائية الدولية: عجز عن محاسبة كبار المجرمين
رغم كل هذه الانتهاكات، لم تتم محاكمة أي مسؤول تركي كبير حتى الآن أمام المحكمة الجنائية الدولية. الأسباب معقدة، لكن أبرزها أن تركيا ليست طرفًا في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (لم توقع على المعاهدة)، مما يعقد عملية الملاحقة. كما أن تركيا عضو في حلف الناتو، وتتمتع بحماية سياسية من الولايات المتحدة ودول أوروبية كبرى. وهذا العجز في تطبيق القانون الدولي على الدول الكبرى هو أكبر انتصار لسياسة الإفلات من العقاب.
لا حل دون توحد الشعب السوري والشعوب العربية
بعد استعراض الأبعاد القانونية والتاريخية والسياسية للجريمة التركية في سوريا، تبرز حقيقة لا مفر منها: الأطر القانونية وحدها لا تكفي لتحرير أرض محتلة، ولا لإعادة الحقوق المغتصبة، إذا لم تكن هناك إرادة سياسية وجماهيرية موحدة.
أ. لماذا فشلت المقاربات القانونية حتى الآن؟
فشلت المقاربات القانونية لعدة أسباب:
· الفيتو الدولي: تركيا عضو في حلف الناتو، وتتمتع بحماية دائمة من الولايات المتحدة وبريطانيا في مجلس الأمن. · انقسام السوريين: النظام السابق، والمعارضة، والأكراد، كل طرف منشغل بمصالحه الضيقة، مما يسهل على أردوغان استغلال هذه الانقسامات. · غياب الدعوى الرسمية: لم تقم الحكومة السورية الشرعية السابقة (أو أي حكومة شرعية بديلة) برفع دعوى رسمية ضد تركيا في محكمة العدل الدولية بخصوص جرائم الحرب والعدوان.
ب. التوحد العربي: السلاح الأقوى ضد الاحتلال التركي والصهيوني
لا يمكن لأي شعب أن يتحرر ما دامت صفوفه مبعثرة. على السوريين بمختلف انتماءاتهم السياسية والطائفية أن يدركوا أن عدوهم المشترك اليوم هو الاحتلال التركي بالوكالة، والذي يمارس ضدهم إبادة جماعية ويخطط لانتزاع أراضيهم وممتلكاتهم. التوحد السوري الداخلي يجب أن يكون الخطوة الأولى. بعد ذلك، يأتي دور التنسيق العربي الواسع. فما يحدث في سوريا هو جزء من مخطط أكبر لتفكيك المنطقة العربية. كما يجب أن يشمل التوحد العربي مطالبة تركيا بالاعتذار عن الإبادة الجماعية التي ارتكبتها الدولة العثمانية بحق العرب والأرمن والسريان، ودفع تعويضات رمزية على الأقل، تمامًا كما فعلت ألمانيا مع إسرائيل ودول أوروبا.
لقد أثبتت الأحداث أن الصمت العربي الرسمي أمام الجرائم التركية هو غطاء لاستمرارها. إن لم يتحرك العرب اليوم، فغدًا سيطال الاحتلال بلدانهم هم أيضًا.
ج. خطة عمل مقترحة لمواجهة المشروع التركي
١. رفع دعوى رسمية فورية: يجب على أي كيان يمثل السيادة السورية (حكومة في المنفى، أو وفاق وطني، أو أي هيئة شرعية) رفع دعوى رسمية ضد تركيا أمام محكمة العدل الدولية بتهمة "العدوان" و"جرائم الحرب" و"خرق اتفاقية مناهضة التعذيب".
٢. مقاضاة قادة الإرهاب: التعاون مع منظمات حقوقية دولية لتقديم ملفات "حقان فيدان" و"أردوغان" وقادة "هيئة تحرير الشام" (الجولاني) أمام المحكمة الجنائية الدولية.
٣. الضغط على الشركات: شن حملة عربية ودولية لمقاطعة شركة "شيفرون" والشركات التي تنهب النفط والغاز السوري، ومقاضاتها بتهمة "التواطؤ في جرائم حرب".
٤. تفعيل الجامعة العربية: مطالبة الجامعة العربية بإدانة الاحتلال التركي لسوريا بشكل رسمي، واعتبار "هيئة تحرير الشام" منظمة إرهابية، وفرض عقوبات اقتصادية على تركيا.
٥. اللجوء إلى الرأي العام العالمي: توثيق الإبادة الجماعية ضد العلويين والمسيحيين والدروز بلغات متعددة، وإيصال الصورة إلى البرلمانات الأوروبية التي بدأت بالفعل تصدر قرارات لحماية الأقليات، والاستفادة من هذا التحرك الأوروبي لتحويله إلى عقوبات فعلية ضد تركيا.
سوريا ليست غنيمة حرب.. والمقاومة واجب
تركيا اليوم، وعلى لسان أردوغان وفيدان، تتصرف وكأن سوريا ولاية عثمانية ساقطة يمكن استعادتها بقوة السلاح والإرهاب. لكن التاريخ يعلمنا أن كل احتلال مهما طال، مصيره الزوال. فالعثمانيون رحلوا بعد أربعة قرون من الظلم والاستبداد، والفرنسيون رحلوا، وكل إمبريالية انهارت تحت وطأة المقاومة الشعبية.
اليوم، سوريا تمر بأخطر مراحل تاريخها. إن لم يتحد الشعب السوري خلف هدف واحد وهو تحرير الأرض من الاحتلال التركي والصهيوني، فسيصبح مصيرهم كمصير الفلسطينيين: شتات ونهب وموت تحت وطأة الاحتلال. القانون الدولي، مهما كان قصوره، يعطينا أدوات قانونية لمحاكمة المجرمين. لكن الأداة الأقوى تبقى في أيدي السوريين والعرب: الوحدة، المقاومة الشعبية السلمية، والإصرار على استعادة السيادة الوطنية الكاملة.
آن الأوان لأن تنتفض الشعوب العربية ليس في سوريا فقط، بل في كل مكان، لتقول لأردوغان وفيدان وإسرائيل وأميركا: "لن نرضى بالهوان، ولن نرضى باحتلال أرضنا، ولن نرضى بانتزاع ممتلكاتنا، ولن ننسى جرائمكم التاريخية والحاضرة. سوريا عربية وستبقى عربية، مهما طال الليل".
فإما أن نتوحد اليوم لتصفية الاحتلال، أو نظل نتفرج غدًا على نهب آخر ما تبقى لنا. والخيار لنا.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مسرحية -فينيق طهران: كوميديا القواعد الذهبية-
-
يأس ترامب يحول هزيمته إلى خطاب نصر على طريقة هتلر؟
-
أمريكا ترتعش: كيف كسرت حرب الاستنزاف الثانية عرش هيمنتها ؟
-
الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية الإمبريالية من غزة إلى ميناب
-
انتصار طهران الاستراتيجي: قراءة في تحول ميزان القوة العالمي
...
-
شرق لا يرتجف: حين يصبح التهديد مرآةً لا سيفاً
-
إسرائيل – العضلة العسكرية للنظام، لا الدولة..الفصل الاول من
...
-
مقدمة كتاب : غرب آسيا: من نظام التكامل الاستعماري إلى فضاءات
...
-
مسرحية -سرداب المنامة: كوميديا الضمائر المعلبة-
-
غرب آسيا في مرمى التحول: حين تعيد السماء كتابة قواعد الاشتبا
...
-
هند الضاوي تكشف حلم ترامب النفطي منذ 1987: قراءة استراتيجية
...
-
في عالم مقلوب: حين تُحاكَم الشعوب ويُعفى النظام
-
سوريا بين وهم -الإعمار- وحقيقة -الفاتورة-: كيف يدفع المواطن
...
-
الفخ المقدس..رواية قصيرة
-
مسرحية: -الفَاتُورة- .. (فصلان في خراب سوريا الجديدة)
-
مسرحية -مُسْتَنْقَعُ الْوَاعِدِينَ-.. كوميديا سياسية سوداء ف
...
-
ترامب… حين يتحوّل الوعد إلى مستنقع
-
مقدمة كتاب إمبراطورية الجزيرة كنموذج للانتحار الجماعي
-
مقدمة كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ..الصراع الطبقي والتأويل في ال
...
-
مسرحية الفرات والنيل..كوميديا
المزيد.....
-
لبنان.. نانسي عجرم تكسر صمتها وتعلن العودة
-
الإمارات تستدعي القائم بأعمال سفارة العراق وتسلمه مذكرة احتج
...
-
باكستان تدخل على خط التهدئة: شهباز شريف يقود جولة إقليمية لإ
...
-
273 مليون طفل بلا تعليم.. اليونسكو تحذّر: الأطفال هم الأكثر
...
-
ذعر بعد إطلاق نار في مدرسة بتركيا يسفر عن مقتل 9 أشخاص على ا
...
-
ستارمر: بريطانيا لن ترضخ لضغوط ترامب من أجل الانضمام إلى الح
...
-
إيران تلوّح بوقف التصدير عبر الخليج وبحر عُمان والبحر الأحمر
...
-
تحت -شمس المغرب- ـ مشاريع طموحة تتوهج رغم التحديات!
-
-سيلا أتلانتيك-.. مشروع كهرباء -خضراء- من المغرب إلى ألمانيا
...
-
نتنياهو: نواصل ضرب حزب الله وهناك هدفان للمفاوضات مع لبنان
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|