أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - عندما تقول أوروبا: عزيزي أردوغان، لا تُتعِب أجهزتك الاستخباراتية… نحن من سنقوم بتكميم أفواه معارضيك لدينا، هيا جهّز سجونك لاستقبالهم















المزيد.....

عندما تقول أوروبا: عزيزي أردوغان، لا تُتعِب أجهزتك الاستخباراتية… نحن من سنقوم بتكميم أفواه معارضيك لدينا، هيا جهّز سجونك لاستقبالهم


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 08:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست الفضيحة في أن نظام أردوغان يراقب ويلاحق ويجرّم الكلمة؛ هذه حقيقة صارت من بدهيات السياسة التركية. الفضيحة الحقيقية هي أن دولًا أوروبية ما تزال تتحدث بلسان حقوق الإنسان في النهار، ثم تتصرف ليلًا كأنها مكتب فرز متقدم لصالح أنقرة: هذا “معارضٌ مقنع”، وهذا “خطره غير شخصي بما يكفي”، وهذا “لم يثبت بعد أن المخابرات التركية تعرفه بالاسم”، وكأن المطلوب من طالب اللجوء أن يعود إلى وزارة الداخلية التركية ويطلب منها، بأدب، شهادة رسمية تؤكد أنها تراقبه تمهيدًا لاعتقاله. المشكلة لم تعد في قسوة الدولة التركية وحدها، بل في التلاعب الأوروبي بفهم الخطر نفسه، وتحويله من خطر واقعي إلى امتحان عبثي في “الإثبات المستحيل”. وفي الوقت الذي تصف فيه تقارير حقوقية ورسمية تركيا بأنها توسع إساءة استخدام القضاء ضد الصحفيين والمدافعين والمعارضين والنشطاء الأكراد وغيرهم من منتقدي الحكومة، تستمر مؤسسات أوروبية في التصرف كأن القمع لا يبدأ إلا بعد أن يطرق الشرطي باب بيت الضحية علنًا.

والأقبح من ذلك أن هذا التشدد لا يأتي في فراغ سياسي. أوروبا اليوم لا تنظر إلى تركيا فقط كدولة سلطوية سيئة السمعة، بل أيضًا كشريك أمني وعسكري ثمين في لحظة خوف متصاعد من روسيا، ومن تراجع المظلة الأميركية، ومن حرب قد تتمدد أو تتجدد أو تتبدل خرائطها. رويترز نقلت بوضوح في مارس 2025 أن تركيا برزت “شريكًا حيويًا محتملًا” في إعادة تشكيل الأمن الأوروبي، في وقت تسابق فيه أوروبا الزمن لتعزيز دفاعها والبحث عن ترتيبات أمنية لأوكرانيا. وفي الشهر نفسه، كانت بروكسل تدفع بخطط دفاعية مشتركة جديدة وسط مخاوف روسية وأمنية متصاعدة. هنا يبدأ “الغزل” الحقيقي: كلما ازدادت حاجة أوروبا إلى تركيا في الأمن والجيوسياسة، ازدادت شهية بعض دوائرها إلى خفض سقف الحساسية تجاه ما يتعرض له معارضو أنقرة. ليس لأن النصوص القانونية تغيّرت، بل لأن المزاج السياسي تغيّر، ولأن حقوق الإنسان تصبح، في لحظات الرعب الاستراتيجي، مادة قابلة للتأجيل والتخفيف وإعادة التأويل.

ثم تأتي الحجة البيروقراطية الباردة: “لا يكفي أنك تنتقد تركيا، يجب أن نعرف هل تعرفك تركيا أنت بالذات.” ظاهريًا تبدو هذه جملة قانونية رصينة؛ عمليًا هي في كثير من الملفات ذريعة لردّ الخطر لا لفهمه. فالدولة التي تراقب الفضاء الرقمي على نطاق واسع، وتحرك آلاف القضايا على أساس منشورات وتعليقات ومحتوى إلكتروني، لا تحتاج إلى أن يملك الشخص مليون متابع كي تضعه في دائرة الاشتباه. التقرير الهولندي الرسمي نفسه عن تركيا لعام 2025 يقر بأن الشرطة التركية راقبت وسائل التواصل على نطاق واسع، وأنها فحصت 172,795 حسابًا في 2023، وأن 72,727 حسابًا كانت موضوع تحقيقات جنائية، وأن هذا الرصد لم يقتصر على الصحفيين والنشطاء المعروفين بل شمل أيضًا “مستخدمي وسائل التواصل العاديين”. ومع ذلك، حين يصل المعارض إلى أوروبا، يُطلب منه ما هو أبعد من المعقول: أثبت أن الدولة السرية السرّية أرسلت إليك إشعارًا بأنها تتجسس عليك سرًا. هذه ليست دقة قانونية؛ هذا عبث قانوني.

ومن يريد أن يختبئ خلف عبارة “ربما أنت لست مشهورًا بما يكفي” عليه أن يقرأ الأرقام التي لا تحتمل التجميل. وكالة اللجوء الأوروبية قالت إن معدل الاعتراف بطلبات الأتراك في الاتحاد الأوروبي انخفض باطراد من 54% في 2019 إلى 17% فقط في 2024. وفي الوقت نفسه، تقول Freedom House إن الصحفيين والنشطاء و”المواطنين العاديين” واجهوا الاعتقال بسبب انتقاد أردوغان، وتقول Human Rights Watch إن آلاف الأشخاص يواجهون كل سنة الاعتقال أو الملاحقة بسبب منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي. أي أن الصورة الواقعية هي كالتالي: تركيا توسع التجريم، وأوروبا تضيق باب الحماية، ثم تأتي الأجهزة والوزارات لتقول للضحية: ما زلنا غير مقتنعين بأنك مرئي بما يكفي. كأن المشكلة في قلة الضوء على وجه الضحية، لا في يد الجلاد المرفوعة أصلًا.

أما هولندا، التي تحب أن تقدم نفسها بوصفها ضمير أوروبا القانوني، فهي ليست بعيدة عن هذه المفارقة الأخلاقية. الحكومة الهولندية نفسها تنشر تقارير رسمية مفصلة عن تركيا لتقييم طلبات اللجوء وقرارات إعادة المرفوضين، وهذه التقارير تتضمن وصفًا مباشرًا لحجم مراقبة السوشال ميديا والقمع القضائي والقيود المتزايدة. وفي الوقت نفسه، سعت منظمات مثل أمنستي وبوت ريفيوجي فاونديشن وديفنس فور تشيلدرن إلى مقاضاة الدولة الهولندية بسبب دورها في دعم وتنفيذ صفقة الاتحاد الأوروبي مع تركيا، معتبرة أن هذه الصفقة حبست آلاف البشر في ظروف قاسية. كيف يمكن لدولة تعرف كل هذا، وتوثقه بنفسها، ثم تستمر في التعامل مع الخطر التركي وكأنه مجرد احتمال نظري يحتاج إلى “دليل إضافي”؟ المشكلة هنا ليست نقص معلومات، بل فائض إرادة في تجاهل ما هو معلوم.

لقد صار المشهد أقرب إلى صفقة صامتة غير مكتوبة: يا أردوغان، سنظل نلومك في المؤتمرات ونكتب عنك تقارير مزعجة، لكن عندما يصل إلينا من يهرب من سجونك القضائية والرقمية، سنطلب منه أن يثبت أنه حجز مقعده مسبقًا في الزنزانة. سنخبره أن منشوراته قليلة، أو أن لغته غير مناسبة، أو أن تفاعله ضعيف، أو أن شهرته لم تكتمل بعد. سنقول له إن الخطر العام لا يكفي، مع أننا نعرف أن القمع التركي لا يعمل دائمًا بمنطق “الأسماء الكبرى”، بل كثيرًا ما يعمل بمنطق القصاص الانتقائي، والرسائل التخويفية، والاعتقالات التأديبية، والتجريم الواسع الذي يجعل أي منشور قابلًا للتحول إلى ملف. هذه ليست حماية قانونية، بل إدارة أنيقة للقسوة.

والحقيقة الأكثر مرارة أن أوروبا لا “تسلّم” بالضرورة المعارض التركي إلى الشرطة التركية بيدها، لكنها تفعل شيئًا لا يقل فظاعة أخلاقية: ترفضه وهي تعرف إلى أي نظام تعيده، ثم تغسل يديها بحبر القرار الإداري. وما دام الحديث عن حرب روسية محتملة، وعن ترتيبات أمنية جديدة، وعن جيوش تحتاج إلى شركاء، وعن حدود تحتاج إلى حراس، فسيظل هناك إغراء كبير لدى بعض العواصم الأوروبية بأن تُبقي أنقرة راضية، أو على الأقل غير غاضبة. وفي هذه اللعبة، يكون المعارضون الأتراك والعرب والكرد والكتّاب والصحفيون والناشطون مجرد هامش بشري يمكن التضحية به باسم “الواقعية”. لكن الواقعية التي تتواطأ مع السجان ليست واقعية؛ إنها انحطاط سياسي بربطة عنق.

لهذا يجب أن يُقال الأمر بلا تجميل: حين ترفض وزارات الهجرة الأوروبية معارضًا تركيًا أو ناقدًا علنيًا بحجج واهية، رغم معرفتها بطبيعة النظام الذي تعيده إليه، فهي لا تطبق القانون بحياد؛ إنها تفرغه من روحه. وحين تجعل معيار الحماية قائمًا على المستحيل الإداري، لا على الخطر الواقعي، فهي لا تدافع عن دولة القانون؛ إنها تساعد دولة القمع. وعندما يحدث هذا في لحظة تتقرب فيها أوروبا من تركيا أمنيًا وعسكريًا خوفًا من روسيا، فإن الشبهة السياسية لا تعود مجرد مبالغة خطابية، بل تصبح سؤالًا أخلاقيًا لازمًا: كم معارضًا يجب أن يُرفض، وكم فمًا يجب أن يُكمم، حتى تشعر أوروبا أنها قد أدّت واجب الغزل بما يكفي؟



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن أفعال الجيش التركي على الحدود السورية: هل تعلّم الإسرائيل ...
- هل حان الوقت لثورة سورية جديدة؟ أم أن السوريين يخافون من است ...
- كيف تدعم تركيا حق سوريا في استرجاع الجولان بينما تحتل لواء ا ...
- الغربان السود تسيطر على سوريا: هل حان الوقت لإزاحة الدين من ...
- الى اين تسير تركيا في علاقتها مع امريكا هل هي اسرائيل الخفية ...
- عندما يصبح الدين ثوبًا على مقاس الحاكم: كيف نصب أردوغان الأت ...
- عقدة الخواجة: لماذا تقبّل تركيا أقدام الأوروبيين بينما تدوس ...
- صدام الدين والعلمانية في تركيا: من المنتصر وما هو الثمن؟
- في ظل تشكّل شرق أوسط جديد، هل سيتخلى الغرب عن التحالف مع ترك ...
- هل يتجنى الاتحاد الاوروبي على تركيا ام انها فعلا لا تستحق ال ...
- هل يدفع المعارضون الاتراك في اوروبا ثمن التقارب الاوروبي الت ...
- ثورة مرتقبة ضد حكم الجولاني في سوريا: هل ستدعم تركيا الجولان ...
- الأقليات داخل الثكنة التركية: حين تتحول الخدمة العسكرية إلى ...
- لماذا يمنع الجولاني الخمور في سوريا بينما يسمح بها “معلمه” أ ...
- تركيا: الكل يخاف منها، لا أحد يحبها كيف حوّلت السلطة الحالية ...
- من أدخل داعش إلى سوريا ومَن موّلها ودرّبها؟ بحث في الدور الت ...
- هل بدأ أحمد الشرع يسقط من عيون مناصريه؟
- لماذا تتعامل تركيا مع سوريا كمزرعة أبقار؟ وهل تُستخدم ذريعة ...
- بين الاستبداد الطائفي وفشل الإسلام السياسي: لماذا حُكم على ا ...
- هل دفعت المنطقة ثمناً يفوق قدرتها في إدارة قضية فلسطين؟


المزيد.....




- لبنان.. نانسي عجرم تكسر صمتها وتعلن العودة
- الإمارات تستدعي القائم بأعمال سفارة العراق وتسلمه مذكرة احتج ...
- باكستان تدخل على خط التهدئة: شهباز شريف يقود جولة إقليمية لإ ...
- 273 مليون طفل بلا تعليم.. اليونسكو تحذّر: الأطفال هم الأكثر ...
- ذعر بعد إطلاق نار في مدرسة بتركيا يسفر عن مقتل 9 أشخاص على ا ...
- ستارمر: بريطانيا لن ترضخ لضغوط ترامب من أجل الانضمام إلى الح ...
- إيران تلوّح بوقف التصدير عبر الخليج وبحر عُمان والبحر الأحمر ...
- تحت -شمس المغرب- ـ مشاريع طموحة تتوهج رغم التحديات!
- -سيلا أتلانتيك-.. مشروع كهرباء -خضراء- من المغرب إلى ألمانيا ...
- نتنياهو: نواصل ضرب حزب الله وهناك هدفان للمفاوضات مع لبنان


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - عندما تقول أوروبا: عزيزي أردوغان، لا تُتعِب أجهزتك الاستخباراتية… نحن من سنقوم بتكميم أفواه معارضيك لدينا، هيا جهّز سجونك لاستقبالهم