أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر حيدر - بين ضجيج الإعلام وقلق الواقع: قراءة في أزمة الغاز وصعود الأسعار واستعدادات المجتمع العراقي لسيناريو الحصار














المزيد.....

بين ضجيج الإعلام وقلق الواقع: قراءة في أزمة الغاز وصعود الأسعار واستعدادات المجتمع العراقي لسيناريو الحصار


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 08:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تبدو الأزمة في العراق اليوم وكأنها لا تُختزل في نقص مورد أو اضطراب سوق، بل تمتد لتصبح حالة نفسية عامة تُدار فيها الوقائع جنباً إلى جنب مع السرديات الإعلامية، إذ إن أزمة الغاز على سبيل المثال لم تعد مجرد خلل تقني أو إداري في الإمدادات، بل تحولت إلى مرآة تعكس عمق التداخل بين الاقتصاد والسياسة والإعلام، فالعراق الذي يمتلك ثروات هائلة من الغاز ما يزال يعاني من فجوات في الإنتاج والتجهيز، الأمر الذي جعله يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، وهنا تبدأ الروايات المختلفة بالظهور، حيث يذهب بعض الإعلام القريب من الخطاب الولائي لإيران إلى تصوير الأزمة باعتبارها نتيجة مباشرة لضغوط خارجية أو لعوامل سياسية دولية، متجاهلاً في كثير من الأحيان الإخفاقات الداخلية وسوء الإدارة وضعف الاستثمار في البنية التحتية للطاقة، في حين يرى آخرون أن هذا الخطاب لا يعكس الصورة الكاملة، بل يسهم في تبرير استمرار الاعتماد على الخارج بدل الدفع نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي، وبين هذا وذاك يبقى المواطن العراقي عالقاً في دائرة القلق، يواجه نقصاً فعلياً في الغاز وارتفاعاً في أسعاره دون أن يجد تفسيراً واضحاً أو حلاً قريباً.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية، خصوصاً في ظل ما يُشار إليه بالحرب الإيرانية الصهيو-أمريكية، فإن التأثيرات لم تبقَ في إطارها الجيوسياسي، بل امتدت لتطال الأسواق بشكل مباشر، حيث شهد الدولار ارتفاعاً ملحوظاً مقابل الدينار، وهو ما انعكس بدوره على أسعار السلع الأساسية، فالعراق كاقتصاد ريعي يعتمد على الاستيراد بشكل كبير، يتأثر سريعاً بأي تقلب في سعر الصرف، ومع ارتفاع الدولار يصبح كل شيء أكثر كلفة، من المواد الغذائية إلى الأجهزة الكهربائية، وصولاً إلى تكاليف البناء، وهذا ما يفسر أيضاً صعود أسعار المنازل بشكل لافت، إذ لم يعد امتلاك منزل حلماً سهلاً كما كان في السابق، بل تحول إلى عبء ثقيل يتطلب سنوات طويلة من الادخار، في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية للمواطن بسبب التضخم، أما الذهب، فقد عاد ليؤدي دوره التقليدي كملاذ آمن، حيث اتجه كثير من الناس إلى شرائه كوسيلة لحفظ القيمة في ظل عدم الاستقرار الاقتصادي، وهو سلوك يعكس فقدان الثقة بالاستقرار النقدي ويشير إلى حالة من التحوط الجماعي تجاه مستقبل مجهول.
غير أن الأخطر من كل ذلك ليس فقط ما يحدث على مستوى الأرقام والأسعار، بل ما يجري على مستوى الوعي الجمعي، إذ يبدو أن هناك نوعاً من التهيئة النفسية غير المباشرة للمجتمع العراقي لاحتمال الدخول في مرحلة حصار أو أزمة كبرى، وهذه التهيئة لا تأتي عبر خطاب واحد واضح، بل من خلال تراكم أخبار متفرقة وأزمات صغيرة تُضخَّم أحياناً أو تُقدَّم بطريقة تثير القلق، فحين يسمع المواطن يومياً عن نقص في الغاز، وارتفاع في الدولار، وتوترات إقليمية، وتصريحات متناقضة من المسؤولين، فإنه يبدأ تدريجياً في بناء تصور داخلي بأن الأسوأ قادم، وهذا ما يدفعه إلى تغيير سلوكه، فيبدأ بجمع المال إن استطاع، أو بشراء كميات أكبر من المواد الغذائية، أو حتى بتخزين الوقود، وهي ممارسات قد تبدو فردية لكنها حين تنتشر على نطاق واسع تتحول إلى ظاهرة اجتماعية تعكس فقدان الشعور بالأمان.
وفي هذا السياق، يلعب الإعلام دوراً محورياً، سواء بقصد أو دون قصد، في تشكيل هذه الحالة، فبعض المنصات تركز على إبراز السيناريوهات السلبية دون تقديم تحليل متوازن، بينما يذهب البعض الآخر إلى التقليل من حجم المشكلة أو إنكارها، مما يخلق فجوة بين ما يعيشه الناس فعلياً وما يُقال لهم، وهذه الفجوة هي التي تولد الشك، والشك بدوره يفتح الباب أمام الشائعات، التي تنتشر بسرعة في بيئة تعاني أصلاً من ضعف الثقة بالمصادر الرسمية، ومن هنا يمكن فهم كيف أن الأزمات البسيطة، مثل تأخر توزيع الغاز أو ارتفاع سعر مادة معينة، يمكن أن تتحول إلى مؤشر على أزمة أكبر في ذهن المواطن، حتى لو لم تكن كذلك في الواقع.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن السياق الإقليمي والدولي، فالعراق بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية يبقى عرضة للتأثر بأي صراع يدور في محيطه، ومع تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها، يصبح من الطبيعي أن يشعر العراقيون بأنهم قد يكونون في قلب أي تداعيات محتملة، سواء كانت اقتصادية أو أمنية، وهذا الشعور يعززه تاريخ قريب عاش فيه البلد فترات من الحصار والعزلة، مما يجعل الذاكرة الجماعية حاضرة بقوة في تفسير الحاضر واستشراف المستقبل.
لكن رغم كل ذلك، لا بد من التمييز بين الاستعداد الواعي والهلع غير المبرر، فهناك فرق بين أن يقوم الفرد بإدارة موارده بحكمة تحسباً لأي طارئ، وبين أن ينجر وراء موجة من الخوف تدفعه إلى سلوكيات قد تضر بالسوق وبالمجتمع ككل، مثل الاحتكار أو المبالغة في التخزين، لأن هذه الممارسات قد تسهم فعلياً في خلق الأزمات التي يخشاها الناس، وهنا تبرز أهمية الوعي الجماعي القائم على المعلومات الدقيقة والتحليل المتزن، بدلاً من الانفعال اللحظي.
إن ما يمر به العراق اليوم يمكن قراءته على أنه اختبار لقدرة المجتمع والدولة معاً على التعامل مع الأزمات المركبة، التي لا تكون اقتصادية فقط ولا سياسية فقط، بل مزيجاً من الاثنين معاً، يضاف إليهما البعد الإعلامي والنفسي، وإذا كان من درس يمكن استخلاصه من هذه المرحلة، فهو أن بناء الاستقرار لا يقتصر على توفير الموارد، بل يتطلب أيضاً إدارة رشيدة، وإعلاماً مسؤولاً، ومجتمعاً واعياً يدرك أن قوته لا تكمن فقط في ما يملكه من ثروات، بل في قدرته على فهم ما يجري حوله دون أن يقع أسير الخوف أو التضليل، لأن الأمة التي تُدار بعقل بارد ووعي عميق تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات، مهما كانت معقدة أو طويلة.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين نرتقي بالإنسان نُقيم أمة: نحو بناء مجتمع عراقي صالح يتجا ...
- ثورةُ وطن
- المعلم والأساليب النفسية
- الاحزاب والسلطة
- التكية الوليانية القادرية
- الماركسية: والوصول لها
- تحليل الصراع الطبقي: نظرة ماركسية _ اجتماعية
- الظروف الاجتماعية: في حقبة يسارية
- عبد الكريم قاسم: في نظر الواقع الحيادي
- الشيوعيين وعبد الكريم قاسم
- الفنون العراقية: بين لحن الشيوعية ودعم اليسار
- بين حرارة الصدق وتوتر الخطاب: قراءة في قصيدة بعث تشرين للأست ...
- لغة الشموخ والمواجهة في قصيدة غازي الجمل
- سيجارة
- تفكيك الألم والقداسة في قصيدة -دم سمائي- للشهيد صفاء السراي
- صفاء السراي: أيقونة الثورة العراقية في قصيدة “محطات”
- الاغتيالات الصامتة بين أروقة السلطة: حين يُغتال الإنسان وتُز ...
- حوُر
- التي تشبه الحور ولا تُسمّى
- المرأة : ودورها في تكوين ألامة العراقية


المزيد.....




- لبنان.. نانسي عجرم تكسر صمتها وتعلن العودة
- الإمارات تستدعي القائم بأعمال سفارة العراق وتسلمه مذكرة احتج ...
- باكستان تدخل على خط التهدئة: شهباز شريف يقود جولة إقليمية لإ ...
- 273 مليون طفل بلا تعليم.. اليونسكو تحذّر: الأطفال هم الأكثر ...
- ذعر بعد إطلاق نار في مدرسة بتركيا يسفر عن مقتل 9 أشخاص على ا ...
- ستارمر: بريطانيا لن ترضخ لضغوط ترامب من أجل الانضمام إلى الح ...
- إيران تلوّح بوقف التصدير عبر الخليج وبحر عُمان والبحر الأحمر ...
- تحت -شمس المغرب- ـ مشاريع طموحة تتوهج رغم التحديات!
- -سيلا أتلانتيك-.. مشروع كهرباء -خضراء- من المغرب إلى ألمانيا ...
- نتنياهو: نواصل ضرب حزب الله وهناك هدفان للمفاوضات مع لبنان


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر حيدر - بين ضجيج الإعلام وقلق الواقع: قراءة في أزمة الغاز وصعود الأسعار واستعدادات المجتمع العراقي لسيناريو الحصار