علي سيريني
الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 19:27
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ورثت أمريكا زعامة العالم من بريطانيا منذ فجر القرن العشرين، واكتملت هذه الزعامة أثناء الحرب العالمية الثانية. ومنذ الحرب العالمية الثانية، انقسم العالم إلى معسكرين الرأسمالي الليبرالي بقيادة أمريكا والإشتراكي الشيوعي بقيادة الإتحاد السوفيتي بزعامة روسيا. لكن الوجود السوفيتي الشيوعي اقتصر على القوة العسكرية والآيديولوجية، بينما كانت زعامة أمريكا شاملة على مستوى العالم وشمل التأثير كل النواحي الإجتماعية، التجارية، الإقتصادية، الإعلامية، العلمية، الفكرية فضلا عن العسكرية والآيديولوجية أيضا. أي أن النمط المعيشي الذي تولّد من نشوء المعسكر الإشتراكي، لم يكن جذابا لشعوب العالم حتى تنقل تجربته إلى بلادها، لأن شعوب الإتحاد السوفييتي كانت تعاني الفقر الشديد ناهيك عن قمع الحريات والتخلف البائن على شتى الأصعدة. وهذا الفرق هو الذي صنع التفاضل العفوي بين المعسكرين لدى شعوب العالم. بمعنى آخر، فإن تفوق الحضارة الغربية أصبح واضحا لا منافس له. ومنذ سقوط المعسكر الإشتراكي في عام 1990، أصبحت النتيجة واضحة أن شعوب العالم تتجه نحو الليبرالية والسوق الحرة والتداول الديموقراطي للسلطة، وتبني الأنماط الإجتماعية التي تحاكي النمط الغربي. وهذا ما يمكن ملاحظته بسهولة في ما يجري اليوم في العالم، من إقبال الشعوب على الليبرالية كطريقة حياة، وفق تعبير الأكاديمي الأسترالي أليكساندر ليفيبفري.
لكن جيوبا عدة في العالم استعصت على التسليم بهذه المفاضلة وبهذا التفوق الغربي، وانكفأت إلى تقوية مراكزها بكل ما أوتيت من قوة، وغالبا ما اقتصرت هذه التقوية على الجانب العسكري والآيديولوجي، وكان هذا تكرارا عفويا لتجربة المعسكر الإشتراكي في وضع الثقل على الجانب العسكري والتعبئة الآيديولوجية. ويمثل التيار الإسلامي بشقيه الشيعي بقيادة إيران، والسني بقيادة التيار الوهابي والإخواني ضمن هذه الجيوب التي أرادت أن تتصدى للعالم الغربي. لكن التيار الإسلامي، فضلاً عن أنه لم يقدر أن يقدم نموذجا بديلا للحضارة الغربية فحسب، تحول إلى وبال و كارثة للمسلمين، ناهيك عن تشويه كبير لصورة الإسلام عالميا. لكن إيران، كمركز للشيعة ولأسباب تأريخية وجيوسياسية عديدة، استطاعت أن تستفيد من تناقضات ومفارقات كثيرة للسياسات العالمية، وخصوصا تلك التي كانت لأمريكا فيها القول الفصل، مثل الحرب على أفغانستان في عام 2001، الحرب على العراق في عام 2003، والحرب على داعش في عام 2014 وغيرها من حوادث عصفت بمنطقة الشرق الأوسط. ففي أغلب هذه التواريخ، إذْ حدثت حروب مهمة أدت إلى تغييرات جذرية في خارطة الشرق الأوسط السياسية والإقتصادية والعسكرية والإجتماعية، استفادت إيران بشكل كبير وأدى ذلك إلى تعاظم قوتها العسكرية وانتشار نفوذها في دول كثيرة منها العراق، سوريا، لبنان، اليمن وبدرجة معينة دول الخليج لا سيما قطر.
ولكن السؤال يقفز إلى الواجهة، كيف استطاعت إيران أن تستفيد من سياسة الولايات المتحدة الأمريكية لصالحها، في ظل الصراع بينهما، حيث كانت إيران تنادي أمريكا بالشيطان الأكبر، فيما ظل توصيف أمريكا لإيران كمحور الشر ساريا في كل العهود. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ظلت سياسة أمريكا في منطقة الشرق الأوسط ترتكز على المصالح الإقتصادية والمالية، وفي أغلب الأحيان من دون إعتبار للقيم الحضارية الغربية. هذا الإرتكاز المفرط على المصالح الآنية في مقابل إهمال متعمد للقيم الحضارية المثلى، أعطى صورة غير محمودة لأمريكا بأنها تتصرف بمكافيللية مطلقة لا تراعي الصداقة والعهود، وأنها غير موثوقة ولا يمكن الإعتماد عليها. وما رسخ هذا المفهوم لدى شعوب المنطقة والعالم، هو تأكيد الإدارة الأمريكية على هذه الصورة سواء بمواقفها أو بتصريحاتها. من الممكن ضرب المثال بالشعب الكُردي الذي وقع ضحية تقسيمات سايكس-بيكو في بداية القرن العشرين. فهذا الشعب قدم تضحيات كبيرة من أجل الحرية، ومازال يقدم نضالا شاقا من أجل ذلك في مواجهة إيران، تركيا، سوريا والعراق. وقفت أمريكا مع شاه إيران، متجاهلة الظلم الذي كان يقع على الشعب الكُردي في إيران. لكنهما، أمريكا والشاه، ساندا في الستينات والسبعينات الحركة الكُردية في العراق ضد النظام العراقي، في سبيل تقويضه وإضعافه لصالح إسرائيل أثناء الصراع الإسرائيلي-العربي ولصالح إيران في صراعها مع العراق. وحين تحققت مرامي كليهما، أدارا ظهريمها للكُرد في العراق في عام 1975، حيث تعرضوا لإنتكاسة كبيرة بعد إتفاقية الجزائر بين إيران والعراق. وحين سئل هينري كيسنجر الذي كان وزيرا للخارجية آنذاك عن المسؤولية الأخلاقية للولايات المتحدة الأمريكية، أجاب بالقول "السياسة ليست جمعية خيرية". وبعد حوالي أربعين سنة من ذلك، كرر جون كيري، وزير خارجية أمريكا في عهد أوباما، المشهد حين وقف ضد قرار إقليم كُردستان إجراء إستفتاء في عام 2014 عقب سقوط المدن العربية في العراق بيد داعش. وجاء الرفض الأمريكي بذريعة أن الإستفتاء يمكن إجراؤوه بعد هزيمة داعش. وفي عام 2017، حين أعلنت أمريكا أن داعش هزمت، لجأ إقليم كُردستان إلى إجراء الإستفتاء، لكن أمريكا وقفت ضده وتعمدت مع بريطانيا إخراج مدينة كركوك الغنية بالنفط من يد الكُرد وتسليمها إلى إيران بقيادة الجنرال قاسم سليماني.
ومنذ عام 1979، وقيام الجمهورية الإسلامية، فإن أمريكا لم تبد أي إستعداد لمساندة المعارضة الإيرانية وخصوصا الكُردية، وهذا ما أتاح مساحة واسعة للنظام الإيراني في التحرك بحرية ونشاط، لتقوية مركز النظام الإيراني عسكريا وإقتصاديا. فالأحزاب الكُردية الإيرانية، حاولت منذ عام 1991، فتح علاقة مع أمريكا إلا أن الأخيرة جبهتهم بالرد وصفق الباب بوجهها. وكانت سياسة أمريكا في هكذا مواقف تستند على قناعات راسمي السياسات الأمريكية التي تفضي إلى أن الشيعة أقلية في العالم الإسلامي وتقودهم إيران، فلا بد من إبقاء هذه الأقلية قوية في مواجهة الأكثرية السنية وبهدف الضغط عليها وإجبارها قبول السياسات الأمريكية التي شهدت في عهد دونالد ترامب صراحة غير معهودة، وهي إجبار دول الخليج على دفع مبالغ مالية هائلة لم تشهد مثلها سابقا، على الأقل بهذا الشكل العلني المهين. هذه السياسات عادت بالنفع الآني على أمريكا في الكثير من المحطات، مثل تعاون إيران مع أمريكا ضد أفغانستان في عام 2001، وضد العراق في عام 2003، وضد داعش في عام 2014، وضد إقليم كُردستان في عام 2017، ولكن ذلك كله كان على حساب المصالح الإستراتيجية الكبرى التي من المفترض أن تتخطى المصالح المؤقتة في فترات معينة. وما نراه اليوم من مأزق خطير في مضيق هرمز، وعدم إستسلام النظام الإيراني رغم شدة الضربات علىه، ليس سوى بعض ثمار السياسات الأمريكية منذ عام 1990 في منطقة الشرق الأوسط، حيث ارتأت في ترك إيران قوية خدمة للسياسات الأمريكية في المنطقة. وبسبب الضغوطات الكثيرة للرأسمالية (بتعبير آيديولوجي شيوعي) والأزمات المالية التي عصفت بأمريكا وأشهرها في عام 2008، فإن الإبقاء على نظام قوي في طهران بدى الحل الأنجح لإبقاء الهيمنة الأمريكية في المنطقة، وخصوصا في الدول العربية في الخليج والعوائد المالية من وراء ذلك. لكنه في نفس الوقت، تعاظمت قوة إيران وهي مدعومة من الصين و روسيا و شمال كوريا، حيث استطاعت بناء ترسانة عسكرية ضخمة مكنتها من إلحاق الأذى بإسرائيل و دول المنطقة المتحالفة مع أمريكا. واليوم استطاعت إيران إلحاق الأذى بالإقتصاد العالمي. ومع أن النظام الإيراني هو نظام آيديولوجي متزمت، فإن الكثير من سر قوته يكمن في غض أمريكا الطرف عن تعاظم قوة إيران في العقود الثلاث الأخيرة، وعدم محاولة دعم الشعب الإيراني في مواجهة هذا النظام المتعنت الذي استعمل الإرهاب في إيران وخارجها بشكل مفرط وغير محسوب العواقب. ولو ساندت أمريكا شعوب إيران المضطهدة مثل الشعب الكردي والبلوجي والأحوازي، ولو دعمتهم بأسلحة رادعة كالصواريخ، لما بقي النظام الإيراني بهذه القوة التي تمكنه من إلحاق الأذى ليس بإسرائيل ودول المنطقة فحسب، بل أذى بالغاً بالإقتصاد العالمي. ومن هنا، فإن العودة إلى مفهوم إيمانويل كانط الفلسفي للعلاقات الدولية، وتغليب القيم الكونية الكبرى التي تمثل سعي الإنسان الحثيث نحو نهايات مثلى كالحرية وحقوق الإنسان، ههما أمران ملحان جدا في إعادة رسم سياسات أمريكا التي مازالت هي القوة العظمى. وهذا التغليب لا بد وأن يشهد عمليات جراحية كبرى تعطي القيم الغربية غلبة على المصالح الآنية.
والإلحاح ضروري بدرجة قصوى قبل إنقلاب الموازين عالميا، لأن الحضارة الغربية الليبرالية مازالت تحتفظ ببريقها وأدلتها الحيوية كحضارة ليس لها بديل أفضل، على الأقل في واقعنا الراهن.
#علي_سيريني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟