أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - في مستعمرة الخريف














المزيد.....

في مستعمرة الخريف


عائد زقوت

الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 15:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يمتدّ خريفنا أبعد من كونه فصلًا عابرًا في تقويم الطبيعة؛ إنّه يتحوّل إلى حالة وجودية تتآكل فيها المسافات بين الانكسار والانتظار. تتساقط فيه الأرواح قبل أنْ تبلغ الأوراق الأرض، وتخبو المعاني كما يخبو الضوء على تخوم الغروب. غير أنّ في عمق هذا الانطفاء المتدرّج نبضًا خافتًا يرفض أنْ يُعلن نهايته، مهما اشتدّ الخريف وتمادى.

تتعاقب الفصول في انتظامها الكوني: ربيع يعقب خريفًا، وشتاء يسلّم مفاتيحه لصيف قادم. أمّا أعمارنا فتمضي مثقلة بما يفوق ثقل الزمن ذاته؛ تحمل تجارب لا تسعها السنوات، وتترك في القلب ندوبًا لا تُمحى، وذاكرة تتشكّل من انكسارات متراكبة. وبين هذا التعاقب، يظلّ الخريف أكثر الفصول التصاقًا بصورة الداخل الإنساني حين يتهالك تحت وطأة التحوّلات.

كأنّ الفصول، في دورانها الأبدي، تعيد على مسامع الزمن الحكاية ذاتها. غير أنّ حكايتنا لم تكن يومًا قابلة للاختزال في فصل واحد أو سرد مكتمل. تراكمت فيها الخيبات طبقة فوق طبقة، كأوراق خريف تتساقط بلا ضجيج على مسارات العمر، حتى غدا الطريق ذاته مغطّى بآثار ما تهشّم من يقين وأحلام.

دار خريفنا مثقلًا بانكسارات متعاقبة، ونحن نقف على تخوم جرف آخذ في التهاوي. أحلامنا فقدت توازنها، باتت عارية من سندها الداخلي، تتدحرج في منحدرات اليأس، وتتصادم بجدران الخديعة التي أحكمت إغلاق منافذ النجاة. ومع ذلك واصلنا المسير، لا بوصفه اختيارًا خالصًا، بل باعتباره فعل مقاومة ضد الانطفاء البطيء.

سرعان ما أدركنا أنّ بين السّير والتّيه مسافة دقيقة لا تُرى إلا بالارتباك؛ فالمسير ليس دائمًا خلاصًا، والتوقف ليس بالضرورة سقوطًا. كلاهما، إنْ غابت البصيرة، قد ينقلب إلى دائرة مغلقة تُعيد إنتاج العثرة ذاتها في صور متجددة. وهكذا يغدو السير بلا مراجعة شكلًا آخر من أشكال العجز المقنّع بالحركة.

من هنا تتبدّى الحاجة إلى المراجعة، لا بوصفها نقيضًا للاستمرار، بل شرطًا لتكثيف معناه وإنقاذه من التكرار. إنها وقفة عند مفترق المعنى، نعيد فيها مساءلة ما تبقّى من أيامنا، وننفض عنها ركام الأوهام، ونستعيدها من الطفيليات التي عاشت طويلًا على هشاشتنا. أولئك الذين لم يكتفوا بإرباك الطريق، بل خدشوا وجه الحياة، واشتغلوا على تشويه الوعي ذاته، حتى غدا الهواء مثقلًا بظلال خطاب مزيّف يتقمّص الحقيقة.

رشقوا السماء بالافتراء، ونسجوا من الأكاذيب سرديات واهية يكسون بها عُرِي الواقع. أمعنوا في إنتاج الضجيج حتى تحوّل إلى غبار كثيف يعلو القلوب، فيغطي قدرتها على التمييز بين ما هو قائم وما هو مُفتعل. ولم تكن تلك الأكاذيب إلا بُنية من الوهم الثقيل، دفعت بالعالم إلى مزيد من التشظي والاغتراب.

ومع ذلك، فللخريف منطق خفي لا يُدرك إلا بالتأمل البطيء لسقوط الأوراق؛ فهي لا تجادل الشجرة في مصيرها، بل تنحدر في صمت كوني محسوب. وربما لم يكن الرجاء فعل إجابة، بقدر ما هو استمرار في طرح السؤال ذاته، رغم انهيار اليقين من حوله. أن يبقى السؤال قائمًا في زمن تتساقط فيه الإجابات الزائفة واحدة تلو الأخرى، هو شكل من أشكال المقاومة الهادئة ضد العدم والانطفاء البطيء .

غير أنّ الخريف يشتد حين يتداخل مع وجع الأرض التي لم تغادر بعد دائرة امتحانها التاريخي. أرض تكتب وجودها بمداد من الصبر المتخم بالخذلان، وبالدم الذي يعيد تعريف حدود البقاء. هناك، تحت سماء مثقلة بالدخان والنار، يتقلّص الأفق حتى يغدو الحصار شكلًا من أشكال اختناق المعنى ذاته.

ومع ذلك، تظل تلك الأرض — رغم انكساراتها المتراكمة — قادرة على إنتاج معنى العناد في مواجهة الفناء؛ تنهض من بين الركام كأنها تعيد اختراع ذاتها كل مرة، وتُثبت أن ما يُراد له أن يُمحى لا يختفي، بل يتحوّل. وكأن التاريخ، في مساره الطويل، لا يُنهي الحكايات، بل يؤجل اكتمالها إلى زمن آخر لا يزال مفتوحًا على احتمالات لم تُكتب بعد.



#عائد_زقوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أوهام النفوذ: مَن يَحكم مَن؟
- هدنة فوق الرماد
- لماذا لم تُسَقط طهران؟
- أهمية الخطاب: بين الصدمة والمسؤولية
- من ركام الحرب إلى إدارة الجهل
- البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة: تعطيل الوعي وتعليق ال ...
- من أوهام السلطة إلى قيادة حقيقية: معركة استعادة المشروع الوط ...
- من قضية تحرّر إلى إدارة أزمة
- مجلس ترامب للسلام: تدوير الهيمنة بأدوات جديدة
- التحوّل السياسي لوظيفة الدولار وإعادة هندسة الهيمنة النقدية ...
- الثورة -مرآة بوجهين-
- بين الاصطفاف والقضية: الانهيار الخفي للمشروع الوطني
- هزيمة العقل داخل الجماعة: سوسيولوجيا التفكير الجمعي
- اللصوصية النّاعمة… حين يُصبح الجُوع مشروعًا سياسيًا
- بين التّطبيل والتّهبيل: إدارة المأساة بلا سياسة
- أُفول فرانس–إفريقيا... تحوّلات موازين القوى العالمية
- غزة بين الإعمار والهيمنة: كيف تُدار الطاقة بعد الحرب؟
- في ذكرى رحيل أمي
- حين يُصبح الألم وقودًا... ويحيا نهج الشيطان
- تركيا أُنموذجًا لاختبار واشنطن نظامًا جيوسياسيًا شرق أوسطيًا ...


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-سقوط طائرة الوفد الإيراني لمحادثات إسلام آبا ...
- تصوير سري لبي بي سي يكشف إعادة استخدام الحقن داخل مستشفى لتف ...
- غموض يلف البرنامج النووي الإيراني بعد الضربات.. فماذا بقي من ...
- هل تفلح مخزونات إيران النفطية العائمة في كسر الحصار الأمريكي ...
- إسرائيل - لبنان: مفاوضات بأي نتائج؟
- البابا يقتفي أثر القديس أوغسطينوس بعنابة في ثاني يوم من زيار ...
- تسجيل غامض يعيد شيرين عبد الوهاب إلى الواجهة.. أغنية جديدة أ ...
- غوتيريش: لا حل عسكريا للأزمة في الشرق الأوسط
- ماذا يعني قرار إيطاليا تعليق تعاونها العسكري مع إسرائيل؟
- من العراق إلى إيران.. محللون: ما سر نجاح نتنياهو في جر أمريك ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - في مستعمرة الخريف