أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - الإبهام الذي عطل العالم














المزيد.....

الإبهام الذي عطل العالم


نبيل الخمليشي
كاتب

(Nabil El Khamlichi)


الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 10:27
المحور: الادب والفن
    


لم يكن الأمر يستحق التسجيل، لولا أن الجسد أصر على أن يحول التفصيل إلى حدث. باب سيارة أغلق كما تغلق الأشياء في نهاية يوم عادي، بلا نية واضحة لإحداث كارثة. ومع ذلك، كان الإبهام في المكان الخطأ، في اللحظة الخطأ، كأنه نسي موقعه في الخريطة البسيطة التي تسمى اليد.
في البداية لم يحدث شيء. ثم حدث كل شيء دفعة واحدة: ارتباك خفيف في الإحساس، ثم اعتراف بارد من الألم بأن شيئا ما قد انتهى دون إعلان. نظرت إلى يدي كمن ينظر إلى وثيقة لم يعد يثق في لغتها. اليد كانت هناك، لكن وظيفتها تبدلت دون استئذان، كأنها أصبحت نسخة أخرى من نفسها لا أعرفها.
قال الصوت الداخلي، بنبرة موظف لا يريد تعقيد الملف:
- مجرد إصبع.
أجبته دون حماس:
- جرب أن تمسك العالم بدونه.
سقط الكأس. ليس كحادثة، بل كتصحيح تلقائي لقوانين التوازن. ثم أفلتت الولاعة، وتراجعت الأشياء الصغيرة عن فكرة الطاعة. لم يعد الخلل في الإبهام فقط، بل في العلاقة بين اليد وما كانت تظنه قابلا للسيطرة.
تذكرت، بشكل غير مرغوب فيه، اسما يظهر عادة في هوامش الكتب بوصفه بداية القصة الطويلة للكائن: تشارلز داروين. الإبهام، كما قيل، ليس تفصيلا تشريحيا، بل عقد قديم بين الجسد والعالم، انتقال من الافتراس إلى التفاوض، من المخلب إلى اللمس. لكن العقود البيولوجية، على ما يبدو، لا تتضمن ضمانات.
في الخارج، العالم لم يلتفت. رجل ما كان يستخدم إبهامه الآن بلا تاريخ:
يضغط زرا، يلتقط شيئا، أو يؤدي تلك الحركة البسيطة التي ظلت البشرية تعتبرها غير جديرة بالتفكير. وفي مكان ما من الهامش الاجتماعي، كان الإبهام يسمى بما هو أقرب إلى وظيفته الخام، لا اسمه التشريحي: أداة القبض السريع، أو ”قتال لقمول“ كما تنطق به الذاكرة الشعبية حين تختصر الجسد إلى فعل واحد صريح: الإمساك بما يجب إنهاؤه. لم يكن في التسمية مجاز ولا علم، فقط خبرة باردة مع الأشياء الصغيرة التي لا يسمح لها بالبقاء.
عدت إلى يدي. كانت تؤدي حركاتها كما لو أنها تتعلم لغة فقدت نحوها الداخلي. كل شيء يبدو ممكنا، لكن لا شيء يكتمل. الإبهام، ملفوفا بما يشبه محاولة يائسة لفرض النظام، لم يعد جزءا من الإيقاع، بل انقطاعا فيه.
قال الصوت مرة أخرى، وقد بدأ يكتسب شيئا من السخرية:
- أنت تبالغ. الجسد يتكيف.
قلت:
- الجسد لا يتكيف. هو فقط ينسى شكله السابق ببطء.
في تلك اللحظة، لم يعد السؤال طبيا. لم يعد الأمر يتعلق بإصبع، بل بالحد الفاصل بين ما نعتقد أننا نستخدمه، وما يستخدمنا دون أن نلاحظ. اليد ليست أداة، بل اتفاق هش مع العالم، والإبهام كان توقيعا صغيرا على هذا الاتفاق.
الليل لم يقدم عزاءه المعتاد. الأشياء بقيت في أماكنها، لكن معناها انزاح قليلا، كأن الخلل لا يرى إلا في طريقة سقوط الضوء على التفاصيل.
لم يكن هناك درس واضح، ولا حكمة قابلة للاقتباس. فقط إدراك متأخر بأن النظام الذي نسميه ”جسدا“ ليس إلا ترتيبا مؤقتا للاحتمالات، وأن أبسط اختلال فيه يكفي لإعادة تعريف الواقع دون ضجيج.
في الصباح، سيستمر أحدهم في فتح باب، وسيبدو العالم متماسكا بما يكفي ليقنع نفسه بأنه لم يتغير. أما أنا، فسأعرف أن التماسك ليس إلا تأجيلا أنيقا لاحتمال الانكسار، وأن الإبهام، ذلك الجزء الصغير الذي لا يفكر فيه أحد، كان كل ما يلزم لفضح هشاشة الفكرة كاملة.
يمكن تسجيل الحادث إذن بصيغة رسمية: لم يحدث شيء.
لكن في السطر غير المكتوب من التقرير، كان كل شيء قد تغير بما يكفي لعدم الحاجة إلى دليل.
في مساء اليوم التالي، حدث ما لم يسجل في أي تقرير طبي، لأن التقارير لا تحب المفارقات. حين حاولت للمرة الأولى أن أفتح بابا عاديا بيد ”معدلة“، لم يرفض الباب الفتح، بل رفضت اليد الفهم. كان الفعل نفسه موجودا، لكن المعنى غادره في لحظة غير قابلة للتحديد.
توقفت. ليس من الألم، بل من الإدراك المفاجئ بأن الجسد لا يعيد توزيع خسائره بالتساوي، بل يختار منطقة واحدة ليجعل منها مرآة لبقية الكائن.
في تلك اللحظة، لم يعد الإبهام إصابة، بل صار شهادة. شهادة صغيرة على أن ما نسميه ”القدرة“ ليس سوى عادة عصبية، وأن العادات، حين تكسر، لا تترك فراغا بل تكشف ما كان مخفيا طوال الوقت: أننا كنا نمسك العالم بوهم دقيق، لا بأيدينا.
نظرت إلى يدي للمرة الأخيرة كما تنظر إلى شيء لا يعود ملكا لصاحبه. لم أشعر بالخسارة، بل بشيء أقرب إلى فضيحة هادئة: أن الجسد لم يكن يوما أداة، بل اتفاقا مؤقتا مع احتمال الانهيار.
ثم، وبلا إعلان داخلي، فهمت الجملة التي لم تكتبها أي فلسفة من قبل:
أن الإنسان لا يفقد جزءا من جسده… بل يفقد نسخة العالم التي كانت تمر عبره.
في الخارج، استمر الباب في فتح نفسه وإغلاقه، كما لو أن شيئا لم يحدث. لكن اليد، منذ تلك اللحظة، لم تعد متأكدة من أنها تدخل العالم… أم أن العالم هو الذي كان يمر بها ثم انسحب.



#نبيل_الخمليشي (هاشتاغ)       Nabil_El_Khamlichi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما لم يحدث
- الذين أنزلوا من الشاحنات
- طقس السبت
- الاسم الذي سقط تحت الضوء
- المظلات التي تجذب البرق
- الكرسي الثالث
- على حافة البحر (ذكرى داخل ذكرى)
- يوم آخر
- كأنك ظل النار
- شفرة العدم
- نبوءة الحبر
- فرح بلا مقاس
- مائدة العابرين
- شيء يشبه الحلم
- كأس لابن اللعنة
- سوء تفاهم مع نديم لا ينام
- ميلاد الضوء
- حفلة النصر
- مزاد الدم
- البحر بلا أكاذيب


المزيد.....




- البصرة تستعد لانطلاق مهرجان -السوبر ستار- للأفلام القصيرة
- السعودية تحتفي بمهرجان الفنون التقليدية
- بزشكيان: تتجلى أصالة الحضارات في منعطفات تاريخية هامة. فمواق ...
- -الأطلال-: 60 عاما من الخلود في حضرة -الهرم الرابع- أم كلثوم ...
- فيلم لمخرجة يمنية في مسابقة أسبوع النقاد بمهرجان كان 2026
- الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: معارضة إسبانيا والصين وروسيا ...
- أفلام مهرجان كان 79.. غياب أمريكي وانحياز لسينما المؤلف
- فيلم -العروس-.. قراءة فنية جديدة لفرانكشتاين
- 100 دولار وابتسامة.. هل استغل ترمب عاملة التوصيل بمسرحية سيا ...
- البرلمان الفرنسي يقر قانونا يُسهل إعادة القطع الفنية المنهوب ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نبيل الخمليشي - الإبهام الذي عطل العالم