|
|
حروب السرديات (4)
سامي عبد العال
الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 04:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إيران " عُقدة سردية " ليست بالمألوفة في تراث الحروب الشرقية. وهذا ما لا يفهمه "الغرب الكولونيالي " العنيف، ولكن يدركه " الغرب الثقافي " جيداً في مجالات الأفكار والعقائد والسياسة. وبالنسبة للعرب، تمثل إيران" كوكتيل سرديات" تحيط بأرض الاسلام الأول وتتوغل عبر العالم العربي. احاطةٌ جيو سياسية ناظرةً من الفضاء الاستراتيجي المواجه لمنطقة الصراع. وهذ ما رسخته إيران طوال العقود الماضية منذ تأسيس النظام الثوري عام تسع وسبعين وتسعمائة وألف حتى اللحظة. و في كلتا الزاويتين، لا أتصور أنْ يختلف الشأن القادم كثيراً إلاَّ بقدر ما تتخلق قوى جيوسياسية. ولكن لن تذوب التربة الصلدة من الثقافات التي تؤسس لسرديات (الشرق الأوسط ).
نظرت إيران إلى الفضاء السياسي للشعوب الاسلامية نظرةً جذريةً. أي تحصنت داخل " رؤية صفرية " - إذا صح التعبير- تشترط البدء من وجودها الخاص. لا تعترف بتراكم سياسي ولا أيديولوجي لمناطق الصراع، فهي تمتلك تراكمها الموروث ضارباً في التاريخ والحضارة. إيران تسبقها في أي مكان جيوش من الأفكار قبل الأسلحة والصراعات. ليس ذلك بسبب كونّها حالة معقُودةً على" شيء جديدٍ"، بل لأنَّ هناك " جانباً مختلفاً " تتكلم من خلاله. إنَّ أخطر أنماط الرؤى، تلك التي تعيد ترتيب العالم وفقاً لأيديولوجيتها، لا تبعاً لخريطة العالم كما هو. تمتلك ايران – فارس هذه البوصة التي ترى ما تراه الشعوب والقوى الأخرى.
الفرق هنا شاسع جداً بين الجديد والمختلف. الجديد هو موقف اتصال وانفصال في الوقت عينه للموروثات والثقافة والجغرافيا. في حين أنَّ المختلف قد يأخذ الشاطئ النقيض تماماً مع تباين المواقف. ويُشعرك بثقل وجوده الذي يلامس أنْفَكَ متجهاً إلى نقطة اللانهاية. كوكتيل تجسّد في النظام السياسي المتشيّع الذي شق تاريخ الاسلام إزاء السنة حتى اللحظة. بجانب رواسب حضارية وسياسية مع تحولات العصور والامبراطوريات منذ أزمنة بعيدة. أمام العرب
لعلّ هذا ما كان حاضراً في الحالة الايرانية بصورة معقدة أمام العرب، كل دولة عربية تأخذ جانباً خاصاً منها. أغلب ما نتصوره من أمور غريبة نجده ممتداً إلى دولة فارس. من الدين إلى الاقتصاد إلى السياسة وصولاً إلى الأزياء وتكوين المجتمع، ومن حركة الشارع إلى العلاقات الدولية إلى المناسبات والطقوس إلى الثقافة العامة. وكأنَّ إيران تعبر عن الاسلام النقيض لا الشكل الآخر – وما أكثر تنوع الآخر – في تاريخ الأديان. تبلور ذلك الاختلاف في آفاق الحرب الأمريكية الاسرائيلية. لتعلن حالة إيران عن دخول كلمة" كوكتيل Cocktail " الدالة على" ذيل الديك " إلى السرديات تحت عنوان: خليط من أنواع مختلفة تابعةٍ لجنسٍ واحد، مثل كُوكتيل من الأزياء أو كُوكتيل من الألوان. إنه توغل ثقافي للكلمات في شكل أساليب ومفاهيم عصرية قابلة للممارسة. وتبدو حبكة السردية الايرانية متشابكةً إزاء العالم أجمع. وظلت لسنوات وسنوات في محاولة للاعلان عنها وايجاد فراغ ايديولوجي لإمكانية نشرها والبحث لها عن تاريخ.
1- إيران – الدولة ( التواجد الجيو سياسي) على ضفاف العرب ثقافياً ومادياً. 2- إيران – الايديولوجيا اللاهوتية التي تتقاطع مع معتقدات المنطقة العربية. 3- إيران – الاتجاهات الروحية والأساطير و الديانات والمذاهب والأديان القديمة . 4- إيران – الصراع مع بعض الأنظمة العربية، دولة لا يُفضْ الاشتباك السياسي معها. 5- إيران – الرمز الذي تشتبك نتاجاته الفكري مع أعماق الحضارة العربية الاسلامية. 6- إيران – الفارسية الحاضرة في الآداب والقصص واللغة والمذاهب والسرديات العربية. 7- إيران – الآخر المتخيل العائد بالصورة إلى الحدود القصوى لأي آخر وجوداً وتفاعلاً. 8- إيران – النافذة عبر التراث الديني كطرف ضمن قطبي القوة القديمة : الفرس- الروم. 9- إيران – ضباب الجوار الثقافي والحضاري حيث تتماس شبحياً مع كيانات المنطقة. 10- إيران – المتربصة بالداخل من العالم العربي، هي سردية لمؤامرةٍ لم تتراجع قط. 11- إيران – الدولة التي ترفع الاحراج عن السياسات العربية، فالتُهم جاهزة طوال الوقت. 12- إيران – الشفرات والأسرار التي تشغل الصنايق السوداء لعقول الأنظمة العربية. 13- إيران – الشيء ونقيضة، تقبل مواقف بعض الدولة و تبدل القبول إلى رفض. 14- إيران – المناخ الغامض الذي تهب منه رياح الثورات وحركات التمرد والانحراف. 15- إيران – الامبراطورية الآتية من تضاريس المجهول رغم معرفتنا بوجودها التاريخي.
تخصيب السرديات
أخطر من تخصيب اليورانيوم هو تخصيب السرديات بمجموعة من العلاقات والأفكار اللاهوتية المسيّسة. لتصبح سرديات قابلة للتوسُع والانفجار في وجه من يقابها وحصد المزيد من المآرب. تمسك فتيلها القصصي مركز يةُ السلطة الحاكمة. ولكنها لا تتم خبط عشواء، ثمة موروثات عالية التخصيب قابلة للظهور والنمو مرة أخرى. مثل البذور التوسعية للسياسة وعقائد الموت وهياكل الامبراطوريات القديمة القابلة للانبعاث والتجدد .. وهذا كله توافر بشكل لافت في سردية إيران. النظام الإيراني لا يختلف عن أنظمة الحكم في العالم وحسب، بل تأسيسه وآلية عمله ممعنان في الغرابة. لا هو نظام سياسي كما نعرف السياسة شرقاً أو غرباً، ولا هو نظام معهود قبل التاريخ أو بعده. ايران دولة غير قابلة للمقايسة بفضل المعتقدات والأطر التاريخية. جميع ذلك يشكل سردية خاصةً وغامضة الاركان. لأننا عندما نخلط بين الاطراف المتناقضة، فلا مكان إلاَّ أن نسرد الحكايا والقصص فقط. نحاول اخراج ما في الذاكرة حتى نواجه الآخرين بشكل بارز.
كل ما ينتمي إلى ايران أو تنتمي إليه ايران غارق في السرديات. مرجعيات النظام سردية، أدبيات النظام سردية، المرشد الأعلى سردية، التشيع سياسياً سردية، ولاية الفقيه سردية، طقوس السياسة سردية، العلاقات الاجتماعية ومظاهر الثقافة سردية، الأزياء سردية، تاريخ الدولة سردية، الأسماء راقدة على سرديات وتواريخ. ليس ذلك مصادفة، ولكنه جزء من التكوين الايديولوجي اللاهوتي للنظام الحاكم. السرديات تحتاج دائماً إلى ماضٍ لكي تُحكى، شرط الحكاية وجود ذاكرة، تحتاج إلى موروثات وسلاسل من الحيوات الإنسانية، حتى تصح عمليات التأصيل والمراجعة. إنّ حفظ النظام لذاته يفتح كتاب السرديات طوال الوقت. كأنّه يقرأ على الاجيال المتعاقبة ما حدث لأسلافهم. حتى لو جاءت أجيال المستقبل الآن، ستكون أجيالاً قابلةً للسرد القريب.
" التكوين المتناقض" هو عنوان لنظام الحكم في إيران كجمهورية ثيوقراطية (سياسة دينية) تأسست نهاية السبعينات، يعتمد على مبدأ "ولاية الفقيه"، المرشد الأعلى هو رأس الدولة وصاحب السلطة العليا في السياسة والمجتمع والحياة، يليه رئيس الجمهورية المنتخب. وتخضع مؤسسات الدولة(التنفيذية، التشريعية، القضائية) لإشراف هيئات دينية نافذة، ولكنها غير منتخبةٍ، أبرزها "مجلس صيانة الدستور". كل ذلك يشكل سلطة روحية سياسية، ظلالها كثيفة التشكيل والتأثير في الوقت نفسه. عناصر النظام الحاكم كالتالي: • المرشد الأعلى: أعلى سلطة في البلاد، يتحكم في الجيش، الحرس الثوري، القضاء، الاعلام. • رئيس الجمهورية: ثاني أعلى سلطة، يُنتخب شعبياً لفترتين كحد أقصى، ويدير الحكومة. • مجلس صيانة الدستور: إثنا عشرة عضواً (ستة أعضاء يعينهم المرشد)، يقوم بفلترة المرشحين للانتخابات وضمان مطابقة القوانين للشريعة. • مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان): يتألف من مائتي وتسعين مقعداً، مسؤول عن التشريع. • مجلس خبراء القيادة: ثمانية وثمانين عضواً منتخبين، يتولى تعيين المرشد الأعلى ومراقبة أدائه. • مجلس تشخيص مصلحة النظام: هيئة استشارية لحل النزاعات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور.
السؤال المهم: كيف تمَّ هذا التهجين السياسي اللاهوتي؟ بالفعل ثمة: مصطلحات سياسية بحشو اسلامي، عناصر سياسية مؤدلجة مع أبنية حداثية، توصيفات سياسية فُرغت من مضمونها وأخذت إطاراً دينياً. الدين والسياسة والسرد أمور غير منفصلة. من هنا تاريخ ايران يضع نفسه في سياق سرديات لا تنتهي إحداها إلاَّ وتبدأ الأخرى.
منذ الأزمنة السحيقة وإيران موطن لواحدةٍ من أقدم السرديات الحضارية في العالم. أول سلالة حاكمة شُكلّت في إيران كانت المملكة العيلامية في 2800 قبل الميلاد. حيث حكم ملوك عيلام حضارة بارزة بجنوب غرب إيران ( خوزستان حالياً ) منذ الألف الثالث قبل الميلاد، سُرد تاريخهم من خلال الصراع الطويل والتبادل الحضاري مع بلاد الرافدين. لتغطي السردية فضاء المنطقة التي وطأتها جحافل أمريكا وأسرائيل وتعالت فيها أصوات العرب بالمخاوف والبحث عن أدوار منتظرة. و ورواسب الصراع لا تموت بين يوم وليلةٍ، ولكنها تخرج مع الأجيال وتشكل رؤى الحياة. اختلط السرد بالنصوص الدينية المؤسسة للمعتقدات الجارية، فقد جاء بعض الذكر لتاريخهم ورموزهم في سفر التكوين. أشهرهم كدر لعومر Kudur-Lagamar وهو ملك عيلامي تاريخي بارز في الألف الثاني قبل الميلاد (حوالي القرن 19-18 ق.م)، اشتهر بكونه قائداً للتحالف العسكري في معركة سديم المذكورة بسفر التكوين. اسمه بالكلمات العيلامية يتكون من مقطعين: كدر .. أي عبد ولعومر .. يعني الإله : عبد الإله/ لاجا مار ذات الأصول الدينية العيلامية. وعُرف كدر لعومر ببطشه وسطوته، إذ اكتسح كل ممالك الجنوب، وأخضع لسلطانه كل بلاد وادي الأردن، وبسط قوته على الطريق الرئيسي بين دمشق ومصر.
ورد التحالف العسكري ومشاركة كدر لعومر في سفر التكوين: " وحدث في أيام امرافل ملك شنعار، و اريوك ملك الأسار، وكدر لعومر ملك عيلام، وتدعال ملك جوييم، إن هؤلاء صنعوا حرباً مع بارع ملك سدوم، وبرشاع ملك عمورة، وشناب ملك أدمة، وشمئيبر ملك صبوييم، وملك بالع التي هي صوغر. جميع هؤلاء إجتمعوا متعاهدين إلى عمق السديم الذي هو بحر الملح. اثنتي عشرة سنة استعبدوا لكدرلعومر، والسنة الثالثة عشرة عصوا عليه. وفي السنة الرابعة عشرة أتى كدرلعومر و الملوك الذين معه وضربوا الرفائيين في عشتاروث قرنايم، والزوزيين في هام، والايميين في شوى قريتايم، والحوريين في جبلهم سعير إلى بطمة فاران التي عند البرية. ثم رجعوا وجاءوا إلى عين مشفاط التي هي قادش. وضربوا كل بلاد العمالقة، وأيضاً الأموريين الساكنين في حصون تاما" (سفر التكوين/ 14: 1-7).
وتباعاً جمع الميديون " القبائل الإيرانية " في سردية حضارية على خلفية إمبراطورية واسعة القوة عام 625 قبل الميلاد، أخذ الميديون الكثير من روح الشعوب الإيرانية القديمة التي استوطنت المناطق الغربية والشمالية الغربية من إيران، وشكلوا كتلة حرجة صعبة المراس للتخلص من التبعية الآشورية. كوّن الميديون كيانًا سياسياً حقيقياً في الشرق الأدنى القديم. واتسعت سرديتهم في التاريخ حوالي القرن التاسع قبل الميلاد، في المناطق الاستراتيجية بين جبال زاغروس غربًا وهمدان (أكباتانا القديمة) مركزًا لهم، وهي منطقة تقابل تقريبًا شمال غرب إيران الحالي وغربها، قرب كردستان المعاصرة. وقد تطلعوا إلى تأسيس إمبراطورية مستقلة في الشرق الأدنى القديم. كانت سرديتهم الثقافية تجوب المنطقة شرقاً وغرباً بقيادة الملك " سياخريس Cyaxares " الذي أرسى قواعد أول دولة ميدية في الهضبة الإيرانية، لتصبح عاصمتهم «إكباتانا» (همدان الحديثة) مركزاً ثقافياً وسياسياً رئيسياً وسط جغرافيا السردية. ولكن السردية الميدية لم تدُم طويلًا. ففي منتصف القرن السادس قبل الميلاد، صعد نجمُ الفرس بقيادة كورش الكبير الذي كان تابعاً للميديين، فتمرّد عليهم وأسقطهم حوالي سنة 550 ق.م، مؤسسًا الإمبراطورية الأخمينية الفارسية التي ورثت أراضي الميديين بالكامل. ورغم زوال دولتهم، ظلت آثار السردية الميدية حاضرًا في اللغة، والعادات، والتنظيم الإداري الذي تبناه الفرس من بعدهم. وعليه فإن الميديين مثّلوا جسر اً بشرياً حمل الحضارة الإيرانية إلى شكلها الإمبراطوري الواسع.
تعد الإمبراطورية الأخمينية( 550-330ق.م)، المعروفة بــ"الإمبراطورية الفارسية الأولى"، أول دولة قومية مركزية وأضخم إمبراطورية في العالم القديم، حيث امتدت من الهند شرقاً إلى مصر واليونان غرباً تحت حكم ملوك مثل كورش الكبير وداريوس الأول. أسسها كورش الكبير، وتميزت بنظام إدارة الولايات ("الساترابيات")، ونظام بريد متطور، وبرسبوليس كعاصمة احتفلت بالتنوع الثقافي. سقطت على يد الإسكندر الأكبر.
دخل الدين الاسلامي بمنظوره الكوني سردية فارس كمادة عالية التخصيب. نحى أي نظام سياسي إلى نسج السردية بهذا المنظور. وهذا التخصيب أخطر من تخصيب اليورانيوم وهي ما استوعبته الايديولوجيا اللاهوتية الشيعية. أصبحت ايران – فارس مركزًا رئيساً لسردية حضارية إسلامية ورثت الجينات الامبراطورية وغدت ديناصوراً أيديولوجيا مختلفاً. وطالبت من فورها بالأدوار السياسية على مستوى الصراعات الاقليمية. وقد استشعرت أمريكا عن طريق كيانها الاسرائيلي كم هي خطيرة هذه الدولة بتلك الخلفيات. وكانت حاضرة في كلمات ترامب ونتنياهو بصدد الحضارة التي ستُباد و إزاء أن فارس دولة متغولة.
حيث انتشرت العقائد الفارسية والآداب والأساطير وعلوم الطب والفلك والتنجيم والرياضيات والفنون ونمط العمارة في جميع أنحاء العالم الاسلامي وما بعده خلال العهد الذهبي الاسلامي. وتأصلت الهوية الإيرانية المؤدلجة على الرغم من الحكم الأجنبي في القرون التي تلت ذلك. واعتمد الغزنويون الثقافة الفارسية كغلاف حضاري قديم حديث، وصولاً إلى حكم السلالة الصفوية عام 1501، والتي عملت بتخصيب أيديولوجي في صورة "المذهب الشيعي الجعفري " المذهب الرسمي لإمبراطوريتهم. لتضع بذلك نقطة تحول مهمة في سرديات التاريخ الإيراني والإسلام.
في إطار السيولة السياسية الفارسية، أنشئ أول برلمان في عام 1906، كركن رئيس من النظام الملكي الدستوري. وبعد الانقلاب عام 1953 (الذي جرى بتحريض من بريطانيا والولايات المتحدة)، أمست سياسات الدولة الإيرانية بلدا أكثر استبدادية وتجمع الخيط السردي الامبراطزوري مع بذور الايديولوجيا المغلقة. و بلغت المعارضة المتنامية للنفوذ الأجنبي ذروتها خلال الثورة الاسلامية الايرانية التي أدت إلى إنشاء جمهورية إسلامية في الأول من أبريل عام 1979.
هكذا تشكل النظام الايراني عبر صور من التخصيب الايديولوجي السردي، فغدت حكومة ايران - غير المفهومة للعالم العربي- حكومة لاهوتية إسلامية تضم خيوطاً من ديمقراطية رئاسية أحياناً. بيد أن السلطة النهائية منوطة بـ" المرشد الأعلى للثورة الاسلامية " الأوتوقراطي. منصب كان يشغله على خامنئي منذ وفاة روح الله الخميني في عام 1989 لتبرز الحكومة الإيرانية على نطاق واسع حكومة سلطوية، لأنَّ كل تخصيب أيديولوجي سردي يمتد وينتشر في جسد المجتمع طالباً المزيد وأن يتخطى حدود دولته.
ولذلك اجتذبت الحالة الايرانية انتقادات عنيفة بسبب قيودها البارزة تجاه حقوق الإنسان والحريات الاجتماعية والسياسية. الأمر الذي ظهر مع موجات القمع العنيفة للاحتجاجات الشعبية والانتخابات غير الديمقراطية وتضييق الخناق على حقوق النساء والأطفال. وهي نقطة رائجة اعلامياً عن الاسلام الشيعي في الشرق الأوسط ضمن سردية أمريكا اسرائيل. وكفائض أيديولوحي فادح لم تقف سردية ايران عند هذا الوضع، بل ظهرت سياسات مؤدلجة لمواجهة الهيمنة العربية السنية المتواجدة تاريخياً داخل المنطقة، مرة بأساليب الاحتواء والمشاركة ومرة أخرى بواسطة إثارة الثورات الاسلامية. ونتيجة هذا الدور الامبراطوري المخصب ايديولوجيا، ينظر إلى ايران - فارس على نطاق واسع بوصفها أكبر خصم لاسرائيل. وجعلها أيضًا واحدة من أكبر المتورطين في شؤون الشرق الأوسط سلباً وايجاباً، حيث تماهت حكومتها بوضوح أو بشكل خفي في الصراعات الشرق أوسطية الراهنة.
لا أقبلك ولن أترككَ
وضْع ايران إزاء وضْع العرب متشابهان،بل هما وضعان متطابقان. يسيران بدلالة العنوان "لا أقبلك ولن أتركك" وبلهجة شعبية دارجة: " لا بحبك ولا أقدر على بعدك". فإيران لا تقبل كثيراً العالم العربي إلاَّ بصورة انتقائية وفقاً لسرديتها. وتضع بعض العرب ضمن خطط الموالاة لأمريكا واسرائيل. ولكنها لا ترفض التعامل مع هذا البعض. أي تلجأ إلى اسلوب التقية تظهر ما يعبر عن المواقف المقبولة، ولا تطرح المواقف المرفوضة.
في المقابل لا يقبل العرب إيران الشيعية ويتوجسون خيفةً من وجودها. ومع ذلك لا يستطيعون الاستغناء عنها بحكم الجغرافيا والثقافة. إن الموروثات الجيوثقافية تشكل ضرورة تاريخاً ومكاناً دون انفصال. ولكن هذا الموقف المزدوج هو ما يجعل السرديتين (الايرانية والعربية) متداخلتين ومتنافرتين.
في الصراع الحربي الراهن، ضربت ايران مواقع عربية في منطقة الخليج تحت عنوان استهداف المصالح الامريكية. وهو الأمر الذي جعل العالم العربي يشتعل غضباً بين موقفين. كراهية اسرائيل وأمريكا بحكم الوجود الكولونيالي المستنزف لثروات العرب. وكراهية الخناق الإيراني الايديولوجي العسكري حول دول العرب. والمفارقة أن دول الخليج وقعت بين طرفي الكماشة الحاصلة. دول تتلقى الضربات من إيران بالانابة عن أمريكا واسرائيل وفي الوقت عينه تتحمل الفشل الأمريكي الاسرائيلي في حمايتها.
ولم يسمع العالم صوت السردية العربية دفاعاً عن وجود العرب. لماذا لم تلتفت القوى العالمية إلى ذلك؟ لأنَّ العالم مرة يصنف العرب بكونهم يدافعوا عن سيادتهم مادام يدين الهجمات الايرانية. ومرة أخرى يصنف العرب بكونهم يفتحون الأجواء الوطنية لدولتي أمريكا واسرائيل. أي أن الموقف العالمي تشعب هو الأخر بحسب رؤيته لخلفيات الصراع. مما يزيد تعقد السرديات أمام الفهم العام. والعالم العربي أخذ يزوي دون مبرر خلف السرديات الساخنة من أمريكا وايران.
لم يكن العرب مستعدين لنشوب هذه الحرب سردياً. ولذلك أكتفوا بالشجب وإثارة الاعلام الذي كشف حجم الأضرار ، ولكن ما قدرات السرد العربي؟ لا شيء تقريباً هناك بإمكانه أنْ يحرك المشهد قليلاً. ولكن يوجد من عقد اتفاقاً ضمنياً مع السردية الايرانية بكونه سيمنع انطلاق صواريخ امريكية في مقابل امتناع ايران عن ضرب أراضيه. صفقة متبادلة لمنع العدوان من و إلى أرضي ايران والدول العربية. وهذه هي أقل المواقف التي تدافع عن وجود أصحابها من غير أن تؤثر. وهناك من العرب من أسرع للتواصل مع ايران لتنسيق العلاقات والتعرف على الاحداث عن قرب. والخطان مهمان بحكم استمرارية الحوار ولو بشكل مقتضب.
في حين سارعت ايران - عقب ضرب المناطق العربية - بنفي العداء تجاه الجيران العرب. وزعمت كونها لا تحمل أية نوايا غير سلمية. ولكنها فيما تقول دولة تدافع عن نفسها في مواجهة الضربات الامريكية الاسرائيلية العدائية. وجود هذا الخط في السردية الايرانية مع خطوط القوى التي تدعمها إيران في العالم العربي غير مستساغ عربياً. وبالطبع كون العرب رأياً شعبياً عاماً للتنديد بإيران واحياء المواقف الحدية إزاء ما تفعل. ثم أخذ بعض العرب القصف الايراني كأنه نهاية المطاف في العلاقة معها، ولا يرون انتهاك أمريكا للمناطق العربية في المقابل.
رغم أن ما فعلته ايران لايصح في حق الشعوب العربية، غير أن اتساع الخريطة السردية يحتم النظرة المستقبلية. فالعرب لم يستطيعوا إدارة السردية الخاصة بهم. فهم يتحدثون عن المظلومية في جانب، مع ارتفاع الاصوات بتواجدهم في مشهد القصف على ايران ودفع هجماتها دون تردد.
مشكلة العالم العربي مع ايران أنه لم يستطع فهم تكوينها الثقافي والسياسي. وهذا هو ما جعل ايران سردية لا تتعايش مع السرديات العربية. شرط التعامل مع السرديات: أن تفك شفراتها لا أن تنغلق على أصحابها. السردية تتحدى المتابعين بكيفية المعرفة في فضاء المعنى والتلقي. ولذلك يجب أن تكون هناك سردية أخرى أكثر انفتاحاً للعالم العربي، لا تطلق العنان إلى اهداف تخدم الكيان المتربص في أرض فلسطين. لأن خطورة السردية الأمريكية الاسرائيلية بالغة التأثير لدرجة أنها تحدد ماذا علينا أن نفهم وماذا علينا ألا ندرك؟ وتحدد كذلك.. كيف تتكون رؤى العرب ليس للعالم الخارجي فقط، بل لأنفسهم؟! ليس صحيحاً اعتبار العدو عدواً لمجرد أنه يناوئ السردية الأمريكية الأخرى، لكن يجب أن تكون استقلالية السردية العربية هي الأساس في التعامل مع العالم الخارجي. لأنه .. لا السردية الايرانية ستنقذ العرب، ولا السردية الامريكية ستفعل الشيء نفسه. السرديات تنبني على صناعة الحياة للأجيال المتعاقبة.
على السردية العربية ألا تطلق العنان لعداء ايران، لأن الجغرافيا السياسية تقتضي التعايش مع هذه الدولة عبر التاريخ. ايران قريبة من سيادة الدول الخليجية قرباً يجعلها شيئاً مهماً بالجوار. ولا ينبغي اعتبارها سردية الموت باسم الشيعة. فإحياء النعرات الدينية المذهبية نهايته الدمار للطرفين. وكذلك لا ينبغي للسردية الايرانية أن تدفع بأفكار الثورة والتمرد وأحداث القلاقل في المحيط العربي. لأن الثقافات مختلطة إلى حد التماهي في هذه المساحة من الحضارة. إن تزامن " ايران – فارس" القوية كان تزامناً تاريخياً مع حضارة" عربية قوية" بالمثل. الفرس أقوياء لأن العرب أقوياء وكثيراً ما كان يحدث انصهار حضاري بين الطرفين. وتكون مناطق العبور الثقافي مناطق زخم وتلاقح.
في التوقيت الحضاري الراهن، حرصت السردية الأمريكية الاسرائيلية- قبل أنْ تتغلغل في المنطقة- أن تفشل التزامن بين العرب والفرس. سواء بإخافة العرب من ايران وشيطنة الأخيرة أو بإدعاء حماية العرب واهدار الثروات. أي أنّ جزءاً من سردية أمريكا هو تباعد المسافة بين العرب وايران رغم قرابة الجغرافيا. بل أن يظل العرب بلا سردية، بلا عنوان كشرطٍ من شروط الحماية المنتظرة. إن أبرز نتائج الحرب الايرانية الامريكية أن أثارت سؤالاً ضخماً: كيف يتم بناء قدرات عربية حقيقيةً؟ إلى متى سننتظر الآخر ليحمي الأوطان؟! أليست السيادةُ كلاً لا يتجزأ ؟!
#سامي_عبد_العال (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حُروب السرديات (3)
-
حروب السرديات (2)
-
حروب السرديات (1)
-
الايديولوجيا والموت
-
الروح و الحرب
-
وليمةٌ من بقايا الحُروب
-
حقائق لا تُصدق
-
كيف يفكر الكاوبوي؟!
-
الاستعارات القاتلة (4)
-
الاستعارات القاتلة (3)
-
الاستعارات القاتلة (2)
-
الاستعارات القاتلة (1)
-
سلة مهملات كولونيالية
-
خبز ٌبدماء الإنسانية
-
إضاءة فلسفية .. ما الذي يجعل الجميل جميلاً؟
-
صوت فيروز .. الفناء والبقاء
-
اللغة... لحمُ الشُعراءِ
-
العقل والسلطة في الثقافة العربية
-
الكتابة ... الرؤية والزمن
-
تأويل النعال (8)
المزيد.....
-
فيديو متداول لـ-سقوط طائرة الوفد الإيراني لمحادثات إسلام آبا
...
-
تصوير سري لبي بي سي يكشف إعادة استخدام الحقن داخل مستشفى لتف
...
-
غموض يلف البرنامج النووي الإيراني بعد الضربات.. فماذا بقي من
...
-
هل تفلح مخزونات إيران النفطية العائمة في كسر الحصار الأمريكي
...
-
إسرائيل - لبنان: مفاوضات بأي نتائج؟
-
البابا يقتفي أثر القديس أوغسطينوس بعنابة في ثاني يوم من زيار
...
-
تسجيل غامض يعيد شيرين عبد الوهاب إلى الواجهة.. أغنية جديدة أ
...
-
غوتيريش: لا حل عسكريا للأزمة في الشرق الأوسط
-
ماذا يعني قرار إيطاليا تعليق تعاونها العسكري مع إسرائيل؟
-
من العراق إلى إيران.. محللون: ما سر نجاح نتنياهو في جر أمريك
...
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|