أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - حرب بلا حقيقة: كيف تحوّلت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة إلى إدارة للكذب المنظّم؟














المزيد.....

حرب بلا حقيقة: كيف تحوّلت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة إلى إدارة للكذب المنظّم؟


ليث الجادر

الحوار المتمدن-العدد: 8676 - 2026 / 4 / 13 - 23:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تعد الحرب الجارية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، قابلة للفهم بوصفها صراعًا عسكريًا تقليديًا. ما نشهده ليس حربًا تُخاض لتحقيق نصر، بل صراعًا يُدار للحفاظ على الغموض. إنها حرب بلا حقيقة، أو بالأدق: حرب تُدار فيها الحقيقة كمتغير قابل للتشكيل، لا كمعطى ثابت.
أخطر ما تكشفه هذه المواجهة ليس حجم الضربات، بل انهيار العلاقة بين الفعل العسكري والخطاب السياسي. فقدت الولايات المتحدة وإيران—كل بطريقتها—المصداقية السياسية، بينما بقي الأداء العسكري منفصلًا تمامًا عن التفسير العلني له. لم يعد ما يُقال يشرح ما يحدث، بل يعيد إنتاجه بصيغة مختلفة.
المفارقة الصادمة أن الطرف الذي يوجّه ضربات أقوى هو نفسه الذي يسارع إلى طلب التهدئة. هذا السلوك لا يعكس تناقضًا، بل يكشف تحولًا في وظيفة القوة: لم تعد وسيلة للحسم، بل أداة لضبط الإيقاع ومنع الانفجار. القوة هنا تُستخدم لتحديد السقف، لا لتجاوزه.
في هذا السياق، يتحول الخطاب إلى ساحة قتال موازية. سلوك دونالد ترامب—عبر احتكار ما يشبه البيانات العسكرية وتضخيم الإنجازات—لا يمكن فصله عن محاولة السيطرة على الرواية. لكن هذا الإفراط في الإشارة أدى إلى نتيجة عكسية: تآكل الثقة، وتحول الخطاب الرسمي إلى مادة شك، بل إلى ما يبدو في نظر كثيرين كهلوسة سياسية. حتى إعلانه عن سقوط مقاتلات أمريكية مثل F-15 مع إنقاذ الطيارين، لم يُنتج وضوحًا، بل عمّق الغموض: هل هو حادث تقني أم إسقاط قتالي؟ ولماذا يُعلن الحدث دون تفسيره؟
على الضفة الأخرى، لم تكن إيران أكثر التزامًا بالحقيقة، بل مارست نمطًا مختلفًا من التضليل: إنكار قاطع لأي تواصل مع الولايات المتحدة، قبل أن تتكشف لاحقًا قنوات فعلية، عبر أدوار شخصيات مثل محمد باقر قاليباف. هنا لا يكون الكذب انحرافًا، بل تقنية تفاوضية: حماية صورة الصمود داخليًا، مع إدارة تفاوض فعلي في الخفاء.
ما يبدو كأخطاء تقديرية جسيمة—مثل الحديث عن تفاجؤ دونالد ترامب بإمكانية إغلاق مضيق هرمز—يكشف في الحقيقة عن شيء أعمق. إغلاق المضيق ليس سيناريو مفاجئًا، بل أحد أبجديات التخطيط العسكري الأمريكي. لذلك، فإن “المفاجأة” هنا ليست عسكرية، بل مصنّعة سياسيًا، تُستخدم لإعادة تأطير الحدث وتبرير ردود لاحقة. هذا يعزز الانطباع بأن الحرب تتحرك داخل سيناريوهات مسبقة، لا تُنفّذ حرفيًا، لكنها ترسم حدود اللعبة بدقة.
في قلب هذه الحرب، يصبح الغموض سلاحًا بحد ذاته. سقوط طائرات دون تحديد سبب، ضربات دون تبنٍ واضح، تفاوض يُنكر ثم يُكشف—كلها ليست فوضى، بل أدوات. الهدف لم يعد إقناع العالم برواية، بل إبقاؤه في حالة شك دائم حول كل الروايات.
ضمن هذا المشهد، يبرز بعد دولي لا يمكن تجاهله. الأداء الإيراني يوحي بتأثر واضح بدعم تقني واستراتيجي من روسيا والصين، لكن دون انخراط مباشر. ما يحدث ليس تحالفًا حربيًا تقليديًا، بل استثمار غير مباشر في استنزاف الخصم الأمريكي، مع الحفاظ على مسافة أمان من المواجهة.
لهذا تبدو الحرب وكأنها “مُخرَجة” سلفًا. ليس لأن هناك نصًا جاهزًا يُنفّذ، بل لأن كل الأطراف تتحرك ضمن سقوف محسوبة، تُدار فيها وتيرة التصعيد بدقة عالية. إنها حرب لا يُسمح لها أن تنفجر، ولا يُراد لها أن تنتهي.
الخلاصة أن ما نشهده ليس صراعًا على الأرض بقدر ما هو صراع على معنى ما يحدث على هذه الأرض. في هذه الحرب:
الكذب ليس خللًا، بل أداة
الغموض ليس نقصًا، بل استراتيجية
والتناقض ليس خطأ، بل ضرورة تشغيلية
هكذا تتحول الحرب إلى معادلة مختلفة تمامًا:
من ينجح في إدارة الإدراك… لا يحتاج إلى نصر حاسم.
وهنا، لا تكون “حرب الظل الشامل” مجرد توصيف، بل نظامًا جديدًا للصراع: حرب بلا حقيقة، تُدار فيها الوقائع بقدر ما تُصنع.



#ليث_الجادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الحرب الشاملة إلى شمول الصراع: جدل المفهوم في المواجهة مع ...
- لماذا دخلت باكستان الآن للوساطة بين إيران وأمريكا؟ السر الخف ...
- الغموض الاستراتيجي في تجنب الجزر الإيرانية: تحليل لحرب مضيق ...
- الصواريخ متعددة الرؤوس: حين يتحول السلاح إلى قرار دولي مؤجل
- إيران تُعاد صياغتها: من دولة إقليمية إلى «لادولة مُدارة»
- إيران بين خفض السقف الأمريكي وحدود القوة: إدارة التوازن في ز ...
- المفاوضات الإيرانية الأمريكية: ترتيب قواعد المواجهة ومخاوف م ...
- التزامن الدبلوماسي في جنيف: تأكيد الترابط الجيوسياسي بين أوك ...
- العراق: سيادة بروتوكولية وساحة نزاع النفوذ المتعدد
- الدولة كطبقة: في نقد الماهية والهيمنة وإمكان التماهي...4
- الدولة كطبقة: في نقد الماهية والهيمنة وإمكان التماهي...3
- الدولة كطبقة: في نقد الماهية والهيمنة وإمكان التماهي ليث الج ...
- الدولة كطبقة: في نقد الماهية والهيمنة وإمكان التماهي
- تهديدات سافايا… لماذا يراها العراقيون ابتزازًا لا سياسة
- إدارة الفوضى بدل بناء الدولة: قراءة في مسار التفكيك من بغداد ...
- العراق: الفراغ السيادي كقوة تعطيل
- حين تبدأ التفاهمات بالانهيار: العراق كحقل تفكيك لا كموضوع نق ...
- العراق المحصن بالغموض: نظام اللادولة وتفاهمات النفوذ المؤقتة
- المقايضة الروسية-الإيرانية: كيف يكافئ حسم أوكرانيا إيران بثم ...
- التصعيد المُدار: مفهوم سياسي لفهم حروب بلا حسم


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-سقوط طائرة الوفد الإيراني لمحادثات إسلام آبا ...
- تصوير سري لبي بي سي يكشف إعادة استخدام الحقن داخل مستشفى لتف ...
- غموض يلف البرنامج النووي الإيراني بعد الضربات.. فماذا بقي من ...
- هل تفلح مخزونات إيران النفطية العائمة في كسر الحصار الأمريكي ...
- إسرائيل - لبنان: مفاوضات بأي نتائج؟
- البابا يقتفي أثر القديس أوغسطينوس بعنابة في ثاني يوم من زيار ...
- تسجيل غامض يعيد شيرين عبد الوهاب إلى الواجهة.. أغنية جديدة أ ...
- غوتيريش: لا حل عسكريا للأزمة في الشرق الأوسط
- ماذا يعني قرار إيطاليا تعليق تعاونها العسكري مع إسرائيل؟
- من العراق إلى إيران.. محللون: ما سر نجاح نتنياهو في جر أمريك ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - حرب بلا حقيقة: كيف تحوّلت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة إلى إدارة للكذب المنظّم؟