أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - أن تمشي خلف ظلك: قراءة في رحلة حافلية للطيب طهوري















المزيد.....

أن تمشي خلف ظلك: قراءة في رحلة حافلية للطيب طهوري


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8676 - 2026 / 4 / 13 - 18:13
المحور: الادب والفن
    


حين أنهيت قراءة القصة القصيرة "رحلة حافلية"، شعرت أن الأستاذ الطيب طهوري لم يكن يحكي لي قصة بقدر ما كان يضعني في حالة. كأننا كنا واقفين معا في محطة الحافلات تلك، وهو يلتفت نحوي فجأة ويسأل: "إلى أين؟" ثم يبتسم ابتسامة خفيفة لأنه يعرف أن السؤال نفسه هو المأزق. ما يعجبني هنا أنه لا يضغط على الفكرة، لا يحولها إلى خطاب فلسفي مباشر، إنه يتركها تتسلل من خلال التفاصيل الصغيرة.

أكثر ما شدني، وكنت سأقول له ذلك لو كان أمامي، هو طريقته في جعل الذاكرة تتداخل مع اللحظة دون إعلان. فجأة نحن في الحافلة، ثم نحن في القرية، ثم في الطفولة، ثم نعود دون إشعار. ذكّرني هذا الانسياب، وأنا أقرأ، بشيء من حساسية مارسيل بروست في البحث عن الزمن المفقود، لكن دون ذلك التراكم المطوّل؛ هنا كل شيء يحدث بسرعة، كأن الذاكرة تومض لا أكثر.

أما الفتاة، فكان الحوار بينها وبينه يبعث فيّ ابتسامة هادئة. لم يثقلها الطيب بالأسئلة: لا اسم، لا ماض، لا تفسير. فقط حضور، ابتسامة، كتف يستند إليه رأس. وهذا الصمت بينهما -بصراحة- هو ما أعطى المشهد ثقله. شعرت بشيء قريب مما نجده عند ألبير كامو في الغريب، حيث العلاقات لا تُشرح بقدر ما تُعاش في بساطتها الغامضة.

تمتلك اللغة في القصة قدرة لافتة على خلق صور حية ومؤثرة، صور لا تكتفي بأن تُرى وإنما تُحس، وكأنها تلامس طبقة داخلية في الوعي لا تُدرك بسهولة. هناك تناغم واضح بين الحس الشعري والسردي، يجعل النص يتنفس بإيقاع خاص، ليس اندفاعا حكائيا خالصا، وإنما تأمل نابض يشبه الوعي وهو يتحرك.

ثم تأتي النهاية… وهنا توقفت طويلا. الانفجار المفاجئ -الطائرات، القنابل- جعلني أشعر وكأن الطيب أراد أن يوقظني بعنف من هذا الحلم الرقيق. منح هذا التحول الحاد النص قوة إضافية، وكأنه يوسع أفقه من لحظة فردية حميمة إلى مصير إنساني أوسع. ذكّرني بانتقالات تي إس إليوت في الأرض اليباب، حيث يتداخل الخاص والعام، الحميمي والكارثي، في نسيج واحد.

أكثر جملة بقيت معي هي الأخيرة: أن يمشي خلف ظله. هذه صورة لم أشعر بأنها مكتوبة، وإنما مُكتشفة. كأنها جاءت إليه فجأة وهو يكتب. ولو كنت معه، لقلت له: هنا تحديدا، وجد النص نفسه. لأن هذه الصورة لا تشرح شيئا، لكنها تفتح كل شيء، وتضعني أمام إحساس غريب بأن الذات لا تمشي نحو هدف واضح، وإنما تتحرك داخل فراغ يحاول أن يتشكل باستمرار.

ما يعجبني في القصة عموما أنها لا تدعي معرفة، ولا تحاول أن تجيب. وإنما تتركك في حالة تساؤل هادئ: هل كنا فعلا في رحلة؟ أم كنا فقط نمر عبر طبقات من أنفسنا؟ وهل كان اللقاء حقيقيا، أم أنه أحد أشكال الحاجة التي لم نجد لها اسما؟ أظن الطيب يعرف هذه الأسئلة، لكنه يتعمد ألا يقترب منها مباشرة. وهذا، بصراحة، ما جعلني أصدقه هنا.

ومع ذلك، كلما أعدت التفكير في النص، أشعر بأن الطيب لم يكن فقط يضعنا في حالة، وإنما كان يجرب شكلا خاصا من الوعي السردي، حيث لا يعود الحدث هو المركز، وإنما الإحساس الذي يمر عبره الحدث. ليست الحافلة، في هذا المعنى، وسيلة نقل وإنما فضاء مؤقت تتقاطع فيه الذوات دون أن تكتمل، كأنها استعارة دقيقة للعالم نفسه: مكان يجمعنا للحظات، ثم يتركنا نتفرق دون يقين، وكأن هذا التقاطع العابر يخفي في عمقه سؤالا وجوديا حول معنى أن نكون معا دون أن نمتلك القدرة على الثبات في هذا الاجتماع.

هذا ما يجعلني أتوقف عند فكرة "اللقاء" كما تتشكل في النص. لا يتحقق اللقاء هنا بوصفه معرفة، وإنما بوصفه تماسا عابرا، لحظة اقتراب لا تُستثمر ولا تُفسَّر. وهذا يفتح أفقا تأمليا عميقا: هل قيمة اللقاء في استمراره، أم في كونه لحظة خاطفة تترك أثرا لا يُمحى؟ وهل كان الطيب يلمّح، من حيث يدري أو لا يدري، إلى أن بعض العلاقات لا تُخلق لكي تدوم، ولكن لكي تكشف لنا شيئا عن أنفسنا ثم تنسحب؟ هنا أشعر أن اللقاء لا يعود حدثا بين شخصين، وإنما يتحول إلى تجربة تضع الذات أمام حدودها، كما لو أن الآخر يظهر فقط ليخلخل هذا الإحساس الزائف بالاكتفاء.

في هذا السياق، تبدو الفتاة أقرب إلى فكرة منها إلى شخصية، فكرة الحضور الإنساني الخفيف الذي لا يثقل العالم، وإنما يمر فيه كنسمة. ومع ذلك، يترك هذا الحضور العابر أثرا أعمق من كثير من العلاقات الممتدة، وكأن الطيب يعيد ترتيب مفهوم الأهمية: ليس ما يطول هو ما يبقى، وإنما ما يلمسنا في اللحظة المناسبة، وكأن القيمة لا تقاس بالمدة وإنما بقدرة اللحظة على اختراقنا.

كما أن النص يشتغل، بهدوء لافت، على تفكيك الزمن الخطي. لا يوجد "قبل" و"بعد" بالمعنى التقليدي، وإنما هناك تراكب مستمر، حيث الطفولة ليست ماضيا منتهيا، وإنما طبقة حاضرة في كل لحظة. هذا ما يجعل القارئ يشعر بأن الشخصية لا تتحرك في الزمن، وإنما تحمل الزمن داخلها. وهنا تتبدى حساسية قريبة من تأملات هنري برغسون حول "المدة" بوصفها تدفقا داخليا لا يقاس بالساعات، حيث لا يكون الزمن شيئا نمر عبره، وإنما شيئا يتكثف فينا ويعيد تشكيل وعينا دون توقف.

حتى الأشياء الصغيرة في النص -الحقيبة، الحليب، القندورة- تتحول إلى علامات دالة، لا على واقعها المادي فقط، وإنما على شبكة من العلاقات والمعاني التي تتجاوزها. كأن الطيب يمنح الأشياء قدرة على الاحتفاظ بالزمن، فتغدو وسيطا بين ما كان وما هو كائن، وكأنها تحمل أثرا خفيا لما مر عبرها، لتصبح جزءا من ذاكرة لا تخص الفرد وحده وإنما تمتد إلى ما هو أوسع.

وحين نصل إلى لحظة العنف في النهاية، لا تبدو مجرد قطيعة، وإنما انكشافا فجائيا لهشاشة كل ما سبق. كأن النص، في حركته الهادئة، كان يتجه نحو هذه اللحظة دون أن يعلن ذلك. وهنا يتعمق السؤال: هل كان الجمال الذي عشناه في النص نقيا فعلا، أم أنه كان محاطا منذ البداية بإمكانية الانهيار؟ أشعر بأن العنف هنا لا يأتي من الخارج، وإنما يكشف شيئا كان كامنا في بنية التجربة نفسها، كأن الطمأنينة التي عشناها لم تكن سوى سطح رقيق يخفي تحته احتمالا دائما للانكسار.

ما يثيرني أكثر هو أن الطيب لا يمنحنا موقعا مريحا كقراء. لا يقول لنا كيف نفهم، ولا إلى أين ننحاز. وإنما يتركنا في منطقة وسطى، بين الحلم والواقع، بين الحميمي والعنيف، بين المعنى واللا معنى. وهذه المنطقة بالذات هي التي تجعل النص حيا، مفتوحا على قراءات متعددة، وقادرا على أن يعاد اكتشافه في كل قراءة، وكأن المعنى فيه لا يعطى مرة واحدة، وإنما يتشكل في كل مرة نعود إليه.

وربما، في النهاية، يمكن القول إن "رحلة حافلية" ليست نصا عن الذهاب إلى مكان، وإنما عن استحالة الوصول ذاتها. ليس لأن الطريق مغلق، وإنما لأن الوجهة نفسها تتلاشى كلما اقتربنا منها. وهنا يعود السؤال الأول، "إلى أين؟"، لا بوصفه سؤال بداية، وإنما بوصفه السؤال الذي لا ينتهي، السؤال الذي يرافقني حتى بعد أن أغلقت النص، وكأنني لم أعد أفكر في وجهة الرحلة، وإنما في معنى أن تكون هناك وجهة أصلا، وفي ما إذا كنت أتحرك نحو شيء محدد، أم أنني أتحرك فقط لأن التوقف لم يعد ممكنا.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حرب بلا نصر حاسم: إيران تصمد وواشنطن تخرج مثقلة بالأسئلة
- تفكيك الذات بين الجسد والعدم: قراءة في النباتية وإل كامينو د ...
- الديمقراطية في زمن الارتداد: هل يدخل العالم مرحلة سلطوية جدي ...
- الأنطولوجيا الحدّية في سرد عبد القادر شرابة: دراسة في تمثلات ...
- متاهة المعنى في رواية متاهة العدم العظيم: كتابة العدم وانفلا ...
- رواية أحلام آينشتاين.. آلان لايتمان
- حين تتحول الحرب إلى نبوءة: الدين والسياسة في الخطاب الأميركي ...
- الحياة حيث المقبرة.. بنين آل ماجد
- السرد بوصفه تجربة معرفية في المشروع الروائي لقويدر ميموني
- رواية الجحيم المقدس.. برهان شاوي
- مسرحية جاء مفتش.. جون بوينتون بريستلي
- رواية متاهة الأرواح المنسية.. برهان شاوي
- ملعون أبوكي بلد.. سيد أحمد الحردلو
- رواية متاهة آدم.. برهان شاوي
- عندما تصبح العاطفة عبئا اقتصاديا في رواية أوقات عصيبة
- نساء على الشاطئ.. عبد القادر شرابة
- الظل كوعي مضاد: قراءة في فلسفة الهامش عند الطيب طهوري
- رواية كريستال أفريقيّ.. هيثم حسين
- قلق المعنى في روايات قويدر ميموني: دراسة مقارنة في ضوء الروا ...
- رواية الوعود اليتيمة.. جيل مارشان


المزيد.....




- البصرة تستعد لانطلاق مهرجان -السوبر ستار- للأفلام القصيرة
- السعودية تحتفي بمهرجان الفنون التقليدية
- بزشكيان: تتجلى أصالة الحضارات في منعطفات تاريخية هامة. فمواق ...
- -الأطلال-: 60 عاما من الخلود في حضرة -الهرم الرابع- أم كلثوم ...
- فيلم لمخرجة يمنية في مسابقة أسبوع النقاد بمهرجان كان 2026
- الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: معارضة إسبانيا والصين وروسيا ...
- أفلام مهرجان كان 79.. غياب أمريكي وانحياز لسينما المؤلف
- فيلم -العروس-.. قراءة فنية جديدة لفرانكشتاين
- 100 دولار وابتسامة.. هل استغل ترمب عاملة التوصيل بمسرحية سيا ...
- البرلمان الفرنسي يقر قانونا يُسهل إعادة القطع الفنية المنهوب ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - أن تمشي خلف ظلك: قراءة في رحلة حافلية للطيب طهوري