أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - مفاوضات إسلام اباد : سلام مُعلّق بين حربٍ عالقة ونياتٍ مريبة















المزيد.....

مفاوضات إسلام اباد : سلام مُعلّق بين حربٍ عالقة ونياتٍ مريبة


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8676 - 2026 / 4 / 13 - 15:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم: بوشعيب حمراوي

لم يكن فشل الجولة الأولى من مفاوضات إسلام آباد، التي دامت زهاء 21 ساعة، مفاجئًا بقدر ما كان تأكيدًا لما كان واضحًا منذ البداية: لم تكن تلك المفاوضات تسير نحو سلام حقيقي، بل نحو اختبار موازين القوة وإعادة توزيع أوراق الضغط. بل إن ظروف انعقادها، في أجواء غامضة وكئيبة، كشفت منذ الوهلة الأولى أنها مفاوضات صورية، أو على الأقل مفاوضات لكل طرف فيها حساباته البعيدة عن إنهاء الحرب.
مفاوضات طرفاها يدعيان النصر
العودة إلى الساعات الأخيرة التي سبقت انطلاق هذه المفاوضات تكفي لفهم عمق هذا الفشل. فبينما كان العالم يترقب انفراجًا، كان خطاب دونالد ترامب يتجه نحو أقصى درجات التصعيد، ملوّحًا بمحو إيران وتاريخ حضارتها. تهديدات لا تعكس فقط منطق القوة، بل تعكس أيضًا غياب أي أرضية أخلاقية أو سياسية لبناء سلام. في المقابل، جاءت الشروط الإيرانية العشرة وكأنها بيان انتصار، يوحي بأن طهران سحقت تحالفًا عسكريًا كاملاً، وتسعى الآن لرفع (كأس التتويج) السياسي، لا لفتح باب تسوية متوازنة.
وبين هذا السقف المرتفع من التهديد وذلك السقف المرتفع من الشروط، ضاعت فرصة الواقعية. فالتفاوض لا يُبنى على منطق (الإبادة) من جهة، ولا على منطق (الانتصار الكامل) من جهة أخرى، بل على أرضية مشتركة من التنازلات المتبادلة. وهو ما لم يكن حاضرًا في إسلام آباد.
الأخطر من ذلك أن الميدان كان يُكذّب الطاولة. فالحرب لم تتوقف، بل استمرت بوتيرة أكثر حدة. فقد واصلت إسرائيل قصفها على لبنان، بل تضاعف هذا القصف قبيل وأثناء المفاوضات، في رسالة واضحة بأن منطق القوة ما يزال هو الحاكم الفعلي. في المقابل، كانت إيران وباكستان تؤكدان أن وقف إطلاق النار يشمل لبنان، بينما ينفي الطرف الآخر ذلك، مما عمّق الغموض وفضح غياب اتفاق حقيقي حتى حول أبسط بنود التهدئة.
هذا التناقض لم يكن تفصيلاً تقنيًا، بل كان جوهر الأزمة. لأن أي مفاوضات لا تتفق حتى على نطاق وقف إطلاق النار، هي مفاوضات بلا أرضية، ومصيرها الفشل. وقد زاد من هذا الاحتقان ما خلّفته المجازر في لبنان من غضب شعبي عارم، ليس فقط داخل المنطقة، بل في دول عديدة باتت ترى أن هذه الحرب خرجت عن كل الضوابط الإنسانية.
أما دونالد ترامب، فقد بدا وكأنه يفاوض بيد ويهدد بالأخرى. ففي الوقت الذي كانت فيه الوفود تجلس إلى الطاولة، كان يبعث برسائل متناقضة، يؤكد فيها أنه سينفذ ما يريد سواء قبل الطرف الآخر أم رفض، وكأنه لا يعترف أصلاً بجدوى المفاوضات التي دعا إليها. بل إن تصريحاته أوحت بنوع من الاستعراض السياسي، أكثر منها رغبة في الوصول إلى اتفاق.
دخل الطرفان إلى مفاوضات إسلام آباد بعقلية المنتصر، لا بعقلية الباحث عن تسوية؛ كل طرف يروّج أنه حسم (المعركة الأولى)، وأن على خصمه المنكسر أن ينصاع لشروطه. شروط لم تُفرض في الميدان رغم كثافة الصواريخ والمسيرات، لكن كل طرف حاول إقناع العالم بأنها ستتحقق على طاولة التفاوض. وكأن العاصمة الباكستانية لم تُهيَّأ لاحتضان مسار سلام، بل لتصوير فيلم سياسي بمخرجين، لكل واحد منهما سيناريو مختلف، وبطل يريد تتويجه أمام عدسات العالم، ولو على حساب الحقيقة أو إمكانية الوصول إلى اتفاق واقعي.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل زاد تعقيدًا مع حديثه عن محاصرة مضيق هرمز والتصدي لكل السفن التي قد تدفع رسوماً لإيران مقابل المرور. وهو موقف لا يستهدف طهران فقط، بل يفتح مواجهة اقتصادية مع دول أخرى قد تقبل بهذا الترتيب، ما يعني توسيع دائرة الصراع بدل احتوائه.
كل هذه المؤشرات تؤكد أن ما جرى في إسلام آباد لم يكن مسارًا نحو السلام، بل مرحلة من مراحل الحرب نفسها، ولكن بوسائل سياسية. فالحروب الحديثة لم تعد تُخاض فقط بالصواريخ، بل أيضًا بالمفاوضات الشكلية، التي تُستخدم لكسب الوقت، وإعادة التموضع، وتخفيف الضغط الدولي، دون نية حقيقية للوصول إلى حل.
إنها حرب، حصدت آلاف الضحايا في إيران ولبنان، لا يظهر لها أفق نهاية واضحة. بل إن إعادة إشعالها من جديد، بعد كل هدنة هشة، سيضاعف معاناة الشعوب، ليس فقط تلك التي تعيش تحت القصف، بل حتى شعوب أخرى ترتبط حياتها باقتصاد عالمي مرهون بمنطق القوة، لا بمنطق العدالة.
في النهاية، ما يجب أن يُقال بوضوح هو أن السلام لا يمكن أن يولد من رحم التهديد، ولا من سقف شروط تعجيزية، ولا من مفاوضات تُدار في أجواء من الغموض والتناقض. السلام يحتاج إلى إرادة حقيقية، وهذه الإرادة، حتى الآن، لم تظهر في إسلام آباد. بل الذي ظهر هو شيء آخر: حرب مستمرة… تتنكر أحيانًا في شكل مفاوضات.
صمت باقي عظماء العالم
في خضم هذا المشهد المشتعل، يبرز صمتٌ ثقيل لدولٍ كبرى كانت تُقدَّم، ولو إعلاميًا، كحليفة لـ إيران، مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية وتركيا.وأخرى تعيش وستعيش معاناة مع ارتفاع أسعار النفط، وباقي حاجيات شعوبها، بعضها من حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية (اليابان، كوريا الجنوبية،..)، صمتٌ هؤلاء و أولائك لم يكن بريئًا، بل بدا محسوبًا بدقة، حيث اكتفى بعضها ببيانات خجولة تدعو إلى التهدئة أو تحذّر من التصعيد، دون الانخراط الفعلي في معادلة الضغط أو الحسم، وكأنها تراقب من بعيد، أو تتحرك ضمن هامش ضيق سُمح لها به. في المقابل، اختارت دول أخرى تموقعًا أوضح، رافضة الانخراط في الحرب، ومعبّرة عن انتقادها لما يجري من قتل وتنكيل، خاصة في لبنان ودول الخليج، مثل إسبانيا وفرنسا وبريطانيا، التي بدأت تدفع في اتجاه بلورة مواقف قانونية أكثر صرامة لحماية الملاحة الدولية، وضمان إعادة فتح مضيق هرمز بشكل آمن، مع التلويح بإجراءات جماعية للتصدي لأي طرف يسعى إلى عرقلة هذا الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي.

لماذا لم يتم اللجوء إلى ورقة مضيق هرمز سابقا؟

وتبقى أسئلة مُقلقة يطرحها الخبراء والمتتبعون لهذه الحرب، تكشف حجم التناقض في سلوك الأطراف المتصارعة. من قبيل: لماذا لم تُبادر إيران منذ سنوات إلى استخدام ورقة مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية لفرض رفع العقوبات أو الرد على الاستفزازات الأمريكية؟ ولماذا لم يتجه دونالد ترامب، في المقابل، إلى محاصرة هذا المضيق أو خنق شريان الاقتصاد الإيراني في مراحل سابقة، عبر استهداف موانئها أو تعطيل تجارتها، قبل الانزلاق إلى حرب مفتوحة؟ ثم لماذا يظهر هذا الخيار اليوم، وفي هذا التوقيت الحرج بالذات، مع إعلان واشنطن نيتها فرض حصار بحري ابتداءً من الساعة العاشرة من يوم الاثنين 13 أبريل (بتوقيت الساحل الشرقي)؟ هذه الأسئلة لا تبحث فقط عن أجوبة تقنية، بل تفتح الباب أمام قراءة أعمق: هل كانت هذه الأوراق محفوظة لمرحلة معينة من الصراع؟ أم أن الحرب نفسها لم تكن سوى وسيلة لبلوغ لحظة تفاوضية تُستخدم فيها كل أدوات الضغط دفعة واحدة؟

كيف يمكن لمفاوضات أن تنجح في غياب طرف ثالث ؟

كيف يمكن لمفاوضات أن تنجح وهي تُبنى منذ لحظتها الأولى على غياب طرفٍ أساسي معنيٍّ بنتائجها؟ فحين تُعقد جلسات في إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تبدو فيه إسرائيل خارج الطاولة، غير معنية بمخرجاتها، بل تسعى عمليًا إلى إفشالها عبر خرق وقف إطلاق النار وتصعيد القصف ورفع سقف شروطها إلى مستويات تفوق حتى المطالب الأمريكية، فإننا لا نكون أمام مفاوضات، بل أمام مشهد سياسي مختل. الأخطر من ذلك هو القبول الضمني بهذا الغياب: كيف يُقبل الجلوس إلى طاولة تفاوض دون حضور طرف فاعل على الأرض؟ وكيف يقبل هذا الطرف نفسه أن يُدار ملف الحرب دونه؟ هذا التناقض يفتح باب تأويلات واسعة؛ فإما أن الأمر يتعلق بتوزيع أدوار متفق عليه سلفًا، حيث يتكفل طرف بالتفاوض وآخر بالضغط الميداني، أو أنه يكشف طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين الحليفين. وفي الحالتين معًا، يطرح السؤال الحرج نفسه: هل نحن أمام دولة تمارس سيادتها الكاملة، أم أمام كيان يتحرك ضمن هامش مرسوم من قبل حليف أقوى، يجعل من استقلال القرار مجرد صورة تُعرض أمام العالم، بينما تُدار الخيارات الحقيقية في مكان آخر؟

حرب تدار خارج مجلس الأمم المتحدة
ما جرى في باكستان لا يمكن فصله عن أزمة أعمق تضرب جوهر ما يُسمى بالديمقراطية العالمية. فحين تُدار حرب بهذا الحجم خارج مؤسسات الشرعية الدولية، ويُترك مجلس الأمن الدولي في موقع المتفرج، فإن ذلك يُعد إهانة مزدوجة: إهانة لمنظومة القوانين الدولية، وإذلال لمؤسسة يفترض أنها الضامن للسلم العالمي. مجلسٌ اعتاد أن يفتح أبوابه سريعًا ويُشهر سلاح حق النقض (الفيتو) عند تناول ملفات تخص دولًا مستضعفة، لكنه اليوم يلوذ بالصمت. يُغلق أبوابه في انتظار تسوية لن يكون طرفًا فيها. وكأن ميزان العدالة الدولية لم يعد يُقاس بالقانون، بل بميزان القوة ومصالح الكبار، في مشهد يكشف بوضوح أن النظام الدولي يعيش أزمة مصداقية حقيقية، حيث تُعطَّل مؤسساته حين يتعلق الأمر بالأقوياء، وتُفعَّل فقط عندما يكون الضحايا بلا سند



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شتان بين الحكيم المغربي واللئيم الصهيوني
- فرنسا بلا إفريقيا.. تغرق
- عالم ينفث الدخان ويتغذى بالكذب والبهتان ..الى متى ؟؟؟؟؟
- الرئيس يستحق السقوط لكن منطق القوة يذبح الشرعية الدولية
- أنا الجزائر حكاية وطن يتكلم من تحت الركام
- أنا… فلسطين (حكاية أرض قُسِّمت بين فِلس وطين)
- اللمة تغذي جذور الوطن
- واشنطن: من التهديد بمحو الحضارة إلى طاولة التفاوض
- حكاية صراع دامي بين الإنسان والبشر
- شتاء 2026 تذيب غرور الإنسان وتكشف وهم اليقين العلمي
- الإعلام الإفريقي في سبات والرقمي يرقص على جثته في انتظار صحو ...
- عندما يكون الولاء لغير الحقيقة .. نسقط
- في يومها العالمي : الرياضة .. تُنقذ الأجساد وتُهذّب
- من يحمي كرة القدم الإفريقية من القاذورات الرقمية والركوب الس ...
- العالم بين وهم الديمقراطية ومنطق القوة
- هل يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أخطر ظاهرة إجرامية في التاريخ؟ ...
- عندما يصبح الفكر المدبر لأنظمة الدول حبيس الهاجس الأمني
- غياب ديمقراطية الأحزاب يُعطّل التنمية المنشودة
- الهجرة غير النظامية بين واجب الإنسانية وهيبة الدولة
- متى ندرج ( الڤار) خارج ملاعب كرة القدم ؟


المزيد.....




- ترامب يهاجم البابا لاون مجددًا بسبب مواقفه من الحرب في إيران ...
- سفير إسرائيل في أمريكا يعلق على المحادثات مع لبنان
- لبنان: تفاصيل المحادثات المقبلة مع إسرائيل -سيتم الإعلان عنه ...
- مصر.. كيف دفعت أسعار الطاقة وحرب إيران التضخم للارتفاع؟
- إسرائيل ولبنان يتفقان على بدء مفاوضات مباشرة بعد -محادثات مث ...
- إسبانيا.. مطالبات باستقالة سانشيز إثر اتهام زوجته بالفساد رس ...
- مجريات زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى عنابة بالجزائر
- الاحتلال يُغلق جمعية لرعاية الأيتام ويعتقل رئيسها بالخليل
- إعلام صيني: ما مصير قمة ترمب وشي بعد حصار هرمز؟
- المنصات تشيد بتحرك أسطول الصمود مجددا نحو غزة


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - مفاوضات إسلام اباد : سلام مُعلّق بين حربٍ عالقة ونياتٍ مريبة