أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نصار يحيى - السمّاق المُر / حسيبة عبد الرحمن















المزيد.....

السمّاق المُر / حسيبة عبد الرحمن


نصار يحيى

الحوار المتمدن-العدد: 8676 - 2026 / 4 / 13 - 00:11
المحور: الادب والفن
    


سأفترض عنوانًا آخر:
المسجّى يكتب "سِفرّ" نعشه؟
يحاكي عنوان كتاب: فرعون يكتبُ سفر الخروج/ الكاتب السعودي عبدالله القصيمي.
القصيمي حاول إعادة كتابة "السيرة التوراتية" من وجهة نظر الفرعون.
ربما أيضًا يحاول أمين -المسجّى- في منولوجاته وتداعياته ومراحل حياته، من الطفولة الجبلية بفقرها وقحطها، حيث الأب أشبه بقاطعٍ للطرقات المبعثرة، بين الوديان السحيقة.
ومن الطبيعي أنه يروي وهو في "نعشه" ما يحلو له وما طاب، ومع وجود شخصيات منها واقعية بحياته، وهي الآن في بيت الموتى، تكشف له الكثير من الأحقاد والضغائن التي رافقته طوال عمره السبعيني. وبالتالي تشكل له مصدر تنغيص وقلق، لأنها تجعل سرديته موضع شك، كونها تنطلق من وجهة نظره كمنتصر ومعصوم عن الخطأ.
يتحرك المسجّى باعتباره جسدَ السرد وحاضنة السيرة:
أمين يعلم أنه في النعش يسكن، لكنه لن يستسلم وسيقى كما كان على كرسي عرشه، السيد السيد الاعلى الذي لا يُسألْ، إنما هو يَسأل فقط العلاقة هي أحادية تنطلق منه وتعود إليه كما "الحاكم بأمره الإلهي".
بين هاجس التوثيق التاريخي والمتخيل السردي، تسير الكاتبة حسيبة على فانوس التداعي وإحياء الذاكرة. ذاكرة وطن اغتصبه حزب ما من وراء ظهره، ثم انفرد الامين العام بالسلطة بقيام انقلاب على رفاقه، ثم أودعهم السجن الأبدي إلا قلايلًا..
المسجى/ السارد يحمل اسم أمين. ومن المعروف أن اسم أمين بدلالاته اللغوية يحمل صفات الصدق والامانة عداك عن النزاهة والاخلاص.
سيظهر أنّ (أمين) في السماق المر على العكس تمامًا من كل تلك الصفات، وأهمها الغدر والحقد الدفين، ويقصي او ينهي كل من يعترض غروره وطموحه الذي يأتي على دفعات.
الامين العام يأخذ اسم أمين وذلك ليس عبثًا أو صدفة بحتة، إنما ستتطور دلالة الاسم عندما تذكره الرواية لمرة يتيمة باسم الأمين، مع أل التعريف (الصورة الثالثة والأربعون): "صرخَ الأمين افرحوا لن تفرحوا طويلًا!"
نحن السوريين نعرف ماذا يعني الامين: قائدنا إلى الأبد الأمين حافظ الأسد. ذلك الشعار الذي كُتبَ بدم رفاقه المقربين، ربما ظنوا أنهم سينالهم قسطًا وفيرًا من "الخلود" كم المخيال الذي يستدعي في طموحاته "المبشرين بالجنة".
ولا تنسى أنهم طلبوا من "الجماهير الكالحة" أن يبايعوه بالدم. وذلك بعد "عودته" من الموت إثرَ جلطة قلبية كادتْ تودي بحياته.

رحلة النعش من دمشق التي حكمها بالحديد والنار:
قبل أن نمضي معها في هذه الرحلة -تذكرنا برحلة أوديس في عودته إلى إيثاكا- على الرغم ان اوديس كان في تيهان من الضياع، وأمل الرجوع الى المدينة التي يحب (إيثاكا) وحبيبته بينلوب التي تنتظر. (في أوديسة هوميروس اليوناني.)
أما رحلة المسجّى فهي داخل النعش، لا يعترف انه يغادر الدنيا الى مكان آخر قد يلتقي به "مولاه" الشيخ المهاجر الذي لم يرضَ عليه من لحظة ولادته، لكنه دائما يحلم بلقائه، هل يستبطن تلك الأفكار الروحانية التي تتفيأ الخلود، كما هي السيرة المتخيلة للمهدي المنتظر المفقود، الذي يتجلى لابنائه الاوفياء أو ممثليه الصادقين والصدوقيين!!
-على ذكر الشيخ المهاجر وتجلياته. حسيبة لديها عمل روائي بهذا العنوان-
ربما تبحث عن صلة الرحم في المأثور الديني بصيغته الهرمسية، من زاوية التجلي والتقمص حيث يغيب الجسد ويفنى، انما الروح تتجلى في شخص آخر من صلبه، وتعيد وتتكرر أكثر من مرة في الرواية، تجليات هذا الشيخ :"تقمصاته السبعة".
على ذكر التقمص والتجلي ورقم سبعة، يحيلنا لبعض التأويلات الباطنية عند بعض الفرق الاسلامية الشيعية، والتي أطلق عليها بالسبعية وكيف تنتقل الروح عبر الأئمة، يفنى الجسد (يموت) لكن الروح/ النفس فهي خالدة.
يمكننا تفهم هذا الارتباط المبني على التمني والرجاء من المسجى أمين إلى الشيخ المهاجر، أن يكون أحد تجلياته الحاضرة ..
وبطبيعة الحال أمين، لديه الوريث الذي يضمن السلالة، وهو من "ولاّه" أمر السوريين قبل أن يدخل النعش ويسجىّ.

تعتمد السردية الخاصة بأمين الغائب الحاضر، على المنولوج الداخلي بصيغته المباشرة، التي تتطلب من المؤلف الغياب وعدم الحضور.
الكاتبة تستحضر طريقة السرد التي أُطلق عليها باسم تيار الوعي في الرواية الحديثة. [1]
عمل هذا التيار على التمييز بين نوعين من المنولوج الداخلي مباشر وغير مباشر، وهذا الاخير يحضر المؤلف أحيانًا بصفته ضيفًا، لكنه يصبح مع الوقت من أصحاب البيت (النسيج الروائي).
هذه الطريقة السردية جعلتها تعمل على تقطيع النص الى "مشاهد" أو بتسميتها صور. كما المشهدية السينمائية المتقطعة، لاترابط منطقي ولا خط زمني متصاعد ومحدد، إنما زمن اللازمن كما هو اللاشعور وخطابه في الحلم مثلًا أو سردية تيار الوعي.
لذلك سنجد الصور تتداخل مع الزمن، وما يستتبع من غياب الحبكة او وجود لشخصيات لها حضورها.
سيكون أمين الشخص الذي يبث علينا مذكراته، وما يحرضه هو وجود أحد ضحاياه، أو "رفاقه" في هذه المدينة أو تلك من الجغرافية السورية، التي تمتد مع رحلة النعش عبر "الهواء الطلق".
من الملفت أيضًا وجود شخصية المجنون التي تأبى مغادرته، على الرغم من أوامر ونواهي المسجى بأن ينسحب من حياته.
-دعنا نفترض أن المجنون هو الآخر، القابع في أعماقه المقيدة للمسجى -
تبدأ الصورة الاولى لحظة المغادرة لدمشق:
"روحه ترفرف في السماء، تعلو، لم تعد الارض تحمله..صعدّ نحو الافق السرمدي.."
هنا تدخلت المؤلفة بصفتها الساردة التي ستترك منولوج أمين يتدفق على عواهنه، قامت بالوصف لما يحوم حوله للمسجى (النعش) وهم يضعونه على سلم الطائرة.
ستكمل تدخلها بشكل ما، بوصف الحالة الممكنة "للمسجّى"، لم يصبح ضريحًا، إنه داخل تابوته الخشبي المرصّع بالارابيسك الشامي.
يقال انه هدية من بعض الحوانيت التي تحفر عليه آثار الفادي المصلوب، لكن دون طريق الجلجلة الذي مشى عليه مجنزرًا بالحديد وسياط الجلادين، و "إكليل" من الشوك الصحراوي (العوسج).
المسجى في كامل أناقته، على رأسه نبات السمّاق المدخن برائحة "الياسمين"، "طقمه" المخطط، مع ربطة عنق (كرافيت) من التراث المحلي؛ أحدهم رأى بأم عينيه الجسد، تذكر فيلم نجوم النهار للمخرج اسامة محمد. يقال إن "الخالد" قد رآه ومنع عرضه.

مناجاة المدينة دمشق:
تخرجُ الكلمات من فمه وفيها غصة الوداع، للمدينة التي تربع على عرشها ثلاثة عقود، عداك عن كونه الوزير القوي (الدفاع)، الضابط الذي يخطط للانقلاب على رفاقه قبل عامين من تنصيبه على العرش!
كان يلوكُ الذكريات: "شوارع المدينة في البداية أقفلت في وجهي..بعدها سقاني تجارها شراب التوت..مقابل الخلاص من رفيق دربي وثلته.."
مسكينٌ أنتَ صلاح جديد ورفاقك، كانت المدينة ترفضكم. يجهز نفسه "للعرس التصحيحي"، وأنتم في سبات يقيني، من أن الحزب وجماهيره الممتدة سوريًا وعربيُا، هما مركبا النجاة!!
انقضّ عليكم و أودعكم ذاك السجن "بيت الاستقبال الخاص".
يبدأ المخبوء يتدفق وهو مسجى، هذه اللحظات يمكنها الوحيدة التي يظهرها لنا أمين، دون آخر يجاوره أينما حطتْ أجنحة الطائرة رجليها.
ستظهر تلك التقنية السردية بحوار مع الشخصيات، التي انتقم منها ظنًا منه انها تفكر باعتراض "مسيرته"؛ لم يكنْ عبثًا أن يسمى، في السنوات الأولى من اعتلائه الكرسي، بقائد المسيرة.
الملاحظ هنا أنه يحدثنا عن السمّاق المر -العنوان /المفتاح للرواية- كيف "فُطمَ" عليه من الطفولة عندما كانت أمه "تدقه في جرن الحنطة، تقايض به الملح والسكر الأسمر الخشن".
علاقته بالسماق المر وكأنها علاقة من طبيعة سرية على مبدأ التقّية، يحفر في ذاكرته عميقًا وهو يرى أمه تتعامل معه كمصدر للحياة، في ظل الفقر المدقع لعائلة تعيش بين سفوح الجبال، خاصة وأن الاب لم يكن من "الميسورين" كان أشبه بقاطع للطريق.
هذه الطفولة التي تحمل آثار القحط والندرة في كل مناحي الحياة، ستجعله مع الايام يدفنها في مكان خفي من لاشعوره، لكنها ترافقه كظلال بتعبير المحلل النفسي (كارل يونغ) حيث ستظهر بشيء من الغيرة والحقد على أبناء النعمة أو الذوات.
كانت بداية الغيث مع رفيقه في اللجنة العسكرية (الجميل)، وأظن أن هذا الشخص سيبقى يقض مضجعه حتى وفاته وهو في السجن، إثر نقله الى المشفى دون مرض مباشر ثم حقنه "بالماء الزلال" ومن الطبيعي أن يحاكي شخصية صلاح الجديد.
كي يحافظ على سره الداخلي مع السماق، يخبرنا كيف حافظ عليه:
"اخترتُ الجبل الذي يحتضن العاصمة..بنيتُ عش النسر في جوفه، لأزرع السماق أمامه وعلى جوانبه، لكن السماق ماتَ، لأنه زُرعَ في تربة غريبة عنه.."
تدعونا هنا الساردة على لسانه للمغضوب أمين، ان نقف بتلك الكلمات الايحائية أكثر منها التعبيرية، مثل عش النسر، السمّاق وكيف مات المسكين، وسيتكلم لاحقا أنه استطاع أن يحييه بظل سلطته، التي جلبت كبار الفلاحين والمهندسين الزراعيين وعلماء النبات والأحياء، كي يقفوا عند هذه المعضلة: أن يعيش السمّاق المر.
"..كبرَ السماق وأثمرَ، بعد أن وظفتُ المهندسين وخبراء الزراعة، فاستجلبوا له التربة الملائمة.."
لكنه قلق عليه "ويا خوفي عليه وخشيتي أن يموت بموتي"
لو كان أحدٌ ما يرافقه لسأله: هل قلقك عليه أكثر من الكرسي لمن يخلفك وهو من صلبكَ يا رجل؟
اتقِ الله..
سوف يرد عليه: حياة السمّاق تعني لي استمرار هذه الخلافة إلى أبد الآبدين. حيث روح الشيخ المهاجر تَسري برائحته ليلًا..
"بنيتُ عش النسر في جوفه" في جبل قاسيون، هل وضعَ ثقته هذا الجبل بأمين؟
من أشهر الأساطير التي تروى عن قاسيون، أنه يحتوي مغارة الدم، وهي المكان الذي قتل فيه قابيل (قايين) أخاه هابيل. كأول جريمة بشرية متخيلة رمزيًا.
لا نعرف إن كان عش النسر كان متجاورًا مع هذه المغارة، فهي تعرفه لصاحب العش كونه يتعمشق الدم وقد يقتل أخاه إن حاول الوقوف ضده.
أما عش النسر وتلك الدلالة، التي تلتقي مع ما يقال ان النسور تبني أعشاشها (أوكارها)، في أماكن مرتفعة مثل قمم الجبال.
لربما يطوفُ عش النسر مع ما كان يسمى عند الزعيم النازي أدولف هتلر بعش النسر. وكان قد بناه في جبال الألب..

يغادر النعش دمشق، ممتطيًا -حصان العود الأبدي- يتجول بين المدن والبلدات والقرى السورية، في كل محطة استراحة يجد من يتجرأ ويذكره بما فعلت يداه.
هو في تابوته يتمطى ويتململ، يتساءل من أين لهم هذه الجرأة، في التحدي، واتهامي بتصفيتهم أو تنحيتهم أو إيداعهم غياهب "الجب".
لطالما تعاود ذكريات السلطة ببطشها وعنفها، التي كممتْ الأفواه بمن فيهم أقرب المقربين إليه، يتحسر على تلك الأيام، لكنه يواسي نفسه: هناك أحد من صلبه سيحافظ على الوصايا والعهد، بالاستمرار من "سننه" الصالحة.
في إحدى حواراته مع أحد المتوفين -من ضحياه- يقول له ذاك "الناجي" في نعشه:
"لكنكَ ميتْ..لا تستطيع فعل شيء، وكذلك أنا".
يرد عليه أمين -حاول خلع المسامير- منتفضًا داخل التابوت:
"الكلام ينطبق عليكَ، أما أنا فميت حي..انظرْ حواليكَ مازلتُ حيًا.."
ثم يشير إلى أذرعه الممتدة خارج النعوش وعالم الموتى:
" حيًا لا أموت في قلوب الناس وعيونهم..في صوري المنتشرة..والمعلقة على الجدران والنوافذ.."
تحط الرحال على سفح جبل -تستظلُ به "المدينة العاصية"/ حماة- هو زين العابدين برمزيته الدينية، ذلك المخيال الجمعي للأثر الكربلائي في الرحلة من العراق الى دمشق، حاملين الرأس كي يقد م للخليفة في قصره الأموي..
/ كربلاء حيث الواقعة يوم مقتل الحسين، إثر محاولة استرداد الخلافة من ورثة من انتصر على أبيه)/.
كان علي زين العابدين -ابن الحسين- الذي نجا من "المقتلة".
"هاي القبة المقدسة تشمخ فوق المرتفع الجبلي، التي تحتضن الضريح المسجى..سليل بيت الأنوار وسليل الائمة.."
تغدو ملاسنة بين أمين وصوت ملتحٍ من "المدينة العاصية"، حوار بين الأموات لكنهم يحتفظون بذاكرة حية، اتهامات متبادلة من اضطهاد التاريخي من أعيان المدينة لأهالي الريف الفقراء، عابري الطريق.
ساخنٌ كان الكلامَ: قتلتم الأطفال والنساء والشيوخ ..ألا تخافون الله؟
وهل حرمتم القتل كي نحرمه؟"
تقترب النعوش من نعش أمين (ضحايا المجزرة):
"دباباتكَ مسحتْ الأبنية..عجنتْ الأجساد عجنًا.."
ينهرهم "تلحقون بي إلى قبري.ألا يكفي أنكم عكرتم صفو حكمي..وهززتم عرشي؟"
صوت الساردة /الكاتبة الغائب الحاضر، استطاع ان يلجَ إلى أعماق الدكتاتور (أمين)..
مونولوج أمين يستحضر الارواح الاحياء منهم والاموات من ضحاياه، يمشي خطوة خطوة من طفولته، في القرى الجبلية الجرداء، إلى انتسابه للحزب عبر معلمه من (أبي الفداء)، لا ينسى أحدٌ من الجنوب (سهل وجبل العرب) الى لبنان المجاورة، واغتياله للرجل-كمال جنبلاط- الذي كان يحاكي التجربة الهندوسية في الوصول إلى النيرفانا (الحرية حين تتحقق بخلوها من المعاناة). عبر سلوك طريق اليوغا (التأمل الروحي ) ..
يذهب إلى بلدة "أرض الدعاة"، والسهرات القديمة مع "الرفاق" أيام النضال السري حسب تسمية حزب البعث لتلك المرحلة، التي يقصد بها قبل وصولهم الى السلطة عبر انقلاب 8 آذار 1963.
هؤلاء الرفاق في تلك البلدة المدينة، أيضًا غدر بهم، أحدهم نُفيَ الى الخارج الاوربي بصفته سفير. وآخر "انتحر" أو نُحرَ ، ويعلم أمين بوفاته أزيحبتْ عقبة حزبية وعسكرية من أمامه. وبعضهم أُودعَ السجن.كما غيره من المعترضين او المعارضين لمسيرته، في السيطرة على الكرسي، ثم الحفاظ عليه كي تكون إلى الأبد لعائلته من بعده، كما أية خلافة قديمة حكمت البلاد والعباد في أرض المسلمين والعرب عداك عن الفرنجة..
يسير على ركبه ذلك النعش، يحاول التابوت اللازوردي الوقوف على أصابعه، كتجربة للتحدي من أمين المتململ داخل "الخشب". يعيد تكرار روايته:
لستُ على كرسي الاعتراف الخاص كي تدينوني، إنما أنا أعيد الذكريات لعذريتها وحيائها..لا أحد من البطاركة أو الكهنة لقادر على انتزاع الاعتراف مني، لانه يريدني أن أتطهّر من ذنبٍ لم ارتكبه.
هم الخطاؤون، ولستُ منهم؛ لم أقترف الخطيئة!
ولم تنتهِ الحكاية بقيت تتمدد مع الابن الذي ورثَ العرش.
كان يلوح لهم أنه باقٍ ولم يمتْ، حينما تراءتْ له "حلقات الدبكة والغناء، وأخذوا يزغردون..صرخ بهم افرحوا لن تفرحوا طويلًا "..
استجابَ "العسس"، أوحى لهم؛ يظنونه القديس وصاحب كرامات ..
همس الصوت الآخر المكلوم الذي رافقه طوال رحلة النعش: "كفاكَ كأنكَ طاووس!
-وسكتتْ شهرزاد عن الكلام المباح-
نفترض هنا أن هناك بعض الفجوات (الفراغات).[2]
تقتضي منا كقراء ان نعمل على حضورها بشكل يخدم السرد.
كمثل عملية الدفن، كيف كانت مشاعره وهو يُدفع الى نفق عميق، قد يصل لطبقات قبل السبعة الاخيرة من التراب المخملي، كي يُصبح مقامًا لا ينسى..ثم يُزار كالأولياء الصالحين؛ أحدهم يسأل لماذا لم ترفقْ الصالحات، لتصبحَ العبارة: كما الأولياء الصالحين والصالحات.
بعضًا من الختام:
كانت اللغة صدًى طيعًا للحدث الروائي، باعتباره لا يتسلسل بزمن منطقي متصاعد (كرونولوجي) إنما بزمن دائري (نفسي)، يجعل الكلام يخرجُ عن طبيعته التي تهوى النسقية التراتبية.
ربما يمكننا القول أنها تحاور حالات السرنمة - السير أثناء النوم- عند السرياليين، حيث هسهسه الكلام كمن يسير في نومه..
لكن الهاجس القصدي للروائية حسيبة عبد الرحمن، بكونها تضع أمام نصب أعينها الكتابة عن سيرة الديكتاتور، ظهرت بعض المحاكاة للغائية، بلغتها السياسية المباشرة: "اتفقتُ مع رفاقي على انتزاع السلطة من القيادة التاريخية الحزبية..قرأتُ تجارب الشعوب والثورات المنتصرة..ابتعدتُ عن التطرف اليميني واليساري..".
هكذا نمط من السرد "السريالي" بأبعاده الرمزية التي تعطي للأمكنة أسماءها التعبيرية، وللأشخاص أيضًا مع وجود دلالات إيحائية تفيد القارئ بأنه من الممكن الاستدلال على الشخصية الاصلية.
هذا النمط وتلك الطريقة لاشك انها ستكون على حساب المجاز الأدبي، التي تجعل من السلاسة اللغوية متقطعة، لكونها الحامل للمونولوج وتداعياته المنفلتة على عقالها.
تسللت هناك بعض العبارات بحلة شعرية، خاصة في الصورة الاولى: "روحه ترفرف في السماء..صعدَ نحو الأفق السرمدي، مع الغبار المثار من ضربات الأحذية.."
أظن أن السمّاق المُر، عمل يستحق القراءة والاهتمام، حاول أن يروي ظمأ القارئ، في التعرف من الداخل على أعماق شخصية أمين (الديكتاتور).
هل تم كشف الغطاء عن "سِفرْ الخروج" لسيادة المسجّى؟
سؤال يأتي لمقتضى السرد..وربما يُطرح في سياق ممكنات القراءات المتعددة للنص/ الرواية.
—------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
[1] تيار الوعي في الرواية الحديثة،هناك كتاب يحمل نفس العنوان للكاتب الأمريكي روبرت همفري. ترجمة د. محمود الربيعي.
هناك تمييز دقيق في الكتاب لنوعي المنولوج المباشر وغير المباشر:
غير المباشر يعطي القارئ إحساسًا بحضور المؤلف المستمر..
المباشر يستغني عن هذا الحضور كليًة أو على نحو واضح..رقم الصفحة 66. نسخة إلكترونية.

[2] الفجوات أو الفراغات عند أصحاب جماليات التلقي في النقد الأدبي.
" الفراغات تجعل القارئ يستحضر القصة / الرواية ذاتها إلى الحياة، فهو يعيش مع الشخصيات ويكتسب خبرة بأنشطتهم ..هنا تُنتج نوعًا خاصًا من القراءة"..من كتاب جماليات التلقي/ دراسة في نظرية التلقي عند هانز روبرت ياوس و فولفغانغ إيزر (مدرسة كونستانس الالمانية). د. سامي اسماعيل. صفحة رقم 192. نسخة إلكترونية.
السمّاق المُر / حسيبة عبد الرحمن، صادرة عن دار نينوى . نيسان / أبريل 2025.



#نصار_يحيى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثنائية السيد والعبد (ثقافة الحاجب)
- احترام الرأي الآخر..الإصلاح السياسي..
- تكلمْ حتى أراك / الفيلسوف اليوناني سقراط.
- رواية ترانيم العتمة والضوء للكاتب علي الكردي *
- سلطة الأب الضريح -الخالد-
- المحكى الأسدي في التوريث / بين الابن البكر وأخيه المُهملْ
- السردية الاسدية (طقوس العبادة)
- تأسيس منظومة الأبد/ البصمة الاسدية الخاصة
- المثقف الداعية والمثقف التحريضي
- هل كان النظام الأسدي نظاماً طائفياً؟
- -الشيخ والمريد -
- المرياع
- شرقي سلمية نصب/ مجموعة قصصية/ ريان علوش
- رواية في المطار أخيراً / للكاتبة السورية لجينة نبهان
- مسرحية الاغتصاب للكاتب السوري سعد الله ونوس
- مسرحية الذباب / الندم/ جان بول سارتر
- -ماذا وراء هذه الجدران-.. قراءة في رواية راتب شعبو
- حوار منمنمات بين أطياف -شرّاقة- سعاد قطناني
- كتاب توقاً إلى الحياة/ أوراق سجين. عباس عباس
- رواية أحقاد رجل مرهوب الجانب / الكاتب منصور منصور


المزيد.....




- مسئول إيراني: قواتنا المسلحة لن تمنح أمريكا إذن الحصار البحر ...
- (المثقف والسلطة/ القدرة المُحيّدة) جلسة حوارية فكرية في اتحا ...
- الإسكندرية تستقبل أفلامها القصيرة.. مسابقة خيري بشارة تكشف م ...
- -خط أحمر-.. مشاهير وفنانون يعبرون عن دعمهم للكويت
- وفاة أيقونة موسيقى الأفلام الهندية بعد مسيرة حافلة بأكثر من ...
- تقديرات إسرائيلية: الجولة القادمة مع إيران مسألة وقت وفشل في ...
- جامعة غزة المؤقتة: محاولة لإحياء المسيرة الأكاديمية من وسط ا ...
- الرباط.. إطلاق سلسلة دورات تكوينية حول -الطرق الخلاقة لإيصال ...
- ترامب يحتفل بعيد ميلاده الـ80 بنزال للفنون القتالية
- أدب الموانع.. -معلق- يوثق رحلة فلسطيني لاستعادة -الروح- بجوا ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نصار يحيى - السمّاق المُر / حسيبة عبد الرحمن