أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فتحي البوكاري - يشوع -1-















المزيد.....


يشوع -1-


فتحي البوكاري
كاتب

(Boukari Fethi)


الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 20:14
المحور: الادب والفن
    


بقلم جورج إيبرس
نقلها إلى العربية: فتحي البوكاري
الفصل الأول
***
«اِنْزِلْ يا جَدّي، وَدَعْني أَتَوَلَّ أَنا المُراقَبَةَ بَدَلًا مِنْكَ.»
لٰكِنَّ الشَّيْخَ الَّذي وُجِّهَ إِلَيْهِ هٰذا الطَّلَبُ هَزَّ رَأْسَهُ الحَليقَ رَفْضًا.
فَتابَعَ الفَتَى:
«وَلٰكِنَّكَ لَنْ تَجِدَ أَيَّ راحَةٍ هُنا في الأَعْلى...»
فَرَدَّ الشَّيْخُ:
«وَالنُّجُومُ؟ وَماذا عَمَّا يَجْري في الأَسْفَلِ؟ أَيُّ راحَةٍ في مِثْلِ هٰذِهِ الأَوْقاتِ؟... أَلْقِ العَباءَةَ عَلَيَّ! لا راحَةَ في هٰذِهِ اللَّيْلَةِ الرَّهِيبَةِ.»
قالَ الفَتَى:
«إِنَّكَ تَرْتَجِفُ مِنَ البَرْدِ. اُنْظُرْ كَيْفَ تَرْتَعِشُ يَدُكَ، وَيَرْتَجِفُ مَعَها الجِهازُ.»
فَقالَ الشَّيْخُ:
«إِذَنْ أَسْنِدْني بِذِراعِكَ!»
فَامْتَثَلَ الفَتَى لِطَلَبِ جَدِّهِ، غَيْرَ أَنَّهُ ما لَبِثَ أَنْ صاحَ:
«كُلُّ هٰذا عَبَثٌ! فَسَحابَةٌ كَثيفَةٌ تَحْجُبُ النُّجُومَ واحِدَةً تِلْوَ الأُخْرى. آه! وَذٰلِكَ النَّوْحُ الآتي مِنَ المَدينَةِ يَبْدو أَنَّهُ قادِمٌ مِنْ مَنْزِلِنا أَيْضًا! أَنا خائِفٌ جِدًّا يا جَدّي؛ إِنَّهُ يُرْعِبُني، وَيَكادُ يُحْرِقُ رَأْسي! تَحَسَّسْ جَبْهَتي؛ إِنَّها تَشْتَعِلُ! اِنْزِلْ، لَعَلَّهُمْ بِحاجَةٍ إِلى المُساعَدَةِ.»
فَعَلَّقَ الشَّيْخُ قائِلًا:
«إِنَّ أَمْرَهُمْ بِيَدِ الآلِهَةِ، أَمّا أَنا فَمَكاني هُنا.»
صَمَتَ قَليلًا، ثُمَّ صاحَ فَجْأَةً:
«وَلٰكِنْ هُناكَ... هُناكَ! أَيَّتُها الآلِهَةُ الخالِدَةُ! اُنْظُرْ هُناكَ نَحْوَ الشَّمالِ في اتِّجاهِ البَحْرِ! لا، بَلْ نَحْوَ الغَرْبِ؛ إِنَّهُ قادِمٌ مِنْ مَدينَةِ المَوْتى!»
صَرَخَ الفَتَى الَّذِي كانَ يُساعِدُ جَدَّهُ، مُنَجِّمَ مَعْبَدِ آمُونَ–رَع، فِي مَرْصَدِ النُّجُومِ القائِمِ بِبُرْجِ المَعْبَدِ، الكائِنِ فِي عاصِمَةِ الفَراعِنَةِ «تانيس» فِي شَمالِ أَرْضِ جاسَن، وَهُوَ يَسْحَبُ كَتِفَهُ القَوِيَّةَ الَّتِي كانَ يُسْنِدُ بِهَا الجَدَّ، وَيُشِيرُ بِيَدِهِ المُرْتَعِشَةِ:
«آهْ، يا جَدِّي! هُناكَ! هُناكَ! هَلْ يَنْدَفِعُ البَحْرُ الآنَ لِيَكْتَسِحَ اليَابِسَةَ؟ أَمْ أَنَّ سَحابَةً قَدْ هَبَطَتْ إِلَى الأَرْضِ تَمُوجُ هُنا وَهُناكَ؟ آهْ، يا جَدِّي، اُنْظُرْ هُناكَ! فَلْتَرْحَمْنَا الآلِهَةُ الخالِدَةُ! لَقَدِ انْفَتَحَتْ أَبْوابُ العالَمِ السُّفْلِيِّ، وَخَرَجَ الثُّعْبانُ العِمْلاقُ «أَبِيب»، قادِمًا مِنْ مَدِينَةِ المَوْتَى! ها هُوَ يَزْحَفُ مُتَجاوِزًا المَعْبَدَ، إِنَّنِي أَراهُ وَأَسْمَعُهُ... لَقَدْ تَحَقَّقَ وَعِيدُ ذٰلِكَ العِبْرانِيِّ العَظِيمِ! سَيَزُولُ نَسْلُنا مِنَ الأَرْضِ! لَقَدْ مَدَّ الثُّعْبانُ رَأْسَهُ نَحْوَ الجَنُوبِ الشَّرْقِيِّ، وَلَعَلَّهُ سَيَبْتَلِعُ ضَوْءَ النَّهارِ حِينَ يَطْلُعُ الصُّبْحُ.»
تَبِعَتْ عَيْنا الشَّيْخِ إِصْبَعَ حَفِيدِهِ، فَأَبْصَرَ هُوَ أَيْضًا كُتْلَةً هائِلَةً داكِنَةً تَتَدَحْرَجُ فِي الظَّلامِ، وَقَدْ تَلاشَتْ مَلامِحُها فِي العَتْمَةِ، وَسَمِعَ وَالقَلْبُ يَرْتَجِفُ رُعْبًا هَدِيرَها المُدَوِّيَ.
وَظَلَّ الاثْنانِ يُرْهِفانِ السَّمْعَ وَالبَصَرَ لِاخْتِراقِ حُجُبِ الظَّلامِ، غَيْرَ أَنَّ عَيْنَيْ قارِئِ النُّجُومِ لَمْ تَتَوَجَّهَا إِلَى الأَعْلَى، بَلِ انْصَرَفَتَا نَحْوَ المَدِينَةِ وَالبَحْرِ البَعِيدِ وَالسَّهْلِ المُمْتَدِّ.
خَيَّمَ صَمْتٌ عَمِيقٌ مُشْبَعٌ بِالأَلَمِ، فَالرِّياحُ العاتِيَةُ كَدَّسَتِ السُّحُبَ الدَّاكِنَةَ فِي كُتَلٍ مُشَوَّهَةٍ، ثُمَّ مَزَّقَتْ ذٰلِكَ الحِجابَ الرَّمادِيَّ وَبَعْثَرَتْ أَشْلاءَهُ. وَلَمْ يَكُنِ القَمَرُ مَرْئِيًّا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ، غَيْرَ أَنَّ السُّحُبَ كانَتْ تَعْبَثُ بِنُجُومِ الجَنُوبِ المُضِيئَةِ، فَتَحْجُبُها تارَةً، وَتُفْسِحُ المَجالَ لِأَشِعَّتِها تارَةً أُخْرَى. وَكَما فِي قُبَّةِ السَّماءِ فِي الأَعْلَى، تَناوَبَ عَلَى الأَرْضِ فِي الأَسْفَلِ الضَّوْءُ الشَّاحِبُ وَالظَّلامُ الحالِكُ.
فَتارَةً يَلْمَعُ الضَّوْءُ مُنْعَكِسًا مِنْ مَرايا الأَجْرامِ السَّماوِيَّةِ عَلَى البَحْرِ وَالنَّهْرِ، وَعَلَى الأَسْطُحِ الجِرانِيتِيَّةِ المَلْساءِ لِلْمَسَلّاتِ فِي باحاتِ المَعْبَدِ، وَالسَّقْفِ النُّحاسِيِّ المُذَهَّبِ لِلْقَصْرِ المَلَكِيِّ الفَسِيحِ، وَتارَةً أُخْرَى يَبْتَلِعُ الظَّلامُ البَحْرَ وَالنَّهْرَ وَالأَشْرِعَةَ فِي المِينَاءِ، وَمَعالِمَ المَدِينَةِ وَشَوارِعَها، وَبَساتِينَ النَّخِيلِ الَّتِي تُظَلِّلُها.
وَما تُحاوِلُ العَيْنُ الإِمْساكَ بِهِ يُنْتَزَعُ مِنْها سَرِيعًا، وَكَذٰلِكَ حالُ الأُذُنِ؛ فَتارَةً يَسُودُ صَمْتٌ مُطْبِقٌ، حَتَّى لَتَبْدُو كُلُّ حَياةٍ، قَرِيبَةً كانَتْ أَمْ بَعِيدَةً، ساكِنَةً هامِدَةً، وَتارَةً يَقْطَعُهُ نُواحٌ يَمْزِّقُ القُلُوبَ. ثُمَّ يُسْمَعُ ذٰلِكَ الزَّئِيرُ العالِي الَّذِي حَسِبَهُ الفَتَى صَوْتَ ثُعْبانِ العالَمِ السُّفْلِيِّ، وَالَّذِي كانَ الجَدُّ وَحَفِيدُهُ يُصْغِيانِ إِلَيْهِ بِتَوَتُّرٍ مُتَزايِدٍ.
وَقَدْ تَجَلَّى ذٰلِكَ الجِسْمُ الدَّاكِنُ، الَّذِي كانَتْ حَرَكَتُهُ الدَّؤُوبَةُ واضِحَةً لِلْعِيانِ، كُلَّما اخْتَرَقَ وَمِيضُ النُّجُومِ حُجُبَ السُّحُبِ المُتَصارِعَةِ، فَبَدا قادِمًا مِنْ مَدِينَةِ المَوْتَى وَحَيِّ الغُرَباءِ.
اسْتَوْلَى الذُّعْرُ عَلَى الجَدِّ وَحَفِيدِهِ، غَيْرَ أَنَّ الشَّيْخَ اسْتَعادَ رَباطَةَ جَأْشِهِ سَرِيعًا، وَسُرْعانَ ما أَدْرَكَتْ عَيْناهُ الثَّاقِبَتانِ، الخَبِيرَتانِ فِي رَصْدِ النُّجُومِ، أَنَّ ما أَرْسَلَتْهُ مَدِينَةُ المَوْتَى إِلَى السَّهْلِ لَمْ يَكُنْ جِسْمَ وَحْشٍ عَلَى الإِطْلاقِ، بَلْ كانَ حَشْدًا مِنَ الأَجْسادِ تَتَحَرَّكُ وَتَتَمايَلُ وَتَنْدَفِعُ هُنا وَهُناكَ فَوْقَ المُرُوجِ.
وَلَمْ يَكُنِ الزَّئِيرُ وَالزَّمْجَرَةُ يَنْبَعِثانِ مِنْ مَكانٍ واحِدٍ، بَلْ كانا يَصْدُرانِ مِنْ أَمْكِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَتارَةً يُسْمَعانِ مِنْ قَرِيبٍ، وَتارَةً مِنْ بَعِيدٍ، وَأَحْيانًا يَبْدُوانِ كَأَنَّهُما يَخْرُجانِ مِنْ أَحْشاءِ الأَرْضِ، وَحِينًا كَأَنَّهُما يَنْسَابانِ مِنْ أَعالِي السَّماءِ.
فَاسْتَبَدَّ بِالشَّيْخِ رُعْبٌ جَدِيدٌ، فَأَمْسَكَ بِيَمِينِهِ يَدَ حَفِيدِهِ، وَأَشارَ بِيَسارِهِ نَحْوَ مَدِينَةِ المَوْتَى، صارِخًا بِنَبْرَةٍ مُرْتَجِفَةٍ:
«اُنْظُرْ إِلَى المَوْتَى! إِنَّ عَدَدَهُمْ يَتَزايَدُ! إِنَّ العالَمَ السُّفْلِيَّ يَفِيضُ كَالنَّهْرِ حِينَ يَضِيقُ مَجْراهُ! اُنْظُرْ إِلَى هٰذا الحَشْدِ المُتَدَفِّقِ كَيْفَ يَتَمَوَّجُ! اُنْظُرْ إِلَيْهِمْ كَيْفَ يَتَفَرَّقُونَ وَيَتَمايَلُونَ هُنا وَهُناكَ! إِنَّها أَرْواحُ الآلافِ مِمَّنْ تَخْطَفُهُمُ المَوْتُ الزُّؤامُ، مُحَمَّلِينَ بِلَعْنَةِ العِبْرانِيِّ، بِلا قُبُورٍ وَلا حُصُونٍ تَقِيهِمْ مِنَ العُفُونَةِ، عِنْدَ هُبُوطِهِمْ دَرَجاتِ السُّلَّمِ المُؤَدِّي إِلَى العالَمِ الأَبَدِيِّ.»
فَصاحَ الفَتَى فِي هَلَعٍ، ساحبًا يَدَهُ مِنْ قَبْضَةِ الشَّيْخِ ذِي اللِّحْيَةِ البَيْضاءِ، وَضَرَبَ جَبْهَتَهُ المُشْتَعِلَةَ بِالحُمَّى، وَهُوَ يَصِيحُ وَلا يَكادُ يُخْرِجُ الكَلِماتِ مِنْ فَرْطِ الرُّعْبِ:
«إِنَّهُمْ هُمْ! أَجَلْ، أَجَلْ! تِلْكَ هِيَ أَشْباحُهُمْ الهائِمَةُ! أَجَلْ، تِلْكَ هِيَ أَرْواحُ المَلْعُونِينَ! لَقَدْ ساقَتْهُمُ العاصِفَةُ إِلَى البَحْرِ، فَتَقَيَّأَتْهُمْ أَمْواجُهُ وَقَذَفَتْ بِهِمْ إِلَى اليَابِسَةِ، لٰكِنَّ الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ لا تَرْغَبُ فِيهِمْ، فَهِيَ تَلْفِظُهُمْ وَتَطْرُدُهُمْ إِلَى الفَضاءِ! ثُمَّ يَرُدُّهُمْ أَثِيرُ «شُو» النَّقِيُّ إِلَى الأَرْضِ، وَالآنَ، أَوْهْ، اُنْظُرْ وَاسْتَمِعْ، إِنَّهُمْ يَبْحَثُونَ عَنْ طَرِيقٍ إِلَى البَرِّيَّةِ!»
صَرَخَ الشَّيْخُ:
«إِلَى النَّارِ! لِتُنَقِّهِمُ النَّارُ، وَلِتُطَهِّرْهُمُ المِياهُ!»
ثُمَّ عَلا صَوْتاهُما مَعًا بِتَرْتِيلِ التَّعاوِيذِ الرَّادِعَةِ لِلأَرْواحِ، وَفَجْأَةً، دُفِعَ بابُ المَرْصَدِ الأَرْضِيِّ، الَّذِي يُفْضِي إِلَى قِمَّةِ أَعْلَى بُرْجٍ فِي المَعْبَدِ، وَظَهَرَ كاهِنٌ مِنْ رُتْبَةٍ أَدْنَى، وَصاحَ فِيهِما:
«كَفاكُما كَدًّا! مَنْ ذا الَّذِي يَكْتَرِثُ بِمُساءَلَةِ النُّجُومِ فِي الأَعْلَى، حِينَ تَنْطَفِئُ الحَياةُ فِي الأَسْفَلِ؟»
اسْتَمَعَ إِلَيْهِ المُنَجِّمُ صامِتًا، وَلَمَّا أَخْبَرَهُ الكاهِنُ، بِنَبْرَةٍ مُتَعَثِّرَةٍ، أَنَّ زَوْجَتَهُ هِيَ مَنْ أَرْسَلَتْهُ، تَمْتَمَ الشَّيْخُ:
«حُورَا؟ هَلِ اخْتَطَفَ المَوْتُ ابْنِي أَيْضًا؟»
حَنَى الكاهِنُ رَأْسَهُ إِيجابًا، فَبَكَى الاثْنانِ، الجَدُّ وَحَفِيدُهُ، بِمَرارَةٍ، فَقَدْ فَقَدَ المُنَجِّمُ ابْنَهُ البِكْرَ، وَفَقَدَ الفَتَى أَباهُ الحَبِيبَ.
وَلٰكِنْ، عِنْدَما سَقَطَ الفَتَى، وَهُوَ يَرْتَجِفُ مِنْ قَشْعَرِيرَةِ الحُمَّى، واهِنًا عَلَى صَدْرِ جَدِّهِ، سَارَعَ الشَّيْخُ إِلَى تَخْلِيصِ نَفْسِهِ مِنْ عِناقِهِ، وَأَسْرَعَ نَحْوَ البابِ، فَرَغْمَ أَنَّ الكاهِنَ جاءَهُ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، فَإِنَّ قَلْبَ الأَبِ يَحْتاجُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ كَلِماتِ مِنْ آخَرِينَ قَبْلَ أَنْ يَتَخَلَّى عَنْ كُلِّ أَمَلٍ فِي أَنْ يَكُونَ طِفْلُهُ حَيًّا.
نَزَلَ الدَّرَجَ الحَجَرِيَّ مُسْرِعًا، وَعَبَرَ الأَقْبِيَةَ العالِيَةَ وَساحَاتِ المَعْبَدِ الفَسِيحَةَ، يَتْبَعُهُ الفَتَى عَنْ كَثَبٍ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ رُكْبَتَيْهِ المُرْتَجِفَتَيْنِ لا تَكَادانِ تَقْوَيانِ عَلَى حَمْلِ جَسَدِهِ المَحْمُومِ.
وَقَدْ أَنْسَتِ الفاجِعَةُ الَّتِي حَلَّتْ بِدائِرَتِهِ الصَّغِيرَةِ الشَّيْخَ المُنَجِّمَ تِلْكَ الرُّؤْيَةَ المُرَوِّعَةَ الَّتِي لَعَلَّها كانَتْ تُهَدِّدُ الكَوْنَ بِأَسْرِهِ بِالهَلاكِ، غَيْرَ أَنَّ حَفِيدَهُ لَمْ يَسْتَطِعْ طَرْدَ ذٰلِكَ المَشْهَدِ مِنْ مُخَيِّلَتِهِ.
وَلَمَّا تَجاوَزَ الفَناءَ الأَمامِيَّ، وَاقْتَرَبَ مِنَ الأَبْراجِ الخَارِجِيَّةِ، خُيِّلَ إِلَيْهِ، تَحْتَ وَطْأَةِ الأَلَمِ وَالحُزْنِ، أَنَّ ظِلالَ المَسَلّاتِ تَتَراقَصُ، وَأَنَّ تِمْثالَيْ المَلِكِ رَمْسِيسَ الحَجَرِيَّيْنِ، القائِمَيْنِ عَلَى أَعْمِدَةِ البَوَّابَةِ العالِيَةِ، يَضْرِبانِ الإِيقاعَ بِالصَّوْلَجانِ الَّذِي يَحْمِلانِهِ فِي أَيْدِيهِما.
ثُمَّ أَسْقَطَتِ الحُمَّى الفَتَى أَرْضًا، وَشَوَّهَتِ التَّشَنُّجاتُ مَلامِحَ وَجْهِهِ، وَجَعَلَتْ جَسَدَهُ الغَضَّ يَنْتَفِضُ فِي اخْتِلاجَاتٍ عَنِيفَةٍ صُعُودًا وَهُبُوطًا. فَجَثا الشَّيْخُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَراحَ يَحْمِي الرَّأْسَ الجَمِيلَ المُجَعَّدَ الشَّعْرِ مِنَ الِارْتِطامِ بِالبِلاطِ الحَجَرِيِّ القاسِي، وَهُوَ يَنُوحُ بِصَوْتٍ خافِتٍ:
«ها قَدْ أَدْرَكَهُ المَوْتُ هُوَ الآخَرُ...»
ثُمَّ تَكَوَّرَ عَلَى نَفْسِهِ، وَصَرَخَ مِرارًا طَلَبًا لِلْمُساعَدَةِ، وَلٰكِنْ بِلا جَدْوَى. وَأَخِيرًا، حِينَ خَفَتَ صَوْتُهُ باحِثًا عَنِ العَزاءِ فِي الصَّلاةِ، سَمِعَ أَصْواتًا فِي مَمَرِّ أَبِي الهَوْلِ خَلْفَ الأَبْراجِ، فَانْبَعَثَ أَمَلٌ جَدِيدٌ فِي قَلْبِهِ.
ما الَّذِي كانَ يَتَحَرَّكُ هُناكَ فِي هٰذا الوَقْتِ المُتَأَخِّرِ؟ اخْتَلَطَتْ صَرْخَةُ العَوِيلِ بِتَراتِيلِ الكَهَنَةِ، وَرَنِينِ الصَّلاصِلِ المَعْدِنِيَّةِ وَحَفِيفِها، الَّتِي كانَتْ تَهُزُّها خادِماتُ الإِلٰهِ المُقَدَّساتُ، وَوَقْعِ خُطى المُصَلِّينَ المُنْتَظِمَةِ وَهُمْ يَسِيرُونَ فِي مَوْكِبٍ يَقْتَرِبُ مِنَ المَعْبَدِ.
اقْتَرَبَ مَوْكِبُ الِاحْتِفالِ مِنَ المَعْبَدِ، وَبَعْدَ أَنْ تَأَمَّلَ المُنَجِّمُ صُفُوفَ الأَعْمِدَةِ الجِرانِيتِيَّةِ المُزْدَوِجَةِ، وَالتَّماثِيلَ العِمْلاقَةَ، وَالمَسَلّاتِ فِي الفَناءِ الأَمامِيِّ، وَفَاءً لِعادَةٍ لازَمَتْهُ طِيلَةَ حَياتِهِ المَدِيدَةِ، رَفَعَ عَيْنَيْهِ إِلَى الأَعْلَى، وَثَبَّتَ بَصَرَهُ عَلَى قُبَّةِ السَّماءِ المُرَصَّعَةِ بِالنُّجُومِ.
وَهُنا، وَهُوَ فِي غَمْرَةِ حُزْنِهِ، ارْتَسَمَتِ ابْتِسامَةٌ مُرَّةٌ عَلَى شَفَتَيْهِ الغائِرَتَيْنِ، فَحَتَّى الآلِهَةُ حُرِمَتْ فِي هٰذِهِ اللَّيْلَةِ مِنَ التَّكْرِيمِ وَالتَّبْجِيلِ الَّذَيْنِ تَسْتَحِقُّهُما.
فَفِي هٰذِهِ اللَّيْلَةِ، وَهِيَ أُولَى لَيالِي وِلادَةِ الهِلالِ فِي شَهْرِ بَرْمُودَةَ، كانَ مَقامُ الإِلٰهِ يُزَيَّنُ، فِي السَّنَواتِ الماضِيَةِ، بِأَكالِيلِ الزُّهُورِ الوَفِيرَةِ. وَبِمُجَرَّدِ أَنْ يَنْجَلِيَ ظَلامُ تِلْكَ اللَّيالِي الخالِيَةِ مِنَ القَمَرِ، يَبْدَأُ مِهْرَجانُ نُورِ الرَّبِيعِ، وَمَعَهُ عِيدُ الحَصادِ.
وَتَكْرِيمًا لِلآلِهَةِ العَظِيمَةِ «نِيت»، وَ«رِنُّوت»، الَّتِي تُسْبِغُ بَرَكاتِها عَلَى الحُقُولِ، وَ«حورُس»، الَّذِي بِأَمْرِهِ تَبْدَأُ البُذُورُ فِي نُمُوِّ المَحاصِيلِ، يَنْطَلِقُ المَوْكِبُ الِاحْتِفالِيُّ المَهِيبُ مِنَ المَدِينَةِ نَحْوَ النَّهْرِ وَالمِينَاءِ، وَفْقًا لِلتَّعالِيمِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْها «كِتابُ المِيلادِ الإِلٰهِيِّ لِلشَّمْسِ».
وَلٰكِنَّ اليَوْمَ، سادَ صَمْتُ المَوْتِ فِي أَرْجاءِ المَعْبَدِ، الَّذِي كانَتْ ساحَتُهُ الأَمامِيَّةُ تَمْتَلِئُ، فِي مِثْلِ هٰذا الوَقْتِ، بِالرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالأَطْفالِ، الَّذِينَ كانُوا يَحْمِلُونَ القَرابِينَ وَيَضَعُونَها فِي ذاتِ البُقْعَةِ الَّتِي مَسَّ فِيها إِصْبَعُ المَوْتِ الآنَ قَلْبَ حَفِيدِهِ.
تَدَفَّقَ سَيْلٌ مِنَ النُّورِ إِلَى الْمَسَاحَةِ الشَّاسِعَةِ، الَّتِي كَانَتْ، حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ، مُضَاءَةً بِوَهَجٍ خَافِتٍ مِنْ مَصَابِيحَ قَلِيلَةٍ. أَفَبَلَغَ بِهِمُ الْجُنُونُ مَبْلَغًا ظَنَّ مَعَهُ هَؤُلَاءِ الصَّاخِبُونَ أَنَّهُ بِإِمْكَانِهِمْ الِاحْتِفَالِ بِمِهْرَجَانِ الْفَرَحِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَهْوَالِ هٰذِهِ اللَّيْلَةِ الَّتِي تَفُوقُ الْوَصْفَ؟
أَلَمْ يُقَرِّرْ مَجْلِسُ الْكَهَنَةِ مَسَاءَ أَمْسِ، بِسَبَبِ الطَّاعُونِ الْمُسْتَعِرِ بِلَا رَحْمَةٍ، تَرْكَ الْمَعْبَدِ دُونَ زِينَةٍ، وَإِلْغَاءَ الْمَوْكِبِ الِاحْتِفَالِيِّ؟ فَمُنْذُ عَصْرِ أَمْسِ، تَخَلَّفَ كَثِيرُونَ، مِمَّنْ أَلَمَّ بِهِمُ الْوَبَاءُ فِي بُيُوتِهِمْ، عَنْ ارْتِيَادِ هٰذَا الْمَكَانِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْهَلَاكَ قَدْ تَسَلَّلَ إِلَى هٰذَا الْمَقَامِ أَيْضًا، بَيْنَمَا كَانَ هُوَ، الْمُنَجِّمُ، يُرَاقِبُ مَسَارَاتِ النُّجُومِ. وَإِلَّا فَلِمَاذَا غَادَرَهُ الْحُرَّاسُ وَبَقِيَّةُ الْمُنَجِّمِينَ الَّذِينَ دَخَلُوهُ مَعَهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَالَّذِينَ كَانَ مِنْ وَاجِبِهِمْ أَنْ يَقْضُوا اللَّيْلَ هُنَا فِي الْمُرَاقَبَةِ؟
الْتَفَتَ مَرَّةً أُخْرَى بِحَنَانٍ نَحْوَ الْمَرِيضِ الْمُتَأَلِّمِ، لٰكِنَّهُ سُرْعَانَ مَا انْتَفَضَ وَاقِفًا عَلَى قَدَمَيْهِ، فَقَدْ فُتِحَتِ الْبَوَّابَاتُ عَلَى مِصْرَاعَيْهَا، وَتَدَفَّقَ ضَوْءُ الْمَشَاعِلِ وَالْفَوَانِيسِ إِلَى السَّاحَةِ الْأَمَامِيَّةِ. وَأَخْبَرَتْهُ نَظْرَةٌ سَرِيعَةٌ إِلَى قُبَّةِ السَّمَاءِ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ تَجَاوَزَ مُنْتَصَفَ اللَّيْلِ بِقَلِيلٍ، وَمَعَ ذٰلِكَ بَدَتْ مَخَاوِفُهُ حَقِيقِيَّةً، فَهَا هُمُ الْكَهَنَةُ يَتَدَفَّقُونَ إِلَى الْمَعْبَدِ اسْتِعْدَادًا لِإِقَامَةِ احْتِفَالِ الصَّبَاحِ بِعِيدِ الْحَصَادِ.
وَلٰكِنْ، لَا.
لَقَدْ كَانَ مُخْطِئًا، فَمَتَى كَانُوا لِيَدْخُلُوا الْمَقَامَ مُرَتِّلِينَ التَّرَانِيمَ بِوَقَارٍ فِي مَوْكِبٍ مُنَظَّمٍ لِغَرَضٍ كَهٰذَا؟ وَلَمْ يَكُنِ الْمَوْكِبُ مُقْتَصِرًا عَلَى خَدَمِ الْإِلٰهِ وَحْدَهُمْ، فَقَدِ انْضَمَّ إِلَيْهِمْ عَامَّةُ الشَّعْبِ، إِذِ اخْتَلَطَ نَحِيبُ النِّسَاءِ الْحَادُّ وَصِيَاحُ يَأْسِهِنَّ وَتَذَمُّرُهُنَّ، مِمَّا لَمْ يَسْمَعْ مِثْلَهُ قَطُّ دَاخِلَ هٰذِهِ الْجُدْرَانِ الْمُقَدَّسَةِ، مَعَ التَّرَانِيمِ الْمُهَيبَةِ. أَمْ تُرَى كَانَتْ حَوَاسُّهُ تَخْدَعُهُ؟
أَمْ أَنَّ حَشْدَ الْأَرْوَاحِ الْمُعَذَّبَةِ، الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا حَفِيدُهُ مِنَ الْمَرْصَدِ، هُوَ الَّذِي يَتَدَفَّقُ إِلَى مَقَامِ الْإِلٰهِ؟
تَلَبَّسَهُ رُعْبٌ جَدِيدٌ، فَرَفَعَ ذِرَاعَيْهِ عَالِيًا كَأَنَّهُ يَدْرَأُ خَطَرًا دَاهِمًا، وَتَلَا لِبُرْهَةٍ تَعَاوِيذَ لِصَدِّ مَكَائِدِ أَرْوَاحِ الظَّلَامِ. ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ أَسْقَطَ يَدَيْهِ، إِذْ لَمَحَ بَيْنَ الْحُشُودِ بَعْضَ أَصْدِقَائِهِ الَّذِينَ كَانُوا، بِالأَمْسِ الْقَرِيبِ، يَسِيرُونَ بَيْنَ الْأَحْيَاءِ: أَوَّلًا الْقَامَةَ الْمَمْشُوقَةَ لِلنَّبِيِّ الثَّانِي لِلْإِلٰهِ، ثُمَّ النِّسَاءَ الْمُكَرَّسَاتِ لِخِدْمَةِ «آمُونَ رَع»، وَالْمُنْشِدِينَ، وَالْآبَاءَ الْمُقَدَّسِينَ، وَحَمَلَةَ التَّمَاثِيلِ. وَلَمَّا أَبْصَرَ، خَلْفَ الْعَرَّافِينَ وَحَمَلَةِ الْمَقَامَاتِ، صِهْرَهُ، الَّذِي اسْتَثْنَى الطَّاعُونُ مَنْزِلَهُ حَتَّى الأَمْسِ، اسْتَجْمَعَ شَجَاعَتَهُ وَنَادَاهُ، لٰكِنَّ صَوْتَهُ ضَاعَ فِي خِضَمِّ تَرَاتِيلِ الْحُشُودِ وَصِيَاحِهَا الْمُنْدَفِعِ.
أَصْبَحَتِ السَّاحَةُ الْأَمَامِيَّةُ الآنَ مُضِيئَةً، وَلٰكِنْ، لِانْشِغَالِ كُلِّ شَخْصٍ بِأَحْزَانِهِ، لَمْ يَلْحَظْ أَحَدٌ مُرَاقِبَ النُّجُومِ. فَانْتَزَعَ الْعَبَاءَةَ عَنْ أَطْرَافِهِ الْمُرْتَعِدَةِ مِنَ الْبَرْدِ، لِيَجْعَلَ مِنْهَا وِسَادَةً تُرِيحُ رَأْسَ الْفَتَى الْمُحْتَضِرِ. وَبَيْنَمَا كَانَ يَفْعَلُ ذٰلِكَ بِحَنَانٍ أَبَوِيٍّ، سَمِعَ، مِنْ وَسَطِ صِيَاحِ الْحُشُودِ الْمُتَقَدِّمَةِ، لَعَنَاتٍ مَرُوعَةً تَنْصَبُّ عَلَى الْعِبْرَانِيِّينَ، الَّذِينَ جَلَبُوا هٰذَا الْوَيْلَ عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ. ثُمَّ سَمِعَ اسْمَ وَلِيِّ عَهْدِ بِلَادِهِ، الْأَمِيرِ رَمْسِيسَ، يَتَرَدَّدُ مِرَارًا وَتِكْرَارًا، وَقَدْ دَلَّتِ النَّبْرَةُ الَّتِي نُطِقَ بِهَا، وَصِيَغُ الرِّثَاءِ الَّتِي اقْتَرَنَتْ بِهِ، عَلَى أَنَّ الْمَوْتَ قَدْ أَغْمَضَ عَيْنَيْ بَكْرِ الْمَلِكِ أَيْضًا.
وَبِأَلَمٍ مُتَزَايِدٍ حَمْلَقَ الْمُنَجِّمُ فِي مَلَامِحِ وَجْهِ حَفِيدِهِ الشَّاحِبِ، غَيْرَ أَنَّهُ، مَعَ تَعَالِي النُّوَاحِ عَلَى الْأَمِيرِ، تَسَلَّلَ إِلَى نَفْسِهِ شُعُورٌ هَادِئٌ بِالرِّضَا عَنْ عَدَالَةِ الْمَوْتِ، الَّذِي لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَلِكٍ عَلَى عَرْشِهِ وَمُتَسَوِّلٍ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ. لَقَدْ أَدْرَكَ الآنَ مَا الَّذِي جَلَبَ هٰذَا الْحَشْدَ الصَّاخِبَ إِلَى الْمَعْبَدِ.
وَبِأَقْصَى سُرْعَةٍ سَمَحَتْ بِهَا أَطْرَافُهُ الْهَرِمَةُ، أَسْرَعَ مُتَقَدِّمًا لِاسْتِقْبَالِ النَّادِبِينَ، وَلٰكِنَّهُ، قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُمْ، رَأَى حَارِسَ الْبَوَّابَةِ وَزَوْجَتَهُ يَخْرُجَانِ مِنْ غُرْفَةِ الْحَرَسِ، يَحْمِلَانِ جُثَّةَ صَبِيٍّ عَلَى حَصِيرَةٍ. كَانَ الرَّجُلُ يُمْسِكُ بِطَرَفٍ، وَزَوْجَتُهُ الصَّغِيرَةُ النَّحِيلَةُ بِالطَّرَفِ الْآخَرِ، وَاضْطُرَّ الْحَارِسُ، ذُو الْبُنْيَةِ الْعِمْلَاقَةِ، إِلَى الِانْحِنَاءِ كَثِيرًا لِيُحَافِظَ عَلَى التَّوَازُنِ. وَاخْتَتَمَ ثَلَاثَةُ أَطْفَالٍ، تَتَقَدَّمُهُمْ طِفْلَةٌ صَغِيرَةٌ تَحْمِلُ فَانُوسًا، ذٰلِكَ الْمَوْكِبَ الْحَزِينِ.
وَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ لِيَلْحَظَ هٰذِهِ الْمَجْمُوعَةَ، لَوْلَا أَنَّ زَوْجَةَ حَارِسِ الْبَوَّابَةِ قَدْ أَطْلَقَتْ صَرَخَاتٍ جُنُونِيَّةً مُفْجِعَةً، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَغْفُلَ عَنْهَا سَمْعٌ. فَالْتَفَتَ نَحْوَهَا النَّبِيُّ الثَّانِي لِآمُونَ، ثُمَّ أَتْبَاعُهُ، وَتَوَقَّفَ الْمَوْكِبُ. وَلَمَّا اقْتَرَبَ بَعْضُ الْكَهَنَةِ مِنَ الْجُثَّةِ، صَرَخَ حَارِسُ الْبَوَّابَةِ بِصَوْتٍ عَالٍ:
«ابْتَعِدُوا، ابْتَعِدُوا عَنِ الْوَبَاءِ! لَقَدْ أَهْلَكَ ابْنَنَا الْبِكْرَ!»
وَفِي غُضُونِ ذٰلِكَ، انْتَزَعَتِ الزَّوْجَةُ الْفَانُوسَ مِنْ يَدِ الطِّفْلَةِ، وَسَلَّطَتْ ضَوْءَهُ عَلَى وَجْهِ الصَّبِيِّ الْمَيِّتِ الْمُتَصَلِّبِ، وَصَرَخَتْ:
«لَقَدْ سَمَحَ الْإِلٰهُ بِهٰذَا! أَجَلْ، سَمَحَ لِلرُّعْبِ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِهِ هُوَ بِذَاتِهِ! لَيْسَ بِمَشِيئَتِهِ، كَلَّا، بَلْ بِلَعْنَةِ غَرِيبٍ صَارَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَيْنَا وَعَلَى حَيَاتِنَا. اُنْظُرُوا إِلَى هُنَا! كَانَ هٰذَا ابْنَنَ البِكْر، وَقَدْ حَصَدَ الطَّاعُونُ أَيْضًا اثْنَيْنِ مِنْ خَدَمِ الْمَعْبَدِ، أَحَدُهُمَا أَنْهَى حَيَاتَهُ فِي غُرْفَتِنَا، وَهُنَاكَ يَرْقُدُ آخَرُ، كَامُوسُ، حَفِيدُ الْعَرَّافِ رَامِيرِي. لَقَدْ سَمِعْنَا نِدَاءَ الشَّيْخِ وَرَأَيْنَا مَا حَدَثَ، وَلٰكِنْ مَنْ يُسْنِدُ بَيْتَ غَيْرِهِ حِينَ يَنْهَارُ بَيْتُهُ؟ اِعْتَبِرُوا بِمَا يَجْرِي! فَالْآلِهَةُ قَدْ فَتَحَتْ مَعَابِدَهَا لِلدَّمَارِ، وَحَتَّى لَوْ هَلَكَ الْعَالَمُ بِأَسْرِهِ، فَلَنْ أَتَعَجَّبَ، وَلَنْ أَحْزَنَ، بِالتَّأْكِيدِ! يَا سَادَتِي الْكَهَنَةَ الْكِرَامَ، مَا أَنَا إِلَّا امْرَأَةٌ فَقِيرَةٌ بَسِيطَةٌ، وَلٰكِنْ أَلَسْتُ مُحِقَّةً حِينَ أَتَسَاءَلُ: أَنَامَتْ آلِهَتُنَا؟ أَمْ أَنَّ أَحَدًا شَلَّ حَرَكَتَهَا؟ أَمْ مَاذَا يَفْعَلُونَ لِيَتْرُكُونَا، وَأَطْفَالَنَا، تَحْتَ رَحْمَةِ تِلْكَ الطُّغْمَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ الْحَقِيرَةِ؟»
«أَطِيحُوا بِهِمْ! الْمَوْتُ لِلْغُرَبَاءِ! الْمَوْتُ لِلسَّاحِرِ مِيسُو!»—وَهُوَ الِاسْمُ الْمِصْرِيُّ لِمُوسَى—«أَلْقُوا بِهِ فِي الْبَحْرِ!» وَكَمَا يَتْبَعُ الصَّدَى الصَّوْتَ، تَوَالَتْ هٰذِهِ اللَّعَنَاتُ عَقِبَ صَرْخَةِ الْمَرْأَةِ. وَلَوَّحَ هُورْنِيخْتُ، قَائِدُ الرُّمَاةِ وَصِهْرُ الْمُنَجِّمِ، بِسَيْفِهِ الْقَصِيرِ، وَقَدْ غَلَى الدَّمُ فِي عُرُوقِهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ جَسَدِ ابْنِ أَخِيهِ الْمُحْتَضِرِ، صَارِخًا بِجُنُونٍ:
«لِيَتْبَعْنِي مَنْ يَمْلِكُ الشَّجَاعَةَ! لِنَهْجُمْ عَلَيْهِمْ! نَفْسٌ بِنَفْسٍ! عَشَرَةُ عِبْرَانِيِّينَ مُقَابِلَ كُلِّ مِصْرِيٍّ قَتَلَهُ السَّاحِرُ!»
وَكَمَا يَنْدَفِعُ الْقَطِيعُ إِلَى النَّارِ إِذَا تَقَدَّمَهُ الْكَبْشُ، أَشْعَلَ نِدَاءُ الْمُحَارِبِ حَمَاسَ الْحَشْدِ، فَانْدَفَعُوا كُلُّهُمْ بِقُوَّةٍ، تَتَقَدَّمُ النِّسَاءُ صُفُوفَ الرِّجَالِ، وَتَدَافَعُوا خَلْفَهُ نَحْوَ الْبَوَّابَةِ. وَلَمَّا تَرَدَّدَ خَدَمُ الْإِلٰهِ رَيْثَمَا يَسْتَطْلِعُونَ رَأْيَ نَبِيِّ آمُونَ، انْتَصَبَ هٰذَا الْأَخِيرُ بِقَامَتِهِ الْمَهِيبَةِ، وَقَالَ بِهُدُوءٍ:
«لِيَبْقَ كُلُّ مَنْ يَرْتَدِي ثَوْبَ الْكَهَنُوتِ وَلْيُصَلِّ مَعِي! إِنَّ الشَّعْبَ أَدَاةُ السَّمَاءِ لِلِانْتِقَامِ، وَسَنَبْقَى نَحْنُ هُنَا لِنُصَلِّيَ مِنْ أَجْلِ نَجَاحِهِمْ.»



#فتحي_البوكاري (هاشتاغ)       Boukari_Fethi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذكاء الإصطناعي والإبداع
- التبغ والشيطان
- مقدمة كتاب قصّة قراصنة البربر (2)
- مقدمة كتاب -قصّة قراصنة البربر-
- مقتطف من مقدّمة كتاب مختارات من رسائل كولومبس
- بحّارة عنيدون لويس بيك
- نساء محجّبات (1)
- حوار مع فوزي مسعود: تونس وفرنسا بين الذاكرة والتبعية
- سرديّة فتح الله صغيّر لألفونس دي لامارتين ج2
- سرديّة إقامةِ فَطح الله الصغِير بين العربِ الرُّحَّلِ في الص ...
- من روائع الأدب المجري: السيّدة كاراشني، لإرنيو سيب
- رسائل من الميّت الحيّ
- باغ وبهار:حكايات الدراويش الأربعة لأمير خُسرو الدِّهلَوي -ج2
- باغ وبهار:حكايات الدراويش الأربعة لأمير خُسرو الدِّهلَوي -ج1 ...
- ليلة عاصفة، الفصل الأول من رواية -فتاة البحّار- لإيما ليزلي
- الإبحار الأخير للقارب -الدولفين-
- أطلقوا قارب النجاة! (ج1)
- حوار مع الفنان التشكيلي عمّار بوكيل: حين يتكلم الجدار بلغة ا ...
- ميراث البحر
- الفصل الأول من رواية ماري جونستون -1492-


المزيد.....




- مسئول إيراني: قواتنا المسلحة لن تمنح أمريكا إذن الحصار البحر ...
- (المثقف والسلطة/ القدرة المُحيّدة) جلسة حوارية فكرية في اتحا ...
- الإسكندرية تستقبل أفلامها القصيرة.. مسابقة خيري بشارة تكشف م ...
- -خط أحمر-.. مشاهير وفنانون يعبرون عن دعمهم للكويت
- وفاة أيقونة موسيقى الأفلام الهندية بعد مسيرة حافلة بأكثر من ...
- تقديرات إسرائيلية: الجولة القادمة مع إيران مسألة وقت وفشل في ...
- جامعة غزة المؤقتة: محاولة لإحياء المسيرة الأكاديمية من وسط ا ...
- الرباط.. إطلاق سلسلة دورات تكوينية حول -الطرق الخلاقة لإيصال ...
- ترامب يحتفل بعيد ميلاده الـ80 بنزال للفنون القتالية
- أدب الموانع.. -معلق- يوثق رحلة فلسطيني لاستعادة -الروح- بجوا ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فتحي البوكاري - يشوع -1-