أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين القانون والوفاء؛ تأملات في هاجس سداد الدين في قصة وفاء للدكتور رمضان علي عبود















المزيد.....

بين القانون والوفاء؛ تأملات في هاجس سداد الدين في قصة وفاء للدكتور رمضان علي عبود


داود سلمان عجاج

الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 10:29
المحور: الادب والفن
    


بين القانون والوفاء
تأملات في هاجس سداد الدين في قصة وفاء للدكتور رمضان علي عبود
الوفاء، في جوهره الإنساني العميق، ليس مجرد استجابة عاطفية عابرة، ولا تقليداً اجتماعياً يؤدى على سبيل العادة، بل هو قيمة أخلاقية تتجذر في ضمير الإنسان، وتعبر عن صدقه مع ذاته قبل الآخرين. فهو ذلك الثبات النبيل على العهد، حين تغدو الكلفة باهظة، وتشتد وطأة الظروف، فيبقى الإنسان وفياً لا لأنه ملزم، وإنما لأنه يرى في الوفاء امتداداً لكرامته. ومن هنا، يغدو الوفاء سلوكاً إنسانياً قويماً، لأنه ينبع من الداخل، من يقين أخلاقي لا تزعزعه الضغوط.
غير أن هذا المعنى النبيل يفتح باب تساؤل دقيق: هل يمكن للوفاء أن يتعارض مع القانون؟
والحق أن الإجابة ليست أحادية، بل تتأرجح بين حالتين؛ فمن جهة يتناغم الوفاء مع القانون حين يكون دعامة له، كما في وفاء الموظف لواجبه، فيتحول إلى قيمة مزدوجة، أخلاقية وقانونية في آن واحد. ومن جهة أخرى، قد يتقاطع معه حين ينحاز الإنسان لشخص قريب أخطأ، فيجد نفسه ممزقاً بين عاطفة الوفاء وصوت العدالة. وهنا يدخل الوفاء منطقة إشكالية، حيث يصبح مهدداً بالانحراف إن لم يضبط بوعي المسؤولية.
ومن ثم، فإن أرقى صور الوفاء، تلك التي لا تكون عمياء، بل واعية بحدودها؛ وفاء لا يحمي الخطأ، بل يسعى إلى إصلاحه، ولا يقف ضد العدالة، بل يتكامل معها. إذ إن الوفاء الحقيقي ليس انحيازاً، بل موقف أخلاقي متزن، يدرك أن حماية الإنسان لا تعني تبرير خطئه، وإنما مساعدته على تجاوزه.
وعليه، يظل الوفاء قيمة إنسانية سامية ما دام قائماً على الحق، ومقيداً بوعي المسؤولية. أما إذا تجاوز حدوده، وأصبح أداة لخرق القانون أو الإضرار بالآخرين، فإنه يفقد جوهره الأخلاقي، ويتحول من فضيلة إلى عبء يثقل الضمير قبل أن يخل بالنظام.
ولعل من أصعب المواقف أن يقف الإنسان عند مفترق طريقين: طريق القانون بما يحمله من صرامة النصوص، وطريق الوفاء بما يختزنه الضمير من ذاكرة الجميل. ففي لحظات معينة، لا يكون القرار إجراءً إدارياً فحسب، بل إلى امتحاناً أخلاقياً حقيقياً، تتجاذبه مقتضيات الواجب ونبض الإنسانية.
وفي هذا السياق، تتجسد هذه اللحظة الإنسانية بكثافة لافتة في قصة "وفاء" للدكتور رمضان علي عبود، حيث لا تبقى العدالة حبيسة النصوص، بل تنبض بروح الضمير. فإننا لا نقف أمام حدث يتعلق بإزالة تجاوز عمراي فحسب، بل أمام اختبار عميق لقيمة الإنسان في ذاكرة الآخر، ولثقل الدين المعنوي الذي لا تسقطه السنوات.
وهنا يتجلى ما أشار إليه الفيلسوف "إيمانويل كانط" حين قال:
"أن الواجب هو ضرورة الفعل احتراماً للقانون"
غير أن القصة تمضي أبعد من هذا التصور، إذ تطرح سؤالاً أكثر عمقاً: أي قانون ذاك الذي لا يخلو من الوفاء؟ وأي واجب الذي يتجاهل إنسانية الإنسان؟
وفي قلب هذه الرؤية يقف "الأستاذ كريم" بوصفه صورةً مكثفة لمعاناة المعلم؛ ذلك الكائن الذي أفنى عمره في بناء عقول الأجيال، لكنه عجز عن بناء مأوى يحفظ كرامته بعد أن اعتلى الرأس تاج الثلج. رجل أكل الزمن من جسده، وترك في روحه تعب السنوات، وهو يتنقل بين المدارس، حاملاً رسالته بصمت، حتى أصبح أثراً ممتداً في الذاكرة الجمعية.
غير أن هذه الصورة لا تكتمل دون الإشارة إلى مفارقة مؤلمة؛ إذ إن "الأستاذ كريم"، مدفوعاً بضيق العيش وقسوة الظروف، كان قد شيد مأواه المتواضع في واحدة مناطق العشوائيات، متجاوزاً بذلك نصوص القانون وهو يدرك تمام الإدراك طبيعة التجاوز، غير أن الحاجة إلى ستر يحميه ويقي عائلته تقلبات الحياة قد غلبت ثوابته الداخلية، فكان صراعه بين ما يؤمن به وما اضطر إليه صراعاً صامتاً يثقل ضميره قبل أن يثقل واقعه.
ومن هنا نستحضر قول "أرسطو":
"الذين يربون الأطفال يستحقون من التقدير أكثر من الذين يلدونهم"
لكن هذا التقدير، في كثير من الأحيان، يظل حبيساً في الوجدان، ولا يرتقي إلى مستوى الإنصاف الواقعي، لتبقى معاناة المعلم شاهداً على اختلال ميزان القيم.
إن ضنك العيش الذي يلاحق "الأستاذ كريم" لا يمثل حالة فردية، بل هو انعكاس لخلل أعمق في بنية المجتمع، حيث يهمش صانعو الوعي، ويُتركون لمواجهة قسوة الحياة وحدهم. وهنا تتجسد المفارقة المؤلمة: معلم يزرع المستقبل في عقول تلاميذه، بينما لا يجد أرضاً يستقر عليها.
وتبلغ هذه المعاناة ذروتها في تلك الليلة القلقة، حيث يتحول الزمن إلى عبء، والانتظار إلى قلق وجودي، وكأن القانون كُتب على جدار أصم لا يسمع أنين البشر. وفي هذا الإطار، يلوح تأمل "ألبير كامو":
"في عمق الشتاء، تعلمت أن في داخلي صيفاً لا يقهر"
فالأستاذ كريم، رغم انكساراته، يظل صامداً، يحمل في داخله بقايا أمل لا ينطفئ، حتى وإن كان وجعه يتخفى خلف صمتٍ ثقيل.
غير أن لحظة التحول تأتي حين يتعرف القائمقام وهو أحد تلاميذه على معلمه القديم. ففي تلك اللحظة، لا يعود الموقف إجراءً قانونياً، بل يتحول إلى لحظة اعتراف إنساني عميق، حيث ينهض هاجس سداد الدين، لا بوصفه التزاماً مادياً، وإنما ديناً معنوياً زرعه المعلم في نفوس تلاميذه.
وفي هذا السياق، تتردد فكرة نيتشه:
"من لا يرد الجميل، يفقد إنسانيته شيئاً فشيئاً"
وكأن القائمقام، في تلك اللحظة، يستعيد إنسانيته عبر الوفاء. فهو كمسؤول لا يلغي القانون، بل يعيد تأويله، ويوسع أفقه ليشمل البعد الإنساني، محققاً ما ذهب إليه "جون رولز" :
"العدالة هي الانصاف"
وهكذا، لا يكون الوفاء نقيضاً للقانون، بل امتداداً أخلاقياً له، ليقدم لمعلمه بيته الخاص كهدية دون تجاوز ذلك القانون.
إن ما يقدمه القائمقام لمعلمه لا يختزل في كونه حلاً فردياً، بل هو محاولة لسداد دين رمزي عميق؛ دين المعرفة، ودين التربية، ودين الأثر الذي لا يمحوه الزمن. وكأن القصة تهمس بأن المعلم، وإن غاب عن حسابات الواقع، فإنه يبقى حاضراً في لحظات الحسم، حيث يتقدم الضمير على النص.
ومن ثم، تكشف القصة عن فجوة مؤلمة بين القيمة المعنوية للمعلم ومكانته الواقعية، لكنها في الوقت ذاته تفتح نافذة أمل، تؤكد أن الوفاء لا يزال ممكناً، وأن الإنسان قادر على إعادة التوازن بين القانون والرحمة.
وهكذا، لا يقف القانون دائماً عند حد النصوص الجامدة، بل ينحني أحياناً أمام نداء الضمير، حيث يستيقظ الوفاء في أعماق الإنسان. فقد أثبتت قصة "وفاء" أن الدين لا يُختزل في المال فحسب، بل يكون أثراً إنسانياً عميقاً، يظل كامناً حتى تحين لحظة سداده.
وفي المحصلة، فما بين القانون والوفاء، قد يبدو أحدهما منتصراً ظاهراً، غير أن الحقيقة الأعمق أن الإنسان، حين يُنصف، يعيد التوازن لكليهما معاً. فالقانون بلا رحمة يفقد روحه، والوفاء بلا موقف يظل شعوراً عابراً. أما حين يلتقيان، فإننا لا نكون أمام حدث عابر، بل أمام درس أخلاقي خالد.
وأخيراً، في المسافة الفاصلة بين القانون والوفاء، يقف الإنسان ممزقاً بين صوتين: صوت العدالة، وصوت الذاكرة. غير أن التجربة تكشف أن الوفاء الحقيقي لا يناقض العدالة، بل يكتمل بها. فالقانون ليس خصماً للوفاء، بل ميزاناً يختبر صدقه، والوفاء ليس فضيلة إلا إذا عبر بوابة المسؤولية.
وهكذا، في قصة "وفاء"، لا نقرأ حكاية سداد دين فحسب، بل نقرأ سيرة ضمير قاوم الانكسار، وظل يؤمن أن الإنسان، مهما أثقلته الحياة، لا يُقاس بما يملك، بل بما يفي به.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة/ في سراب الجغرافيا
- قصة قصيرة سفر بلا توقف
- جدلية الغياب والانتظار تأملات في قصة بلا ذرية للدكتور رمضان ...


المزيد.....




- مسئول إيراني: قواتنا المسلحة لن تمنح أمريكا إذن الحصار البحر ...
- (المثقف والسلطة/ القدرة المُحيّدة) جلسة حوارية فكرية في اتحا ...
- الإسكندرية تستقبل أفلامها القصيرة.. مسابقة خيري بشارة تكشف م ...
- -خط أحمر-.. مشاهير وفنانون يعبرون عن دعمهم للكويت
- وفاة أيقونة موسيقى الأفلام الهندية بعد مسيرة حافلة بأكثر من ...
- تقديرات إسرائيلية: الجولة القادمة مع إيران مسألة وقت وفشل في ...
- جامعة غزة المؤقتة: محاولة لإحياء المسيرة الأكاديمية من وسط ا ...
- الرباط.. إطلاق سلسلة دورات تكوينية حول -الطرق الخلاقة لإيصال ...
- ترامب يحتفل بعيد ميلاده الـ80 بنزال للفنون القتالية
- أدب الموانع.. -معلق- يوثق رحلة فلسطيني لاستعادة -الروح- بجوا ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين القانون والوفاء؛ تأملات في هاجس سداد الدين في قصة وفاء للدكتور رمضان علي عبود